Insight Image

«أذرع أردوغان»: كيف «تؤثر» الشبكات التركية في الداخل الأوروبي؟

07 يناير 2021

«أذرع أردوغان»: كيف «تؤثر» الشبكات التركية في الداخل الأوروبي؟

07 يناير 2021

في أعقاب جريمة مقتل أستاذ التاريخ الفرنسي صامويل باتي يوم 16 أكتوبر 2020، دخلت تركيا في حرب كلامية مع فرنسا من خلال العديد من التصريحات المستفزة، وظهر الرئيس التركي، أردوغان وكأنه مسؤولاً عن مسلمي فرنسا في مواجهة الحكومة الفرنسية، في الوقت الذي كانت فيه تركيا تخوض صراعات مع أوروبا تتعلق بالتنقيب عن الطاقة في شرق المتوسط والحقوق القبرصية واليونانية.

في ظل هذا التوتر، غير المسبوق في العلاقات التركية – الأوروبية، برزت على السطح قضية “التأثير التركي” في الساحة الأوروبية ومخاطره، ودأبت وسائل الإعلام الفرنسية والألمانية والنمساوية على التحذير من “شبكات أردوغان الأوروبية” وتأثيراتها الداخلية في هذه الدول. وبدا واضحاً أن الحكومة التركية تستخدم في مواجهة دول الإتحاد الأوروبي ما تملكه من أوراق استراتيجية ذاتية، وأوراق أخرى تملكها داخل المجتمعات الأوروبية نفسها تتمثل في طائفة من اللوبيات السياسية والدينية والمدنية تشكل شبكات تعمل لصالح تركيا وتستفيد في المقابل هذه الأخيرة من دعم مادي سخي وغطاء سياسي قوي.

وتسعى هذه الورقة إلى رسم خارطة لهذه الشبكات التي باتت تعتبرها تركيا جزءاً من سياستها الخارجية تجاه الغريم الأوروبي. كما تحاول تتبع السياقات التاريخية والسياسية لنشأة هذه الشبكات وآليات توظيفها من طرف حكومة حزب العدالة والتنمية التركي سواءً تجاه المجتمعات والحكومات الأوروبية أو لخدمة مصالحها الداخلية.

أولاً: النفوذ التركي في أوروبا

نجح حزب العدالة والتنمية ذي الميولات الإسلاموية في الوصول إلى السلطة في تركيا عام 2002، وشيئاً فشيئاً أخذت البلاد تتخلص من ثوبها القومي العلماني الذي وضعه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وتلبس جبة “الإسلاموية”، من خلال إعادة إحياء النزعة العثمانية – أي العثمانية الجديدة- وهو المصطلح الذي شاع لوصف السياسة الخارجية التي انتهجتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة، والذي يشير إلى عودة الوجود التركي في المساحات العثمانية السابقة من البلقان إلى الشرق الأوسط 1.

ورغم أن هذه السياسة الجديدة قد عبرت عن نفسها بشكل واضح مع تصاعد الاضطرابات في الشرق الأوسط في بداية ما عُرف بـ “الربيع العربي” التي اعتبرتها أنقرة فرصة لتوسيع نفوذها، فإن هذا الطموح “الإمبريالي العثماني الجديد” ما لبث أن تحول إلى نوع من الهوس الشخصي للرئيس التركي، عندما تجاوز الخرائط العثمانية القديمة نحو حلم “المسؤولية الروحية والسياسية على عموم المسلمين في العالم” في نموذج أقرب لـ “الخلافة”، سيما مسلمي الدول الغربية، باعتبارهم:

  • أولاً، يعيشون في دول ذات أغلبية غير مسلمة، حيث يسهل اللعب على ورقة “الأقليات”؛
  • وثانياً، أنهم يمكن أن يشكلوا بالنسبة له ولبلاده ورقة مهمة داخل المجتمعات الأوروبية للضغط على حكوماتها.

في هذا السياق دخلت حكومة حزب العدالة والتنمية منذ أكثر من عقد في برنامج لبناء شبكات تأثير سياسي وديني ومجتمعي في الداخل الأوروبي من خلال عدد من المنظمات ذات الطبيعة والأهداف المختلفة التي يمكن تناولها على النحو التالي:

أ- كيانات دينية:

يغلب الطابع الديني على هذه الكيانات التي تلعب دوراً مهماً في التواصل مع الجاليات التركية في الدول الأوروبية، ومن أبرزها:

  • الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية:

يشكل هذا الاتحاد الذراع الأوروبي لرئاسة الشؤون الدينية التركية “ديانات” التابعة لرئاسة الجمهورية في تركيا، ويتلقى تمويله من السلطات التركية بشكل مباشر، ويخضع إدارياً للحكومة التركية، وتتوزع فروعه في أغلب الدول الأوروبية التي تضم مسلمين من أصول تركية. ورغم أن فروع “الاتحاد” متواجدة في الدول الأوروبية منذ بداية الثمانينات لخدمة الجاليات التركية، إلا أنها تحولت في ظل حكم حزب العدالة والتنمية إلى آلة دبلوماسية موازية للدولة التركية لها دور مزدوج؛ إذ تسعى تركيا إلى فرض “الاتحاد” كممثل للإسلام الأوروبي من ناحية، وإلى الاستحواذ من خلاله على الجاليات المسلمة من ناحية أخرى، فمع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 بدأت حقبة من الاستثمار السياسي غير المسبوق في المؤسسات الدينية التركية2.

ويسيطر هذا الاتحاد على نحو 350 مسجداً من أصل 2,500 مسجد في عموم فرنسا، وتقوم رئاسة الشؤون الدينية التركية “ديانات” بتوظيف 151 إماماً تركياً في هذه المساجد الفرنسية وتدفع أجورهم مباشرة من تركيا. كما يتلقون تدريباً وتعليماً في مدارس دينية تركية. وتدير “ديانات” أيضا كلية للتعليم الديني في مدينة ستراسبورغ شرق فرنسا3. ويترأس فرع “الاتحاد” في فرنسا منذ عام 2005 الفرنسي من أصول تركية، أحمد أوغراس.

وقد ذكرت مجلة “ماريان” أحمد أوغراس في إحدى تحقيقاتها باعتباره “رجل له ارتباطات مرتبط مباشرة بعائلة أردوغان، من خلال عائلة زوجته أمينة، وعضو بارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم ويتلقى راتبه من السلطات التركية”. وقد نجح أوغراس بفضل الدعم التركي السخي في الوصول إلى رئاسة “مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا” عام 2017، وهو أعلى هيئة لتمثيل المسلمين في البلاد4.

إلى جانب فرنسا، ينتشر الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية في ألمانيا، إذ يتواجد في ثماني مقاطعات هناك، ويقوم بدفع رواتب أئمة المساجد الذين يتبعون للملحقيات الدينية في القنصليات التركية. كما يدير الإتحاد في ألمانيا أكثر من 960 مسجداً والمئات من الجمعيات الشبابية والنسائية والتعليمية في جميع أنحائها5. يسيطر الاتحاد أيضا في هولندا على نحو 147 مسجداً، وتحول خلال السنوات الأخيرة إلى مؤسسة مانحة تقدم تمويلاً للجمعيات الإسلامية هناك6.

  • حركة مللي جوروش:

تأسست حركة مللي جوروش ذات الطابع الديني السياسي في نهاية ستينات القرن الماضي على يد نجم الدين أربكان، وجاءت في سياق تاريخي تميز بالصراع بين تيار الإسلام السياسي والجمهورية العلمانية في تركيا. وقد عملت الحركة كذراع أوروبي لحزب النظام الوطني الإسلامي الذي أسسه أربكان في يناير 1971 كأول حزب إسلامي في تركيا منذ انهيار الخلافة العثمانية، حيث شكلت الساحة الأوروبية بيئة مناسبة لها لممارسة أنشطة التمويل والتجنيد، ومجالاً للعمل الآمن بعيداً عن الملاحقة الأمنية والقانونية في الداخل التركي. وقد تحولت الحركة بعد صعود أردوغان إلى السلطة إلى حركة داعمة للدولة التركية.

وينتمي إلى حركة مللي جوروش نحو 100 ألف عضو عامل في القارة الأوروبية، وتصفها المخابرات الألمانية بأنها “منظمة متطرفة”، وتضم تحت جناحها العديد من المنظمات الألمانية من بينها: اتحاد الجمعيات الإسلامية في برلين، واتحاد الجمعيات الإسلامية في مقاطعة نيدرساكس، واتحاد الجمعيات الإسلامية في بريمن، واتحاد الجمعيات الإسلامية في فستفاليا وغيرها. كما تشرف على عدد كبير من المساجد7 .

ويترأس فرع الحركة في فرنسا، فاتح ساريكير، أحد تلاميذ أربكان، حيث تسيطر على نحو 300 مركز إسلامي ومسجد8، بينها عشرة مراكز إسلامية في الحوض الباريسي. كما يشغل ساريكير منصب رئاسة الإتحاد الأوروبي للتعليم الإسلامي الذي يدير نحو 17 مدرسة ومعهداً في فرنسا9. وتملك الحركة أيضا إلى جانب شبكتها الدينية والتعليمية، شبكة أعمال تجارية واقتصادية مهمة في الحوض الباريسي وفي شرق البلاد تأسست منذ سنوات من خلال استقرار الجاليات المحافظة القادمة من الريف التركي10.

ب ـ كيانات سياسية ومدنية:

إلى جانب هذه الكيانات الدينية هناك مجموعة أخرى من الكيانات التي يغلب عليها الطابع السياسي المدني ومن بينها ما يلي:

  • اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين:

تأسست اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين عام 2004، وهو عبارة عن منظمة تقدم نفسها للجمهور كجمعية لـ ” تعزيز المشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية للأتراك في الاتحاد الأوروبي والمساهمة في عملية الاندماج في المجتمع الأوروبي”11؛ غير أن الواقع يكشف أن هذه المنظمة أقرب إلى لوبي يعمل لصالح حزب العدالة والتنمية الذي ساهم مالياً وإدارياً في تأسيسه، حيث يحظى أعضائه بلقاءات متواترة مع الرئيس أردوغان وبتغطية واسعة في وسائل الإعلام التركية الرسمية والحزبية القريبة من حزب العدالة والتنمية.

ويعمل الاتحاد في 17 دولة أوروبية وخاصة في فرنسا وألمانيا والنمسا، حيث كثافة الجاليات التركية. ووصف المكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في تقريره لعام 2017 اتحاد الديمقراطيين الأتراك بأنه “منظمة موالية لحكومة حزب العدالة والتنمية وتمارس الضغط من أجل مصالح الحزب على المستوى السياسي والاجتماعي. وتحاول ربط عدد من المنظمات ذات النفوذ وكذلك رموز سياسية عليا في تركيا بالهياكل التنفيذية المحلية في ألمانيا؛ وبهذه الطريقة يمكن أن تؤثر في تكوين رأي وسلوك الشتات التركي بشكل مباشر، ومن الممكن أيضًا أن تؤثر – بشكل غير مباشر – على عمليات صنع القرار السياسي في ألمانيا”12.

  • حركة الذئاب الرمادية:

تعتبر حركة الذئاب الرمادية بمثابة حركة قومية متطرفة، مرتبطة بحزب الحركة القومية التركي، حليف أردوغان في السلطة. تأسست هذه الحركة في ستينات القرن الماضي، لكنها أصبحت في السنوات الأخيرة تقترب من حكومة أردوغان، في تماهٍ مع خطابه الصدامي، خاصة ضد الأكراد والأرمن ومجموعات غولن13. وتنشط هذه الحركة بكثافة في ثلاث معاقل رئيسية هي ألمانيا وفرنسا والنمسا. وقد أعلنت فرنسا في 4 نوفمبر 2020، أنها ستحظر هذه الحركة إثر مظاهرات عنيفة في مدينة ليون في 30 أكتوبر 2020 اشتبكت فيها عناصر من الحركة مع مواطنين من الجالية الأرمنية وقاموا بتشويه نصب تذكاري عن الإبادة الجماعية للأرمن بالأحرف الأولى من اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان14. ولاحقاً وبالتحديد في 18 نوفمبر 2020، صادق البرلمان الألماني على طلب مشترك مُقدَّم للحكومة من أحزاب الائتلاف الحاكم والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، بدراسة إمكانية حظْر هذه الحركة داخل ألمانيا15.

  • مجلس العدل والمساواة والسلام الدولي:

يقدم هذا المجلس نفسه بوصفه “منظمة حكومية تعمل في مجال حقوق الإنسان والشباب والديمقراطية ومكافحة العنصرية والتمييز، وتهدف للمواطنة وإلى تعميق النقاش حول مكانة الأقليات في الدول الأوروبية لبناء مجتمع أكثر توحداً في إطار أوروبا الجديدة”. وتنتشر هذه المنظمة في 15 دولة أوروبية. إلا أن مجلة “الإكسبريس” الفرنسية تصفها في إحدى تحقيقاتها بأنها “منظمة تابعة لحزب العدالة والتنمية وتقدم مواقف مساندة لسياسات أردوغان في مواجهة الدول التي تعمل فيها”16.

  • حزب المساواة والعدالة في فرنسا:

تأسس هذا الحزب السياسي في فرنسا العام 2015 على يد ناشط إسلاموي يدعى شاكير كولاك، ويعد امتداداً لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. ويحمل الحزب برنامجاً إسلاموياً محافظاً، ويستهدف الجاليات التركية والإسلامية في فرنسا. وقد قال في شأنه وزير الداخلية الفرنسي، في إحاطة برلمانية نُشرت عام 2019، إنه حزب “يستلهم النموذج التركي ويروج له ولأفكار العداء للعلمانية والعداء للغرب”17؛ غير أن الحزب لا يملك قاعدة اجتماعية خارج الأقلية التركية الأمر الذي جعله يفشل في أغلب الاستحقاقات الانتخابية التي خاضها منذ تأسيسه.

ج. الشبكة الاقتصادية:

إلى جانب هذه الكيانات الدينية والسياسية، يمكن الحديث عن شبكة اقتصادية تركية ضخمة في أوروبا؛ فمنذ خمسينات القرن العشرين بدأت موجات الهجرة التركية في التدفق على المجال الأوروبي، وقد أدى تراكم أجيال الهجرة إلى تحسن في نوعية المهاجرين، ومع مرور الزمن ارتفعت مستويات معيشة هؤلاء المهاجرين وتحولت قطاعات واسعة منهم من العمل المأجور إلى تأسيس الأعمال. ومنذ التسعينات بدأت طبقة رأسمالية تركية في الصعود أوروبياً تعمل في قطاعات المطاعم والسفر والمصارف والمقاولات والمنسوجات وتوريد المواد الغذائية من البلد الأم، حيث راكمت رساميل ضخمة من خلال شبكة تضم أكثر من 100 ألف رائد أعمال من أصل تركي موزعين بين فرنسا والنمسا وبلجيكا ونصفهم في ألمانيا.

وفي غياب أرقام دقيقة حول نشاط الأتراك الاقتصادي في أوروبا، بسبب اعتبار الدراسات الأوروبية أنهم يحملون جنسيات الدول التي يعيشون فيها وبالتالي يتم وضع نشاطاتهم في خانة الإحصاءات الأوروبية المحلية، لا يمكن بناء صورة دقيقة لهذا النشاط. ولكن لابد من الإشارة إلى أن عدداً كبيراً من النشاطات التجارية التركية في أوروبا تديرها المؤسسات الدينية المرتبط رأسها بالنظام السياسي في أنقرة18.

 

ثانياً: آليات التوظيف

توظف حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، هذا الطيف الواسع من الكيانات، في اتجاهين رئيسيين الأول يتمثل في حشد هذه الكيانات للدفاع عن سياسة أنقرة الخارجية ومواقفها من بعض القضايا والأزمات، والثاني يتمثل في حشد هذه الكيانات لدعم أردوغان وحكومته في الداخل التركي.

أ- دعم السياسة الخارجية التركية:

تستخدم تركيا هذه الكيانات للضغط على صناع القرار في الداخل الأوروبي، أو لبناء علاقات منفعية مع الفاعلين الأوروبيين والنخب المالية والحزبية، وكذلك لكسب التأييد لسياسات أردوغان وحزبه. وقد تجلى هذا بوضوح خلال الأزمات الديبلوماسية التي عاشتها أنقرة تباعاً مع كل من ألمانيا وفرنسا والنمسا في الآونة الأخيرة.

وقد قادت المنظمات الموالية لتركيا في السنوات الأخيرة حملات ضغط واسعة النطاق ضد أي محاولات تشريعية أوروبية لإصدار قوانين تجرم إنكار الإبادة الجماعية للأرمن؛ ففي العام 2012 دعا “اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين” نحو 15 ألف تركي للتظاهر عشية تصويت البرلمان الفرنسي على قانون يجرم إنكار الإبادة19. وتصدى خلال الأشهر القليلة الماضية “مجلس العدل والمساواة والسلام الدولي” بقوة للصحف والمؤسسات الفرنسية التي عبرت عن سخطها من التدخل التركي في شؤون مسلمي فرنسا بعد تصريحات الرئيس أردوغان “حول الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في فرنسا” 20.

كما توظف أنقرة الكيانات الأوروبية الدينية التابعة لها في السيطرة على الجاليات المسلمة، وذلك في إطار توجهات أردوغان، باعتباره “مسؤولاً على كل المسلمين”. وقد بدأت في السنوات الأخيرة بتحقيق نجاحات من خلال التحالف مع “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا” الفرع الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي يسيطر على قطاعات واسعة من الجاليات المغاربية المسلمة وعلى عدد كبير من المساجد والجمعيات في مختلف الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.

وتناغماً مع سياسات أنقرة الراغبة في تعزيز تأثيرها داخل القارة الأوروبية باستخدام ورقة الجاليات التركية والإسلامية، يقاوم “الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية” السياسات الأوروبية الساعية إلى منع تدخل الدول الأجنبية في شؤون مسلمي القارة، وإلى صياغة “إسلام أوروبي” بعيداً عن وصاية الدول الأصلية، حتى أن رجل تركيا القوي في باريس، أحمد أوغراس، قد شن هجوماً واسعاً ضد مقترح الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون الذي طرحه في 2018 حول “إعادة تعريف العلاقات بين الإسلام والدولة والتوجه نحو إسلام فرنسي دون وصاية خارجية”، حيث وصف أوغراس ذلك بـ “وصاية الدولة”، معتبرًا أن “الديانة الإسلامية هي عقيدة؛ ولذلك فهي تهتم بشؤونها الخاصة”21؛ مع أن أوغراس نفسه على رأس اتحاد يمثل الإسلام الرسمي ذي الوصاية التركية.

وتستفيد الكيانات الموالية لتركيا في أوروبا من مناخات حرية الحركة والنشاط التي توفرها التشريعات الأوروبية، في تعقب خصوم الرئيس أردوغان وأعدائه، وخاصة الأكراد والأرمن. وقد ارتفعت وتيرة الملاحقة في أعقاب المحاولة الانقلابية في العام 2016، حيث انضم إلى معسكر الأعداء المفترضين “حركة غولن”، إذ بدأت الكيانات الموالية لـ أنقرة في الضغط على الحكومات الأوروبية لإغلاق مدارس وجمعيات تابعة للحركة.

في هذا الصدد، كشف تقرير للمكتب الاتحادي الألماني لحماية الدستور (المخابرات الألمانية) في عام 2018 عن اشتباهه في عمليات تجسس على معارضي أردوغان قام بها أئمة مساجد تابعون لـ “الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية”22؛ وفي سبتمبر 2020 اعترف التركي فياز أو، وهو عميل يعمل في جهاز المخابرات التركية (ميت)، للسلطات النمساوية بأنه تلقى أوامر في أغسطس بقتل بيريفان أصلان، وهي سياسية كردية نمساوية وعضو في حزب الخضر النمساوي23.

ولعل أبرز مثال على توظيف الكيانات الموالية في التعامل مع قوى المعارضة التركية وأعداء أردوغان، هي حركة “الذئاب الرمادية” التي ظهرت بقوة في سياق صراع تركي فرنسي، في أعقاب هجمات نيس في أكتوبر 2020 لتفتعل صراعاً مع الجاليات الأرمنية في مدينة ليون، وقد دأبت على الظهور وسط التظاهرات الكردية وافتعال أعمال العنف.

ب- دعم أردوغان وحكومته في الداخل التركي:

تلعب الكيانات الموالية لتركيا في أوروبا، إلى جانب أدوارها المؤثرة في الدول التي تعمل داخلها، دوراً كبيراً في دعم أردوغان وحكومته داخل البلاد، من خلال:

  • الدعم السياسي:

تقدم هذه الكيانات دعماً سياسياً كبيراً للرئيس أردوغان وحزبه لا سيما خلال الاستحقاقات الانتخابية، حيث تعمل من خلال منابرها الدينية والإعلامية والتجارية على حشد الدعم الانتخابي خلال مختلف الاستحقاقات، لصالح حزب العدالة والتنمية وحكومته، خاصة بعد أن أصبح للمواطنين الأتراك في الخارج حق التصويت؛ فعلى سبيل المثال، هناك 700 ألف شخص من أصل تركي في فرنسا، يشارك منهم في الانتخابات التركية 320 ألف شخص، تميل غالبيتهم إلى تأييد حزب العدالة والتنمية. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2014، فاز أردوغان بنسبة 66% من أصوات الأتراك في فرنسا، مقارنةً بـ 51.79% في تركيا24. وخلال معركة التعديلات الدستورية التي أصبح بفضلها أردوغان رئيساً، صوت الأتراك في فرنسا لصالح التعديل الدستوري بنسبة 63.2%. كما صوت 71.2% من الأتراك في هولندا لصالح التعديل، في المقابل رفضت أكبر المدن التركية، أي إسطنبول وأنقرة وإزمير هذا التعديل25؛ أي أن أردوغان أصبح يرى في الجاليات التركية في أوروبا، خزاناً انتخابياً مهماً يمكن أن يحميه من انتكاسات الداخل المتقلب.

  • الدعم الاقتصادي:

 يحاول الرئيس التركي السيطرة على الجاليات التركية والأوروبيين من أصول تركية باعتبارهم أحد مصادر الدعم المالي للدولة التركية وخاصة لحزب العدالة والتنمية، حيث تساهم تحويلات العمال الأتراك ورجال الأعمال الذي استقروا في القارة الأوروبية منذ عقود في دعم الاقتصاد التركي الذي يعاني من مشاكل بنيوية عميقة منذ سنوات.

وقد بلغت، في هذا السياق، التحويلات المالية لأتراك الخارج إلى البلاد خلال عام 2019 نحو 1.659 مليار دولار دون اعتبار تحويلات الشركات ذات الأصول التركية26. وقد ساعدت الشبكة المصرفية التركية المنتشرة في دول أوروبا الغربية الأتراك على تحويل الأموال نحو الداخل بسهولة، حيث توجد حوالي 176 مؤسسة مصرفية تركية في المدن الأوروبية، من بينها بنوك تابعة للقطاع العام ومرتبطة بالبنك المركزي التركي الذي يملك فروعاً في فرانكفورت وبرلين ولندن27.

 وكان البرلمان التركي قد أصدر عام 2009 قانوناً لتشجيع الأتراك في الخارج بجلب أموالهم للمساعدة في التخفيف من آثار الأزمة المالية العالمية. وفي عام 2012 أصدر البرلمان تشريعًا جديدًا للعفو يقدم حوافز ضريبية على الأموال المعادة. بموازاة ذلك تكونت في السنوات الأخيرة طبقة من البرجوازية التركية في ألمانيا وفرنسا، استفادت في مراكمة رساميل وفيرة من تحالفات أردوغان الخارجية وأساساً مع قطر والفروع الخارجية لجماعة الإخوان المسلمين وماليزيا.

ثالثاً: الردّ الأوروبي

أدى توتر العلاقات بين تركيا والإتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة بشأن ملفات عديدة أهمها الصراع على غاز شرق المتوسط وملف اللاجئين السوريين إلى تصاعد الإجراءات الردعية الأوروبية تجاه الأذرع التركية في الداخل الأوروبي، وخاصة في فرنسا وألمانيا والنمسا.

ففي نوفمبر 2020 قررت الحكومة الفرنسية حلّ حركة الذئاب الرمادية المتطرفة بتهمة ارتكاب أعمال عنف، وفي الشهر نفسه سمح البرلمان الألماني بدراسة طلب لحظر الحركة تقدم به نواب من أحزاب الائتلاف الحاكم والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، حيث اتهمت المخابرات الألمانية الحركة بأن لها علاقات بحزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان28.

وفي ديسمبر 2020 أقر مجلس الوزراء الفرنسي قانون لمقاومة التطرف الإسلاموي، تم بموجبه فرض مراجعات ضريبية وتدقيق على التمويلات الأجنبية للمساجد والجمعيات الإسلامية مما سيحد من الدعم السخي الذي تنفقه أنقرة على شبكتها الدينية. كما يمنع القانون الجديد تدريب أئمة المساجد خارج نطاق الإتحاد الأوروبي وبالتالي سيتم إيقاف الاتفاقيات الموقعة بين أنقرة وباريس حول استقدام الأئمة الأتراك سنوياً للعمل في المساجد الفرنسية كما سيتم تقييد استقدام المعلمين، وهو أمر سيجعل نشاطات تركيا الدينية في فرنسا – وهي مركز نشاط مهم – على المدى المتوسط تشكوا عجزاً على مستوى الكوادر والموارد البشرية29.

أما النمسا فقد كانت أكثر الدول الأوروبية وعياً بالنشاطات التركية الخلفية، حيث منعت منذ العام 2018 الحملات الانتخابية التركية على أراضيها، متهمةً أردوغان بــ “استغلال المجتمعات ذات الأصول التركية في أوروبا منذ سنوات كثيرة”30؛ وفي العام نفسه قامت السلطات النمساوية بإغلاق سبعة مساجد تابعة للجاليات التركية وطردت عدد من الأئمة الذين تقول إنهم “ممولين من بلدان أجنبية”، وذلك في أعقاب تحقيق أجرته هيئة الشؤون الدينية في عدة مساجد تدعمها تركيا في فيينا، حيث طُرد 60 إماماً بينهم 40 تابعين للجمعية الإسلامية في النمسا المقربة من الحكومة التركية31.

خلاصة

شكلت الهجمات الإرهابية الأخيرة التي هزت القارة الأوروبية وما رافقها من سياسات تركية “معادية”، نقطة تحول جعلت الأوروبيين عازمين هذه المرة على مواجهة شاملة مع المحاولات التركية لاختراق مجالهم الداخلي، مجتمعياً وسياسياً. وتعد الاستفاقة الثلاثية الأخيرة: فرنسا والنمسا وألمانيا، مؤشر مهم على هذا التحول. ورغم هذه الإجراءات، التي تحمل أغلبها طابعاً أمنياً وقضائياً، إلا أن السياسات الأوروبية تجاه الاختراقات التركية تبقى دائماً رهينة ردود الأفعال، دون أن تتحول إلى سياسات استراتيجية واضحة، باستثناء القانون الفرنسي الجديد، الذي يمكن أن يشكل قاعدة قانونية صلبة تمكن السلطة التنفيذية من تفكيك الشبكات التركية على المدى البعيد، لكن ذلك سيبقى دائماً رهن العلاقات التركية الأوروبية وتحولاتها المتقلبة.

 


المصادر

(1)- للمزيد حول العثمانية الجديدة وتحولاتها:

Dorothée SCHMID – Turquie : du kémalisme au Néo-ottomanisme – la revue Questions internationales (janvier/février 2017)    https://bit.ly/2IrkBgU

(2) – Öztürk, Ahmet Erdi. Gözaydın, İştar. (2020) Boundaries of Religious Freedom: Regulating Religion in Diverse Societies Religion and Prison: An Overview of Contemporary Europe. DOI : 10.1007/978-3-030-36834-0_24

https://journals.openedition.org/ejts/5944

(3)- للمزيد حول التأثير التركي في الوسط الديني الفرنسي تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي يوليو 2020:

Rapport de la commission d’enquête sur les réponses apportées par les autorités publiques au développement de la radicalisation islamiste et les moyens de la combattre – 9 juillet 2020.

https://bit.ly/36Wv6m0

(4) – Martine Gozlan – Les réseaux d’Erdogan en France – Marianne- Publié le 06/01/2017

https://bit.ly/37RuRbc

(5)- الموقع الرسمي للفرع الألماني للإتحاد:   https://www.ditib.de/default.php?id=5&lang=de

 (6)- الموقع الرسمي للفرع الهولاندي للإتحاد:     https://diyanet.nl/kurumsal/faaliyetler/

 (7)-  محمد خلف، الجماعة الغامضة.. الإخوان المسلمون في أوروبا3/3 .. جماعة “رؤيا الملة” في ألمانيا، موقع درج، 30 مايو 2018. https://daraj.com/5343/

(8)- Mélinée Le Priol – Milli Görüs, quand l’islam politique turc prend pied en France – 06/11/2020 – https://bit.ly/3m1Ngqt

(9) – L’union faisant la force et face à un besoin d’organisation entre établissements privés musulmans, l’Union pour les Établissements Privés Musulmans (U.E.P.M) a été créée en 2016.

https://www.ueepm.fr/etablissements/

(10) – Anna Amelina and Thomas Faist, « Turkish Migrant Associations in Germany: Between Integration Pressure and Transnational Linkages », Revue européenne des migrations internationales [Online], vol. 24 – n°2 | 2008, Online since 01 November 2011, connection on 04 January 2021. URL : http://journals.openedition.org/remi/4542 ; DOI : https://doi.org/10.4000/remi.4542.

(11)- الموقع الرسمي للمنظمة https://u-i-d.org/hakkimizda/#

(12)- تقرير المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) للعام 2017:

https://www.verfassungsschutz.de/embed/vsbericht-2017.pdf

(13) – David Pauget – Qui sont les Loups gris, ce mouvement ultranationaliste turc dissous par le gouvernement en Conseil des ministres ?

https://bit.ly/33WWHkZ

(14) – Mélinée Le Priol – Les Loups gris, ultranationalistes turcs : sans les voir, « on sait qu’ils sont là »

https://bit.ly/2VSw1xh

(15) – Le Figaro – Allemagne : les députés réclament l’interdiction des «Loups gris» https://bit.ly/3qCRclh

(16) – Agnès Laurent avec Paul Conge-  Comment Erdogan infiltre la diaspora turque en France.

https://bit.ly/39TbeBW

(17)- إحاطة برلمانية لوزير الداخلية الفرنسي رداً على طلب من النائب عن الحزب الشيوعي يير أوزولياس حول نشاطات حزب العدالة والمساواة، نشرت في موقع نشرت في محفظة مجلس الشيوخ بتاريخ 15/05/2019 – الصفحة 6315: https://www.senat.fr/questions/base/2019/qSEQ19040777S.html

(18) – Paul Dumont, Jean-François Pérouse, Stéphane de Tapia : Migrations et mobilités internationales : la plate-forme turque –  Immigrations turques en Europe : typologies des espaces et des réseaux –  p. 30-77 – Institut français d’études anatoliennes.

https://books.openedition.org/ifeagd/248?lang=fr

 (19) – Génocide arménien : 15000 manifestants d’origine turque à Paris – https://bit.ly/3gp5UYt

(20) – بيان صادر عن المجلس – وكالة الأناضول – https://bit.ly/33UsFhY

(21) – Macron promet une réforme de l’organisation de l’islam en France – https://bit.ly/3n02JZt

(22) الاستخبارات التركية توسع نشاطها في ألمانيا، صحيفة العرب الدولية، 1/12/2018 https://bit.ly/33WfEnP

(23) كشف مخطّط للمخابرات التركية لاغتيال سياسية كردية نمساوية، صحيفة أحوال تركية، 24/09/2020، https://bit.ly/37JpQRK

(24) – Agnès Laurent avec Paul Conge-  Comment Erdogan infiltre la diaspora turque en France.

https://bit.ly/39TbeBW

(25)- كيف ساهم أتراك ألمانيا في فوز أردوغان؟      https://www.turkpress.co/node/33349

(26)- قاعدة بيانات البنك الدولي:

https://data.albankaldawli.org/indicator/BM.TRF.PWKR.CD.DT?locations=TR

(27) – Paul Dumont, Jean-François Pérouse, Stéphane de Tapia : Migrations et mobilités internationales : la plate-forme turque –  Immigrations turques en Europe : typologies des espaces et des réseaux –  p. 30-77 – Institut français d’études anatoliennes.

https://books.openedition.org/ifeagd/248?lang=fr

(28)- اقتداءً بفرنسا… ألمانيا تدرس حظر “الذئاب الرمادية” التركية، موقع  DW عربية، 18/11/2020  https://cutt.us/a4bkY

(29)- الحكومة تعرض نسخة جديدة من مشروع قانون ضد التطرف، فرانس 24 ، 09/12/2020 https://cutt.us/VnkFt

(30)- النمسا تمنع الحملات الانتخابية التركية على أراضيها ، ميدل ايست أونلاين ، 20/04/2018، https://cutt.us/FwCy

(31)- قرار النمسا اغلاق 7 مساجد يثير غضبا في تركيا، بي بي سي عربية ، 08/06/2018

https://www.bbc.com/arabic/world-44411194

المواضيع ذات الصلة