باحثون ومختصون: أسواق النفط تدخل مرحلة إعادة تشكيل شاملة..
الإمارات ترسم نموذجاً جديداً للطاقة منخفضة الكربون
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والتغيرات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، نظم «تريندز جلوبال» التابع لمجموعة تريندز حلقة نقاشية دولية بعنوان «أوبك ومستقبل نظام الطاقة العالمي»، بمشاركة باحثين ومتخصصين في شؤون الطاقة والاقتصاد الدولي.
وناقشت الندوة مستقبل منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، والتحديات الهيكلية التي تواجه أسواق النفط والغاز، في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة، وتنامي الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية، وإعادة رسم خرائط الإنتاج والاستهلاك عالمياً.
وأكد المشاركون أن العالم يمر بلحظة مفصلية تعيد تشكيل نظام الطاقة الدولي، حيث لم يعد النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة استراتيجية مؤثرة في التوازنات الدولية، بالتوازي مع تراجع فاعلية الأنظمة متعددة الأطراف وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
إعادة صياغة سوق الطاقة
أوضح المتحدثون أن أسواق النفط والغاز تواجه اليوم اختبارات غير مسبوقة، نتيجة التداخل بين اعتبارات الأمن القومي، ومتطلبات التنمية الاقتصادية، وضغوط التحول المناخي، مؤكدين أن النماذج التقليدية لم تعد قادرة على تفسير التحولات المتسارعة في القطاع الطاقي العالمي.
وأشاروا إلى أن «أوبك» و«أوبك بلس» تواجهان تحديات استراتيجية معقدة، أبرزها: تذبذب الطلب العالمي وصعوبة التنبؤ بمساراته المستقبلية، والمنافسة المتزايدة من النفط الصخري الأمريكي، والضغوط الدولية المتصاعدة لإزاحة الوقود الأحفوري، وبروز أنظمة طاقة جديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أمن الإمدادات ومسارات التجارة العالمية.
كما شدد المشاركون على أن العالم، الذي يستهلك قرابة 100 مليون برميل نفط يومياً، بات بحاجة إلى إعادة النظر في نماذج الإنتاج والاستهلاك، وإعادة هيكلة سياسات التسعير والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة.
وقد شارك في الندوة، التي أدارتها موزة المرزوقي، الباحثة الرئيسية في مجموعة تريندز، كل من: الدكتور عدنان شهاب الدين، الأمين العام بالإنابة ومدير البحوث الأسبق في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك ، والدكتورة كارول نخلة، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لـ«كريستول إنرجي، وروبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة «قمر للطاقة، والبروفيسور بول ستيفنز، الأستاذ الفخري بجامعة دندي البريطانية والزميل في “تشاتام هاوس”، وسلطان الحوسني، الباحث في مجموعة تريندز.
الإمارات و«أوبك
أكد سعادة الدكتور عدنان شهاب الدين، الأمين العام بالإنابة ومدير البحوث الأسبق في «أوبك»، أن خروج دولة الإمارات من المنظمة اعتباراً من الأول من مايو 2026 لا يعني انهيار «أوبك»، لكنه سيجعل إدارة السوق أكثر تعقيداً، نظراً لثقل الإمارات كمنتج رئيس للطاقة.
وقال إن المصالح المشتركة بين الطرفين، وفي مقدمتها استقرار السوق وتحقيق مصالح المنتجين والمستهلكين، ستظل قائمة رغم الانفصال المؤسسي.
وأشار إلى أن الإمارات تسعى لتنفيذ استراتيجيتها الخاصة بحرية أكبر، بعيداً عن القيود المرتبطة بحصص الإنتاج داخل المنظمة، مضيفاً أن العالم، حتى في حال تراجع دور «أوبك»، سيظل بحاجة إلى آلية تنسيق جماعية لضبط السوق، محذراً من أن غياب التنسيق سيقود إلى فوضى سعرية ومنافسة حادة بين المنتجين.
آلية جماعية
من جانبه، استعرض البروفيسور بول ستيفنز، الأستاذ الفخري بجامعة دندي والزميل في «تشاتام هاوس»، الخلفية التاريخية لدور «أوبك» في ضبط السوق النفطية العالمية، مؤكداً أن وجود جهة قادرة على تنظيم الإنتاج والأسعار كان دائماً ضرورة لتفادي انهيار الأسعار نتيجة المنافسة الشرسة بين المنتجين منخفضي التكلفة.
وقال إن السوق النفطية الدولية واجهت منذ عشرينيات القرن الماضي معضلة أساسية تتمثل في وفرة النفط منخفض التكلفة في الشرق الأوسط، ما استدعى وجود آلية جماعية للتحكم بالإنتاج والأسعار ومنع الانهيارات السعرية، مضيفاً: «لو لم تكن أوبك موجودة، لكان العالم مضطراً لاختراعها».
ورأى ستيفنز أن تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة سيزيد من الضغوط على «أوبك»، خاصة مع عودة ملف أمن الإمدادات إلى صدارة أولويات الدول المستهلكة بعد الأزمات الجيوسياسية الأخيرة.
وأشار إلى أن هذا التحول سيدفع عدداً أكبر من الدول إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتسريع استثماراتها في مصادر الطاقة البديلة.
كما حذر من أن تراجع الطلب العالمي على النفط مستقبلاً سيزيد من «ألم» الالتزام بحصص الإنتاج داخل «أوبك»، ما قد يدفع مزيداً من الدول إلى مغادرة المنظمة، الأمر الذي قد يعيد العالم إلى حقبة المنافسة الحادة والأسعار المنخفضة جداً.
مرحلة جديدة
بدورها، اعتبرت الدكتورة كارول نخلة، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لـ«كريستول إنرجي»، أن خروج الإمارات من «أوبك» لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة حسابات استراتيجية طويلة الأمد، جرى توقيتها بعناية في ظل انشغال الأسواق بالتوترات الإقليمية، بما قلل من حجم الاضطراب في السوق النفطية.
وأكدت أن الإمارات، باعتبارها منتجاً رئيسياً لا هامشياً داخل «أوبك»، تفتح اليوم فصلاً جديداً في نموذجها الاقتصادي والطاقة، مشيرة إلى أن العديد من الدول ستراقب التجربة الإماراتية عن كثب للاستفادة من نتائجها أو تجنب سلبياتها.
وشددت نخلة على أن العودة إلى «الوضع الطبيعي» لما قبل الأزمات الجيوسياسية الكبرى أصبحت أمراً غير واقعي، لأن الأزمات الكبرى تُحدث دائماً تغييرات هيكلية دائمة في العرض والطلب وأساليب الاستهلاك.
وأوضحت أن الأسواق تشهد اليوم ما وصفته بـ«التدمير الهيكلي للطلب»، حيث تغيرت أنماط الاستهلاك بفعل ارتفاع الأسعار وتسارع التحول الطاقي، مؤكدة أن العالم دخل بالفعل مرحلة «الطبيعي الجديد» في أسواق الطاقة.
كما أشارت إلى أن مستقبل «أوبك» سيعتمد على درجة التزام أعضائها وانضباطهم، لكنها رأت أن النفوذ الأكبر مستقبلاً سيكون للمنتجين منخفضي التكلفة والأقل كثافة كربونية، خصوصاً في ظل التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.
وفي ما يتعلق بالتحول الطاقي، أكدت نخلة أن العالم لا يتجه إلى التخلي الكامل عن النفط والغاز، بل إلى إعادة تشكيل مزيج الطاقة العالمي بصورة أكثر توازناً، مع تنامي الاستثمار في جميع مصادر الطاقة، بما فيها الطاقة المتجددة والنفط والغاز والطاقة النووية والبنية التحتية للطاقة.
منخفض الكربون
من جهته، أوضح روبن ميلز، الرئيس التنفيذي لشركة «قمر للطاقة»، أن تفكير الإمارات في إعادة تقييم عضويتها داخل «أوبك» ليس جديداً، بل يعود إلى سنوات طويلة، إلا أن الظروف الجيوسياسية الحالية ساعدت في اتخاذ القرار النهائي.
وأشار إلى أن الإمارات شعرت خلال السنوات الماضية بأن التزامات «أوبك بلس» باتت تحدّ من قدرتها على استثمار كامل طاقتها الإنتاجية، خصوصاً بعد توسعاتها الضخمة في قطاع النفط والغاز، ما دفعها للبحث عن مساحة أوسع لتنفيذ استراتيجيتها الاقتصادية والطاقة.
وأكد ميلز أن الإمارات تمتلك ميزة تنافسية مهمة تتمثل في انخفاض البصمة الكربونية لنفطها مقارنة بعدد من المنتجين الآخرين، بفضل استثماراتها في الطاقة النووية والطاقة الشمسية وتقنيات احتجاز الكربون، إضافة إلى جهودها في كهربة المنشآت النفطية وتقليل الانبعاثات.
ورأى أن العالم يتجه تدريجياً نحو تفضيل النفط الأقل كثافة كربونية، في ظل القيود المناخية المتزايدة، ما يمنح الإمارات والسعودية وبعض المنتجين منخفضي الانبعاثات موقعاً تنافسياً متقدماً في المرحلة المقبلة.
كما أشار إلى أن العديد من الدول المالكة لاحتياطيات ضخمة باتت تسابق الزمن لاستخراج مواردها النفطية قبل تراجع الطلب العالمي مستقبلاً، محذراً من أن تحرك كل دولة بصورة منفردة قد يقود إلى موجة جديدة من المنافسة الحادة وحروب الأسعار.
نموذج جديد للطاقة والاقتصاد
اتفقت آراء المشاركين على أن دولة الإمارات نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء نموذج متقدم يجمع بين الحفاظ على دورها كمصدر رئيس للطاقة التقليدية، وفي الوقت نفسه الاستثمار المكثف في الطاقة المتجددة والاقتصاد منخفض الكربون.
وأشار الخبراء إلى أن دولة الإمارات تبنت سياسات مرنة تقوم على تنويع الاقتصاد، وتعزيز أمن الطاقة، والاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يعزز قدرتها على التكيف مع التحولات العالمية المقبلة.
وأكدوا أن التجربة الإماراتية تعكس فهماً استراتيجياً عميقاً للتحولات الجارية في أسواق الطاقة، خاصة مع تنامي أهمية «المرونة» و«التنويع» كعاملين حاسمين في مستقبل الدول المنتجة للطاقة.
موازنة التحول
وفي الكلمة الختامية، أوضح سلطان الحوسني، الباحث في مجموعة تريندز، أن الندوة خلصت إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل نظام الطاقة العالمي بصورة شاملة، حيث ستبقى الحاجة إلى النفط قائمة لعقود مقبلة، لكن الأفضلية ستكون للنفط الأقل انبعاثاً، وللدول التي تنجح في تحقيق توازن بين أمن الطاقة ومتطلبات التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة.
وأكد المشاركون أن بناء رؤى تحليلية متماسكة حول مستقبل الطاقة لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية لنجاح السياسات الوطنية والإقليمية، في عالم يُعاد رسم خرائطه الاقتصادية والجيوسياسية بوتيرة متسارعة.