10 مارس 2020

مصر في ما بعد مرحلة استقرارها الاقتصادي: الطريق نحو نمو مستدام

دكتور أحمد الصفتي

لجأت الحكومة المصرية في نوفمبر 2016 بهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية الداخلية والخارجية إلى تفعيل خطة إصلاحات طموحة بدعم من صندوق النقد الدولي لثلاث سنوات. وقد ركزت الخطة على استعادة التوازنات الاقتصادية من خلال تنفيذ إصلاحات مهمة خصت مجالات السياسات المالية والنقدية وأسعار الصرف، وإصلاح دعم الطاقة، وتحسين التمويل الحكومي من خلال فرض ضريبة القيمة المضافة، وتطبيق نظام ضمان اجتماعي محسن يحفظ للطبقات الاجتماعية الأكثر هشاشة الحد الأدنى من شروط العيش الكريم. كما تضمنت الخطة إصلاحات هيكلية في قطاع الطاقة، والخصخصة، وتحسين البنية التحتية، ومناخ الاستثمار.

وعلى الرغم من انتهاء تنفيذ هذه الخطة الإصلاحية للاقتصاد المصري في نوفمبر 2019 بتَحسُن كبير مَكَّن من الحد من الاستيعاب المحلي، ومعالجة بعض القضايا الهيكلية؛ إلا أنه ما تزال هناك تحديات تواجه النمو الاقتصادي المستدام لمصر، حيث أن الاستثمار الخاص المحلي ما زال بحاجة إلى التحفيز، والاستثمار الأجنبي المباشر ما زال ضعيفاً، والخصخصة غير مواكبة، وتنمية رأس المال البشري ما تزال تشكل عائقاً، وهناك قضايا مهمة تتعلق بالإجراءات الإدارية المعقدة، وعدم الكفاءة، وإعادة تحديد أدوار القطاعين العام والخاص.

وتفرض هذه الأوضاع والمحددات بالضرورة على جمهورية مصر العربية النظر في إمكانية تنفيذ مرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية تضمن من خلالها معالجة المشكلات المتبقية، وتساعد اقتصادها على النهوض بما يعزز كفاءته ويدعم تحقيق نمو شامل ومستدام.

المشكلات الاقتصادية في مصر قبل نوفمبر 2016:

عانى الاقتصاد المصري من أوجه قصور واختلالات كبيرة خلال الفترة ما بعد يناير 2011، وحتى نوفمبر 2016. كما واجه ضغوطاً متنامية جراء بطء النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات البطالة بسبب نقص الاستثمار الخاص، المحلي والأجنبي على حد سواء. وكابد ارتفاع مستويات التضخم ومزاحمة القطاع الخاص نتيجة السياسة المالية التوسعية – الناجمة بالأساس عن الإنفاق الاجتماعي الاستثنائي. وقد أدى ذلك إلى زيادة العجز في الميزانية الممولة بشكل متزايد ومباشر من البنك المركزي المصري والنظام المصرفي المحلي في شكل سياسة نقدية استيعابية.

كما أدت هذه السياسات المالية والنقدية التوسعية إلى اختلالات داخلية وخارجية كبيرة، عانت مصر جراءها من اتساع العجز المزدوج في الموازنة الحكومية والحساب الجاري لميزان المدفوعات، فيما أدى تزايد العجز في الحساب الجاري، ونقص الاستثمار الأجنبي المباشر، وتراجع اتجاه تدفقات المحافظ الاستثمارية، وزيادة صعوبات الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، ومن ثم نشوء سوق موازية للنقد الأجنبي وضغوط شديدة على سعر الصرف الرسمي.

في الوقت ذاته، أدى تاريخ طويل من استراتيجيات إحلال الواردات، والدعم الكبير للطاقة والكهرباء، وسعر الصرف الاسمي المبالغ في تقييمه، وأسعار الفائدة الحقيقية السلبية، إلى اختلالات اقتصادية كبيرة وعدم كفاءة، وإلى تحيز لصالح الصناعات كثيفة استخدام الطاقة وبدائل الاستيراد وكثيفة رأس المال تتناقض مع العمالة الوفيرة الموجودة في مصر، والصناعات الموجهة نحو التصدير التي تعد أكثر كفاءة لاقتصاد حباه الله بوفرة الأيدي العاملة مثل الاقتصاد المصري. علاوة على هذا، عانت تنمية رأس المال البشري في مصر من عدم وجود حيز مالي في ظل طغيان الأجور والإعانات ومدفوعات الفائدة على الإنفاق الحكومي، ما أدى إلى عدم تحقيق مكاسب الكفاءة للنمو الاقتصادي وتدهور تصنيف مصر في مجالي الرعاية الصحية والتعليم في المؤشرات الدولية.

وأخيراً، أدى نقص التمويل وعدم الاستقرار الذي تكبده الاقتصاد مباشرة في أعقاب يناير 2011 إلى تدهور البنية التحتية ونقص إمدادات الكهرباء والمياه، في حين أدت العمالة الكثيفة في القطاع العام، ونقص الوصول إلى الخدمات المالية، والإجراءات الإدارية المعقدة، وتفشي الفساد، والمعوقات التنظيمية والتشريعية إلى تدهور مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال والقدرة التنافسية العالمية لمصر.

الإصلاحات والإنجازات

في مواجهة الاختلالات المتنامية وضعف الكفاءة، اختارت مصر تنفيذ خطة إصلاح اقتصادي طموحة خلال الفترة من نوفمبر 2016 إلى نوفمبر 2019، مدعومة بترتيبات تمويلية ممتدة بقيمة 12 مليار دولار أمريكي من صندوق النقد الدولي. وتمثلت أهداف الخطة في العمل على استعادة استقرار الاقتصاد الكلي، وخفض عجز الميزانية والدين العام، وتعزيز النمو الشامل، وخلق فرص عمل، وتصحيح الاختلالات الخارجية، واستعادة القدرة التنافسية؛ والعمل، في الوقت ذاته، على حماية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع المصري من تكاليف الإصلاحات.

كما تضمنت الخطة إجراء تعديلات هامة في السياسات الاقتصادية والمالية، وإجراء إصلاحات هيكلية، وإرساء أسس ضمان اجتماعي من خلال حزمة شاملة من الإجراءات على النحو التالي:

  • إصلاحات سعر الصرف

    فاجأ البنك المركزي المصري في 3 نوفمبر 2016، وقبل التوقيع على اتفاقية صندوق النقد الدولي، الأسواق بالإعلان عن خفض قيمة الجنيه المصري بنسبة 32.5٪ مقابل الدولار الأمريكي، ثم في غضون أيام قليلة رفع البنك المركزي القيود المفروضة على تحديد أسعار الفائدة من قبل البنوك، وسمح بتعويم سعر الصرف ومن ثم تحديده من قبل السوق دون تدخل.

    خلال المرحلة الأولى من خطة الإصلاح، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بشكل كبير (بمقدار 700 نقطة أساس)، في حين وضع آلية رسمية للمستثمرين الأجانب في الأوراق المالية الحكومية لضمان توافر العملة الأجنبية من خلال القنوات الرسمية عندما يحتاجون إلى إعادة أموالهم إلى بلادهم. وساعد الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة المحلية، وتعويم سعر الصرف، وآلية إعادة أموال المستثمرين لبلادهم على اجتذاب تدفقات كبيرة من استثمارات المَحَافِظ المالية الأجنبية، وفي الوقت ذاته شجع سكان مصر على عكس ظاهرة الدَّوْلَرَة التي سادت قبل خطة الإصلاح، ما ساعد بشكل كبير في إعادة بناء الاحتياطيات الدولية في البنك المركزي المصري.

    وفي وقت لاحق، خلال المرحلة الأخيرة من خطة الإصلاح، وبعد فترة طويلة من بناء الاحتياطيات الدولية واستعادة ثقة المستثمرين الأجانب في الجنيه المصري، ووقف آلية الإعادة إلى الوطن بعد أن حققت أهدافها، واستمرار تدفقات المَحَافِظ الاستثمارية الأجنبية، بالإضافة إلى الأداء القوي من قطاع السياحة وتحويلات العمالة المصرية بالخارج، شهد الجنيه المصري فترة ارتفاع كبيرة مقابل الدولار الأمريكي.

  • إصلاحات السياسة النقدية

    في البداية، عمل البنك المركزي على احتواء معدل التضخم من خلال تشديد السياسة النقدية عبر زيادات متتالية في أسعار الفائدة، وكبح السيولة الزائدة في سوق النقد من خلال طرح مزادات الودائع للبنوك. كما عمل البنك المركزي على تعزيز استقلاليته ومنع هيمنة السياسة المالية على السياسة النقدية من خلال توقيع بروتوكول مع وزارة المالية بشأن تقليص قيام البنك المركزي بالتمويل المباشر للموازنة من خلال السحب على المكشوف.

    وخلال الخطة، وبعد تعويم سعر الصرف، اختار البنك المركزي إطار سياسة نقدية قائمة على استهداف النقود، مع وضع أسس تمهد الطريق لاستهداف التضخم في المستقبل. وقرر أن تركز السياسة النقدية على خفض معدل التضخم إلى أرقام أحادية على المدى المتوسط، وتم تحديد هدف لمعدل التضخم عند 9% (+ / – 3 في المائة) للربع الأخير من عام 2020.

    كما عمل البنك المركزي على زيادة فعالية السياسة النقدية من خلال التحكم في الائتمان المقدم للحكومة، من خلال تعزيز قدرته على التنبؤ بالسيولة وإدارتها، وذلك عبر تحسين الشفافية والاتصالات بشكل رئيس من خلال إصدار تقرير ربع سنوي عن السياسة النقدية وتقرير سنوي عن الاستقرار المالي.

  • إصلاحات السياسة المالية

    تضمنت خطة الإصلاح لعام 2016 إصلاحات على السياسة المالية كعنصر رئيس من أجل منع حدوث أي مشكلة في الدين العام. ولتحقيق هذا الهدف، استهدفت الخطة الحفاظ على فائض أولي في الميزانية (أي دون الأخذ في الاعتبار مدفوعات الفائدة على الدين العام) بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي من أجل ضمان تراجع الدين العام، وبحيث يكون هناك حيز مالي لـلإنفاق على الأولويات، مثل الاستثمار في البنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم.

    ولتحقيق الفائض الأولي المستهدف، تقرر زيادة الإيرادات الضريبية زيادة كبيرة من خلال تنفيذ ضريبة القيمة المضافة، وفي الوقت ذاته خفض النفقات الأولية عبر تقليص الدعم واحتواء فاتورة الأجور. ومن أجل تقليص الدعم، تم رفع أسعار الطاقة بانتظام لتحقيق استرداد كامل تكلفة الوقود قبل خصم الضرائب بحلول 2018/2019، وإلغاء دعم الكهرباء على مدى فترة خمس سنوات.

  • إصلاحات هيكلية

    شملت خطة الإصلاح لعام 2016 عدداً من الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى زيادة كفاءة الاقتصاد بما يمكن من تحقيق النمو الشامل المستدام وخلق فرص العمل للشباب. وشملت هذه الإصلاحات تدابير: لتحسين الإدارة المالية العامة؛ وتبسيط أنظمة الأعمال؛ وتعزيز الحوكمة بصفة عامة وفي المؤسسات العامة بصفة خاصة، وتخطيط إجراء إصلاحات تهدف إلى تحديث قطاع الطاقة من خلال تحسين الإطار التنظيمي لتعزيز الاستثمارات الخاصة وتشجيع المنافسة.

    وتضمنت الإصلاحات الهيكلية الأخرى تحسين نظام الترخيص من خلال: استحداث منصة موحدة لجميع خدمات التراخيص؛ وضع قانون جديد لشركات الملكية الفردية؛ إلغاء الترخيص الصناعي باستثناء الصناعات التي تؤثر على المصالح العامة الحيوية؛ صياغة قانون جديد للإعسار يتماشى مع أفضل المعايير الدولية ويبسط إجراءات الإفلاس ويزيل تجريم الإعسار؛ وضع تصور لاستئناف الخصخصة من خلال الإعلان عن خطة الاكتتاب العام لمدة خمس سنوات كجزء من أجندة الحكومة لتحسين إدارة الأصول العامة؛ جذب الاستثمارات الخاصة، وإنشاء صندوق الثروة السيادية.

    كما عملت مصر على تعزيز نظام المشتريات العامة بغية زيادة شفافيته وعدالته والحد من الفساد، وتحسين الإنفاق العام إلى الحد الأمثل. ولذلك، تمت الموافقة على قانون جديد للمشتريات الحكومية، والعمل على توحيد عمليات الشراء الحكومي لتشجيع مشاركة القطاع الخاص على نطاق واسع وتنافسي، وتم تطبيقه بشكل موحد على جميع مناقصات الجهات الحكومية المشمولة بالقانون، لضمان اتساق قواعد المشتريات مع أفضل الممارسات؛ ومن المقرر أيضاً أن يتحول نظام المشتريات العامة من النظام الورقي إلى بوابة واحدة للمشتريات الإلكترونية.

    وكان من بين الإصلاحات الهيكلية الأخرى التي تستهدف تحسين مناخ الأعمال التجارية إنشاء سجل للضمانات لتيسير الحصول على التمويل، لاسيما للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتنفيذ إصلاحات على نظام تشجيع التصدير وتقليص الحواجز غير الجمركية أمام التجارة إلى أقصى حد ممكن.

  • إصلاحات الضمان الاجتماعي

    أخذت خطة الإصلاح في الاعتبار الحاجة إلى حماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع من خلال العديد من التدابير التي شملت زيادة إضافية بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي في الإعانات الغذائية والتحويلات النقدية للفقراء من خلال البرنامج الاجتماعي “تكافل وكرامة”؛ ومن المقرر تحسين توجيه الإعانات الغذائية من خلال تحسين نظام البطاقات الذكية لتقنين حصص الأغذية الأساسية.

الإنجازات الرئيسة لخطة الإصلاح

نجح صندوق النقد الدولي في إطار تنفيذه لخطة الإصلاحات الاقتصادية بمصر في تحسين أداء معظم مؤشرات الاقتصاد الكلي حيث تم تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي انتقل من 4.3% خلال السنة المالية 2015/2016 إلى 5.5% خلال السنة المالية 2018/2019، فيما تشير التقديرات على المدى المتوسط إلى إمكانية تطور نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 6%.

كما مَكن تنفيذ الخطة من خفض معدلات البطالة من 12.7% خلال عام 2015/2016 إلى 8.8% خلال 2018/2019، أما بالنسبة لمعدل التضخم، فقد أدى التقييم المبدئي وتعديل أسعار الوقود إلى ارتفاع كبير وصل إلى 29.8% خلال سنة 2016/2017، غير أن السياسة النقدية الحكيمة التي تم اتباعها مكنت من خفض مستمر في معدل التضخم ليصل إلى 12.4% مع نهاية سنة 2018/2019.

ونجحت الخطة الإصلاحية على صعيد قطاع الموازنة، في تعديل التوازنات وتحويل عجز الموازنة الأولي البالغ 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2015/2016 إلى فائض أولي بنسبة 2.0% في 2018/2019، ما أدى إلى انخفاض العجز الكلي للميزانية من 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 8.2% من الناتج المحلي الإجمالي للتواريخ المذكورة على التوالي.

وأدى الفائض الأولي وتراجع العجز العام إلى تراجع الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 96.9% في 2015/2016 إلى 85.2% في 2018/2019، ما ساعد على الحد من الضغوط التضخمية وتأثير المزاحمة على القطاع الخاص.

2015/16 2018/19 2020/21 (Proj.)
معدل نمو الناتج الإجمالي المحلي الحقيقي (%) 4.3 5.5 6.0
معدل البطالة (%) 12.7 8.8 7.5
معدل التضخم (%) 28.9 (2016/17) 12.4 7.4
قطاع الميزانية
رصيد الموازنة الأولي (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) -3.5 +2.0 +2.0
رصيد الموازنة الكلي (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) -12.5 -8.2 -5.6
الدين العام (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) 96.9 85.2 79.2
القطاع الخارجي
الميزان التجاري (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) -14.5 (2016/17) -12.8 -11.5
ميزان الحساب الجاري (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) -5.6 (2016/17) -2.5 -2.1
الاحتياطات الدولية (قياسا بالمليار دولار أمريكي- بنهاية السنة المالية) 17.1 43.9 44.5
الاحتياطات الدولية (تغطي أشهر من الواردات) 3.0 5.9 5.4

المصدر: صندوق النقد الدولي

وفي ما يتعلق بالقطاع الخارجي، ساعد الخفض الأولي لسعر الصرف في تحسين الميزان التجاري كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي من سالب 14.5% في الفترة 2015/2016 إلى سالب 12.8% في الفترة 2018/2019، في حين ساعد ضبط الأوضاع المالية والسياسة النقدية الحصيفة في الحد من الاختلالات الداخلية، وبالتالي تحسين الخلل الخارجي في الحساب الجاري لميزان المدفوعات ليسجل انخفاضاً في العجز كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من سالب 5.6% في 2015/2016 إلى سالب 2.5% في 2018/2019.

كما أدى استئناف تدفقات المحافظ الاستثمارية إلى مصر وعودة قدرتها على الوصول إلى الأسواق المالية الدولية في ظل ظروف مواتية، إلى تمكن الحساب الرأسمالي والمالي لميزان المدفوعات من تسجيل فوائض ساعدت مصر في إعادة بناء احتياطاتها الدولية من 17.1 مليار دولار أمريكي فقط، تغطي 3 أشهر من الواردات بنهاية 2015/2016، إلى 43.9 مليار دولار أمريكي تغطي 5.9 شهر من الواردات بنهاية 2018/2019.

تحديات النمو الاقتصادي المستدام في مصر

بالرغم من انتهاء تنفيذ خطة صندوق النقد الدولي بتحقيق تحسن كبير في احتواء الاستهلاك المحلي وفي بعض القضايا الهيكلية، فإنه ما تزال هناك تحديات أمام النمو الاقتصادي الشامل والمستدام، حيث أن الاستثمار الخاص المحلي ما يزال بحاجة إلى التحفيز، وما يزال الاستثمار الأجنبي المباشر ضعيفاً، كما أن مصر ما تزال تعتمد اعتماداً كبيراً في سد فجوة التمويل الخارجي على تدفقات الديون الخارجية واستثمارات المَحَافظ الأجنبية في الأوراق المالية الحكومية. وما تزال الخصخصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص غير مواكبة، وتنمية رأس المال البشري تواجه مشكلات، وما تزال هناك قضايا رئيسة تتعلق بتعقيد الإجراءات الإدارية، وعدم الكفاءة، وإعادة تحديد أدوار القطاعين العام والخاص.

يمكن معرفة المعايير الرئيسة لتحسين جانب العرض في الاقتصاد المصري من خلال المقارنات الدولية المتعلقة بكفاءة مصر وقدرتها التنافسية كما يتجلى في مؤشرين رئيسين، ومؤشراتهما الفرعية، التي تتبع الجوانب التالية:

  1. سهولة ممارسة الأعمال: تنشر مجموعة البنك الدولي تقريراً سنوياً يتتبع ويقارن بين 190 دولة من حيث جهودها الرامية إلى تحسين القواعد والأنظمة التي تفيد النشاط الاقتصادي للشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة الحجم. وهذه القواعد هي التي تسمح بالتبادلات الطوعية بين الجهات الفاعلة الاقتصادية، وتحدد حقوق قوية للملكية، وتيسر تسوية المنازعات التجارية، وتوفر للشركاء التعاقديين الحماية من التعسف وسوء المعاملة. وتكون هذه القواعد أكثر فعالية في تعزيز النمو والتنمية عندما تكون فعالة وشفافة، ومتاحة لأولئك الذين تم وضعها من أجلهم، ومن شأنها أن تخلق بيئة تمكن الداخلين الجدد الذين لديهم دوافع وأفكار مبتكرة أن يبدأوا أعمالهم التجارية، ويُمكّن الشركات المنتجة من الاستثمار والتوسع وخلق فرص عمل جديدة. (مجموعة البنك الدولي، 2020، ص 18)

  2. القدرة التنافسية العالمية: ينشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريرا سنوياً يضع مقياساً لواضعي السياسات للنظر إلى ما هو أبعد من التدابير القصيرة الأجل وتقييم تقدمهم بدلاً من ذلك في ضوء المجموعة الكاملة من العوامل التي تحدد الإنتاجية. يتم تنظيم هذه في 12 ركيزة هي: المؤسسات، والبنية التحتية، واعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واستقرار الاقتصاد الكلي، والصحة، والمهارات، وسوق المنتجات، وسوق العمل، النظام المالي، وحجم السوق، ودينامية الأعمال التجارية، والقدرة على الابتكار. (المنتدى الاقتصادي العالمي، 2019، ص5).

الأداء وفق مؤشر سهولة ممارسة الأعمال

2018 2020
الترتيب وفق مؤشر سهولة ممارسة الأعمال 128 (من أصل 191) 114 (من أصل 190)
بدء الأعمال 103 90
التعامل مع تراخيص البناء 66 74
الحصول على الكهرباء 89 77
تسجيل العقارات 119 130
الحصول على الائتمان 90 67
حماية مستثمري أسهم القلة 81 57
دفع الضرائب 167 156
التجارة عبر الحدود 170 171
إنفاذ العقود 160 166
تسوية الإعسار 115 104

المصدر: تقارير أداء الأعمال، مجموعة البنك الدولي

تحسن الترتيب العام لمصر في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال مع تنفيذ خطة الإصلاح لعام 2016. وتحسن الترتيب العام بمقدار 14 مرتبة بين عام 2017 (وفق تقرير عام 2018)، وعام 2019 (وفق تقرير عام 2019). ومع ذلك، لا يزال أمام مصر طريق طويل من أجل تحقيق بيئة أعمال دينامية ومضيافة لشركات القطاع الخاص حيث لا يزال ترتيبها العام – حتى بعد التحسن – في حاجة ماسة إلى مزيد من التحسين لأنها تحتل المرتبة 114 من بين 190 اقتصادا.

عند النظر في المجالات التي هي في أمس الحاجة إلى التحسين، وبالتالي ينبغي اعتبارها أولوية، يمكن اعتبار المجالات الخمسة التالية هي المجالات ذات الأولوية التي تحتاج إلى إصلاحات:

  • ما تزال مصر غير مواكبة في مجال التجارة الدولية الحرة، حيث أن ترتيبها الحالي في “التجارة عبر الحدود” هو 171 من أصل 190 اقتصاداً.

  • يحتاج النظام القانوني الذي يغطي الأنشطة التجارية إلى تحسين، حيث تحتل مصر المرتبة 166 من بين 190 اقتصاداً في سهولة “إنفاذ العقود”، و104 في سهولة “تسوية حالات الإعسار”.

  • تحتاج إدارة الضرائب إلى جهد إصلاحي شامل، حيث تحتل مصر حالياً المرتبة 159 من بين 190 اقتصاداً في سهولة “دفع الضرائب”.

  • تحتاج الإجراءات الإدارية إلى معالجة حيث تحتل مصر المرتبة 130 من بين 190 اقتصاداً في سهولة “تسجيل العقارات”، و90 في سهولة “بدء الأعمال”، و77 في سهولة “الحصول على الكهرباء”، و74 في سهولة “التعامل مع تراخيص البناء”.

  • تحسين النظام المالي من شأنه أن يمكن مصر من تحسين ترتيبها الحالي 67 في سهولة “الحصول على الائتمان”. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا المجال تحديداً قد تحسن بشكل كبير حيث كانت مصر تحتل المرتبة 90 قبل ثلاث سنوات.

الأداء وفق مؤشر التنافسية العالمية

2017/18 2019
الترتيب وفق مؤشر التنافسية العالمية 100 (من أصل 137( 93 )من أصل 141)
المؤسسات 64 82
البنية التحتية 71 52
البيئة الاقتصادية الكلية/الاستقرار الاقتصادي الكلي 132 135
الصحة & التعليم الأساسي/الصحة 87 104
التعليم العالي & التدريب/المهارات 100 99
كفاءة سوق السلع/سوق السلع 90 100
كفاءة سوق العمالة 134 126
تطوير السوق المالية/النظام المالي 77 92
الجاهزية التكنولوجية/استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 94 106
حجم السوق 25 23
تطور الأعمال/دينامية الأعمال 84 95
الابتكار/القدرة على الابتكار 109 61

المصدر: تقارير التنافسية العالمية، المنتدى الاقتصادي العالمي

شهد الترتيب العام لمصر في مؤشر التنافسية العالمية تحسناً مع تنفيذ خطة الإصلاح لعام 2016، حيث بلغ ترتيبها العام المرتبة 93 من أصل 141 دولة في عام 2019 مقارنة بالمرتبة 100 من أصل 137 دولة في عام 2017/2018.

من أجل زيادة تحسين الكفاءة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري وتكامله مع الاقتصاد العالمي، تحتاج المجالات التالية إلى مزيد من التحسينات واعتبارها أولوية للخطوة التالية للإصلاح:

  • – تنمية رأس المال البشري، حيث تحتل مصر حالياً المرتبة 104 من بين 141 دولة في “الصحة”، والمرتبة 99 في “المهارات” المتعلقة بالتعليم العالي والتدريب؛

  • تحسين اللوائح وكفاءة سوق العمل، حيث تحتل مصر المرتبة 126 في “كفاءة سوق العمل”؛

  • يحتاج قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى تحسين، حيث تحتل مصر المرتبة 106 في “اعتماد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات”؛

  • ضرورة التغلب على التحديات المتبقية في أسواق السلع لزيادة كفاءتها حيث تحتل مصر المرتبة 100 في المؤشر الفرعي “سوق السلع”؛

  • يمكن تحسين بيئة الأعمال بشكل أكبر حيث تحتل مصر المرتبة 95 في المؤشر الفرعي “دينامية الأعمال”.

بناء على النتائج التي حققها أداء الاقتصاد المصري في كل من تهيئة المناخ الملائم لتنمية الشركات المحلية الخاصة المتوسطة والصغيرة التي تساعد على خلق فرص العمل وتحقيق نمو شامل ومستدام في “مؤشر سهولة ممارسة الأعمال”، وأدائه في الكفاءة والدينامية اللازمة من أجل أن يكون قادراً على القيام بدور أكثر نشاطا في الاقتصاد العالمي وتحقيق درجة أعلى من التكامل معه بحيث ينعكس ذلك على “مؤشر التنافسية العالمية”.

وفي ما يلي إطار متكامل ينبغي أن يكون بمثابة دليلا للحزمة التالية من الإصلاحات للسياسات الهيكلية والاجتماعية على المدى المتوسط والطويل.

إطار سياسة مقترح/استراتيجية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام في مصر

يوصى بتطوير إطار متكامل للإصلاح الهيكلي يغطي المجالات المذكورة في القسم السابق، بحيث يمكن قياس الإنجازات من خلال التحسين المستمر في كل من مؤشر ممارسة الأعمال، ومؤشر القدرة التنافسية العالمية. ويغطي الإطار المقترح أربع ركائز رئيسة وهي: تحسين القدرة التنافسية، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الكفاءة، ومشاركة القطاع الخاص.

أولاً: تحسين القدرة التنافسية – ينبغي على مصر أن تتطلع إلى تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد لتعكس ميزتها النسبية النابعة من حقيقة أنها دولة وفيرة العمالة، ومن شأن تحقيق هذا الهدف أن يساعد مصر على تحسين قدرتها التنافسية الخارجية في إطار يستهدف اقتصاداً أكثر انفتاحاً ومتكاملاً مع الاقتصاد العالمي، ولتحقيق هذا الهدف، يجب القيام بما يلي:

  • الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي إذ ينبغي أن تواصل مصر اتباع سياسات مالية ونقدية سليمة تحافظ على معدل التضخم عند رقم أحادي، وأن تحافظ على التوازنات الداخلية والخارجية من خلال الحفاظ على توازن أولي إيجابي في الميزانية، وتقليل العجز الإجمالي في الميزانية، وأسعار فائدة حقيقية إيجابية، وسياسة نقدية مستقلة لا تخضع للهيمنة المالية.

  • المحافظة على نظام سعر الصرف المعوّم إذ ينبغي على البنك المركزي المصري الاستمرار في النظام الجديد الفعال وعدم التدخل في سوق الصرف الأجنبي لدعم سعر صرف الجنيه المصري المبالغ في تقدير قيمته؛ ومن شأن الجمع بين معدل التضخم المعتدل عند رقم أحادي، وسعر صرف اسمي مرن غير مُبالغ في تقدير قيمته، أن يساعد على منع فقدان القدرة التنافسية الخارجية للاقتصاد المصري.

  • التركيز على القطاعات كثيفة العمالة لتعكس الميزة النسبية لمصر، فبما أن مصر تعتبر دولة وفيرة العمالة، فإن ميزتها النسبية تكمن في القطاعات كثيفة العمالة. ومن ثم، فإن القضاء على الاختلالات في الأسعار النسبية لعوامل الإنتاج، من خلال الحفاظ على سعر فائدة حقيقي إيجابي وإلغاء دعم الطاقة من شأنه أن يساعد على إرسال الإشارات الصحيحة لتحقيق التخصيص الفعال للموارد نحو القطاعات كثيفة العمالة. وبما أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة عادة ما تهيمن على هذه القطاعات، فإن تعزيزها من شأنه أن يساعد على تحسين القدرة التنافسية للاقتصاد المصري وخلق فرص عمل للحفاظ على سجل نمو شامل.

  • إصلاح نظام التجارة الخارجية، فالتحول من سياسة تجارية تقوم إلى حد كبير على الحمائية والاستعاضة عن الواردات، إلى سياسة تقوم على نظام تجاري مفتوح نسبيا وتعزيز الصادرات سيكون عنصراً رئيساً في تحسين السياسة الخارجية والقدرة التنافسية للاقتصاد المصري، لأنها ستؤدي إلى تخصيص أكثر كفاءة للموارد؛ وسيتطلب هذا الأمر إدخال إصلاحات في كل من الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام التجارة، من خلال تبسيط نظام التعريفات الجمركية وجعله أقل اختلالا، وتبسيط الإجراءات الإدارية التي تواجه المصدرين والمستوردين الذي يتسبب في ضياع الوقت وارتفاع تكلفة المشاركة في أنشطة التجارة الخارجية.

ثانياً: تنمية رأس المال البشري كما أوضحنا في النقطة السابقة، فإن الميزة النسبية لمصر تكمن في وفرة العمالة. وبناء على ذلك، ومن أجل إطلاق الإمكانات الكاملة للاقتصاد المصري، ينبغي إعطاء الأولوية للتحسين المستمر للقوة العاملة. وهذا سيتطلب ما يلي:

  • توفير الحيز المالي لتحديد أولويات الإنفاق الحكومي على التعليم والرعاية الصحية: قبل الشروع في خطة الإصلاح لعام 2016، كان الإنفاق الحكومي في مصر يعطي الأولوية للإنفاق على الأجور والرواتب والدعم ومدفوعات الفوائد على الاستثمار في رأس المال البشري الذي يركز على التعليم والرعاية الصحية. لكن الآن وبعد عملية ضبط الأوضاع المالية التي قامت بها الحكومة طيلة السنوات الثلاث الماضية، لابد وأن ينصب التركيز على توفير الحيز المالي اللازم للاستثمار في رأس المال البشري.

  • إصلاح نظام التعليم لتحقيق تطابق أفضل بين مخرجاته والمهارات التي يتطلبها السوق: تدهور ترتيب مصر في المقارنات الدولية التي تركز على التعليم نتج عن سياسة طويلة الأمد لتوفير تعليم عالي مجاني تقريباً من خلال تخريج أعداد ضخمة من خريجي الجامعات دون ضمان جودة التعليم وارتباط شهاداتهم بالمهارات التي يتطلبها السوق. كما تحول التركيز إلى العلوم الاجتماعية والابتعاد عن “العلوم الطبيعية/الصعبة” والتدريب المهني، وتم تهميش مراقبة جودة العملية التعليمية. والآن، ينبغي التركيز على إصلاح نظام التعليم ليتناسب مع المهارات التي يتطلبها سوق العمل، وينبغي وضع استراتيجية طويلة الأجل تستفيد من التجارب الدولية الناجعة وتنفيذها بدلا من الإجراءات القصيرة الأجل التي تتغير مع تغيير كبار المسؤولين عن التعليم.

ثالثاً: تعزيز الكفاءة إن تحسين الكفاءة في ما يتعلق بآليات السوق ومجالات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مصحوباً بزيادة درجة الشمول المالي هي عناصر رئيسة في تحقيق نمو شامل ومستدام في الدول النامية والأسواق الناشئة. وفي ما يلي مجالات الإصلاح الرئيسة:

  • تحسين كفاءة أسواق المدخلات: يجب تحسين كفاءة أسواق المدخلات (العمل، ورأس المال، والطاقة، والأراضي) من خلال إزالة الاختلالات المتبقية، وتوفير الإشارات الصحيحة التي من شأنها توجيه التخصيص الأمثل للموارد. ويشمل ذلك تبسيط الأنظمة وجعلها أكثر شفافية، والعمل على تحسين آليات حل المنازعات، وتصحيح آليات تحديد الأسعار، وتطوير المنصات الإلكترونية كأسواق افتراضية على الإنترنت.

  • تحسين كفاءة أسواق المخرجات: على غرار أسواق المدخلات، تحتاج أسواق السلع والخدمات إلى إصلاحات لزيادة الشفافية وكفاءة آليات تحديد الأسعار، وتوطيد أنظمة مكافحة الاحتكار، وتشجيع التجارة الإلكترونية، وتطوير آليات كفؤة وعادلة لحل النزاعات.

  • النهوض بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والشمول المالي: هناك حاجة إلى النهوض بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل تعزيز الأعمال التجارية عبر الإنترنت، وتحقيق مستوى أعلى من الشمول المالي من شأنه أن يساعد على تحسين الفرص المتاحة للشركات البالغة الصغر والصغيرة والمتوسطة. وتبين تجربة العديد من الدول النامية أن الخدمات المصرفية المتنقلة عنصر رئيس للشمول المالي، لا سيما في المناطق النائية والريفية، وقد ساعد هذا التقدم في الشمول المالي في تحقيق نمو شامل ومستدام.

رابعاً: مشاركة القطاع الخاص زيادة الأهمية النسبية لمساهمة القطاع الخاص في النمو الاقتصادي هي مفتاح الكفاءة والنمو الشامل والمستدام. وينبغي أن يتم ذلك من خلال إتاحة المجال للقطاع الخاص للازدهار من خلال التقليل إلى أدنى حد من آثار المزاحمة الناجمة عن زيادة أنشطة القطاع العام، وحل العقبات التي تواجه الاستثمار الخاص، والعمل على عقد شراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال توسيع تطوير البنية التحتية والمشاريع الرئيسة التي تطرحها الحكومة:

  • الخصخصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص: يُعد تنشيط برنامج الخصخصة عنصراً أساسياً في جهود الإصلاح الهيكلي التي تبذلها الحكومة المصرية. وتشكل خصخصة أسهم الأقلية في المشاريع المشتركة بين القطاعين العام والخاص نقطة انطلاق، ولكن ينبغي توسيع نطاق هذه الجهود تدريجيا لتشمل المؤسسات العامة الرئيسة مثل بنوك القطاع العام. وفي الوقت ذاته، يمكن للحكومة تحقيق الهدفين المزدوجين المتمثلين في تقليل متطلبات الاقتراض لتمويل مشاريع البنية التحتية الرئيسة وتفعيل القطاع الخاص من خلال المزيد من الاعتماد على الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تنفيذ المشاريع.

  • تبسيط الإجراءات الإدارية ومكافحة الفساد: تكثف الحكومة المصرية جهودها في مكافحة الفساد وتبسيط الإجراءات، ولكن هناك حاجة إلى مزيد من التحسينات لتوفير إدارة شفافة وعادلة وفعالة بشكل كامل بحيث تكون أكثر جذبا لشركات القطاع الخاص. وتشكل مجالات مثل التجارة الدولية، والتراخيص، والمشتريات الحكومية أولويات للإصلاحات الإدارية.

  • إصلاحات الإدارة الضريبية: الإدارة الضريبية حالة خاصة جداً تحتاج إلى إصلاحات عاجلة من أجل زيادة مشاركة القطاع الخاص في الأنشطة الاقتصادية. تشكل زيادة شفافية إدارة الضرائب، وتوضيح والقواعد وتوحيدها، وتبسيط دفعها، وحل النزاعات الخاصة بها، جزء لا يتجزأ من هذا الجهد. والخيار الذي يستحق الدراسة هو أن تكون الإدارة الضريبية وكالة مستقلة عن وزارة المالية لضمان كفاءتها.

  • تقليص حجم القطاع الحكومي، وتبسيط الإجراءات الإدارية، والاستثمار في الحكومة الإلكترونية: يمثل الحجم الهائل للقطاع الحكومي في مصر إحدى العقبات الرئيسة أمام وجود نظام فعال يحل مشكلات القطاع الخاص ويسهل عمله بدلا من وضع العراقيل أمامه. لذا، يحتاج القطاع الحكومي إلى دراسة الخيارات المتاحة لتنفيذ برنامج للتقاعد المبكر بحيث يساعد في تقليص حجم القوى العاملة مع تجنب الآثار الجانبية الاجتماعية المحتملة. وفي الوقت ذاته، ينبغي على الحكومة تكثيف جهودها في تبسيط إجراءاتها وتوسيع نطاق تنفيذ الحكومة الإلكترونية من أجل تيسير عمل القطاع الخاص.

خلاصة:

رغم نجاح خطة الإصلاح الاقتصادي المصري بدعم من صندوق النقد الدولي في تحقيق تحسن كبير في احتواء الاستهلاك المحلي ومعالجة بعض القضايا الهيكلية، ما تزال هناك تحديات للنمو الاقتصادي المستدام: فالاستثمار الخاص المحلي ما يزال بحاجة إلى التحفيز، والاستثمار الأجنبي المباشر ما يزال ضعيفاً، والخصخصة غير مواكبة، وتنمية رأس المال البشري ما تزال تواجه مشكلات، والقضايا الرئيسة المتعلقة بالبيروقراطية والإجراءات الإدارية المعقدة، وعدم الكفاءة، وإعادة تحديد أدوار القطاعين العام والخاص ما تزال قائمة.

وبناء على هذا، هناك حاجة إلى جولة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية من أجل معالجة المشكلات العالقة في ما يتعلق بجانب العرض في الاقتصاد المصري من أجل تعزيز الكفاءة وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وينبغي أن تستهدف هذه الإصلاحات السياسات المتعلقة بتحسين رأس المال البشري، وزيادة دور القطاع الخاص من خلال- من بين أمور أخرى- تفعيل الخصخصة وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإزالة الاختلالات المتبقية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، والعمل بشكل رئيسي على تحقيق تحسينات كبيرة في الترتيب العالمي لمصر في جميع عناصر مؤشر التنمية البشرية، ومؤشر ممارسة الأعمال، ومؤشر التنافسية العالمية.

ومن أجل تحقيق نمو شامل ومستدام، يوصى بوضع إطار سياسي لتعزيز جانب العرض في الاقتصاد، مدفوعاً بتحسين الترتيب العالمي لمصر في العناصر التي يشملها مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، ومؤشر التنافسية العالمية. ويعمل إطار السياسات هذا على إصلاح أربع محاور رئيسة، تعرف اختصاراً بـ (CHEP)، ألا وهي: تحسين القدرة التنافسية، وتنمية رأس المال البشري، وتعزيز الكفاءة، ومشاركة القطاع الخاص.

 

المراجع:

  • IMF, Arab Republic of Egypt: Request for Extended Arrangement under the Extended Fund Facility – Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt, January 2017.
  • IMF, Arab Republic of Egypt: First Review under the Extended Arrangement under the Extended Fund Facility and Request for Waivers for Nonobservance and Applicability of Performance Criteria – Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt, September 2017.
  • IMF, Arab Republic of Egypt: 2017 Article IV Consultation, Second Review Under the Extended Arrangement under the Extended Fund Facility and Request for Waivers for Nonobservance and Applicability of Performance Criteria – Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt, January 2018.
  • IMF, Arab Republic of Egypt: Review Under the Extended Arrangement under the Extended Fund Facility and Request for Modification of Performance Criterion – Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt, July 2018.
  • IMF, Arab Republic of Egypt: Fourth Review under the Extended Arrangement under the Extended Fund Facility – Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt, April 2019.
  • IMF, Arab Republic of Egypt: Fifth Review Under the Extended Arrangement under the Extended Fund Facility – Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for the Arab Republic of Egypt, October 2019.
  • IMF, Arab Republic of Egypt: Selected Issues, December 7, 2017.
  • The World Bank, Doing Business, 2017-2020.
  • World Economic Forum, the Global Competitiveness Report, 2016-2019.
  • UNDP, Human Development Report, 2016-2019.
  • World Bank Group, Egypt: Enabling Private Investment and Commercial Financing in Infrastructure, 2018.
  • Central Bank of Egypt, Monthly Statistical Bulletin.

 

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 1

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.