النشرات الإخبارية الشهرية

الإنسان والمؤسسات في عصر السيولة المعرفية والتحول الرقمي

مكتب تريندز الافتراضي في كندا

يأتي هذا العدد في سياق متابعة اتجاهات الإنتاج المعرفي العالمي، في لحظة تاريخية فارقة تتسم بتسارع غير مسبوق في التحولات العلمية والتكنولوجية والمؤسسية، حيث لم تعد المعرفة مجرد أداة لفهم الواقع أو تفسيره، بل أصبحت قوة فاعلة تسهم في إعادة تشكيله وإعادة إنتاجه، بل وفي توجيه مساراته المستقبلية. فالمعرفة لم تعد انعكاسا محايدا للواقع، بل أصبحت جزءًا من بنيته التكوينية، تؤثر فيه بقدر ما تتأثر به. وفي قلب هذه التحولات المتشابكة، التي تتقاطع فيها الثورة الرقمية مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، يبرز سؤال مركزي يفرض نفسه بإلحاح متزايد: كيف يُعاد تعريف الإنسان في ظل هذه التحولات ؟ وكيف تُعاد صياغة أدوار ووظائف المؤسسات التي تنظم وجوده وتفاعلاته في عالم لم تعد حدوده المعرفية ولا المؤسسية واضحة أو مستقرة ؟

تكشف الأعمال التي يتناولها هذا العدد عن انتقال نوعي عميق في بنية التفكير المعرفي، من نماذج تفسيرية تقليدية تقوم على الفصل بين الحقول والتخصصات، إلى مقاربات مركبة ومتداخلة تعيد التفكير في الإنسان بوصفه كيانا ديناميكيا، يتشكل في تفاعل مستمر مع بيئته التكنولوجية والاجتماعية والثقافية. فالإنسان لم يعد يُفهم فقط من خلال أبعاده البيولوجية أو النفسية أو حتى الاجتماعية بمعناها الكلاسيكي، بل بوصفه فاعلا معرفيا يعيش في منظومات معقدة من المعاني والرموز، تتأثر بشكل متزايد بالتحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتغير أنماط التواصل والإدراك، بل وحتى بإعادة تشكيل الزمن نفسه عبر تسارع تدفق المعلومات. وفي هذا الإطار، تبرز دراسات الذاكرة البشرية كمثال دال على هذا التحول العميق، حيث لم تعد الذاكرة مجرد وظيفة معرفية مرتبطة بالتخزين والاسترجاع، بل أصبحت مدخلًا أساسيًا لفهم العلاقة بين الإدراك والواقع وبين التجربة الذاتية والتأثيرات الخارجية، خاصة في سياق تزايد التداخل بين الإنسان والتكنولوجيا. فالذاكرة، في هذا السياق، تتحول إلى فضاء مركب يتقاطع فيه البيولوجي مع الرقمي، والذاتي مع الجماعي، والفردي مع الشبكي ما يفرض إعادة التفكير في طبيعة الإدراك الإنساني ذاته، وفي حدود ما يمكن اعتباره تجربة إنسانية خالصة في عصر تتداخل فيه العقول البشرية مع الأنظمة الذكية.