Insight Image

الاحتجاجات الشعبية وتحولات السياسة والحكم في إيران

11 يناير 2026

الاحتجاجات الشعبية وتحولات السياسة والحكم في إيران

11 يناير 2026

الاحتجاجات الشعبية وتحولات السياسة والحكم في إيران

تدخل إيران مطلع عام 2026 مرحلة سياسية دقيقة تُعَدُّ من بين الأكثر حساسية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، في ظل تحديات داخلية تتزامن مع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة. فقد جاءت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر ديسمبر 2025 لتعكس حالة من التوتر المتراكم في العلاقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، في سياق يتسم بتعقيدات اقتصادية واجتماعية ممتدة، وتغيرات ملموسة في المزاج العام.

ولا يمكن النظر إلى هذه الاحتجاجات بوصفها مجرد امتداد تقليدي لمطالب معيشية أو اقتصادية، إذ تشير طبيعتها وتركيبتها إلى تحولات أعمق في أنماط التعبير السياسي والاجتماعي. فقد اتسمت هذه الموجة بتنوع غير مسبوق في الفاعلين المشاركين فيها، إذ شمل فئات اقتصادية تقليدية مثل تجار البازار، إلى جانب حضور لافت لجيل شبابي جديد تتباين أولوياته وتصوراته السياسية عن الأجيال السابقة. كما اتسع النطاق الجغرافي للاحتجاجات ليشمل مناطق متعددة، بما في ذلك الأطراف والمناطق الحدودية، وهو ما أضفى على المشهد درجة أعلى من التعقيد.

وتتزامن هذه التطورات الداخلية مع بيئة إقليمية ودولية مضطربة، تتسم بتصاعد التوترات في الإقليم، ولاسيّما في ظل الحديث المتزايد عن احتمالات المواجهة مع إسرائيل، إلى جانب عودة خطاب أمريكي أكثر تشددًا تجاه طهران مع وصول الرئيس دونالد ترامب مجددًا إلى السلطة. ويضع هذا التزامن صانع القرار الإيراني أمام تحديات مركبة تتطلب إدارة متوازنة للملفات الداخلية والخارجية في آن واحد، في ظل محدودية الهوامش المتاحة للمناورة.

في هذا الإطار، تسعى هذه الورقة إلى تحليل ديناميات الاحتجاجات الراهنة في إيران، وبيان أوجه اختلافها عن موجات سابقة من التعبير الاحتجاجي، مع تقييم مقاربات الدولة في التعامل معها على المستويين السياسي والمؤسسي. كما تحاول الورقة استشراف السيناريوهات المحتملة لمسار السياسة والحكم في البلاد، في ضوء توازنات القوة الداخلية، وتأثير العوامل الخارجية، والتحديات المرتبطة بغياب بدائل سياسية واضحة وقادرة على تشكيل إجماع وطني واسع. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن إيران تمر بمرحلة انتقالية معقدة، حيث يظل الحفاظ على الاستقرار ممكنًا، وإن كان ذلك مرهونًا بتكلفة سياسية واقتصادية متزايدة، وبقدرة النظام على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية المتسارعة.

تشخيص الوضع الراهن

بدأت موجة الاحتجاجات الشعبية في إيران في 28 ديسمبر 2025 بإضراب نفّذه تجار بازار طهران، في تطور لافت عكس مستوى التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ولاسيّما في ظل التراجع الحاد في سعر صرف العملة وتأثيراته على القدرة الشرائية للمواطنين. ولم تلبث هذه التحركات أن اتسعت رقعتها، لتشمل ما لا يقل عن 27 محافظة من أصل 31، من بينها محافظة كردستان في شمال غرب البلاد، وتمتد إلى أكثر من 100 مدينة، بما في ذلك العاصمة طهران. ومنذ السابع من يناير، لوحظ تصاعد تدريجي في وتيرة الاحتجاجات واتساع نطاقها، سواء في المدن الكبرى أو في المناطق الطرفية، بما يشير إلى انتشارها على مستوى وطني واسع.

ومع اتساع المشاركة، شهدت المطالب المطروحة تحولًا تدريجيًّا، حيث انتقلت من التركيز على القضايا الاقتصادية والإصلاحية إلى طرح تساؤلات سياسية أوسع تتعلق بإدارة الشأن العام ومستقبل النظام السياسي. وتُعَدُّ هذه التحركات من حيث الانتشار من أبرز موجات الاحتجاج، منذ احتجاجات عام 2022 المعروفة بـ«حراك مهسا أميني»، وإن كانت لا تصل من حيث الحجم أو الزخم إلى بعض المحطات الاحتجاجية السابقة، مثل احتجاجات ما بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009 أو احتجاجات عام 2019 المرتبطة بقرار رفع أسعار الوقود.

وتبرز أهمية هذه الموجة الاحتجاجية ليس من خلال مقارنتها العددية بسابقاتها، بل من خلال اتساع نطاقها الجغرافي وتزامنها مع تحديات اقتصادية وسياسية معقدة، إضافة إلى محدودية الخيارات المتاحة لمعالجة الأزمة في المدى القصير. وفي هذا السياق، أشار الرئيس مسعود بزشكيان إلى صعوبة التوصل إلى حلول سريعة للأزمة الراهنة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة في التعامل مع هذه التطورات[1].

ومنذ مطلع يناير، سجلت بعض المناطق، ولاسيّما الأقل كثافة سكانية، مستويات أعلى من التوتر، اتخذت أشكالًا متعددة من الاحتكاك بين المحتجين والقوى الأمنية، إلى جانب أعمال إضراب وتوقف عن العمل في عدد من القطاعات. كما شهدت بعض المدن أعمال تخريب محدودة طالت منشآت عامة، واستخدام وسائل احتجاجية أكثر حدة من قِبَل مجموعات من المتظاهرين. وفي هذا السياق، دعت عدة تنظيمات سياسية كردية، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، إلى إضراب عام في 8 يناير، تعبيرًا عن موقفها من تطورات المشهد الميداني. من جانبها، أشارت وسائل إعلام رسمية، من بينها وكالة فارس للأنباء، إلى أن بعض الاضطرابات في المحافظات الغربية اتسمت بدرجة من التنظيم، وخرجت في بعض الحالات عن الطابع الاحتجاجي التقليدي.

لماذا تختلف الاحتجاجات هذه المرة في إيران عن سابقاتها؟

تتسم الاحتجاجات الراهنة بخصوصية ملحوظة عند مقارنتها بموجات الأعوام 2009 و2019 و2022، إذ تبدو نتاجًا لتراكم عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية تفاعلت في توقيت واحد. وهي، بهذا المعنى، لا تعبّر فقط عن ضغوط معيشية آنية، بل تعكس تداخل تحديات هيكلية مع مطالب سياسية أوسع، ما يمنحها وزنًا خاصًّا من حيث دلالاتها المحتملة على مسار الاستقرار الداخلي.

ومن أبرز أوجه الاختلاف في هذه الموجة طبيعة نقطة انطلاقها، حيث لعب تجار البازار دورًا محوريًّا في بدايتها. ويُعَدُّ البازار تاريخيًّا أحد الفاعلين المؤثرين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في إيران، وغالبًا ما ارتبط بدور محافظ في المجال العام. غير أن التطورات الاقتصادية الأخيرة، وما رافقها من ضغوط على النشاط التجاري، دفعت هذه الفئة إلى التعبير عن مخاوفها بوسائل احتجاجية، في إطار إعادة تقييم لتكاليف الاستمرار في الوضع القائم مقارنة بخيارات أخرى متاحة.

وقد أسهم انخراط البازار في تشجيع فئات اجتماعية أخرى على الانضمام إلى الحراك، حيث شهدت بعض الجامعات إضرابات تضامنية، ما أوجد تلاقيًا نادر الحدوث بين قطاعات اقتصادية وأكاديمية. ويُضفي هذا التداخل بُعْدًا إضافيًّا على المشهد الاحتجاجي، نظرًا لما يحمله من تنوع في الخلفيات الاجتماعية والمهنية للمشاركين، وهو ما يزيد من تعقيد عملية التعامل مع مطالبهم ضمن مقاربة واحدة.

في الوقت ذاته، يبرز حضور الجيل الشاب، ولاسيّما المنتمين إلى ما يُعرف بـ«جيل زد»، بوصفه عنصرًا فاعلًا في هذه الاحتجاجات. ويعكس انخراط هذا الجيل تحولًا في أساليب التعبير الاحتجاجي وأولوياته، إذ يتجاوز التركيز على القضايا الاقتصادية إلى طرح تساؤلات أوسع حول المشاركة السياسية ومستقبل الحكم. ويضع هذا الواقع صانعي القرار أمام معادلة دقيقة، تتطلب الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار وتفادي تَوَسُّع دائرة التوتر، في ظل حساسية التعامل مع فئات اجتماعية ذات ثقل اقتصادي وشبابي.

وعلى خلاف احتجاجات عام 2009، التي تركزت بدرجة كبيرة في العاصمة وبعض المراكز الحضرية الكبرى، تتسم الاحتجاجات الحالية باتساعها الجغرافي، إذ تشمل عددًا كبيرًا من المحافظات والمدن. كما تلعب بعض المناطق الحدودية ذات الخصوصيات القومية دورًا ملحوظًا في استمرارية الحراك، وهو ما يضيف أبعادًا إضافية للتحديات المرتبطة بإدارته واحتوائه ضمن إطار وطني جامع.

كذلك تختلف هذه الموجة من حيث تركيبتها الاجتماعية، إذ لا تقتصر على فئة بعينها، بل تضم مزيجًا من التجار والطلاب والعمال والشباب، ما يعكس طابعًا عابرًا للطبقات والفئات. ويَحُدُّ هذا التنوع من إمكانية تفسير الاحتجاجات من خلال عامل واحد أو توجيه خطاب مخصص لفئة محددة، ويعزز الحاجة إلى مقاربات أكثر شمولية في التعامل معها.

ومن التطورات اللافتة بروز نقاشات علنية حول بدائل سياسية محتملة، من بينها الحضور الإعلامي والسياسي المتزايد لرضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، ودعمه العلني للاحتجاجات. وقد تجلّى ذلك في شعارات رُفعت خلال بعض التظاهرات، لاسيّما في طهران. ومع ذلك، يبقى حجم التأييد الفعلي لمثل هذه الطروحات محل نقاش، وقد يعكس في جانب منه تعبيرًا ظرفيًّا عن حالة من السخط أو البحث عن رموز بديلة، دون أن يرقى بالضرورة إلى إجماع واضح حول نموذج سياسي محدد.

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق إقليمي ودولي معقّد، يتسم بارتفاع منسوب التوترات الخارجية. إذ تتزامن التطورات الداخلية مع مخاوف من تصعيد عسكري محتمل في الإقليم، ما يفرض على صانع القرار الإيراني التعامل المتوازي مع تحديات داخلية وخارجية. ويكتسب هذا التزامن أهمية خاصة في ضوء الحسابات الاستراتيجية التي طالما منحت أولوية لتجنب الضغوط المتزامنة على أكثر من جبهة.

ويزداد هذا المشهد تعقيدًا في ظل التطورات الأمنية التي شهدتها إيران في الأشهر الماضية، بما في ذلك تبادل الضربات بين إيران وكُلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب التصريحات الأمريكية الأخيرة التي ألمحت إلى خيارات تصعيدية إضافية. ويضيف ذلك بُعْدًا استراتيجيًّا حسّاسًا إلى المشهد العام، ويضاعف من حجم التحديات المرتبطة بإدارة المرحلة الراهنة على المستويين الداخلي والخارجي.

استجابة النظام الإيراني

اتجهت السلطات الإيرانية إلى تبنّي مقاربة أكثر حزمًا في التعامل مع الاحتجاجات، مع تأكيد متكرر من كبار المسؤولين على التمييز بين الاحتجاج السلمي وبين ما تصفه الدولة بأعمال الشغب أو التخريب. ففي خطاب ألقاه المرشد الأعلى علي خامنئي في 4 يناير، أشار إلى أن الاحتجاج -بوصفه تعبيرًا عن الرأي- يختلف عن الشغب[2]، معتبرًا أن التعامل مع من يندرجون في الفئة الثانية يتطلب إجراءات رادعة. وصدرت مواقف مماثلة عن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، الذي شدد على ضرورة تحرك قضائي صارم بحق المتورطين في أعمال تخريب، وكذلك عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء عبد الرحيم موسوي، الذي أكد استعداد قوات إنفاذ القانون للتعامل بحزم مع هذه التطورات بدعم شعبي.

وفي 9 يناير، جدد المرشد الأعلى التأكيد على أن الدولة لن تتراجع أمام موجة الاحتجاجات، مشيرًا إلى أن الحكومة ستتعامل بحزم مع ما تعتبره أعمالًا تخريبية، وربط بعض هذه التحركات بتأثيرات خارجية. ويعكس هذا الموقف انتقال الخطاب الرسمي من محاولة الفصل بين فئات مختلفة من المشاركين في الاحتجاجات إلى لهجة أكثر تشددًا، في ضوء اتساع رقعة التظاهرات واستمرارها.

ولم تقتصر هذه اللهجة على المرشد الأعلى، إذ أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي عدم التساهل مع من يُشتبه بتورطهم في أعمال عنف أو تخريب، فيما أشار المدعي العام في طهران علي صالحي إلى أن بعض القضايا المرتبطة بالاشتباكات وأعمال الإضرار بالممتلكات قد تُحال إلى القضاء وفق القوانين المعمول بها، مع التلويح بعقوبات مشددة [3].

ويبدو أن السلطات تنظر إلى الاحتجاجات الحالية بوصفها تحديًا أمنيًّا معقدًا، ما دفعها إلى توسيع نطاق الإجراءات المتخذة للتعامل معها. وفي هذا الإطار، جرى الاستعانة بالقوات البرية للحرس الثوري الإسلامي في بعض المناطق، ولاسيّما في إحدى المحافظات ذات الغالبية الكردية، وهي خطوة نادرة تعكس تقديرًا رسميًّا لحساسية الوضع في هذه المناطق. وعادة ما يُنظر إلى هذا النوع من الانتشار على أنه إجراء يُستخدم في الظروف التي تُعَدُّ أكثر تعقيدًا من حيث الأمن والاستقرار.

وقد يشير هذا التطور أيضًا إلى وجود ضغوط تشغيلية على الأجهزة الأمنية المحلية، أو إلى إعادة تقييم لطبيعة الاحتجاجات من حيث نطاقها وانتشارها. وتشير بعض التقارير إلى أن قوات إنفاذ القانون وقوات الباسيج واجهت تحديات لوجستية وبشرية في تغطية العدد الكبير من بؤر الاحتجاج، ما استدعى دعمًا إضافيًّا من الحرس الثوري لضمان السيطرة على الأوضاع.

ويُحتمل أن يكون التوسع الجغرافي السريع للاحتجاجات، سواء في المدن الكبرى أو في المحافظات الطرفية، قد تجاوز القدرة التقليدية للأجهزة الأمنية على الاستجابة المتزامنة، كما ظهر في بعض المناطق مثل محافظة كرمنشاه، الأمر الذي فرض على الدولة تنويع أدواتها الأمنية.

إلى جانب ذلك، لجأت الحكومة إلى فرض قيود مؤقتة على خدمات الإنترنت والمكالمات الدولية، وفق ما أفادت به مجموعة مراقبة الإنترنت «نتبلوكس»، بهدف الحد من انتشار الاضطرابات وتنظيم تدفق المعلومات. كما جرى تعليق بعض الرحلات الجوية، وأصبح الوصول إلى عدد من المواقع الإخبارية المحلية أكثر صعوبة. ويُنظر إلى هذه الإجراءات بوصفها جزءًا من أدوات إدارة الأزمات التي تعتمدها الدولة في فترات التوتر الداخلي، وتعكس مستوى القلق الرسمي من تطورات المشهد، ولاسيّما في ظل تجارب سابقة شهدت إجراءات مماثلة خلال فترات احتجاج واسعة.

الكلفة البشرية للاحتجاجات وتصاعد العنف

تشير التقارير الميدانية إلى تصاعد ملحوظ في الخسائر البشرية والاعتقالات المرتبطة بالاحتجاجات. فقد بلغ عدد قتلى المحتجين نحو 45 شخصًا، فيما أصيب العشرات، وتم اعتقال أكثر من ألفي متظاهر، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية ومقرها الولايات المتحدة. كما لقي أربعة من عناصر قوات الأمن مصرعهم، بينهم عنصران من الحرس الثوري، فيما أصيب مئات آخرون من رجال الشرطة وعناصر الباسيج منذ اندلاع الاحتجاجات، بحسب وكالة فارس للأنباء. وأفادت وكالة “تسنيم” للأنباء بأن عدد رجال الشرطة المصابين ارتفع إلى 568 فردًا، في حين بلغ عدد المصابين من قوات التعبئة الشعبية (الباسيج) 66 عنصرًا [4].

وفي هذا الخصوص، يُذكر أن جبهة المقاتلين الشعبيين (MPF)، وهي ائتلاف يضم جماعات بلوشية معارضة للنظام، هذه الجبهة أصدرت بيانًا أعلنت فيه دعمها للاحتجاجات بوصفها رَدًّا مشروعًا على “الضغوط المعيشية الشديدة والتمييز البنيوي”، بقتل أحد عناصر قيادة إنفاذ القانون الإيرانية بمحافظة سيستان وبلوشستان في 7 يناير الجاري، وذلك رَدًّا على القمع العنيف الذي يمارسه النظام ضد المتظاهرين في مختلف أنحاء إيران. وقد شكّلت محافظة سيستان وبلوشستان تحديًا أمنيًّا داخليًّا طويل الأمد للنظام الإيراني بسبب تكرار الأنشطة المناهضة له. وتقوم جماعة «جيش العدل»، وهي جزء من الجبهة، إلى جانب جماعات بلوشية أخرى، بتنفيذ هجمات متكررة تستهدف قوات ومؤسسات النظام في المحافظة.

وتحولت عدة جنازات للمتظاهرين الذين قُتلوا إلى احتجاجات مناهضة للنظام، تضمنت هتافات مطالبة بالثأر، وإلقاء الحجارة على قوات الأمن. وقد سعى النظام الإيراني تاريخيًّا إلى منع الإيرانيين من إقامة مراسم تشييع وتأبين للمتظاهرين القتلى، نظرًا لأن هذه المناسبات كثيرًا ما تتحول إلى احتجاجات ضد النظام.

التدخل الأمريكي وتصاعد مستوى الصراع بين إيران وإسرائيل

ثمة تصاعد غير مسبوق في حدة التوتر بين إيران وإسرائيل، ولاسيّما عقب زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى الولايات المتحدة ولقائه مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 29 ديسمبر المنصرم.

أفادت تقارير أمريكية بأن إسرائيل تشعر بقلق متزايد إزاء تسارع طهران في إعادة بناء وتطوير برنامجها للصواريخ الباليستية، وإصلاح أنظمة الدفاع الجوي، وترى أنها مصادر قلق أكثر إلحاحًا من إعادة بناء مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية. كما ذكرت منصة “أكسيوس” أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وجهاز الموساد يقدّران أن وتيرة إعادة بناء إيران لقدراتها الصاروخية الباليستية لا تفرض “ضرورة عاجلة للتحرك العسكري” خلال الشهرين أو الثلاثة المقبلة، إلّا أن المصادر الإسرائيلية شددت على أن الصواريخ الباليستية الإيرانية قد “تتحول إلى مسألة أكثر إلحاحًا في وقت لاحق من العام”، في إشارة على الأرجح إلى أواخر عام 2026.

سلّطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء على طبيعة التهديد، مشيرة إلى أن النظام الإيراني قد يحتاج إلى ما بين عام وعامين فقط لامتلاك عدد كافٍ من الصواريخ الباليستية القادرة على إغراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، وذلك استنادًا إلى تقديرات تفيد بإمكانية وصول طهران إلى معدل إنتاج يبلغ نحو 300 صاروخ باليستي شهريًّا. وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد أفادت، في يونيو 2025، بأن إسرائيل “أوشكت على استنفاد صواريخ آرو الاعتراضية الدفاعية”.

كما شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية تصعيدًا حادًّا بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة بالتدخل لحماية المحتجين في إيران، وشن ضرباتٍ عسكرية على طهران، إذا استمر النظام في قمع المحتجين. فقد صرّح الرئيس دونالد ترامب، في 2 يناير، أنّه “إذا أطلقت إيران النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف… فإن الولايات المتحدة ستأتي لإنقاذهم”. وأضاف: “نحن جاهزون ومسلحون ومستعدون للتحرك”. ولم يحدد الرئيس الأمريكي طبيعة الإجراء الذي قد تتخذه واشنطن. وفي 4 يناير، صرّح ترامب للصحفيين بأن الولايات المتحدة “ستضرب [إيران] بقوة” إذا واصل النظام الإيراني استهداف المحتجين بعنف كما فعل في السابق. وفي 9 يناير الجاري، أعاد ترامب تهديداته، مؤكدًا أن إيران في “ورطة كبيرة” في خضم الاحتجاجات الشعبية الواسعة.

يأتي هذا التطور بالتوازي مع العملية العسكرية الأمريكية التي أفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقرينته، في 3 يناير 2026، ما يعكس نهجًا أمريكيًّا متشددًا تجاه الأنظمة المصنّفة خصومًا لواشنطن.

وقد هدد مسؤولون إيرانيون بأن إيران قد تستهدف المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط إذا تدخلت الولايات المتحدة في الاحتجاجات الجارية. واتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الاحتجاجات التي تشهدها بلاده. وقد وصفت واشنطن هذه الاتهامات بأنها “وهمية”. ووصف عراقجي تحذير ترامب من تدخل أمريكي في حال قُتل متظاهرون سلميون بأنه “متهور وخطير”. وأشار عراقجي إلى أن القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب و”تعرف بالضبط أين تصيب” في حال وقوع هجوم. كما حذّر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، من أن “المغامرة” الأمريكية ستجعل القواعد والقوات الأمريكية في الشرق الأوسط “أهدافًا مشروعة”. ومن جانبه، قال القائد السابق للحرس الثوري الإيراني محسن رضائي إن أي “عمل عدائي” من شأنه أن “يدمر” إسرائيل والقواعد الأمريكية ويقوض الاستقرار الإقليمي. وبدوره، حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، من أن التدخل الأمريكي في الاحتجاجات سيزعزع استقرار الشرق الأوسط ويدمر المصالح الأمريكية، داعيًا الولايات المتحدة إلى “مراعاة سلامة جنودها”. وفي رده على ترامب، أكّد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في 3 يناير، أن إيران “لن تستسلم” لأعدائها. وبرغم إقراره بأنّ احتجاج أصحاب المتاجر في البداية على انهيار أسعار الصرف كان “مشروعًا”، هدد خامنئي المحتجين قائلًا إنه “يجب إيقاف مثيري الشغب عند حدودهم”. ثم أكّد خامنئي في 9 يناير أن إيران “لن تستسلم” لأعدائها”، وتوعد “مثيري الشغب” أو المرتزقة الذين يريدون إرضاء ترامب.

ومن ناحيةٍ أخرى، أفادت تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني أجرى مناورات صاروخية وتمارين للدفاع الجوي في 4 يناير في عدة مدن، من بينها طهران وشيراز؛ استعدادًا لأية ضربة إسرائيلية أو أمريكية محتملة.

السيناريوهات المحتملة للوضع الإيراني

في ضوء تعقّد المشهد الداخلي الإيراني وتداخل العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية مع الضغوط الإقليمية والدولية، تتعدد المسارات المحتملة لتطور الأوضاع خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، يمكن حصر السيناريوهات الرئيسية فيما يلي:

أولًا: تغيير النظام (غير مرجّح)

يفترض هذا السيناريو أن تؤدي الاحتجاجات الحالية إلى تغيير في بنية النظام القائم، مدفوعة باتساع رقعة التظاهرات وتصاعد حدتها، إلى جانب الإقرار العلني من الرئيس مسعود بزشكيان بعجز الحكومة عن تقديم حلول للأزمة الاقتصادية والاجتماعية. وتُعَدُّ هذه الموجة الاحتجاجية من حيث التوقيت والخطورة أكبر تَحَذةدٍّ شعبي يواجه النظام منذ حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025، التي أضعفت قدراته وألحقت ضررًا كبيرا به، فضلًا عن كونها الأوسع منذ احتجاجات «مهسا أميني» عام 2022. ويزداد هذا الاحتمال في حال صمود إضراب البازار، الذي يمثل العصب المالي للحياة اليومية، لفترة طويلة، ما قد يدفع البلاد نحو نقطة يصعب التراجع عنها.

وتعزز هذا السيناريو طبيعة التحالف غير المسبوق الذي أفرزته الاحتجاجات، والذي يجمع بين الجرأة الميدانية لجيل «زد»، والثقل الاقتصادي لتجار البازار، والضغوط العسكرية والدبلوماسية الخارجية، ولاسيّما الأمريكية والإسرائيلية. كما أن اتساع القاعدة الاجتماعية للمحتجين، واندماج فئات كانت تاريخيًّا متباعدة في جبهة واحدة، يشير إلى حالة “تضعضع” في العقد الاجتماعي، ويَحُدُّ من قدرة النظام على احتواء الاحتجاجات عبر خطاب المؤامرة أو التفريق بين الفئات. ويُضاف إلى ذلك الارتفاع النوعي في سقف المطالب، حيث تجاوزت الشعارات حدود الإصلاح لتطال بنية النظام نفسها، في وقت لم يَعُدْ فيه الشارع يميز بين التيارين المحافظ والإصلاحي داخل السلطة.

ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو غير مرجّح، في ظل غياب بديل سياسي منظم وقابل للحياة يحظى بإجماع داخلي، فضلًا عن استمرار تماسك المؤسسات الأمنية والعسكرية الأساسية. كما أن احتمال وجود شبكات مدعومة من الخارج بين المحتجين -وإن كان حاضرًا في الخطاب الرسمي وبعض التقديرات الاستخباراتية- لم يُترجم بعد إلى ديناميات قادرة على إحداث تحول حاسم في موازين القوة. وبناءً عليه، ورغم خطورة المؤشرات الراهنة، فإن الاحتجاجات لا تبدو انها ستُحدث تغييرًا جذريًّا في النظام.

ثانيًا: بقاء النظام في حالة ضعف بنيوي (السيناريو الأرجح)

يفترض هذا السيناريو أن ينجح النظام في الحفاظ على بقائه، مستندًا إلى خبرته الطويلة في إدارة الأزمات والضغوط الداخلية والخارجية، وإلى قدرته على استخدام أدواته المتعددة لمنع الانهيار السريع، من دون أن يتمكن في المقابل من استعادة الاستقرار أو معالجة جذور الأزمة. ويعزز هذا الاحتمال غياب بديل سياسي واضح، إلى جانب فشل النخب الحاكمة في تقديم رؤية متكاملة لإخراج البلاد من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

وفي إطار هذا السيناريو، يُرجّح استمرار الاحتجاجات على المدى القصير والمتوسط بوتيرة متذبذبة، تتراوح بين التصعيد والاحتواء، من دون أن تشكل تهديدًا وجوديًّا مباشرًا للنظام. غير أن تراكم الأزمات الاقتصادية، وتراجع الموارد، وتزايد الضغوط الخارجية، قد يفرض على طهران خيارات صعبة، إمّا عبر اللجوء إلى إصلاحات محدودة وموضعية لتهدئة الشارع، أو من خلال الانخراط في مسارات تفاوضية جديدة لتخفيف حدة الضغوط الدولية. ويكتسب هذا السيناريو مصداقية إضافية في ضوء إقرار الرئيس بزشكيان بمسؤولية الحكومة عن الأوضاع الاقتصادية، ودعوته إلى عدم تحميل أطراف خارجية مسؤولية الأزمة، ما يعكس إدراكًا رسميًّا لعمق السخط الشعبي.

ويؤدي هذا المسار إلى تكريس حالة من الاضطراب المتواصل، حيث يمتلك النظام القدرة على منع السقوط، لكنه يفتقد الأدوات الاقتصادية والشرعية السياسية اللازمة لفرض الاستقرار. وفي هذا السياق، يبدو أن المؤسسة الدينية تواجه تحديات حقيقية حتى الآن في التعامل مع أزمة متشعبة تضرب قلب الجمهورية الإسلامية، خاصة بعد نحو خمسة عقود على الثورة، في ظل اتساع الفجوة بين أولويات الحكم وتطلعات مجتمع شاب يشكل نصف السكان تقريبًا. وتشير تقديرات شخصيات إصلاحية سابقة إلى أن الركائز الأيديولوجية الأساسية للنظام، من السياسات الاجتماعية إلى التوجهات الخارجية، لم تَعُدْ تلقى صدًى واسعًا لدى الأجيال الجديدة، ما يضع القيادة، وفي مقدمتها المرشد الأعلى علي خامنئي، أمام معادلة بالغة التعقيد[5].

ثالثًا: التدخل الخارجي وتغيير النظام بالقوة (ضعيف الاحتمال)

يقوم هذا السيناريو على افتراض انتقال الضغوط الخارجية من مستوى التهديد السياسي إلى التدخل المباشر، سواء تحت ذريعة حماية المحتجين أو في إطار مواجهة أوسع مع إيران. وقد غذّت هذا الاحتمال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بشأن إمكانية التدخل العسكري، إلى جانب تقارير عن ضوء أخضر أمريكي لإسرائيل لتنفيذ ضربات محتملة خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن في 29 ديسمبر. كما أن نجاح العملية الأمريكية في فنزويلا، وفق هذا المنطق، قد يشجع الإدارة الأمريكية على تكرار نموذج مشابه في إيران.

غير أن المؤشرات العملية لا تدعم حتى الآن هذا السيناريو. فعلى الرغم من الخطاب التصعيدي، لم تُسجل تغييرات جوهرية في انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، ولم تُتخذ خطوات مباشرة تشير إلى استعداد لتدخل واسع. ويبدو أن التهديدات الأمريكية تهدف بالأساس إلى توجيه رسالة ردع شديدة اللهجة إلى طهران، والضغط عليها في سياق إدارة الأزمة الداخلية، أكثر من كونها تعبيرًا عن نية حقيقية لتغيير النظام بالقوة، خاصة في ظل المخاطر الإقليمية المترتبة على مثل هذا الخيار.

وفي هذا الإطار، يبقى سيناريو التصعيد المنضبط والمحدود بين إسرائيل وإيران هو الأكثر ترجيحًا على الصعيد الخارجي، حيث قد تلجأ إسرائيل إلى عمليات عسكرية أوسع نسبيًّا ضد مواقع إيرانية أو ضد حلفاء طهران، ولاسيّما على الجبهة اللبنانية، بهدف إضعاف القدرات العسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ويُرجّح أن يستمر هذا النمط من التصعيد المحسوب بالتوازي مع الضغوط السياسية، من دون أن يصل إلى مستوى تدخل مباشر يغيّر معادلة الحكم داخل إيران.

خاتمة

تشكل الاحتجاجات الشعبية في إيران بداية فصل جديد في علاقة معقدة بين النظام والمجتمع، تعكس أعمق الأزمات التي تواجه السلطة في الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. فبروز تحالفات غير مسبوقة بين فئات اجتماعية متباينة، وتصاعد العنف، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية، يضع النظام أمام تحديات كبيرة قد تُعيد تشكيل مستقبل السياسة والحكم. ومن ثم فإن هذه الاحتجاجات لا تبدو مجرد رد فعل مؤقت، بل ربما تكون مؤشرًا على تحولات عميقة قد تُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، مع تداعيات محتملة تتجاوز الحدود الإيرانية، مؤثرة في استقرار المنطقة بأسرها.


[1] Barak Ravid, “U.S. watching for signs Iran’s protests could bring down regime,” Axios, Jan. 9, 2026, https://shorturl.at/zOGbV.

[2] آراش عزيزي، اتساع الاحتجاجات في إيران… التغيير قادم؟، المجلة، 9 يناير 2026: https://www.majalla.com/node/329120/

[3] Leily Nikounazar and Aurelien Breeden, “Iran’s Supreme Leader Vows to ‘Not Back Down’ as Protests Swell,” The New York Times, Jan. 9, 2026, https://shorturl.at/A1yO6.

[4] Institute for the Study of War. Iran Update, Jan. 9, 2026. Understanding War. https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-january-9-2026/

[5] Parisa Hafezi, “Iran’s rulers face legitimacy crisis amid spreading unrest,” Reuters, Jan. 9, 2026, https://shorturl.at/3Ni2N.

المواضيع ذات الصلة