Insight Image

الذكاء الاصطناعي.. عبء بيئي جديد أم فرصة لتعزيز الاستدامة؟

06 مايو 2026

الذكاء الاصطناعي.. عبء بيئي جديد أم فرصة لتعزيز الاستدامة؟

06 مايو 2026

الذكاء الاصطناعي.. عبء بيئي جديد أم فرصة لتعزيز الاستدامة؟

أظهر الذكاء الاصطناعي، في العامين المنصرمين 2024 و2025، قدرة هائلة على إحداث تحولات جذرية في قطاعات عدة؛ كالعمل المصرفي، والرعاية الصحية، والبحث العلمي، والتصنيع، والنقل، والأعمال الإدارية، بل إنه بدأ يغير ملامح العالم، ويبرز بوصفه قوة دافعة للابتكار والتحديث، ويتحول إلى محرك اقتصادي ذي قدرة مذهلة. فقد سرّع الاستثمار فيه وتيرة نمو الاقتصاد الأمريكي خلال هذين العامين مدعومًا بتوسّع مركز البيانات، وارتفاع أسواق الأسهم، وبات يرتفع بصورة ربع سنوية بمعدل ملحوظ؛ إذ سجّل الاقتصاد الأمريكي نموًّا لافتًا للنظر في الربع الثالث من عام 2025 بلغ 4.3%، مدفوعًا بطفرة الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، متجاوزًا نسبة الربع السابق البالغة 3.8%، بحسب صحيفة “تليجراف”[1].

لكن علاقةً بين الأمن البيئي والذكاء الاصطناعي بدأت تظهر وتتضح ملامحها المتناقضة، فلهذه القوة الصاعدة وجهان؛ الأول معتم، يتجلى في تحديات بيئية تتمخض عن الاستهلاك الضخم للموارد وتوليد النفايات، في وقت تتبوأ فيه قضايا البيئة ومشكلاتها مكانة مهمة لدى الدول والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، وتصبح فيه الاستدامة هدفًا رئيسيًّا يشغل قدرًا من الاهتمام السياسي والاقتصادي.

والوجه الآخر مضيء، يُعوّل فيه المشتغلون في شؤون البيئة كثيرًا على إمكانات الذكاء الاصطناعي الهائلة في إيجاد حلول للمشكلات البيئية، وتعزيز الاستدامة من خلال تسخير قدراته التحليلية والتنبئية في معالجة قضايا ملحة كتغير المناخ، وندرة الموارد، وفقدان التنوع البيولوجي، والتنبؤ بالكوارث، ومراقبة جودة الهواء، وتحديد مصادر الملوثات.

من هنا، تسعى هذه الورقة إلى تبيُّن الأثر البيئي الذي يحدثه استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، من خلال أربعة محاور، هي: تحليل البصمة البيئية بأنواعها، ثم موازنة البصمة المستنزفة مع حلول المناخ التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، يلي ذلك تحديد ركائز التحول نحو الذكاء الاصطناعي المستدام، ثم مناقشة المعضلات الثلاث التي تجب معالجتها في سبيل التوجه نحو الذكاء الاصطناعي المستدام، وهي: أثر الارتداد، والعدالة المناخية، ونقص الشفافية.

أولًا: البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي: (AI Environmental Footprint)

يُقصد بالبصمة البيئية للذكاء الاصطناعي إجمالي الأثر المباشر وغير المباشر الذي تتركه دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الموارد الطبيعية والنظم الإيكولوجية، بدءًا من استخراج المواد الخام لتصنيع الأجهزة حتى استهلاك الموارد في أثناء التشغيل، ثم التخلص من النفايات الإلكترونية.

وتتكون البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي من خمسة مكونات، هي:

1: البصمة الكربونية (Carbon Footprint): تتمثل في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن استهلاك الكهرباء الكثيف في أثناء مرحلتين؛ هما: مرحلة التدريب (Training Phase): مثل تدريب نموذج GPT-3 الذي أنتج 552 طنًّا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل قيادة سيارة حول خط الاستواء 19 مرة[2]، ومرحلة الاستدلال (Inference Phase): وهي الطاقة المستهلكة عند إجابة الذكاء الاصطناعي على أسئلة المستخدمين يوميًّا[3].

وقد دمجت ورقة علمية حديثة، صدرت في عام 2025، بين النوعين السابقين، وأطلقت عليهما “انبعاثات التشغيل”، وأضافت إليهما بصمة كربونية ثالثة تنتج عن عمليات التصنيع الأولى، وقد جاء فيها أن: “خلف كل إجابة يقدمها الذكاء الاصطناعي، تكمن بصمة كربونية تتكون من جزأين؛ الأول هو “انبعاثات التشغيل” (Operational Emissions)، وهي الناتجة عن استهلاك الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل وتبريد المعالجات داخل مراكز البيانات. أما الجزء الثاني والأكثر خفاءً، فهو “الانبعاثات المتجسدة”، أو انبعاثات سلسلة التوريد (Embodied Emissions)، وهي كميات الكربون المنبعثة في أثناء مراحل استخراج المواد الخام وتصنيع الأجهزة والمعدات قبل دخولها الخدمة[4].

وفقًا للتقرير البيئي الرسمي لشركة جوجل، فقد سجلت الشركة زيادة في انبعاثاتها الكربونية بنسبة 48% لتصل إلى قرابة 10 ملايين طن نتيجة متطلبات تشغيل هذه التقنيات[5]، كما قدّرت بحوث حديثة الكميات الهائلة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال عام 2025، إثر التوسع المتصاعد لاستخدام لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يعادل انبعاثات مدينة نيويورك. ولايزال المستقبل يَعِد بأرقام صادمة أكثر؛ إذ من المتوقع أن يطلق أكبر مركز بيانات مخطط له في بريطانيا، المقام في موقع محطة فحم سابقة بمدينة بلايث في نورثمبرلاند، أكثر من 180 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا عند تشغيله بطاقته الكاملة، وهو ما يعادل انبعاثات أكثر من 24 ألف منزل.

أما في الهند، حيث يجري استثمار نحو 30 مليار دولار في مراكز البيانات، فتتزايد المخاوف من أن ضعف موثوقية الشبكة الوطنية قد يدفع إلى الاعتماد على أعداد ضخمة من مولدات الديزل كمصدر احتياطي للطاقة، وهو ما وصفته شركة “كيه بي إم جي” بأنه “عبء كربوني هائل”[6].

وبرغم أن إسهام القطاع الرقمي في الانبعاثات الكربونية حاليًّا يُقدّر بنحو 2% إلى 4% من باقي الانبعاثات العالمية، فإن النمو السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي يُنذر بزيادة حادة في هذه النسبة خلال السنوات القادمة[7]؛ ما سيسهم بشكل مباشر في تغير المناخ العالمي؛ فكل طن من ثاني أكسيد الكربون المنبعث يعزز ظاهرة الاحتباس الحراري التي تؤدي إلى كوارث مناخية كالفيضانات والجفاف[8]. وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن تضاعف استهلاك مراكز البيانات للطاقة بحلول عام 2026 يجعل من قطاع الذكاء الاصطناعي تحديًّا حقيقيًّا أمام الالتزامات الدولية، مثل “اتفاقية باريس”؛ إذ قد يعوق هذا التأثير المتزايد جهود الوصول إلى “الصافي الصفري” للانبعاثات وتقويض الأهداف المناخية العالمية[9].

وقد كشفت تقارير إخبارية حديثة في ديسمبر 2025 عن أبعاد جديدة للأزمة البيئية؛ إذ أشارت التقديرات إلى أن الطفرة في تطبيقات “وكلاء الذكاء الاصطناعي” (AI Agents) رفعت مستوى الانبعاثات الكربونية لهذا القطاع وحده ليعادل 8% من إجمالي انبعاثات قطاع الطيران العالمي[10].

2: البصمة المائية (Water Footprint): إذا كان الكربون يمثل الأثر غير المرئي في الغلاف الجوي، فإن البصمة المائية تمثل الاستنزاف الملموس للموارد السائلة التي لا تستقيم حياة مراكز البيانات من دونها، وتعرّف بأنها كمية المياه العذبة المستخدمة لتبريد الخوادم في مراكز البيانات، إضافة إلى المياه المستهلكة في محطات توليد الطاقة التي تغذي هذه المراكز. وتُقدر الأبحاث أن كل محادثة مع (ChatGPT) تستهلك “نصف لتر” من الماء[11].

وتُعد هذه البصمة للذكاء الاصطناعي أحد أهم الأبعاد البيئية تعقيدًا في العصر الرقمي؛ إذ تتجاوز احتياجات هذه التقنية استهلاك الطاقة لتصل إلى استنزاف الموارد المائية العذبة بمعدلات تثير القلق العالمي؛ علمًا بأن مراكز البيانات تعتمد على المياه العذبة حصرًا؛ نتيجة قيود تقنية وكيميائية صارمة. فالمياه المالحة أو غير المعالجة تؤدي إلى تآكل الأنابيب المعدنية، وترسب الأملاح التي تشكل طبقات عازلة تسد قنوات التبريد؛ ما يرفع مخاطر الاحتراق الذاتي للمعالجات نتيجة فشل تبديد الحرارة. إضافة إلى ذلك، فإن استخدام مياه غير نقية في أنظمة التبريد بالتبخير قد يطلق رذاذًا مالحًا يسبب “دوائر قصر” كهربائية (Short Circuits) تدمر اللوحات الإلكترونية الحساسة. ولتجنب هذه التكاليف الباهظة في الصيانة والتحلية، فإن شركات التكنولوجيا تفضل استهلاك مياه البلديات العذبة “الجاهزة” تقنيًّا؛ ما يضعها في تنافس مباشر مع الاحتياجات البشرية والزراعية[12].

وبحسب دراسة (Li et al., 2023)، يبرز التمييز بين الاستهلاك المباشر الذي يحدث داخل أبراج التبريد في الموقع، والاستهلاك غير المباشر الذي يقع في محطات توليد الكهرباء البعيدة لتبريد التوربينات. وتكمن “الحقيقة المخفية” في أن الاستهلاك غير المباشر يمثل الجزء الأكبر من البصمة الإجمالية، فقد يصل إلى تسعة أضعاف الاستهلاك المباشر؛ ما يعني أن كل “كيلوواط” يستهلكه الذكاء الاصطناعي يتبعه استنزاف مائي هائل في محطة الطاقة المرتبطة بالشبكة[13]. وتعكس تقارير الشفافية البيئية لعام 2023 ضخامة هذا العطش؛ إذ استهلكت جوجل 4.3 مليار ات جالون في عام 2022، وسجلت مايكروسوفت قفزة بنسبة 34% في استهلاكها المائي ليصل إلى 1.7 مليار جالون، وهي زيادة ارتبطت طرديًّا بتوسع خدمات (Azure AI)[14].

جدول مقارنة بين الاستهلاكين المباشر وغير المباشر للمياه[15]:

وجه المقارنة الاستهلاك المباشر الاستهلاك غير المباشر
المكان داخل مركز البيانات (Site level) في محطة توليد الطاقة (Grid level)
السبب تبريد المعالجات والخوادم توليد الكهرباء اللازمة لتشغيل الأجهزة
التأثير يؤثر على مصادر المياه المحلية للمدينة يؤثر على الموارد المائية الإقليمية
النسبة يمثل جزءًا أصغر من البصمة الإجمالية يمثل الجزء الأكبر والأخفى (Hidden)

وعلى مستوى النماذج، يتطلب تدريب نموذج واحد مثل GPT-3 نحو 700,000 لتر من المياه العذبة، وهي كمية تكفي لتصنيع 370 سيارة مرسيدس، فيما تستهلك محادثة بسيطة (20-50 سؤالًا) مع (ChatGPT) نحو نصف لتر من الماء[16]. وبحلول عام 2027، يُتوقع أن يصل سحب المياه العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى 6.6 مليارات متر مكعب، وهي كمية تضاهي استهلاك صناعة المياه المعبأة عالميًّا؛ ما يهدد بالتسبب في أزمات جفاف مائية، وتدهور في التنوع البيولوجي المحلي[17].

3: بصمة الطاقة: (Energy Footprint)

على الرغم من الارتباط الوثيق بين بصمتي المياه والطاقة، فإن الفصل بينهما يظل الخيار الأدق منهجيًّا؛ وذلك لتمايز وحدات القياس واستقلالية الأثر التقني. ففيما يُقاس استهلاك الماء باللتر، تُحسب الطاقة بالكيلوواط ساعة، إضافة إلى أن هذا التمايز يسمح برصد “المقايضات البيئية” التي قد يحجبها الدمج، مثل حالات مراكز البيانات التي تحقق كفاءة طاقية عالية على حساب استهلاك مفرط للمياه في التبريد.

فطفرة الذكاء الاصطناعي المعاصرة تسبب ضغوطًا غير مسبوقة على البنية التحتية العالمية للطاقة؛ إذ يرتبط استهلاك الكهرباء ارتباطًا مباشرًا بحجم القدرة الحاسوبية المستخدمة في تدريب هذه الأنظمة واستخدامها. وكلما زاد تعقيد النموذج وحجم البيانات المستخدمة في التدريب، ارتفع استهلاك الطاقة على نحو طردي[18]. وقد شهدت السنوات الماضية نموًّا متسارعًا في أحجام النماذج اللغوية؛ ما أدى إلى زيادة حادة في بصمة الطاقة؛ إذ استهلك تدريب نموذج GPT-3 وحده ما يُقدّر بـ1,287 ميغاواط ساعة، وهي كمية طاقة هائلة تكفي لتزويد 120 منزلًا أمريكيًّا باحتياجاتها الكهربائية لمدة عام كامل[19].

وتؤكد البيانات الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن مراكز البيانات العالمية استهلكت نحو 460 تيراواط/ساعة في عام 2022، وهو ما يمثل 2% من إجمالي الطلب العالمي على الكهرباء، مع توقعات بنمو سنوي قدره 30% نتيجة توسع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تتطلب معالجات رسومية (GPUs) ذات كثافة طاقية عالية[20]؛ ذلك أن هذه المعالجات هي دوائر إلكترونية متخصصة صُممت لتسريع معالجة الصور والرسوميات، وتحتوي على آلاف النَوى الصغيرة التي تتيح لها إجراء مليارات العمليات الحسابية البسيطة في آن واحد؛ ما يجعلها بحاجة إلى كميات هائلة من الطاقة.

ولا يتوقف هذا الأثر عند مرحلة التدريب الأوَّلي؛ فالتشغيل اليومي والاستعلامات المتكررة لمليارات المعاملات لإنتاج المخرجات يستهلكان كميات ضخمة من الكهرباء؛ ما يزيد من الأحمال المسلَّطة على شبكات التوزيع. وفي ظل اعتماد ملايين المستخدمين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية، أصبحت مرحلة “الاستدلال” (Inference) تمثّل ضغطًا مستمرًّا على مصادر الطاقة العالمية.

هذا الطلب المتزايد لم يترك أثرًا تقنيًّا فحسب، وإنما امتد ليشمل الأبعاد الاقتصادية والمعيشية؛ إذ بدأت شبكات الكهرباء في مناطق حيوية، مثل الولايات المتحدة، بالوصول إلى حدودها القصوى من القدرة الاستيعابية. وقد هدد هذا الارتفاع برفع أسعار الكهرباء على المواطنين بنسب متفاوتة لتغطية تكاليف توسعة البنية التحتية وسعة مراكز البيانات الجديدة التي بلغت 134 غيغاواط[21]. هذا الوضع يضع الحكومات والمشرّعين أمام تحدي الموازنة الصعب بين تشجيع الابتكار والنمو التقني، وبين ضمان الأمن الطاقي وحماية المستهلكين من تقلبات الأسعار الناتجة عن “جوع” مراكز البيانات للكهرباء[22].

إن استمرار نمو تعقيد النماذج وأحجام البيانات بوتيرة تتجاوز سرعة التحسن في كفاءة العتاد يفرض ضرورة تبني استراتيجيات تحسين شاملة تنسق بين بيانات القياس عن بُعد للأجهزة (Hardware Telemetry) والمجمّعات البرمجية لرفع كفاءة الاستهلاك عند كل مستوى[23]. فربما أصبحت مواجهة التبعات الطاقية للذكاء الاصطناعي قضية أمن قومي ترتبط باستقرار شبكات الطاقة العالمية، واستدامة أسعارها للمجتمعات المحلية.

4: البصمة المادية والنفايات الإلكترونية: (Material & E-waste Footprint): وتشمل الموارد النادرة (مثل الليثيوم والكوبالت) المستخدمة في صناعة وحدات معالجة الرسوميات (GPUs)، والنفايات الإلكترونية الناتجة عن قصر الدورة الحياتية لهذه الأجهزة؛ بسبب التطور التقني السريع[24].

فخلف الوعود البراقة للذكاء الاصطناعي وما يقدمه من حلول برمجية “سحابية” توحي بالخفة، يكمن واقع مادي ثقيل ومعقد. إن تشغيل النماذج اللغوية الضخمة وتدريبها يتطلبان بنية تحتية مادية هائلة، تعتمد في جوهرها على وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) العالية الأداء. هذا الاعتماد المفرط خلق ما يسمى “البصمة المادية”، التي تبدأ من استنزاف الموارد النادرة في المناجم، وتنتهي بتلال من النفايات الإلكترونية السامة.

تُعد وحدات معالجة الرسوميات (GPUs)، مثل تلك التي تنتجها شركة NVIDIA، من أكثر الأجهزة تعقيدًا في التاريخ الحديث؛ إذ يتطلب تصنيعها تركيزات عالية من المعادن الأرضية النادرة والموارد الحرجة. ووفقًا لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، فإن دورة حياة الذكاء الاصطناعي تبدأ بتكلفة بيئية باهظة تتمثل في استخراج مواد، مثل الليثيوم، والكوبالت، والنحاس، والجرافيت[25].

يُعد الكوبالت، على سبيل المثال، عنصرًا حيويًّا في البطاريات والمكونات الإلكترونية التي تدعم مراكز البيانات، وغالبًا ما يرتبط استخراجه بانتهاكات حقوقية وأضرار بيئية جسيمة في مناطق، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية. إن البصمة المادية هنا لا تقتصر على الوزن الفعلي للجهاز، بل تشمل “المواد المخفية”. فمن أجل إنتاج كيلوغرام واحد من المكونات الإلكترونية الدقيقة، قد يلزم استخراج ومعالجة مئات الكيلوغرامات من الصخور الخام؛ ما يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، واستهلاك مفرط للمياه في عمليات التعدين[26].

وتكمن المشكلة الكبرى في أن التطور التقني السريع في مجال الذكاء الاصطناعي يجعل الأجهزة “قديمة” في وقت قياسي. ففيما كان العمر الافتراضي لخوادم مراكز البيانات التقليدية يمتد سنوات، فإن الحاجة المستمرة لقدرات حسابية أعلى تجعل الشركات تستبدل وحدات المعالجة (GPUs) كل سنتين إلى ثلاث سنوات لمواكبة متطلبات النماذج الحديثة[27].

هذا التحديث المتسارع يؤدي إلى تراكم النفايات الإلكترونية بشكل غير مسبوق. وبحسب تقرير “Electricity 2024” الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، فإن هذه النفايات تحتوي على مواد سامة، مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ، التي إذا لم يجرِ التخلص منها عبر أنظمة “الاقتصاد الدائري” المتطورة، فإنها تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية[28]. إن الذكاء الاصطناعي، الذي يهدف إلى تحسين كفاءة المدن، يسهم في الوقت نفسه في إيجاد أزمة نفايات عالمية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستكون مسؤولة عن زيادة بنسبة كبيرة في حجم النفايات الإلكترونية الصلبة بحلول نهاية العقد الحالي[29].

5: بصمة الأراضي: (Land Use Footprint)

تُعد بصمة الأراضي” من أقل الجوانب مناقشةً في الأدبيات المتعلقة بالأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، برغم كونها القاعدة المادية الصلبة التي تنهض عليها البصمات الأخرى كافة؛ فالذكاء الاصطناعي ليس كيانًا هلاميًّا يعيش في “السحابة”، بل نظام مادي يتطلب مساحات جغرافية شاسعة لإنشاء مراكز البيانات، وتعدين الموارد، وتوليد الطاقة؛ ما يؤدي إلى تغييرات جذرية في استخدامات التربة، وفقدان التنوع البيولوجي. وتتجلى أول ملامح هذه البصمة في المساحات الشاسعة التي تتطلبها مراكز البيانات الضخمة (Hyperscale Data Centers) لإنشاء مباني الخوادم، ومحطات التبريد، ومرافق تخزين الطاقة؛ إذ يشير تقرير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD) إلى أن التوسع في هذه البنية التحتية يؤدي إلى تحويل مساحات من الأراضي الطبيعية أو الزراعية إلى مناطق صناعية تقنية؛ ما يسهم في ظاهرة “الزحف العمراني الرقمي”، وتجزئة الموائل الطبيعية[30].

وتمتد بصمة الأراضي لتشمل المواقع الجغرافية المخصصة للتعدين لاستخراج المعادن النادرة، مثل الليثيوم والكوبالت، الضرورية لتصنيع وحدات معالجة الرسوميات (GPUs). وتؤكد الدراسات أن التعدين السطحي يؤدي إلى إزالة الغطاء النباتي وتعرية التربة على نطاق واسع[31]؛ ففي مناطق مثل “مثلث الليثيوم” في أمريكا الجنوبية، أو مناجم الكوبالت في أفريقيا، تُستغل آلاف الهكتارات من الأراضي؛ ما يتسبب في نزوح المجتمعات المحلية، وتدمير النظم البيئية على نحو لا يمكن تعويضه. يضاف إلى ذلك بصمة الأراضي غير المباشرة المرتبطة بسلاسل إمداد الطاقة والمياه؛ فمحطات الطاقة الشمسية أو مزارع الرياح التي تُبنى لتوفير “طاقة خضراء” لمراكز البيانات تتطلب بدورها مساحات شاسعة من الأراضي. كما أن السدود وخزانات المياه التي توفر المياه اللازمة للتبريد تسهم في تغيير طبوغرافيا الأرض، وتؤثر على النظم البيئية المائية والبرية المحيطة به[32].

إن هذا التوسع الجغرافي لمراكز البيانات يضع الحكومات والمجتمعات المحلية أمام “صراع أولويات” حاد؛ إذ ستضطر جهات التخطيط للمفاضلة بين تخصيص الأراضي الشاسعة لمزارع الطاقة الشمسية والرياح -التي يتطلبها الذكاء الاصطناعي ليصبح “أخضر”- وبين الحفاظ على الأراضي الزراعية والمناطق المحمية لضمان الأمن الغذائي وحماية التنوع البيولوجي.

ثانيًا: الذكاء الاصطناعي الأخضر: موازنة البصمة المستنزفة بقدرات الابتكار المناخي

 يبرز مفهوم الذكاء الاصطناعي الأخضر” (Green AI) بصفته استجابة حتمية للتوجه السائد الذي يطلق عليه بعض الباحثين وصف الذكاء الاصطناعي الأحمر” (Red AI)؛ وهو التوجه الذي يحقق طفرات في دقة النتائج عبر استهلاك هائل للطاقة والحوسبة من دون اعتبار للتكلفة البيئية[33]. أما “الذكاء الاصطناعي الأخضر”، فيسعى إلى حل المشكلات البيئية فقط، ويبدأ من إصلاح العملية التصنيعية والبرمجية للذكاء الاصطناعي نفسه، بجعل الكفاءة معيارًا للنجاح لا يقل أهمية عن الدقة”[34].

وتعتمد ورقة “Green AI” التأسيسية على ثلاث ركائز أساسية لتحقيق هذا التحول:

  1. كفاءة البيانات: (Data Efficiency) التركيز على بناء نماذج قوية باستخدام كميات أقل من البيانات العالية الجودة، بدلًا من الاعتماد على تكديس البيانات الضخمة التي تتطلب طاقة معالجة غير نهائية.
  2. كفاءة العتاد: (Hardware Efficiency) استخدام معالجات متخصصة مصممة خصيصًا لعمليات الاستدلال (Inference) بأقل قدر من الفقد الحراري.
  3. الشفافية في التقارير: مطالبة الباحثين والمختبرات بإرفاق “تكلفة الحوسبة” (Carbon/Energy Price Tag) إلى جانب نتائج الدقة في أوراقهم العلمية، لتشجيع المنافسة على الابتكار الأخضر[35].

إن هذا التوجه يمهد الطريق لما يسمى الأثر التمكيني المزدوج؛ إذ لا يكتفي الذكاء الاصطناعي الأخضر بتقليل بصمته الخاصة، بل يتحول إلى أداة فائقة الذكاء لتسريع الابتكار في مجالات الاستدامة، مثل تقليص زمن اكتشاف مواد جديدة لامتصاص الكربون بنسبة 90%، وهي عملية كانت تستغرق عقودًا في المختبرات التقليدية[36].

وقد أثبتت القدرة التحليلية للذكاء الاصطناعي بالفعل قدرتها على فتح آفاق واسعة في مجال حماية الكوكب وخفض الانبعاثات، وبرزت هذه القدرة في مجالات كثيرة، نذكر منها:

  1. الرقابة البيئية: بحسب (Climate TRACE) وهي أول مبادرة عالمية مستقلة تكسر حاجز “التقارير الذاتية” التي تقدمها الدول والشركات، وتستبدل بها بيانات موضوعية تُستَخرج بواسطة الذكاء الاصطناعي من خلال مراقبة الأنشطة البشرية من الفضاء (مثل حرارة المداخن، وحركة السفن، ومساحات الرقعة الزراعية)، فإن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعمل على تحليل بيانات الأقمار الصناعية لتحديد مصادر التلوث بدقة متناهية وفي الوقت الفعلي؛ ما يجعل من الصعب على الشركات والدول إخفاء الانبعاثات الكربونية غير القانونية[37].
  2. كفاءة النظم: نجحت شركةGoogle DeepMind في إثبات أن الذكاء الاصطناعي يمكنه تقليل فاتورة الطاقة اللازمة لتبريد مراكز البيانات بنسبة 40%، يجري ذلك عبر خوارزميات تتنبأ بحالة الطقس، وتعدّل أنظمة التبريد بدقة لا يمكن للبشر تحقيقها؛ ما يحوّل التقنية إلى أداة لتحسين ذاتها بيئيًّا[38].
  3. الزراعة الدقيقة: تسهم التقنيات الذكية في تقليل الهدر في المياه والأسمدة عبر تحديد احتياجات كل نبات على حدة؛ ما يحمي التربة والمياه الجوفية من التلوث الكيميائي[39].
  4. الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات: توظيف الرؤية الحاسوبية في فرز النفايات بدقة عالية، وإدارة شبكات المياه الحضرية عبر التنبؤ بالتسريبات وإصلاحها[40].

إن ما يُحدثه الذكاء الاصطناعي في مجال الاستدامة وخدمة البيئة قد يغدو ضرورة، فهو كمجهر يُظهر حجم المشكلة، ودواء نعالج به مواطن الخلل البيئي، وقد يفوق أثره الإيجابي بصماته البيئية الحالية بمراحل، وذلك بحسب تقارير عدة، منها: التقرير الصادر عن مبادرة الاستدامة العالمية لتمكين الحلول الرقمية (GeSI) ،  “SMARTer2030” الذي يخلص إلى أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (بما فيها الذكاء الاصطناعي) يمكن أن تساعد في تقليل الانبعاثات الكربونية العالمية بنسبة تقترب من 20%  بحلول عام 2030، وهو ما يمثل عشرة أضعاف البصمة الكربونية للقطاع التقني نفسه.[41]

 يُظهر الجدول أدناه البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي مقابل قدراته التوفيرية (بيانات 2024-2026):

معيار القياس الأثر السلبي (الاستهلاك) الأثر الإيجابي (التوفير/الحلول) المصدر
الطاقة الكهربائية 1050 تيراواط/ساعة الاستهلاك المتوقع لمراكز البيانات بحلول 2026. تقليل بنسبة 20%  من فاقد الطاقة عبر الشبكات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وكالة الطاقة الدولية (IEA 2024)
انبعاثات الكربون  284  طنًّا من CO2 لتدريب نموذج لغوي واحد (يعادل 5 سيارات طوال عمرها). تقليل بنسبة4%  من إجمالي الانبعاثات العالمية بحلول 2030 عبر تحسين الكفاءة الصناعية. دراسة Strubell + تقرير PwC
الموارد المائية 500  ملليلتر من الماء (تتبخر) لكل محادثة بسيطة (20-50 سؤالًا) مع  ChatGPT. توفير 16%  من مياه الري في الزراعة الدقيقة عبر خوارزميات تحليل حاجة التربة. جامعة كاليفورنيا ريفرسايد + تقرير ستانفورد
الجدول الزمني للابتكار زيادة 300 ألف ضعف في الحوسبة المطلوبة خلال 6 سنوات (2012-2018). تقليص بنسبة90%  في الوقت اللازم لاكتشاف مواد جديدة لامتصاص الكربون. دراسةGreen  AI  + تقرير الاستدامة الرقمية

 ثالثًا: ركائز التحول نحو الذكاء الاصطناعي المستدام:

تسهم المبادرات المفتوحة المصدر (مثل نماذج Hugging Face أو (Llama في تقليل “تكرار الجهد” وتوفير الطاقة، كما يؤدي توطين مراكز البيانات في مناطق ذات مناخ مناسب أو طاقة متجددة إلى تقليل بصمة الأراضي والنقل، وتوفر استراتيجيات الاقتصاد الدائري تعاملًا أفضل مع العتاد لتقليل النفايات الإلكترونية، وتضبط مقاييس الكفاءة موحدة “تأثير الارتداد”.

أ-المبادرات المفتوحة المصدر: تؤدي هذه المبادرات دورًا حيويًّا في الاستخدام الآمن؛ فهي تمنع تكرار عمليات التدريب الضخمة التي تستهلك الطاقة بصورة كبيرة، وذلك بتشارك النماذج الجاهزة والبيانات وإتاحتها للمجتمع العلمي؛ ما يقلل من الاستهلاك الإجمالي للموارد العالمية. وهذا النمط من الذكاء الاصطناعي يتطلب تعاونًا بين المجتمعات البحثية والصناعية لضمان أن تكون المدن والمستقبل الذكي مبنيَّين على تقنيات “عادلة” و”خضراء” في آن واحد. وتعد منصة Hugging Face[42] مثالًا رائدًا في هذا الحقل، فهي مجتمع تعاوني ضخم يضم مئات الآلاف من النماذج والبيانات الجاهزة، يمكن للمطورين تحميلها وإجراء ضبط دقيق لها بعملية تُدعى (Fine-tuning) تستهلك أقل من 1% من الطاقة المطلوبة للتدريب الكامل[43].

ب- توطين مراكز البيانات: إن توطين مراكز البيانات في مناطق ذات موارد طاقة نظيفة يعد استراتيجية حيوية لتقليل الأثر البيئي. ويُعدّ مركز البيانات الأخضر (دبي) الذي يعتمد على الطاقة الشمسية بنسبة 100% خطوة مهمة في هذا الجانب، انسجامًا مع استراتيجيات دولة الإمارات للطاقة النظيفة والتحول الرقمي المستدام، علمًا بأن تنفيذ المركز يجري على 10 مراحل بقدرة تتجاوز 100 ميجاوات، وتصل مساحته إلى مئة ألف متر مربع[44].

ج- استراتيجيات الاقتصاد الدائري في سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي: لم يعد التركيز على خفض استهلاك الكهرباء كافيًا، بل انتقل الاهتمام نحو تحقيق “نظام تدوير للأجهزة” لضمان استدامة الموارد. ويتحقق ذلك عبر ثلاثة مسارات تقنية:

  • التصميم القابل للتفكيك، الذي يُلزم الشركات بصناعة معالجات تتكون من قطع مستقلة يمكن استبدال التالف منها فقط؛ ما يطيل عمر الأجهزة، ويقلل الحاجة لاستخراج معادن نادرة جديدة[45].
  • المسار الثاني هو التعدين الحضري، الذي ينظر إلى نفايات مراكز البيانات بوصفها “مناجم فوق الأرض” يمكن من خلالها استعادة مواد ثمينة، مثل الليثيوم والكوبالت، بطاقة أقل بنسبة 80% من التعدين التقليدي[46].
  • أما المسار الثالث، فيتمثل في اعتماد نموذج تأجير القدرات الحسابية بدلًا من ملكية الأجهزة، وتبقى الشركات المصنعة بموجبه مسؤولة عن استرداد الأجهزة القديمة وتجديدها أو إعادة تدويرها بشكل آمن؛ ما يمنع تسرب المواد السامة إلى البيئة[47].

د- اعتماد مقاييس الكفاءة: وهي مقاييس اقترحتها دراسة Green AI وتعني الإبلاغ عن كمية العمل المطلوبة لإخراج نتيجة ما؛ أي كمية العمل لتدريب النموذج، وإجمالي العمل لجميع تجارب ضبط المعلمات الفائقة. وبما أن تكلفة التجربة تتحلل إلى (تكلفة معالجة مثال واحد، وحجم البيانات، وعدد التجارب)، فإن تقليل العمل في كل خطوة سينتج ذكاءً اصطناعيًّا أكثر اخضرارًا، يحسب مباشرة كمية العمل التي تؤديها الآلة، ومن ثم يرتبط بكمية الطاقة المستهلكة، بصورة مستقلة عن نوع الأجهزة؛ ما يسهل إجراء مقارنات عادلة بين المنهجيات المختلفة[48].

رابعًا: المعضلات الثلاث:

1: معضلة تأثير الارتداد: هل الكفاءة هي الحل أم المشكلة؟

تطرح “مبادرات الذكاء الاصطناعي الأخضر” زيادة الكفاءة البرمجية والعتادية كسبيل أساسي لخفض البصمة البيئية، لكن هذا المنطق يصطدم بما يُعرف بـ“تأثير الارتداد”. تشير هذه الظاهرة إلى أن التحسينات في كفاءة استخدام المورد تؤدي غالبًا إلى خفض تكلفة الوِحدة الواحدة منه؛ ما يحفز المستخدمين على استهلاكه على نحو أوسع، الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى زيادة إجمالي الاستهلاك بدلًا من خفضه[49].

وفي سياق الذكاء الاصطناعي، عندما ينجح المطورون في تقليل استهلاك الطاقة لنموذج لغوي معين بنسبة 50%، فإن ذلك يقلل من تكلفة التشغيل (InferenceCost)، لكن هذا الانخفاض يجعل من الممكن دمج الذكاء الاصطناعي في آلاف التطبيقات اليومية التي لم يكن استخدامه فيها مجديًا اقتصاديًّا من قبل؛ ما يؤدي إلى انفجار في عدد الطلبات (Requests) التي تعالجها مراكز البيانات[50]. ووفقًا لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، فإن هذا النوع من “الارتداد المباشر” يهدد بإلغاء المكاسب البيئية التي يحققها المهندسون في مختبرات البحث؛ إذ تتحول الكفاءة إلى محرك للنمو والاستهلاك المفرط بدلًا من أن تكون أداة للحفاظ على الموارد[51].

إضافة إلى ذلك، يظهر “تأثير الارتداد غير المباشر” عندما تؤدي الوفورات المالية الناتجة عن كفاءة الذكاء الاصطناعي في قطاع معين (مثل تحسين سلاسل الإمداد) إلى إعادة استثمار تلك الأموال في أنشطة أخرى تستهلك الطاقة بكثافة؛ ما يجعل البصمة الإجمالية للمؤسسة أو المجتمع في حالة تزايد مستمر[52]. لذا، فإن التحول نحو “الصافي الإيجابي” يتطلب، إلى جانب التحسينات التقنية، سياسات تنظيمية تضع حدودًا قصوى لاستهلاك الموارد (Caps) لضمان أن تظل المكاسب الناتجة عن الكفاءة “مدخرات بيئية”، لا وقودًا لتوسع جديد[53].

2: العدالة المناخية: التوزيع غير المتكافئ لأعباء الذكاء الاصطناعي

تُبرز الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي مفارقة صارخة في توزيع المكاسب والأضرار؛ ففيما تتركز القيمة الاقتصادية والقدرات التقنية في دول الشمال المتقدم (خاصة الولايات المتحدة والصين)، فإن الجنوب العالمي يحتمل الجزء الأكبر من “التكاليف البيئية المادية”. هذا الانقسام يثير تساؤلات جوهرية حول العدالة المناخية؛ إذ تُصدر الشركات الكبرى بصمتها البيئية إلى المناطق الأقل تنظيمًا والأفقر[54].

وتتجلى هذه المعضلة في ثلاث نقاط أساسية:

  1. استعمار الموارد: تعتمد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على استخراج المعادن النادرة من دول الجنوب (مثل الكوبالت من الكونغو والليثيوم من بوليفيا)، فتؤدي عمليات التعدين هذه إلى تدمير النظم البيئية المحلية، وتلوث المياه الجوفية، واستنفاد الأراضي الزراعية؛ ما يترك المجتمعات المحلية في مواجهة أزمات بيئية وصحية طويلة الأمد لخدمة رفاهية الخوارزميات في الشمال[55].
  2. تصدير النفايات الإلكترونية: تُعد دول مثل غانا ونيجيريا وفيتنام مقاصد رئيسية للنفايات الإلكترونية الناتجة عن قصر الدورة الحياتية لمعالجات الرسوميات (GPUs) والخوادم المستبدلة. وغالبًا ما تُفكّك هذه النفايات في ظروف غير آمنة؛ ما يؤدي إلى تسرب المواد السامة إلى التربة، وهو ما تسميه كيت كروفورد “استنزاف الأرض والبشر” لدعم السحابة الرقمية[56].
  3. العطش الرقمي في مناطق الندرة: تُبنى مراكز بيانات ضخمة في مناطق تعاني إجهادًا مائيًّا لخدمة أسواق عالمية؛ ما يؤدي إلى تنافس الخوارزميات مع المجتمعات المحلية على مصادر مياه الشرب والري، وهو ما يجسد شكلًا جديدًا من أشكال “عدم المساواة البيئية”[57].

بناءً على ذلك، فإن الجغرافيا السياسية للذكاء الاصطناعي تكشف نمطًا جديدًا من الاستقطاب العالمي؛ حيث تستأثر دول الشمال المتقدم بالسيادة التقنية والمكاسب الاقتصادية الفلكية لهذه الثورة، فيما تُصدّر تكلفتها البيئية والمادية الثقيلة إلى دول الجنوب العالمي، الممول الرئيسي للمواد الخام الضرورية لهذه التقنية عبر استنزاف أراضيها ومواردها في مناجم الكوبالت والليثيوم، وهي أيضًا “المستودع العالمي” لنفاياتها الإلكترونية السامة. ومع ذلك، تظل ثمار هذا التقدم حكرًا على المجتمعات المتقدمة. إن نتائج هذه الطفرة المعلوماتية لا تُوزع بعدالة، بل تُعمّق الفجوة القائمة، وترسخ نموذجًا جديدًا من التبعية الرقمية.

3: معضلة “الصندوق الأسود”: فجوة الشفافية والحوكمة التشريعية

يُعد نقص الشفافية العقبة الكبرى في تقدير التكلفة البيئية الحقيقية للذكاء الاصطناعي؛ إذ تنتهج كبرى شركات التقنية سياسة “الصندوق الأسود” عبر حجب البيانات الحيوية وتجزئتها. ففيما واجهت أمازون (Amazon) انتقادات حادة لاستبعادها انبعاثات “سلسلة التوريد” (الطرف الثالث) من تقاريرها الرئيسية، فإننا نجد أن شركات مثل مايكروسوفت (Microsoft) تلتزم الصمت حيال المصادر الدقيقة للمياه المستخدمة في تبريد مراكز البيانات الضخمة التي تعالج نماذج (OpenAI)، خاصة في المناطق التي تعاني إجهادًا مائيًّا شديدًا؛ ما يحجب الأثر البيئي الحقيقي على المجتمعات المحلية[58]. إضافة إلى ذلك، تبرز مغالطة “الحياد الكربوني الورقي” لدى شركات مثل جوجل (Google)، التي تعتمد على شراء أرصدة الكربون لإخفاء القفزة الهائلة في استهلاك الطاقة الفعلي، التي ارتفعت بنسبة تقترب من 48% منذ عام 2019 نتيجة سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي[59].

ويتجاوز هذا التعتيم مجرد إخفاء الأرقام إلى استخدام ذريعة الأسرار التجارية والتنافسية” لرفض الكشف عن “كفاءة الخوارزميات”، أو نوع العتاد المستخدم في التدريب. هذا الأسلوب يترك الباحثين والجهات التنظيمية في حالة من الجهل الفني بشأن “التكلفة الطاقية” لكل عملية استدلال يقوم بها المستخدم، ويجعل التقارير البيئية الحالية محض أرقام إجمالية مضللة تفتقر إلى التفاصيل التشغيلية[60].

وفي مواجهة هذا الغموض المؤسسي، برز قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي” (EU AI Act)  لعام 2024 كأول استجابة تشريعية عالمية تهدف إلى كسر طوق التعتيم؛ فألزم القانون مزودي “النماذج اللغوية الضخمة” بتقديم كشوف تفصيلية حول استهلاك الموارد الطبيعية والبصمة الكربونية طوال دورة حياة النموذج[61]. إن هذا التحول الجذري من “الإفصاح الطوعي”، الذي تتحكم الشركات في معاييره إلى “الالتزام القانوني” الخاضع للرقابة، يمثل سابقة تاريخية لسد فجوة الشفافية البيئية، ويمهد الطريق لفرض معايير كفاءة إلزامية تتماشى مع مستهدفات الاتفاق الأخضر الأوروبي” للوصول إلى الحياد المناخي الكامل بحلول 2050.

نحو إطار متكامل للذكاء الاصطناعي المستدام

بناءً على تحليل البصمات الخمس، ومعضلات تأثير الارتداد والعدالة المناخية ونقص الشفافية، نخلص إلى التوصيات الآتية:

أولًا: كفاءة الموارد (البصمة الكربونية والمائية والطاقية)

  1. الانتقال إلى “الذكاء الاصطناعي النحيل”: التوصية بتبني تقنيات “التقليم” و”التكميم” لخفض استهلاك الطاقة، مع تفضيل أنظمة التبريد “بالهواء” أو “التبريد الغاطس” لتقليل الهدر المائي، خاصة في المناطق القاحلة[62].
  2. الحوسبة المعتمدة على الوقت والمكان: تشجيع جدولة تدريب النماذج الكبيرة في الأوقات التي تتوافر فيها طاقة متجددة فائضة، وفي مراكز البيانات الأقرب لمصادر الطاقة الخضراء لتقليل الفاقد[63].

ثانيًا: الإدارة المادية والدائرية (بصمة الموارد والنفايات الإلكترونية)

  1. تبني “الاقتصاد الدائري الرقمي”: إلزام شركات التقنية ببرامج “استرداد الأجهزة” (Take-back programs) لإعادة تدوير المعادن النادرة (الليثيوم والكوبالت)، والحد من تراكم النفايات الإلكترونية في دول الجنوب العالمي[64].
  2. إطالة عمر العتاد: تحديث السياسات البرمجية لتتوافق مع الأجيال الأقدم من المعالجات؛ ما يقلل من سرعة استبدال العتاد، ويحد من استنزاف الموارد المادية.

ثالثًا: الاستدامة المكانية (بصمة الأراضي)

تطوير “المواقع البنية” (Brownfield Development): التوصية ببناء مراكز البيانات في المواقع الصناعية المهجورة بدلًا من المناطق البكر؛ للحفاظ على التنوع البيولوجي وتقليل “بصمة الأراضي”[65].

رابعًا: الحوكمة والشفافية (المستوى التشريعي)

  1. مبدأ “الإفصاح الشامل”: تفعيل تشريعات تلزم الشركات بتقديم “بيان أثر بيئي” خماسي الأبعاد (يشمل البصمات الخمس) لكل نموذج ذكاء اصطناعي يتم طرحه تجاريًّا.
  2. مكافحة “تأثير الارتداد”: وضع أطر ضريبية تربط بين كفاءة النموذج وحجم استهلاكه الكلي؛ لضمان أن تؤدي الكفاءة لخفض الاستهلاك فعليًّا، لا لتوسعه.
  3. “المسؤولية الاجتماعية المشتركة”: توفير التكنولوجيا الخضراء لدول الجنوب لمساعدتها على التعامل مع هذه النفايات، وضمان عدالة توزيع موارد الطاقة والمياه.

الخاتمة: الذكاء الاصطناعي بين الطموح التقني وحماية الموارد الطبيعية

أوضحت هذه الدراسة أن الذكاء الاصطناعي ظاهرة مادية ذات أبعاد بيئية وجيوسياسية معقدة؛ إذ كشف تحليل البصمات الخمس (الكربونية، والمائية، والطاقية، والنفايات الإلكترونية، وبصمة الأراضي،) أن التكلفة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تُدفع من موارد كوكب الأرض، ومن استقرار النظم البيئية في الجنوب العالمي.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الانتقال إلى “الصافي الإيجابي” لا يبدو مستحيلًا، ولكنه يتطلب تحولًا من “الذكاء الاصطناعي المستهلِك” إلى “الذكاء الاصطناعي الأخضر”، الذي يضع كفاءة الموارد في قلب عملية الابتكار. إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق المطورين لابتكار نماذج أقل استهلاكًا، وعلى المشرّعين لفرض معايير شفافة، وعلى المؤسسات لتبنّي سياسات حوكمة بيئية صارمة. إن الهدف الأسمى ليس بناء ذكاء يتقن لغة البشر فحسب، بل بناء ذكاء يحترم البيئة التي مكنته من الوجود.


[1] https://www.telegraph.co.uk/business/2025/12/23/us-economy-booms-after-ai-investment-blitz

[2] Thormundsson, B. “Carbon Footprint of Select AI Models 2023,” Statista, 2024

Luccioni, Alexandra Sasha, et al. “Estimating the Carbon Footprint of Bloom, a 176B Parameter Language Model,” Journal of Machine Learning Research (2023[3]

Makin, Yashasvi, and Rahul Maliakkal. “Sustainable AI Training via Hardware-Software Co-Design on NVIDIA, AMD, and Emerging GPU Architectures.” arXiv preprint arXiv:2508.13163 (2025).[4]

[5] Google, “2023 Environmental Report,” Google Sustainability, 2023

[6] يورو نيوز عربي، “الذكاء الاصطناعي ينهك الكوكب.. انبعاثات بحجم نيويورك واستهلاك مياه يفوق الطلب العالمي،” 18 ديسمبر 2025.

[7] ماكين وميلياكال، مرجع سابق.

[8] Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC), “Climate Change 2023: Synthesis Report,” Summary for Policymakers

[9] International Energy Agency (IEA), “Electricity 2024: Analysis and forecast to 2026,” Special Report on Data Centers (2024).

[10] عرب 48، “دراسة: الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في 2025 تعادل انبعاثات نيويورك”، 18 ديسمبر 2025.

[11]Luccioni, et al., “Estimating the Carbon Footprint of Bloom,” مرجع سبق ذكره.

[12] Google Environmental Report. “Water Stewardship and Data Center Cooling Strategies,” 2024

[13] Li, Pengfei, et al. “Making AI Less ‘Thirsty’: Uncovering and Addressing the Secret Water Footprint of AI Models,” arXiv preprint arXiv:2304.03271 (2023).

[14] Google. “2023 Environmental Report,” p. 27; Microsoft. “2023 Environmental Sustainability Report,”. (Azure AI)  المظلة الكبرى لمجموعة من الخدمات والأدوات والمنصات التي تقدمها شركة مايكروسوفت (Microsoft) عبر سحابتها الذكية “أزور”، وهي البيئة التي تُبنى وتُشغل عليها أشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها اليوم.

[15] أُعدّ الجدول اعتمادًا على ما ورد في دراسة  Li et al

[16] Patterson, David, et al. “Carbon Emissions and Large Neural Network Training,” 2021; Li, Pengfei, et al:

[17]لي جينج وآخرون، “جعل الذكاء الاصطناعي أقل عطشًا: البصمة المائية العميقة للنماذج اللغوية الكبيرة”، جامعة كاليفورنيا ريفرسايد (2023).

[18] ماكين وميلياكال، “Sustainable AI Training”، مرجع سبق ذكره.

[19]Patterson, David, et al., “Carbon Emissions,” ، مرجع سبق ذكره.

[20] International Energy Agency (IEA), “Energy demand from AI,” Special Report (2024).

[21] الجزيرة نت، “استهلاك الذكاء الاصطناعي يزيد سعر الكهرباء على المواطن الأميركي“، 21 أغسطس 2025.

[22] المرجع السابق.

[23] ماكين وميلياكال، “Sustainable AI Training”، مرجع سبق ذكره.

[24]OECD, “Measuring the Environmental Impact of Artificial Intelligence,” 2022.

[25] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، “قياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي”، رقم 342، 2022.

[26] يحيى إبراهيم الزعبي وألوك ميشرا، “مبادرات الذكاء الاصطناعي الأخضر”، مجلة الإنتاج الأنظف 468 (2024).

[27] إميلي إم. بندر وآخرون، “حول مخاطر الببغاوات العشوائية”، مؤتمر ACM، 2021.

[28] وكالة الطاقة الدولية، “الكهرباء 2024: التحليل والتوقعات”، 2024.

[29] آنا م. بيلا وإيفانز أ. فيليبيس، “الذكاء الاصطناعي الأخضر”، مجلة الاستدامة 14، 2022.

[30] OECD, “Measuring the Environmental Impact of AI,” مرجع سبق ذكره.

[31] كيت كروفورد، أطلس الذكاء الاصطناعي: السلطة، السياسة، والتكاليف الكوكبية للذكاء الاصطناعي (نيوهيفن: مطبعة جامعة ييل، 2021)، ص 32-45.

[32] المرجع السابق.

[33] روي شوارتز وآخرون، “الذكاء الاصطناعي الأخضر” (Green AI)، اتصالات جمعية الآلات الحوسبية (CACM) 63، رقم 12 (2020): 54-63.

[34] يحيى إبراهيم الزعبي وألوك ميشرا، مرجع سابق.

[35] روي شوارتز وآخرون، مرجع سابق.

[36] مايكروسوفت، تقرير الاستدامة السنوي 2023: تسريع الحلول للكوكب عبر الذكاء الاصطناعي، 2023، ص 28.

[37] ائتلاف كليمت تريس (Climate TRACE)، دليل بيانات انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية عبر الاستشعار عن بعد، (2030).

[38] غاوانت، ريتشارد،”التعلم الآلي لرفع كفاءة الطاقة في مراكز البيانات”، لندن: جوجل ديب مايند (Google DeepMind)، 2016.

[39] المنتدى الاقتصادي العالمي، تسريع التحول الرقمي في الزراعة من أجل الاستدامة، جنيف: تقارير المبادرات العالمية، 2022.

[40] آنا م. بيلا وإيفانز أ. فيليبيس، مرجع سابق.

[41] مبادرة الاستدامة العالمية لتمكين الحلول الرقمية (GeSI)، تقرير أذكى 2030، (بروكسل: 2015)، 12-15.

[42] لاستكشاف النماذج والمبادرات الخضراء عبر الرابط التالي:  Hugging Face – The AI Community

[43] يحيى إبراهيم الزعبي وألوك ميشرا، “مرجع سابق.

[44] هيئة كهرباء وماء دبي: مكتوم بن محمد يدشّن المرحلة الثانية لأكبر مركز بيانات أخضر يعمل بالطاقة الشمسية في العالم.

[45] [1] آنا م. بيلا وإيفانز أ. فيليبيس، مرجع سابق.

[46] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، “قياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي”، أوراق الاقتصاد الرقمي، رقم 342 (2022)، ص 22.

[47] يحيى إبراهيم الزعبي وألوك ميشرا، مرجع سابق.

[48] روي شوارتز وآخرون، مرجع سابق.

[49] ويليام ستانلي جيفونز، مسألة الفحم: استقصاء بشأن تقدم الأمة واستهلاك الفحم المحتمل (لندن: ماكميلان، 1865).

[50] يحيى إبراهيم الزعبي وألوك ميشرا، مرجع سابق.

[51] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، مرجع سابق.

[52] آنا م. بيلا وإيفانز أ. فيليبيس، مرجع سابق.

[53] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، مرجع سابق.

[54]  المرجع السابق.

[55] المرجع السابق.

[56] كيت كروفورد، مرجع سابق.

[57] لي جينج وآخرون، مرجع سابق.

[58] كيت كروفورد، مرجع سابق.

[59] تقرير “مراقب المسؤولية الكربونية للشركات”، معهد (NewClimate Institute)، طبعة 2024، (تحليل لبيانات جوجل وأمازون).

[60] روي شوارتز وآخرون، مرجع سابق.

[61] الاتحاد الأوروبي، “لائحة وضع قواعد موحدة بشأن الذكاء الاصطناعي (قانون الذكاء الاصطناعي)”، البرلمان الأوروبي، 2024، المادة 40 المتعلقة بالنماذج ذات المخاطر العالية والشفافية البيئية.

[62] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، مرجع سابق، تقنيات ضغط النماذج: تشمل التقليم (Pruning) الذي يحذف الروابط العصبية غير الضرورية لتقليل العمليات الحسابية، والتكميم (Quantization) الذي يقلل دقة تمثيل البيانات لتوفير الذاكرة والطاقة؛ وكلاهما يهدف إلى تحسين “كفاءة الاستدلال” (Inference Efficiency) بيئيًّا وتقنيًّا. أما التبريد الغاطس، فهو تقنية تبريد متطورة تُغمر فيها الخوادم في سوائل غير موصلة للكهرباء؛ تهدف إلى خفض “فعالية استخدام الطاقة” (PUE)  في مراكز البيانات، وتقليل البصمة المائية من خلال استبدال أنظمة التبخير التقليدية بدوائر تبريد سائلة مغلقة وأكثر استدامة.

[63] يحيى إبراهيم الزعبي وألوك ميشرا، مرجع سابق.

[64] كيت كروفورد، مرجع سابق.

[65] منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، مرجع سابق.

المواضيع ذات الصلة