Insight Image

في حواره الاستراتيجي الثامن “تريندز” بالتعاون مع Türkiye Today يناقش الرؤية التركية للحرب في الشرق الأوسط

26 أبريل 2026

في حواره الاستراتيجي الثامن “تريندز” بالتعاون مع Türkiye Today يناقش الرؤية التركية للحرب في الشرق الأوسط

26 أبريل 2026

  • تأكيد أهمية الشراكة الخليجية–التركية ورفض التصعيد والاعتداءات على دول المنطقة
  • دعوات لتعزيز الدبلوماسية وتقوية المرونة الاقتصادية لضمان الاستقرار الإقليمي

نظّم «تريندز للبحوث والاستشارات»، عبر مكتبه في تركيا وبالتعاون مع Türkiye Today، حواره الاستراتيجي الثامن تحت عنوان «الحرب في الشرق الأوسط: كيف ترى تركيا الأزمة؟»، حيث ناقش المشاركون أبعاد الرؤية التركية للأزمة وتداعياتها على التوازنات الإقليمية والدولية.

وأكد المشاركون أن المنطقة تمرّ بلحظة مفصلية تعيد رسم خرائط النفوذ، وتفرض إعادة تعريف العلاقات بين القوى الإقليمية، مشيرين إلى أن تركيا تسعى إلى تعزيز موقعها كفاعل توازني قادر على الانخراط مع مختلف الأطراف دون الانجرار إلى الاستقطابات الحادة.

وأوضح الحوار أن الحرب لا تقتصر على أبعادها العسكرية والسياسية، بل تمتد لتشمل تأثيرات اقتصادية وأمنية عابرة للحدود، تمس استقرار الأسواق وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل ترتبط بشكل مباشر بالمصالح التركية.

وبيّن المشاركون أن تركيا، رغم تأثرها بالأزمة، تمتلك أدوات تأثير مهمة، مستندةً إلى موقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية وأدوارها الدبلوماسية المحتملة في إدارة التوترات الإقليمية.

وخلص الحوار إلى مجموعة من التوجهات الاستراتيجية، أبرزها تعزيز الشراكة الخليجية–التركية كركيزة للاستقرار الإقليمي، ورفض الاعتداءات على دول المنطقة، إلى جانب دعم الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد، وتقوية المرونة الاقتصادية لمواجهة الصدمات، مع التأكيد على رفض أي ممارسات تهدد أمن الملاحة أو تستخدم الممرات الحيوية كورقة ضغط.

وأشار المشاركون إلى أن هذه المرحلة تفتح المجال أمام تركيا لإعادة صياغة دورها الإقليمي بصورة أكثر توازنًا وفاعلية، مؤكدين أن التحدي الأبرز يتمثل في تحويل التعقيدات الجيوسياسية الراهنة إلى فرص حقيقية لتعزيز الاستقرار في المنطقة.

تداعيات تتجاوز الإقليم

افتتح راشد الحوسني، الباحث في «تريندز للبحوث والاستشارات»، الحوار الاستراتيجي الثامن بكلمة ترحيبية، أكد فيها أهمية تناول الموقف التركي من الحرب في الشرق الأوسط، في ظل تداعياتها المتسارعة التي لم تعد تقتصر على الإقليم، بل امتدت لتطال توازنات النظام الدولي والأمن الاقتصادي العالمي. وأشار إلى أن الحرب كشفت عن تحولات عميقة ستنعكس على طبيعة العلاقات والتحالفات والاستثمارات في المرحلة المقبلة، خاصة في ضوء ما وصفه بالاعتداءات الإيرانية غير المسبوقة على دول الجوار.

وأوضح الحوسني أن تركيا تجد نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين متطلبات الأمن القومي ومصالحها الاستراتيجية الممتدة، ما يدفعها إلى تبني سياسة متوازنة تسعى من خلالها لتجنب الاستقطابات، مع الحفاظ على دور فاعل في إدارة التوترات الإقليمية. كما شدد على أن هذا الحوار يهدف إلى بناء فهم أعمق للتحولات الجارية من منظور الفاعلين الإقليميين.

الاستقرار أولًا

وفي الجلسة الحوارية، التي أدارتها الباحثة شما القطبة، قدّم المشاركون قراءات متعددة للرؤية التركية. وأكد إلكر سيزر، رئيس تحرير Türkiye Today، أن أنقرة لا تسعى إلى تحقيق مكاسب قصيرة المدى من حالة عدم الاستقرار في الخليج، بل تعتمد دبلوماسية قائمة على الاستقرار الجماعي، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران وحلف شمال الأطلسي. وأشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في احتمالات تفكك إيران، وتقلبات أسعار الطاقة، واستمرار بعض القوى الإقليمية في سلوك غير منضبط.

علاقة مركبة مع إيران

من جانبه، تناول الدكتور بارين قايا أوغلو، أستاذ الدراسات الأمريكية بجامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية، طبيعة العلاقة بين تركيا وإيران، واصفًا إياها بـ«العلاقة المركبة» التي تجمع بين التنافس والتعاون في آن واحد، حيث تحكمها براغماتية واضحة واحترام متبادل للخطوط الحمراء الاستراتيجية، رغم الاختلافات الأيديولوجية.

كما استعرض قايا أوغلو توجهات تركيا في إعادة معايرة علاقاتها مع حلف «الناتو» والولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، مؤكدًا أن أنقرة تسعى إلى تعزيز موقعها كفاعل دبلوماسي قادر على لعب دور الوسيط، وفي الوقت ذاته كقوة إقليمية مؤثرة بين دول الخليج.

استقلالية مرنة

بدوره، ركز الدكتور جوكان تشينكارا، أستاذ مساعد بجامعة نجم الدين أربكان، على مفهوم «الاستقلالية التبادلية» في السياسة التركية، معتبرًا أنها استجابة بنيوية لتحولات النظام الدولي. وأوضح أن تركيا توسّع من قدراتها الدفاعية وتستفيد من تنافس القوى الكبرى، إلا أن التحدي الأكبر يظل مرتبطًا بالقيود الاقتصادية واعتمادها على رأس المال الغربي.

وأشار إلى أن التصعيد في الخليج يعيد تشكيل موازين النفوذ في دول الجوار، لافتًا إلى أن أنقرة تنتهج مقاربة جيو-اقتصادية في العراق، مقابل استراتيجية أمنية دفاعية في سوريا، في ظل سعيها إلى منع أي تهديدات تمس أمنها القومي.

حياد نشط

وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور سرهات شوبوكشو أوغلو، الباحث الأول ومدير مكتب تركيا في «تريندز»، أن تركيا تتموضع كقوة وسطى مستقلة تتبنى «الحياد النشط»، وتسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق يضمن إضعاف خصومها دون انهيارهم، ويحول دون هيمنة أي طرف إقليمي.

وأكد أن أنقرة تعمل على توظيف موقعها الجغرافي لتعزيز دورها كممر لوجستي ومركز لنقل الطاقة، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية لإعادة التوازن في شرق المتوسط والشرق الأوسط، بما يشمل تعزيز علاقاتها مع مصر ودول الخليج، والانخراط بواقعية في ملفات إقليمية مثل ليبيا.

تعقيد وفرص

واختتمت أعمال الجلسة لطيفة إبراهيم الجنيبي، باحثة «تريندز للبحوث والاستشارات»، بالتأكيد على أن المشهد الإقليمي يتجه نحو مزيد من التعقيد وإعادة التشكل، في ظل تداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يفرض على الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا، تبني مقاربات أكثر مرونة وابتكارًا في إدارة الأزمات.

وشدد المشاركون على أن قدرة أنقرة على الاستمرار في نهج «الحياد النشط» وتعزيز أدوارها كقوة توازن ووسيط إقليمي ستظل مرهونة بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين ضغوط الداخل الاقتصادي وتحولات النظام الدولي.

كما أكدوا أن المرحلة المقبلة تفتح المجال أمام صياغة أدوار إقليمية جديدة، وأن تركيا تمتلك فرصًا حقيقية لتعزيز دورها الإقليمي، إلا أن نجاحها في ذلك سيظل مرهونًا بقدرتها على إدارة التوازنات المعقدة، وتحويل التحديات الجيوسياسية الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار الإقليمي.