أكد المشاركون في الحوار الإستراتيجي العاشر، الذي نظمته مجموعة «تريندز»، عبر مكتبها في روسيا، تحت عنوان «الحرب في الشرق الأوسط.. الرؤية الروسية للصراع وتداعياته الإقليمية والدولية»، أن موسكو حريصة منذ اليوم الأول للصراع في المنطقة على إبقاء قنوات التواصل والتعاون الإستراتيجي مفتوحة مع العواصم الخليجية، كما أن إحجام روسيا عن التدخل العسكري المباشر وتركيزها على الحلول السياسية وتكثيف جهودها الدبلوماسية ينسجمان مع مصالح دول الخليج العربية في تفادي حرب واسعة وصون الاستقرار الإقليمي.
وأشار الخبراء والباحثون إلى أن روسيا قد تستفيد بشكل غير مباشر من الصراع في منطقة الشرق الأوسط، بدعوى ارتفاع أسعار النفط وانشغال واشنطن عن أوروبا، ولكن ارتفاع الأسعار مجرد تقلبات مؤقتة، كما أن روسيا تواجه مخاطر طويلة الأجل تتمثل في تسارع تحولات الطاقة، موضحين أن الصراع عطل جزءاً كبيراً من إمدادات قطاع الطاقة العالمي، كما كبد قطاعات الطيران والشحن والسياحة والصناعات الحيوية أضراراً جسيمة، ولكن في الوقت نفسه يعيد الصراع في الشرق الأوسط كتابة فصلاً مهماً في تشكيل موازين القوى العالمية على نطاق أوسع.
إعادة تشكيل التحالفات الدولية
واستهل النقاش، الذي أدارته أبرار العلي، الباحثة في «تريندز للبحوث والاستشارات»، بكلمة افتتاحية لعلي عبدالله آل علي، الباحث، ومدير مكتب «تريندز» في دبي، حيث قال إن هذا النقاش يأتي في لحظة بالغة الأهمية، حيث تواصل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط إعادة تشكيل ديناميكيات الأمن الإقليمي، والتحالفات الدولية، وأسواق الطاقة العالمية.
وذكر أن الحوار سيتناول كيفية رؤية روسيا لهذه الأزمة المتطورة في المنطقة، وكيف تحدد دورها، وكيف يؤثر موقفها على المشهد الإقليمي والدولي الأوسع، مضيفاً أن النقاش يركز على ثلاثة محاور رئيسية، ستتناول الموقف الروسي من الحرب في الشرق الأوسط، وتحديداً التوازن بين إدارة الصراع والدفع نحو الحوار السياسي والدبلوماسي، ومستقبل العلاقات الروسية-الخليجية في مرحلة ما بعد الحرب، وكيف تؤثر الحرب على أسواق النفط، بما في ذلك الزيادات السعرية قصيرة الأجل والحاجة طويلة الأمد للاستقرار والطاقة المستدامة.

صعود منطق القوة
وأكد البروفيسور نيكولاي سوخوف، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في روسيا، أن موقف القيادة الروسية من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمثل بنية متماسكة تجمع بين تقييم قانوني صارم لما يجري، ودعم سياسي لطهران، مع حرص واضح على ضبط حدود الانخراط الروسي وعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وذكر أن البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الروسية تُوَّصِّف الضربات الأمريكية والإسرائيلية بأنها انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، مضيفاً أن الخطاب الروسي يربط هذه الأزمة بتراجع فاعلية الآليات القانونية الدولية وصعود منطق القوة في إدارة الأزمات، مع رفض واضح لمحاولات تغيير الأنظمة السياسية من الخارج.
صون الاستقرار الإقليمي
وبيّن سوخوف أن روسيا تسعى إلى الحفاظ على موقع متوازن لا يضعها ضمن اصطفاف إقليمي حاد، من خلال دعمها السياسي لإيران من جهة، وحرصها على إبقاء قنوات التعاون الإستراتيجي مفتوحة مع العواصم الخليجية من جهة أخرى، معتبراً امتناع موسكو عن التدخل العسكري وتركيزها على الحلول السياسية ينسجمان مع مصالح دول الخليج العربية في تفادي حرب واسعة وصون الاستقرار الإقليمي.
وفيما يتعلق بأسواق الطاقة، أوضح نيكولاي سوخوف أن الحرب تمنح الدول المنتجة، ومنها روسيا، مكاسب قصيرة الأجل نتيجة ارتفاع أسعار النفط، لكنها تفرض في الوقت نفسه مخاطر بعيدة المدى، تشمل اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وتسريع سياسات التنويع الطاقي.
دعم جهود الوساطة
بدوره، ناقش عبدالله الخاجة، الباحث في «تريندز للبحوث والاستشارات»، قراءة روسيا الإستراتيجية لأزمة منطقة الشرق الأوسط، مركزاً بشكل خاص على الموقف الدبلوماسي لموسكو، وعلاقاتها مع دول الخليج، وتداعيات الحرب على أسواق النفط العالمية، موضحاً أن موسكو دعت باستمرار إلى وقف فوري للأعمال العدائية والعودة إلى الحوار، بينما انتقدت دور أمريكا وإسرائيل في تصعيد الأزمة، وفي الوقت نفسه، سعت روسيا إلى الحفاظ على أهميتها الدبلوماسية من خلال الإبقاء على تواصل فعال مع إيران ودعم جهود الوساطة الإقليمية الأوسع.
وفيما يتعلق بالعلاقات الروسية الخليجية، أشار الخاجة إلى أن مرحلة ما بعد الحرب من المرجح أن تؤدي إلى مشاركة عملية أعمق، لا سيما في ملفات الطاقة والتجارة والاستثمار والحوار الدبلوماسي، ورغم ذلك ستواصل دول الخليج العربية التحوط بحذر، حيث إن علاقة روسيا الوثيقة مع إيران تحد من مدى الثقة الإستراتيجية، ولذلك، من المتوقع أن تتوسع العلاقات الروسية الخليجية، ولكن ضمن حدود سياسية واضحة.
مخاطر طويلة الأجل
وفي حديثه عن أسواق النفط، أوضح عبدالله الخاجة أن روسيا استفادت على المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على صادراتها من الطاقة، محذراً من أن عدم الاستقرار لفترة طويلة يمكن أن يخلق مخاطر طويلة الأجل، بما في ذلك الضغط على الطلب، وتماسك «أوبك +»، وانعدام أمن الشحن، وتسريع التنويع بعيداً عن الهيدروكربونات.
وخلص إلى أنه في حين أن روسيا قد تستفيد من ظروف الأزمة باعتبارها دولة مصدرة للطاقة، إلا أنها لا تستفيد من نظام الطاقة غير المستقر بشكل دائم، مبيناً أن رؤية موسكو للحرب في منطقة الشرق الأوسط تتشكل من خلال هدف مزدوج يتمثل في الحد من التصعيد مع استخدام الدبلوماسية، وسياسات الطاقة للحفاظ على نفوذها في النظام الإقليمي الناشئ.
تسارع تحولات الطاقة
من جهته، أشار الدكتور أنطوان بيسبالوف، من مؤسسة نادي فالداي للحوار الروسي، إلى أن البعض يرى أن روسيا تستفيد بشكل غير مباشر من الصراع في الشرق الأوسط، بدعوى ارتفاع أسعار النفط وانشغال واشنطن عن أوروبا، ولكن ارتفاع الأسعار مجرد تقلبات مؤقتة، كما أن روسيا تواجه مخاطر طويلة الأجل تتمثل في تسارع تحولات الطاقة، مضيفاً أن موسكو تعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شريكاً تفاوضياً موثوقاً بشأن أوروبا، إلا أن عملياته ضد إيران أضعفته داخلياً وخارجياً.
الاستقلالية الإستراتيجية
وعلى الصعيد الإقليمي، يرى بيسبالوف أن دول الشرق الأوسط تعيد التفكير في مواقعها الإستراتيجية وشراكاتها بعد الحرب، حيث سيستمر محور أمريكا وإسرائيل في التأثير على حسابات جميع الجهات الفاعلة الإقليمية على المدى الطويل، بينما ستحافظ دول المنطقة على تحالفاتها الأساسية مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يتعزز التوجه نحو مزيد من الاستقلالية الإستراتيجية، وقد تشمل هذه المقاربات تعزيز قدرات الردع الوطنية، أو تطوير بنية أمنية إقليمية شاملة.
وأوضح أن الضربات الإيرانية المباشرة على البنية التحتية للنفط والغاز في دول الخليج، وحصار مضيق هرمز، الذي أدى إلى تعطيل قطاع الطاقة العالمي، كبد قطاعات الطيران والشحن والسياحة وغيرها من الصناعات الحيوية أضراراً جسيمة، مضيفاً أن وضع الصراع وصل إلى طريق مسدود إستراتيجياً، ولا يمكن للمفاوضات إلا أن توفر هدنة مؤقتة قبل التصعيد التالي، وفي الوقت نفسه، تمثل هذه الأحداث فصلاً مهماً في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية على نطاق أوسع.