Insight Image

انتفاضة فرنسا ضد جماعات الإسلام السياسي

21 أكتوبر 2020

انتفاضة فرنسا ضد جماعات الإسلام السياسي

21 أكتوبر 2020

أثار الخطاب المطول الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الثاني من أكتوبر 2020 حول وضع المسلمين وجماعات الإسلام السياسي في بلاده جدلاً واسعاً، تركز في جانب كبير منه على مقولته التي ذكر فيها “إن الدين الإسلامي حول العالم يمر بأزمة”[1]، والتي انطوت على نوع من الخلط بين الدين نفسه وبين التيارات التي تتاجر باسمه وتشوه صورته.

لكن قراءة نص الخطاب بالكامل تكشف ما يمكن وصفه بـ”انتفاضة فرنسية” في مواجهة جماعات الإسلام السياسي التي تستغل أوضاع المسلمين في فرنسا ليس فقط في محاولة خلق دولة موازية للدولة الفرنسية بقيمها العلمانية الغربية، ولكن أيضاً في تأليب الجاليات الإسلامية ضد سلطات هذا البلد وزرع الكراهية في نفوسهم تجاهه.

لقد أكد الخطاب على ضرورة التصدي لما وصفه ماكرون بـ “الانعزالية الإسلامية” التي تغذيها جماعات الإسلام السياسي، ومواجهة سعي هذه الجماعات إلى إقامة ما وصفه بـ “نظام موازٍ” داخل فرنسا ينكر قيم الجمهورية ويحرض عليها؛ وهذا أمر لا شك فيه إذ أظهرت ممارسات هذه التنظيمات وعلى رأسها جماعة الإخوان أن هدفها المرحلي هو بناء دولة موازية للدولة الوطنية تدين لها بالولاء تمهيداً للسيطرة على الحكم فيها كخطوة ثانية في طريق الوصول إلى حلم إقامة “دولة الخلافة” العابرة للحدود.

ويمكن أن نشير هنا إلى المناقشات التي شهدتها ندوة “جماعة الإخوان المسلمين والدولة الموازية: إدارة الصراع ضد الدولة الوطنية” التي نظمها مركز تريندز للبحوث والاستشارات يوم 20 أكتوبر الحالي للتدليل على ذلك، حيث أجمع الخبراء المشاركون في هذه الندوة، ومنهم باحثون وأكاديميون فرنسيون، على تأكيد هذه الحقيقة مشيرين إلى أن رؤية جماعة الإخوان المسلمين لبناء الدولة الموازية تمثل التهديد الرئيسي لقيم الديمقراطية والتسامح والتعايش في أوروبا[2].

إن الفكرة الأساسية في خطاب ماكرون، كما يفهم من سياقه، ليست التضييق على الجاليات المسلمة كما حاول تصويرها الموالون لجماعة الإخوان المسلمين وتنظيمات الإسلام السياسي الأخرى والدول الداعمة لها، بل هي محاولة تشخيص مشكلة هذه الجاليات في فرنسا والغرب والمتمثلة بالأساس في خطورة التأثيرات الخارجية السلبية التي تتعرض لها، ولا سيما من قبل جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان[3] والتي ساهمت في تعزيز إنعزالية هذه الجاليات عن المجتمع الفرنسي، وعملت على محاولة زرع أفكارها المسمومة التي تكفر المجتمع في صفوفها بما يفضي إلى تحقيق هدفها المتمثل في إرساء نظام سياسي مُوازٍ ومتصادمٍ مع النظام القائم.

وبطبيعة الحال لم ينف ماكرون مسؤولية سلطات بلاده عن الأوضاع التي دفعت الجاليات المسلمة للعيش في مجمعات سكنية منعزلة أو ما وصفه بالـ”غيتوهات” وتحويلهم إلى صيد سهل للجماعات الدينية المتطرفة، حيث قال في خطابه: “قمنا بتجميع السكان بموجب أصولهم، ولم نعمد إلى إحلال ما يكفي من الاختلاط، ولا ما يكفي لتمكينهم من التدرج الاقتصادي والاجتماعي”، مشددا أنهم (أي جماعات الإسلام السياسي) “بنوا مشروعهم على تراجعنا وتخاذلنا”[4].

وانطلق ماكرون من هذا ليعلن عن حزمة من الإجراءات والتدابير لتصحيح هذا الوضع مثل إلزام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة بالتوقيع على ميثاق للعلمانية، وفرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية التي تخضع لهيمنة هذه الجماعات، والحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي، بل وتعليم اللغة العربية في المدارس لضمان إيصال القيم الصحيحة للطلاب وهي إجراءات ربما أثارت قلق جماعات الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين التي لا تريد فرض أي رقابة على أنشطتها.

وربما تكون الإشكالية الوحيدة التي انطوى عليها الخطاب وأثارت انتقادات حتى بعض المؤسسات الدينية والرسمية المعتدلة في العالم الإسلامي[5]، هي حديثه عمَّا وصفه بـ “أزمة الدين الإسلامي في عالم اليوم”، إذ اعتبر هؤلاء أن ماكرون خلط بين الإسلام بوصفه دين سمح يحض على القيم النبيلة والسلام، وبين استغلال التيارات المتطرفة له تحقيقاً لأهدافها؛ ولكن حتى هذا الموقف انطوى على تجاهل لما أشار إليه ماكرون في الخطاب نفسه بأن هذه الأزمة ترتبط بالتوترات بين الأصوليين المتشددين والمشاريع السياسية التي تتبناها مثل هذه الجماعات[6].

وهذا الأمر أكدته الخارجية الفرنسية في بيان لها صدر يوم 25 أكتوبر 2020، حيث أكدت أن مشروع القانون ضد الإسلام الراديكالي وتصريحات الرئيس الفرنسي تهدف فقط إلى مكافحة ما وصفته بـ “الإسلام الراديكالي والقيام بذلك مع مسلمي فرنسا الذين يشكلون جزءا لا يتجزأ من المجتمع والتاريخ والجمهورية الفرنسية”[7].

ومع هذا، فقد كان حريًا بـ ماكرون انتقاء مصطلحاته بعناية أكبر، وأن يميز بوضوح بين الإسلام بوصفه دينا سمحاً وبين التنظيمات الظلامية التي تتاجر باسمه، والتي نجحت في استغلال هذه العبارات في شن هجمة عكسية شرسة عبر وسائل الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي تتهم ماكرون بمعاداة الإسلام نفسه كدين وليس معاداتها هي ومواجهة تأثيراتها المتطرفة على المسلمين في فرنسا.

وقد استعرت هذه الحملة بصورة أكبر بعد حادثة ذبح مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي على يد متطرف شيشاني، وما أعقبها من إعادة نشر للصور المسيئة للنبي محمد (ص) على المباني الحكومية الفرنسية، وهو التطور الذي وظفته تنظيمات الإسلام السياسي والقوى الداعمة لها، وخاصة تركيا، لإعادة البريق لصورتها المتآكلة لتحول الحملة الناجحة التي كانت تطالب بمقاطعة المنتجات التركية إلى حملة لمقاطعة المنتجات الفرنسية مستغلة حالة الغضب في الرأي العام العربي والإسلامي من إعادة نشر هذه الرسوم؟!

ومثلما أجرى ماكرون نقداً ذاتياً في خطابه الذي ألقاه يوم 2 أكتوبر محملاً بلاده جزءاً من المسؤولية عن انعزالية الجاليات المسلمة، فمن المهم هنا أيضاً أن يراجع ماكرون نفسه ويجري نقداً ذاتياً لردود الفعل الرسمية في الرد على جريمة ذبح صامويل باتي والتي اتسمت بدورها بتطرف مقابل؛ لأنها أساءت بقصد أو من دون قصد لرمز ديني مقدس لدى أكثر من مليار مسلم حول العالم.

 وهذا الأمر أطلق موجة غضب في العالم الإسلامي ضد هذه الممارسات، لتهدي الدولة الفرنسية هدية ثمينة إلى الجماعات المتطرفة وتنظيمات الإسلام السياسي والقوى الداعمة لها، والتي استغلت هذه التطورات ليس فقط لمهاجهة فرنسا والانتقام من مواقفها المتشددة في مواجهة هذه الجماعات، ولكن أيضاً لتعيد البريق إلى هذه الجماعات والقوى الداعمة لها التي سعت إلى تقديم تبرير حملتها ضد الدولة الفرنسية باعتبارها دفاعاً عن الدين وعن النبي محمد (ص).

لا يمكن مواجهة التطرف بتطرف مقابل، لأن هذا يغذي رأي أنصار نظرية صدام الحضارات ويعزز عوامل الحقد والكراهية بين الدول والشعوب، وهي الظروف التي تعمل على نشرها واستغلالها الجماعات المتطرفة والإرهابية، لأنها لا تعيش إلا في هذه الأجواء. كما أن معركة فرنسا في مواجهة جماعات الإسلام السياسي وقوى التطرف لا يمكن كسبها إلا بالتعاون وبناء الثقة مع الجاليات المسلمة المسالمة وإبعاد هذه الأخيرة عن دائرة تأثير تلك الجماعات.

لقد جاء خطاب ماكرون في الثاني من أكتوبر عاكساً للمخاوف المتزايدة التي تجتاح فرنسا وأوروبا من تنامي الدور الذي تلعبه جماعات الإسلام السياسي، وخاصة الإخوان المسلمين، والتي تستغل أوضاع الجاليات الإسلامية في أوروبا لزرع أفكارها وتوجهاتها المتطرفة في عقول هذه الجاليات وتجنيد المزيد من المتطرفين في صفوفها، بل وإرسالهم إلى جبهات للقتال في الخارج مثلما حدث مع آلاف الشباب الأوروبي الذين انضموا لتنظيم داعش في السنوات الماضية.

والأهم من كل ذلك هو محاولة هذه الجماعات تنصيب أنفسهم كممثلين للمسلمين في الغرب بما يسمح لهم اختراق مؤسسات صنع القرار الغربية ومحاولة التأثير في القرارات الحكومية في هذه الدول؛ وهذه المخاوف ليست جديدة، حيث تم التعبير عنها كثيراً داخل فرنسا وخارجها، ففي شهر يوليو الماضي، قدمت لجنة برلمانية بمجلس الشيوخ الفرنسي مقترحات لمكافحة خطر تمدد تيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها الإخوان المسلمين في البلاد. وتحدث هذا التقرير صراحة عن سعي هذه التيارات لإعادة “إحياء الخلافة”، مشيراً إلى أن تنظيم الإخوان يتغلغل في جميع جوانب الحياة الاجتماعية مستفيداً من أجواء الحرية الفردية[8]. كما وصف وزير الداخلية الفرنسي في الشهر نفسه تيار الإسلام السياسي بأنه “العدو القاتل للبلاد”.

لم يكن خطاب ماكرون سوى جزء من حملة أوسع على النطاق الأوروبي لمواجهة نفوذ تيارات الإسلام السياسي التي اتضحت مخططاتها وسياساتها الداعمة للتطرف والعنف في جميع دول العالم، وهو توجه يعزز الأمل في القضاء على هذا الوباء الذي ينخر جسد المجتمعات والشعوب، ولا سيما أن كثير من قادة هذه الجماعات كانت تتخذ من الغرب ملاذا لها في السابق.

ورغم بعض الأخطاء التي ارتكبتها باريس في إدارتها لهذا الملف، فإن ذلك لا ينبغي أن يغير مسار البوصلة أو يبعدها عن مسارها الصحيح وهو التعاون في مواجهة خطر تنظيمات الإسلام السياسي التي تهدد أمن واستقرار الشعوب الإسلامية والغربية على السواء، والتأكيد على قدسية الأديان وعدم المساس بالرموز الدينية، من أجل تفويت الفرصة على هذه التنظيمات وقوى التطرف والإرهاب التي تسعى إلى توظيف مثل هذه الأحداث في إذكاء الصدام بين الأديان.


المراجع:

[1] Daisy Lester, “President Macron says Islam ‘in crisis all over the world’, prompting backlash”, Independent, 02 October 2020. https://www.independent.co.uk/news/world/europe/macron-france-islam-speech-seperatism-religion-b746835.html

[2]  ” خبراء وباحثون: بناء الدولة الموازية نهج ثابت لـ “الإخوان” الإرهابية في مواجهة الدولة الوطنية”، صحيفة الوطن، الإمارات، 22 أكتوبر 2020.

[3]  نيفين مسعد، ” ماكرون والصحوة الجمهورية”، صحيفة الأهرام، القاهرة، 10 أكتوبر 2020.

[4]  ” ماهي دوافع الرئيس الفرنسي لانتقاد “النزعات الانعزالية” للمسلمين؟”، موقع بي بي سي عربي، 4 أكتوبر 2020. على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/interactivity-54411217

[5]  ” الأزهر ينتقد ماكرون ويصف تصريحاته بدعوة ‘للعنصرية’، موقع بي بي سي عربي، 4 أكتوبر 2020. على الرابط: https://www.bbc.com/arabic/trending-54391072

[6]   ” ماكرون: الإسلام ديانة تمرّ بأزمة في كل بقاع العالم اليوم”، موقع يورونيوز الإخباري، 2 أكتوبر 2020. على الرابط: https://arabic.euronews.com/2020/10/02/macron-islam-is-a-religion-that-is-in-crisis-all-over-the-world-today

[7]  “ماكرون “لن يتراجع”.. فرنسا تدعو لـ”وقف” الدعوات لمقاطعتها”، موقع دي دبليو الألماني، 25 أكتوبر 2020. على الرابط: الرابط https://p.dw.com/p/3kQMQ

[8]  ” تقرير للشيوخ الفرنسي يحذر من “الإخوان” ويطالب بحظرها”، بوابة العين الإخبارية، 10 يوليو 2020. على الرابط: https://al-ain.com/article/french-senat-brotherhood

المواضيع ذات الصلة