حين يفقد العالم يقينه
نحن لا نعيش مجرد مرحلة اضطراب عابر ولا نواجه أزمة واحدة يمكن عزلها وتشخيصها ووضعها في خانة محددة، ما نعيشه هو تحول عميق في البنية التي كانت تمنح العالم معنى واتسافا. ثمة شيء يتبدل بهدوء، ليس في السياسات فحسب، بل في المفاهيم التي تنظر بها إلى انفسنا وإلى مؤسساتنا وإلى علاقتنا بالمستقبل. هذا العدد ياتي في لحظة يبدو فيها أن اليقين نفسه يتاكل، وأن ما كان يعد بديهيا قبل عقد واحد فقط اصبح محل تساؤل جذري.
حين تتامل ما يجري في المدرسة الفرنسية، لا نرى مجرد إرهاق طلاب او إنهاك معلمين، بل نرى مؤسسة تأسيسية تهتز في عمق مشروعها. المدرسة لم تكن يوما جهازا تقنيا لنقل المعرفة، بل كانت وعدا جمهوريا. اداة لإنتاج المواطن المتساوي، ومساحة لتشكيل افق مشترك يتجاوز الأصل الاجتماعي. لكنها اليوم تقف امام مفارقة قاسية: كلما ازداد الخطاب عن الاستحقاق والتميز ازداد الشعور بالضغط والاحتراق. وكان النجاح الذي كان يفترض أن يكون افقا للتحرر، تحوّل إلى عبء دائم.
في قلب هذه المفارقة يكمن تحوّل في تعريف القيمة. لم تغد المعرفة قيمة في ذاتها، بل أصبحت وسيلة تموضع لم يغد التلميذ متعلما. بل أصبح مشروعًا قابلا للتقييم المستمر. لم يعد الفشل تجربة قابلة للتجاوز، بل علامة هوية. وحين تتحول المؤسسة إلى آلة قياس دائمة. فإنها لا تنتج فقط نتائج، بل تنتج قلفا. هذا القلق ليس عرضا نفسيا معزولا، بل العكاس لبنية اجتماعية تعيد تعريف العدالة من تكافؤ الشروط إلى تكافؤ الفرص الشكلية، وتحوّل المنافسة من أداة تحفيز إلى منطق وجود.