تنفيذًا للأمر الرئاسي الصادر في 25 نوفمبر 2025 عن الرئيس الأمريكي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في 13 يناير 2026 اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات رسمية لتصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب العالمية، شملت فروع الجماعة في مصر والأردن على خلفية دعمها لحركة حماس المصنّفة منظمة إرهابية، إلى جانب تصنيف الجماعة الإسلامية – الفرع اللبناني للإخوان منظمةً إرهابية أجنبية، مع فرض حزمة من التدابير العقابية، من بينها تجميد الأصول، وحظر التعامل مع الكيانات والأفراد المرتبطين بها داخل الولايات المتحدة.
يمثّل هذا القرار تحوّلًا نوعيًّا في مقاربة واشنطن تجاه جماعة الإخوان المسلمين، إذ ينتقل من منطق المراقبة والاحتواء إلى منطق التجريم القانوني والتضييق المؤسسي، بما يتجاوز البعد الأمريكي الداخلي ليصل إلى بنية التنظيم العابر للحدود، وشبكاته المالية والإعلامية والسياسية في عدد من الساحات الإقليمية والدولية.
وانطلاقًا من هذا التحوّل، تبرز الحاجة إلى قراءة معمّقة لمستقبل جماعة الإخوان المسلمين في ظل هذه اللحظة المفصلية، ليس بوصفها قرارًا قانونيًّا أو أمنيًّا فقط، بل باعتبارها إعادة صياغة لموقع الجماعة داخل النظام الدولي، ولشرعية حضورها السياسي والإيديولوجي عالميًّا.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل دلالات القرار الأمريكي، وفهم انعكاساته على البنية التنظيمية العابرة للدول، وعلى قدرة الجماعة على التكيّف وإعادة التموضع، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمساراتها المستقبلية في ظل تصاعد الضغوط القانونية والسياسية والأمنية.
ومن أجل ذلك، تتناول هذه الدراسة الإطار القانوني والسياسي للتصنيف الأمريكي، وتحلل انعكاساته على التنظيم العابر للدول، وتناقش تبعاته على المستويات التنظيمية والمالية والسياسية، قبل أن تستشرف مسارات التكيّف أو الانكماش المحتملة في مستقبل جماعة الإخوان المسلمين.
أولًا: الإطار القانوني والسياسي للتصنيف الأمريكي
يستند الإطار القانوني للأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصلاحيات المخوّلة لوزير الخارجية بموجب قانون الهجرة والجنسية، الذي يجيز تصنيف أي منظمة أجنبية منظمةً إرهابية (FTO) إذا ثبت تورطها في أعمال إرهابية، أو أنشطة تُهدد الأمن القومي الأمريكي.
تتعدد المسارات القانونية الأمريكية لتصنيف المنظمات الإرهابية؛ فإلى جانب صلاحيات وزارة الخارجية، يمتلك الكونغرس سلطة التصنيف بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 1987 (ATA). وبالتوازي مع ذلك، تبرز آلية وزارة الخزانة في إدراج الكيانات ضمن قائمة ‘الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص’ (SDGT) وفقاً للأمر التنفيذي رقم 13224، وهو ما يمنح ‘مكتب مراقبة الأصول الأجنبية’ صلاحية تجميد أصول الأفراد والكيانات المتورطة في دعم الإرهاب. وتتلاقى هذه الأطر مع التوجهات السيادية لدول عربية عدة اتخذت مواقف حاسمة بتصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًّا.
1- ماذا يعني هذا التّصنيف؟
يحمل هذا التصنيف أبعادًا قانونية عدة أبرزها ([1]):
- تجميد أصول الكيان المُصنَّف وحظر تعامل الأمريكيين معه بأي صفة.
- تعارض التصنيف مع المصالح المالية والعقارية وحرية التنقل للكيان المُصنَّف.
- حظر دخول أعضائه من غير حاملي الجنسية الأمريكية إلى الولايات المتحدة، مع إمكانية ترحيلهم منها.
- جواز إلزام المؤسسات المالية الأمريكية التي تمتلك أي أصول تابعة لمنظمة تجارية أجنبية مُصنَّفة أو تُسيطر عليها، حظرَ جميع المعاملات المتعلقة بتلك الأصول.
- حظر جميع الممتلكات والمصالح للأفراد والكيانات المُصنَّفين الموجودين في الولايات المتحدة أو الذين يدخلون إليها، أو التي تقع في حوزة أشخاص أمريكيين أو تحت سيطرتهم.
2- سياقات القرار:
يأتي القرار الأمريكي في سِياقات مُتباينة الأهداف؛
- داخليًّا: حسم قرار الحظر مؤقتًا حالة الجدل الذي أثير في الداخل الأمريكي خلال الشهور الماضية ما بين اتجاهين:
- الأول يدفع باتجاه حظر شامل لكل فروع الجماعة وهو ما يعكسه مشروع القانون الذي قدّمه أعضاء في مجلسي النواب([2]) والشيوخ([3]) في يوليو 2025، كذلك تصنيف كلّ من ولايتي تكساس -18 نوفمبر([4]) – وفلوريدا – 8 ديسمبر([5])– الجماعة وأي فرع منها تنظيمًا إرهابيًّا.
- الاتجاه الثاني يُمثله الرّئيس ووزيرا الخارجية والخزانة لتصنيف بعض فروع الجماعة ضمن قوائم المنظماتٍ الإرهابية الأجنبية والإرهابيين العالميين المحددين بشكل خاص([6]).
- على الصعيد الخارجي يأتي هذا القرار:
- حرصًا من الإدارة الأمريكية على تعزيز أمنها القومي، وحماية مصالحها الخارجية في الخارج؛ خاصة مع التهديدات التي تتعرض لها المصالح الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط.
- إدراكًا لحجم التهديد القابل للتمدد؛ وخاصة أن تخصيص فروع للجماعة بدول بعينها يُشير إلى امتلاك تلك الفروع بعض مصادر القوة الخفية – برغم سياسات مكافحة الإرهاب- وهو ما عَبّر عنه الدّعم المادي والمعنوي الذي قُدّم لحماس بعد هجماتها في السابع من أكتوبر 2023.
- للضغط على حماس وإيران، وتطويق الخطاب الإخواني الذي تستند إليه حركات الإسلام السياسي؛ إذ ترى الإدارة الأمريكية أن تجفيف البيئة الفكرية والتنظيمية المحيطة بهذه الجماعات لا يقل أهمية عن مواجهة أذرعها المسلحة([7]).
- جانب آخر له دلالته يتمثل في تغيير مقاربة واشنطن للإسلام السياسي العابر للحدود بالتحول من الاحتواء الذي عبرت عنه تقارير “راند” أوائل الألفية إلى ضرورة المواجهة؛ خاصة مع تنامي التهديدات التي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع الدولي ومُمارساتها للعنف بعد 2011، ليأتي القرار في سياق يتماشى مع الاستراتيجية واشنطن التي تهدف إلى تفكيك الشبكات العابرة للحدود، وترى فيها تهديدًا مباشرًا لأمنها وأمن حلفائها في المنطقة([8]).
ثانيًا: انعكاسات القرار على التنظيم العابر للدول
يدخل تنظيم الإخوان المسلمين مرحلة من التحديات الكبرى بعد قرار حظره أمريكيًّا وتزايد احتمالية اعتماد الكثير من الدول الموقف الأمريكي وحظر التنظيم، وتبرز تلك التحديات على مستويات عدة أبرزها:
1- البنية الشبكية للإخوان المسلمين:
اعتمدت الجماعة على مدى عقود على بناء شبكات محلية ودولية متعددة الأهداف والمسميات للتمدد في المجتمعات، ومن ثمّ فإن الحظر سيؤدي إلى تفكيك تلك الشبكات في المجتمع الأمريكي بإخضاعها لسيطرة الإدارة الأمريكية. لذا سينعكس هذا التصنيف سلبيًّا على الهياكل التنظيمية العابرة للحدود، عبر:
- تَعميق عزلة الجماعة سياسيًّا وقانونيًّا، وفتح الباب أمام توسّع الحظر دوليًّا، بما يضعف قدرتها على المناورة وإعادة التموضع في البيئات الغربية.
- تفكيك الروابط بين الفروع وتقييد حركة الأفراد والموارد؛ وهو ما يَعني إضعاف الوجود المادي للإخوان المسلمين في غياب الأطر التنظيمية التي تعمل من خلالها.
- ارتباك داخل صفوف الجماعة ومزيد من التشظي والانقسام، ما يحدّ من نشاط الفروع المسلحة للجماعة، على غرار فرعها في السودان.
- زيادة التضييقات التي ستعانيها المُؤسسات والواجهات المرتبطة بالإخوان، بما في ذلك مراكز النفوذ داخل الجامعات ومؤسسات الضغط ودوائر المجتمع المدني، والكيانات التي عُرفت تاريخيًّا بأداء دور مركزي في إعادة إنتاج سردية الجماعة داخل الولايات المتحدة([9]).
ومع توحد أغلب القوى السياسية الرئيسية ضد وجود الجماعة، ورصد الكثير منها لمختلف أوجه نشاط الإخوان وحلفائها في أمريكا، سيكون من الصعب على أي من تلك المجموعات الإسلامية القائمة تكرار ما سبق أن قام به “اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا” في يناير 2017- بإعلان انفصاله عن جماعة الإخوان المسلمين وتأكيده الهوية الأوروبيّة للمُؤسسة تجنبًا للإغلاق([10]).
2- القدرة الاقتصادية والتمويلية للتنظيم:
سيكون للحظر القانوني تأثيره البالغ على الأوضاع الاقتصادية لتلك الكيانات المحظورة، إذ ستُجمّد أصولها المختلفة؛ سواءً كانت موجودة في الولايات المتحدة أو في حوزة أشخاص أمريكيين أو تحت سيطرتهم وإخضاعها للإدارة الأمريكية، كما تُجمّد أي كيانات مملوكة، بشكل مباشر أو غير مباشر، فرديًّا أو جماعيًّا، بنسبة 50% أو أكثر لشخص أو عدد من الأشخاص؛ ما لم يُصرّح بذلك بموجب ترخيص عام أو خاص صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية([11]) وهو ما يعني منع أي تعامل مالي أو تجاري حول تلك الأصول طالما تخضع لأشخاص أمريكيين([12]).
كما ستتأثر شراكاتها مع كل المتعاملين معها، ويمتد الحظر بالتالي إلى تلك الأنشطة المشتركة داخل الولايات المتحدة، وهذا يعني عمليًّا ضعف القدرة المالية للتنظيم التي بناها عبر عقود مستفيدًا من الفرص السياسية والقانونية والاقتصادية التي وفرها له المجتمع، ومن ثم سيكون له تأثيره الكبير على مُختلف أنشطته المباشرة وغير المباشرة، ما سيُهدد كثيرًا قُدرات التنظيم وشبكاته الداعمة.
3- الشرعية الرمزية والخطاب الحقوقي
ظلت جماعة الإخوان المسلمين طوال عُقود تعمل على ترسيخ صورة رمزية ذات جانب أخلاقي وحقوقي وتجديدي كإطار لها، بوصفها كبرى الجماعات الإسلامية المعتدلة والمتماسكة ذات الحضور الدولي الواسع عبر شبكات دعوية واجتماعية مختلفة.
لكن خلال العقد الأخير تزايدت أزماتها الإدارية والسياسية في دول حضورها لتشهد العديد من القرارات التي تقضي بحظرها قانونيًّا؛ خاصة مع تحولاتها الفكرية المتشددة وانخراطها في أعمال إرهابية مختلفة. الأمر الذي أدى إلى تآكل جوانب كثيرة من شرعيتها السابقة كجماعة إصلاحية معتدلة بنَت شبكاتها المختلفة في المجتمعين العربي والغربي.
كما أضعفت الانقسامات الداخلية حول من يتصدر الإدارة ويتولى إدارة أموال التنظيم مجملَ أنشطة الجماعة، وفقدت بانغماسها في تلك الصراعات صورتها الأخلاقية، فضلًا عن حلفائها، حيث تحولت من فاعل دولي إلى أداة متراجعة الترتيب في السياسة الخارجية لبعض الدول.
في حين أبرزت التجربة السياسية سواء في الحكم أو ما بعده الطابعَ الإقصائي للتنظيم، ومخالفته الخطابات الحقوقية التي حرص على تصديرها، فقد أُقصي المسلم البعيد عن التنظيم، وغير المسلم لاختلاف الدين، والمرأة عن المجال العام، بل امتد الإقصاء إلى الفرد المنتمي إلى التنظيم الذي يختلف مع أحد أطراف القيادة المُنقسمة.
ثالثًا: تبعات قرار الحظر:
برغم قرارات الحظر التي صدرت ضد تنظيم الإخوان المسلمين خلال السنوات الأخيرة فإن القرار الأمريكي يُمثل تهديدًا حقيقيًّا للتنظيم وحلفائه خاصة مع مركزية الدور الأمريكي في المجتمع الدولي، وحجم النفوذ الذي يحظى به.
1- فيما يتعلق بالتّبعات على التّنظيم نجد أن صدور مثل هذا القرار سيكون له تداعيات عدة:
- على المستوى السياسي سيدفع القرار الأمريكي إلى تبنّي العديد من الدول الموقف ذاته لأسباب مختلفة، وهو ما سيعمق أزمات الإخوان المسلمين ويوسع بيئات حظرها، وقد يكون له تداعياته في الضغط غير المباشر على الدول الحليفة للإخوان للتخلي عنها، وهو الأمر الذي سيزيد من أزمات التنظيم، ويعمق من عزلته، بما يحول دون إعادة تموضعه في بيئات جديدة.
- على المستوى القانوني: سيكون لحظر تنظيم عابر للحدود تأثيره السلبي على هياكله التنظيمية؛ حيث سيضطر إلى تفكيك الروابط القائمة وتقييد حركة انتقال الأفراد والموارد وهو ما سيضعف بمرور الوقت من أي تأثير يمكن أن تحدثه الجماعة وما بقي لها من قواعد.
- على المستوى الأمني: إصدار مثل هذا القرار واتساع نطاق تبنيه يدفع نحو احتمالين؛ الأول تسريع مسار التآكل الداخلي والتنظيمي للجماعة حمايةً من الملاحقات الأمنية. والمسار الثاني لجوء بعض القطاعات إلى ممارسات عنف انتقامية ضد المصالح الأمريكية وحلفائها في بيئات مختلفة، وهو ما سيكون عبئًا أمنيًّا قد تواجهه الكثير من الدول، فضلًا عن إمكانية تنسيق الجهود مع التنظيمات الإرهابية المعولمة كالقاعدة وداعش وهو الأمر الذي قد يدفع نحو ممارسات إرهابية كثيفة ونوعية.
- تزايد وتيرة المواقف الدولية التي تحظر الجماعة سيضعف من قدرتها وقدرة حلفائها الدوليين على توظيف الخطابات الحقوقية المعتادة لغياب المصداقية نتيجة ممارسات الإخوان، إضافة إلى احتمالية تّعرّض الجهات التي قد تدعم خطابات الإخوان لتضييقات أمنية وقضائية لتعاونها مع تنظيم إرهابي محظور، لذا سيتنامى الحاجز بين كثير من المؤسسات الحقوقية المعنية والإخوان المسلمين.
2- فيما يتعلق بحلفاء الجماعة من الدول:
- من المرجّح أن يُسهم القرار في توتير العلاقات مع بعض الحكومات التي يحظى في كنفها الإخوان المسلمون بدعم سياسي أو اجتماعي نسبي، كما هو الحال في دول مثل السودان أو اليمن أو تركيا أو قطر، حيث قد يُنظر إلى التصنيف بوصفه استهدافًا غير مباشر لحلفاء محليين أو شبكات نفوذ قائمة.
- يُسهم القرار في إحداث تحوّل في توازنات القوى الإقليمية، عبر إضعاف الشرعية السياسية والاجتماعية للإخوان داخل بعض الدول؛ خاصة إذا ما جرى ربط نشاط التنظيم رسميًّا بالإرهاب أو بدعم فصائل مسلحة، الأمر الذي يحدّ من قدرته على الاستمرار بوصفه فاعلًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا مشروعًا.
رابعًا: استشراف مسارات التكيّف أو الانكماش:
في ضوء الموقف الأمريكي الرسمي بحظر عدد من الفروع الرئيسية للإخوان المسلمين تظل فاعلية الحظر مُرتبطة بـمحددات عدة؛ أبرزها:
أ. مدى التجاوب الدولي مع الموقف الأمريكي.
ب. سلوك الإخوان المسلمين في إدارة أزمة الحظر.
ج. موقف الدول الحليفة للإخوان وإدارة تداعيات الحظر.
وبناء على ذلك نجد أنفسنا أمام ثلاثة سيناريوهات مُحتملة كما يأتي:
1- إعادة التموضع المحدود:
وفق هذا السيناريو تعتمد جماعة الإخوان المسلمين استراتيجيات جديدة للتعامل مع قرار الحظر يقوم بدرجة مركزية على:
أ. البحث عن صيغ حضور مختلفة بعيدة عن الرقابة القانونية وأماكن وجود بعيدة عن النفوذ الأمريكي.
ب. حماية قياداتها تجنبًا للتّعرض لأزمات أمنية وقضائية من أجل بناء التنظيم في مرحلة تالية.
ج. تعميق حضورها في مجتمعاتها الحاضنة للحصول على مزيد من الحماية والدعم -كلما أمكن- مع ترك الأنشطة التقليدية المعتادة والتخفف منها؛ لتكون الأولوية لبقاء التنظيم على حساب أي شيء آخر.
يحتاج هذا السيناريو إلى وحدة تنظيمية لاتخاذ القرارات وتعميمها ومتابعة تنفيذها وإدارة أزماتها، إضافة إلى دعم مكثف من حلفاء الجماعة الدوليين، وضعف التجاوب الدولي مع الموقف الأمريكي وهو أمر سيكون أوليًّا بالنسبة إلى الأطراف التي تتولى قيادة التّنظيم، لكنه سيعمّق الأزمات القائمة. وبرغم ذلك سيكون هذا السيناريو حلًّا عمليًّا على المدى المنظور لقطاعات من الجماعة؛ خاصة مع وجود فروع غير محظورة، كما أن السوابق التاريخية تشير إلى إجادة التنظيم هذا المسار.
2- التحوّل إلى العَمل الشبكي غير العلني
وفق هذا التصور قد تؤدي المواقف الدولية الداعمة للقرار الأمريكي وعدم حصول التنظيم على الدعم الكامل من قبل حلفائه إلى المزيد من التضييقات عليه، وهو ما سيدفعه إلى إيقاف أنشطته على أرض الواقع، والتخلي عن مؤسساته القائمة، مُتحولًا إلى عمل شبكي غير معلن يَستهدف إبقاء التّنظيم افتراضيًّا في المراحل الأولى، ثم إعادة بناء العلاقات مع عناصره القائمة أو تجديدها، واستقطاب عناصر جديدة بصورة افتراضية إلى أن تأتي الفرصة لنقل حضوره الافتراضي إلى أرض الواقع.
وهذا السيناريو قابل للتحقق جزئيًّا، فقد اعتمده التنظيم في كثير من الأزمات سابقًا، لكنه يظل سيناريو محدود الفاعلية، لغياب قيادة للتنظيم وتعدد أطراف الصراع؛ إضافة إلى الفجوة الجيلية التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في السنوات الماضية وابتعاد كثير من الأجيال الشبابية احتجاجًا على سوء الأوضاع. لذا سيكون من الصعب على المنتظمين حاليًّا من طبقات عمرية كبيرة العمل وفق هذا الأسلوب بفاعلية حقيقية.
3– التسارع في التآكل الداخلي والتنظيمي:
يتحقق هذا السيناريو حال اتساع الموقف الدولي المؤيد لحظر الجماعة، وتراجع كبير لأدوار الدول الداعمة للإخوان، ما يقلل الموارد والدعم المقدم لها. إضافة إلى أن استمرار الانقسام الإداري يعمق من حالة الضعف التنظيمي وهو الأمر الذي سيدفع بما بقي من تنظيم إلى المزيد من التآكل الداخلي والانهيار التنظيمي؛ إذ يفقد قدرته على التجنيد وتوفير التمويل ويعجز عن الانتشار، ما يضعف من قدرته على العمل بشكل فعال على الساحتين المحلية والدولية؛ خاصة إذا ما استمرت العوامل المؤثرة الحالية أو زادت حدتها، ليصبح وجود التنظيم كعدمه، لا وزن له في المعادلة السياسية، وهو سيناريو قابل للتحقق على المدى الطويل حال تغير المؤثرات القائمة.
خاتمة
تُظهر هذه الدراسة أن قرار الولايات المتحدة تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب لا يمكن التعامل معه بوصفه إجراءً قانونيًّا معزولًا أو استجابة ظرفية لسياق أمني محدد، بل يمثل تحولًا بنيويًّا في مقاربة واشنطن للإسلام السياسي العابر للحدود، وانتقالًا واضحًا من سياسات الاحتواء والمراهنة إلى التحول التدريجي إلى منطق التجريم والتفكيك المؤسسي. وقد بيّنت الدراسة أن هذا التحول لا يستهدف فروعًا تنظيمية بعينها فحسب، بل يشمل البنية الشبكية للتنظيم، وشبكات تمويله، وأدواته الخطابية، وقدرته على إعادة إنتاج ذاته في البيئات الغربية والإقليمية.
كما أوضحت الدراسة أن تداعيات القرار تتجاوز الإطار الأمريكي الداخلي، لتنعكس على توازنات إقليمية ودولية أوسع، وعلى علاقات الجماعة بحلفائها، وعلى قدرتها على توظيف الخطاب الحقوقي والسياسي الذي مثّل أحد أهم مصادر شرعيتها خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، يواجه التنظيم لحظة مفصلية تتقاطع فيها الضغوط القانونية والأمنية مع أزمات داخلية متراكمة، في مقدمتها الانقسام القيادي، وتآكل الثقة التنظيمية، وتراجع الجاذبية الأيديولوجية لدى الأجيال الجديدة.
وفي ضوء السيناريوهات التي تناولتها الدراسة، يتبين أن مستقبل جماعة الإخوان المسلمين سيظل مرهونًا بدرجة التجاوب الدولي مع الموقف الأمريكي، وبقدرة التنظيم على إدارة أزمته البنيوية، وبمواقف الدول الحليفة له. غير أن المؤشرات العامة ترجّح مسار الانكماش التدريجي لدور التنظيم وتراجع قدرته على التأثير بوصفه فاعلًا عابرًا للدول، خاصة إذا استمر السياق الدولي الحالي وتعمّق الاتجاه نحو ربط الإسلام السياسي المنظم بمخاطر عدم الاستقرار والعنف. وعليه، يمكن القول إن قرار التصنيف الأمريكي لا يمثّل نهاية فورية لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه يؤسس لمرحلة جديدة تُقوّض شروط بقائها التاريخية، وتضعها أمام معادلة صعبة بين تحوّل جذري في البنية والخطاب والوظيفة، أو استمرار مسار التآكل والانكفاء بما يجعل وجود التنظيم أقرب إلى كيان محدود التأثير في المعادلات السياسية الإقليمية والدولية.
[1] – Understanding the Impact of Different Terrorism Designations: A Look at Recent and Potential Administration Actions, Wilmer Hale, 21OCTOBER 2025, https://tinyurl.com/2cr9fa4m
[2] – Diaz Balart, Moskowitz Reintroduce Muslim Brotherhood Terrorist, https://tinyurl.com/27ljrckd
[3]– Melissa Langsam Braunstein, Ted Cruz Renews bid to designate the Muslim Brotherhood a terror group, The Jewish Chronicle,11 June 2025, https://tinyurl.com/29ycg836
[4] -Governor Abbott Designates Muslim Brotherhood, CAIR As Foreign Terrorist Organizations, 18November 2025, https://tinyurl.com/28u4yoma
[5] – Full text in: https://tinyurl.com/2c3p8vg4
[6] – Fact Sheet: President Donald J. Trump Begins Process to Designate Certain Muslim Brotherhood Chapters as Foreign Terrorist Organizations and Specially Designated Global Terrorists, The White House, 24 November 2025, https://tinyurl.com/2bne54rf
[7] – الإخوان المسلمون ـ ما انعكاسات قرار ترامب بوضع الجماعة على قائمة التطرف؟ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 24نوفمبر2025، https://tinyurl.com/2xky3deg
[8] – لحظة الانعطاف: سياقات وتداعيات تصنيف ترامب فروعًا من الإخوان كمنظمات إرهابية، تريندز للأبحاث والاستشارات، 25 نوفمبر 2025، https://tinyurl.com/27wco5c7
[9] – لحظة الانعطاف: سياقات وتداعيات تصنيف ترامب فروعًا من الإخوان كمنظمات إرهابية، تريندز للأبحاث والاستشارات، 25 نوفمبر 2025، https://tinyurl.com/27wco5c7
[10]– تتمثل أهمية تلك الخطوة في أن الاتحاد يعبر عمّا يزيد على ألف جمعية صغيرة مُنتشرة في دول أوروبا المختلفة.
[11] – Treasury and State Departments Designate Muslim Brotherhood Branches as Terrorist Organizations, U.S. Department of the Treasury, 13 January 2026, https://tinyurl.com/27awhucn
[12] – Understanding the Impact of Different Terrorism Designations: A Look at Recent and Potential Administration Actions, Ibid