يشهد العالم المعاصر لحظة تاريخية مركبة تتسم بتأكل متسارع للأطر المعيارية التي مثلت لعقود طويلة الأساس الناظم للعلاقات بين المعرفة والسلطة. وبين التقدم التقني والمسؤولية الأخلاقية، وبين الفعل السياسي ومشروعيته. لم يعد هذا التأكل ظاهرة عارضة أو أزمة ظرفية مرتبطة بتحولات جيوسياسية محددة، بل بات سمة بنيوية لعالم تتسارع فيه الابتكارات التقنية، وتتداخل فيه مستويات الفعل الإنساني والطبيعي والاصطناعي، فيما تتراجع قدرة المنظومات الفكرية والمؤسساتية القائمة على إنتاج معايير جامعة قادرة على الضبط والتوجيه.
في هذا السياق، لم تعد المعرفة تنتج وتتداول بوصفها قيمة في ذاتها، أو أداة لتحرير الإنسان وتوسيع أفقه العقلاني، بل أصبحت في كثير من الأحيان. موردا استراتيجيا، وسلعة قابلة للاستثمار، وأداة من أدوات النفوذ. ويتقاطع هذا التحوّل مع صعود غير مسبوق للتقنية، بوصفها قوة بنيوية تعيد تشكيل أنماط التفكير، وطرائق اتخاذ القرار، وحدود الفعل والمسؤولية. وبين المعرفة والتقنية، تتحوّل السلطة من بنية مؤسسية واضحة المعالم إلى شبكة موزعة تتقاسمها الدول والشركات الكبرى والمنصات الرقمية والخوارزميات، وأحيانًا فواعل غير مرئية يصعب إخضاعها للمساءلة.
إن ما يميز هذه اللحظة التاريخية هو تراكب الأزمات أزمة المعنى، وأزمة الشرعية، وأزمة الثقة بالمؤسسات، وأزمة القدرة على التمييز بين ما هو معرفي وما هو أيديولوجي، وبين ما هو تقني وما هو سياسي، فالتقدم العلمي. الذي كان ينظر إليه طويلا بوصفه رافعة للتحرر والازدهار، بات يثير أسئلة أخلاقية عميقة تتعلق بحدود التدخل في الطبيعة، وبإعادة تعريف الذكاء. وبمستقبل العمل، وبعلاقة الإنسان بالآلة. وفي المقابل، فإن التراجع النسبي للأطر المعيارية لا يعني غياب القواعد بقدر ما يعني تفككها وتحولها إلى معايير متنازعة محكومة بموازين القوة أكثر مما تحكمها اعتبارات العدالة أو المصلحة العامة.