4 أبريل 2021

أدوات جماعات الإسلام السياسي وآلياتها لتحقيق أهدافها ومشروعاتها في أوروبا

جاسم محمد

مقدمة

نشطت جماعات الإسلام السياسي في الدول الأوروبية منذ ستينيات القرن العشرين، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين التي توسعت باتباع استراتيجية طويلة المدى وضعها مؤسس الحركة حسن البنّا، ليكون “الإخوان” أول من أنشأ مراكز ثقافية إسلامية ومساجد في أوروبا، فضلاً عن بناء المجتمعات المتنوعة الاتجاهات من (النساء والطلاب والعاملين، إلخ)، مكرسين خدماتهم لمساعدة المسلمين في البلدان المضيفة لهم، وتشكيل قاعدة جماهيرية داعمة لبرامج الجماعة وأنشطتها في داخل أوروبا وخارجها.

وينبغي الإشارة إلى أن المنظمات الإخوانية في الغرب لا تتصرف بمعزل عن غيرها، كما أن وجودها في الغرب لم يمنع ارتباطها العام بجمهور معين في الشرق الأوسط؛ فعلى سبيل المثال تتواصل قواعد “الإخوان” في ألمانيا مع الإخوان المسلمين في تركيا وسوريا، بينما تعمل منظمات “الإخوان” في بريطانيا مع قواعدها في العراق ومصر وغزة، وترتبط المنظمات الإسلامية في فرنسا ارتباطاً مباشراً بالأحزاب السياسية في الجزائر وتونس، إذ تجمعهم علاقات تنظيمية وأهداف مشتركة تدور حول الحفاظ على تنظيم “الإخوان” كلاعب سياسي في العالم العربي.[1]

وتسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على الأدوات والآليات التي تستخدمها جماعات الإسلام السياسي، وجماعة الإخوان المسلمين بالتحديد، من أجل تحقيق أهدافها وتنفيذ مشروعاتها في أوروبا.

أولاً: الوجود الإخواني في أوروبا.. مخاطر وقلق:

تمتلك جماعة “الإخوان المسلمين” مراكز في دول أوروبية كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا وإيطاليا، بالإضافة إلى المؤتمرات والاجتماعات الدورية والسنوية التي تنظم لجذب أكثر من 170 ألف زائر، والتي تستهدف تعزيز مشاعر الثقة عند المسلمين هناك من خلال ندوات سياسية ودينية متكررة لصالح “الإخوان”. أضف إلى ذلك، فإن انتشار نشاط “الإخوان” داخل أوروبا يعتبر محاولة للضغط على صناع القرار الأوروبيين لتلبية مطالب الجماعة، التي قامت بتنشئة جيل جديد يتبنى أفكارها ويؤمن بأساليبها الحركية.

وقد أدركت بعض الدوائر الأوروبية مخاطر الجماعة، إذ عبرت هذه الدوائر عن قلقها من نشاط الجماعة، وما يمكن أن يترتب عليه من مخاطر تهدد هذه الدول، حيث تقول لورديس فيدال، رئيسة وحدة دراسات الشرق الأوسط في المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط: إن “مشكلتنا مع الإخوان المسلمين لا تكمن في ممارسة العنف، فهم لا يفعلون ذلك في أوروبا مثلما يحدث في بعض دول الشرق الأوسط، لكن خطورتهم هنا تكمن في عملهم الدائم على خلق بيئة أيديولوجية ودينية تتبنى مثل هذه الأفكار المتشددة”.[2]

وتحت عنوان “تنظيم الإخوان في أوروبا: الأقلية الأكثر خطورة”، قالت مجلة كلوزر الفرنسية: “إن جماعة الإخوان، التي تأسست عام 1928 وتم حظرها في العديد من البلدان، تقدم حالياً جيلاً جديداً وأحفاداً وتطور استراتيجيتها الدعوية في جميع أنحاء أوروبا”. واعتبرت المجلة أن الإخوان أقلية تثير الفتنة وتنشر سمومها في أوروبا”.[3]

والجماعة في أوروبا معروفة بالتخفي وتوزيع الأدوار، إذ قامت بتقسيم العمل بين أعضائها وبين من يناصرها؛ ففي كثير من الحالات يتخفى “الإخوان” الأصليين وراء الأنصار؛ لأن تحقيق أجندتهم الخاصة ونجاح مخططاتهم السرية واكتساب الشرعية الدولية في بعض الحالات مشروط بغياب تصدرهم المشهد السياسي، وفسح ميدان السلطة أمام الأنصار للإدارة الشكلية لصناعة القرارات، في حين أن الإخوان الأصليين هم من يديرون خيوط اللعبة بأكملها من وراء الستار ووراء الكواليس.

وتأكيداً على ما تقدم، تم العثور على وثيقة بحوزة إخوان مسلمين ألمان رفيعي المستوى تضع نهجاً استراتيجياً مزدوجاً للإخوان، حيث سعت الاستراتيجية بوعي شديد لخداع الناس من خلال تقديم وجه واحد من أوجههم إلى الآخرين، وهو ما أراد المحاورون سماعه بشكل أساسي، حول حقوق المرأة ومسائل أخرى، بينما كانت رسائلهم الداخلية تتبنى آراء مغايرة. وقد نجح هذا النهج ذو الوجهين في تضليل المجتمع الألماني بشأن طبيعة الجماعة، ويعني أن أولئك الذين يتعاملون معها بشكل مباشر هم الأكثر تضليلاً في كثير من الأحيان.[4]

ولعل هذا الأسلوب من العمل التكتيكي عادة ما يتكثف في المنظومات العقلانية الأربع المتحكمة في الوعي الجمعي، والتي تشكل أهم عناصر التنشئة الاجتماعية التي تصوغ وتبلور الوعي العام في المجتمع وهي: الإعلام، والتعليم، والأسرة، والمؤسسات الدينية.[5]

وقد كشفت التحقيقات من داخل أوروبا أن التنظيم الميداني للإخوان يقوده في هذه المرحلة سمير فلاح مراقب الجماعة في أوروبا، ويقيم في ألمانيا، أما الشأن الديني والاجتماعي للجماعة في أوروبا فيقوده كل من: أحمد الراوي، وأنس التكريتي من بريطانيا، وأحمد جاب الله، وأبو بكر عمر، وعمر الأصفر، وفؤاد العلوي من فرنسا، ومصطفى الخراقي ومحمد الخلفي، وشكيب بن مخلوف بالسويد، وعماد البراني، ومحمد كرموص بسويسرا.[6]

وتأكيداً على ما تقدم، اعتبرت البروفسور زوزانة شروتر، من مركز الأبحاث الإسلامية في فرانكفورت، الإخوان المسلمين أساتذة التخفي، سواء على صعيد العمل التنظيمي أو الأهداف السياسية، وقالت الباحثة: إنهم يصبحون أكثر صراحة في الحديث عن أهدافهم السرية كلما تعزز موقفهم السياسي، لكنهم يفضلون الظهور بمظهر المتسامح والمتفهم حينما يشعرون بأنفسهم ضعفاء أو أقلية ويستخدمون المشروعات الاقتصادية والاجتماعية بهدف التغلغل في المجتمعات والتأثير فيها. كما أشارت الباحثة إلى محاولات الإخوان التقرب من الأحزاب والشخصيات السياسية الفاعلة في ألمانيا، وأضافت: إنهم يحققون شيئاً من النجاح في هذه المساعي.[7]

ولهذا، نشر موقع “صوت إذاعة ألمانيا” تقريرًا للكاتب “مايكل هولينباخ” تحدث فيه عن الجدل القائم حول خطورة الإسلام السياسي على المجتمعات الغربية، إذ تثار قضية الإسلام السياسي وخطره على الغرب في الآونة الأخيرة بشكل متزايد، ولاسيما بعد الجدل الذي أحدثه إنشاء النمسا مركز توثيق الإسلام السياسي، لتعلو في ألمانيا وفي غيرها من الدول الأوروبية أصوات تنادي بضرورة اتباع خطوات النمسا ومواجهة الإسلام السياسي وخطورته بخطوات ملموسة على الأرض، في حين يعترض بعض الفاعلين في المشهد السياسي الألماني على اتخاذ مثل هذه الخطوة، على اعتبار أن حظر الإسلام السياسي الذي يحترم القانون والدستور لا يعدو كونه مكائد سياسية لا علاقة لها بالواقع.[8]

ثانياً: أدوات الإخوان وآلياتهم لتحقيق أهدافهم في أوروبا:

وصولاً إلى تحقيق غاياتها وأهدافها المتمثلة في ترسيخ وجودها في المجتمعات الأوروبية والتغلغل في هذه المجتمعات والتأثير فيها، استخدمت جماعة الإخوان المسلمين عدداً من الأدوات والآليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والإنسانية من أجل تحقيق هذه الغايات، ومن أهم هذه الأدوات ما يلي:

1-أدوات سياسية وأمنية:

استخدمت جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا بعض الأدوات السياسية والأمنية لترسيخ وجودها في هذه الدول، إذ استغلت المناخ الديمقراطي السائد في هذه الدول والذي يسمح بحرية التعبير والتنوع الديني، من أجل التغلغل في هذه الدول ونشر فكرها بين الأوساط الاجتماعية ولاسيما الشبابية منها. وعلى سبيل المثال حاولت الجماعة أن تبدو وكأنها تساعد هذه الدول في مواجهة الإرهاب، فقد تمكن المجلس الإسلامي في بريطانيا (MCB) الذي يمتلك علاقات مع جماعة الإخوان المسلمين،[9] في أن ينضم إلى المجلس الاستشاري الوطني للمساجد والأئمة (ميناب) لمحاربة التطرف.[10]

وفي ألمانيا تمكنت بعض الجماعات الإسلامية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين من الحصول على تمويل حكومي، برغم أنها كانت تسعى لنشر الفكر المتطرف. ومن بين هذه الجماعات منظمة الشباب المسلم في ألمانيا التي تأسست عام 1994 على يد محمد صديق بورجفيلدت الذي كان عضواً في المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تحت رئاسة يوسف القرضاوي، وترتبط المنظمة بمنظمة إخوانية أخرى هي الإغاثة الإسلامية.[11] ووفق تقرير أصدرته هيئة حماية الدستور “الاستخبارات الداخلية” في ولاية “بادن فورتمبيرغ” في مطلع عام 2017، فإن منظمة الشباب المسلم في ألمانيا وإلى جانبها “مؤتمر الشباب المسلم”، قد عملا من أجل تنفيذ مشروع “سيرة” الذي يهدف إلى التأثير على الأطفال والمراهقين والشباب وزرع الأفكار المتطرفة في الأجيال الجديدة.[12]

كما استغلت الجماعة والمنظمات الأخرى المرتبطة بها المناخ الديمقراطي في تشكيل خلايا سرية تعمل على تجنيد عناصر جديدة وضمها إلى الجماعة. وعلى سبيل المثال، كشف تقرير بثه تلفزيون ولاية بافاريا الألمانية في شهر يونيو 2020 تفاصيل عن “الخلايا السرية” التي تشكلها جماعة “الإخوان”، لتسهل عمل عناصرها ولجذب مزيد من التابعين، والتي تعرف بـ”الأسر”، وجاء في التقرير أن المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ولاية شمال الراين وستفاليا، أكد وجود ما يعرف بـ “خلايا الأسرة” في أوروبا الغربية، وهذه الخلايا هي وحدة أساسية في التسلسل الهرمي للإخوان، وتتكون من (4 أو 5) أشخاص؛ لتوفر روابط إقليمية بين عناصر الإخوان لضمان تماسك التنظيم”، وبحسب الدوائر الأمنية، فإن هذه الخلايا تستخدم في ألمانيا لتدريب الأعضاء سراً، ونشر الفكر المتطرف لتنظيم الإخوان.[13]

2- أدوات اقتصادية:

تمثلت الأدوات الاقتصادية في مجموعة من البنوك والشركات المالية والعقارية في أوروبا، وقد تم تأسيس هذه المؤسسات لتكون بعيدة عن الرقابة، وتتمتع بغموض كبير، وكانت الفرضية الأساسية للجوء إليها هي الحاجة إلى بناء شبكة في الخفاء، بعيدًا عن أنظار الحكومات وأجهزة الأمن، ومن أهم هذه المؤسسات ما يلي:

  • بنك التقوى: تأسس هذا البنك عام 1988 على يد القيادي الإخواني يوسف ندا، والملقب بـ”البرنس”، استناداً إلى علاقاته مع العديد من أجهزة المخابرات الأوروبية، حيث بلغ رأس مال البنك الذي يقع مقره في ناسو بجزر البهاما، ما يعادل (229) مليون دولار، وقد قامت مجموعة التقوى بتأسيس العديد من الأفرع لها في ليختنشتاين وبريطانيا، كما قام ندا بتأسيس شركتي “ندا إنترناشيونال للخرسانة” و”التقوى للإدارة” اللتين تمت تصفيتهما في فبراير 2004 بعد أن تم اتهام مجموعة التقوى، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، بدعم الإرهاب، من طرف الإدارة الأمريكية التي باشرت عمليات تجميد أموالها.[14]
  • بنك أكيدا الدولي: تأسس هذا البنك في “ناسو” بجزر البهاما، وقد تورط في تمويل عدد من الجماعات الأصولية، من بينها حركة حماس، والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، وجماعة النهضة التونسية، بالإضافة إلى تنظيم القاعدة، ويتبع البنك إدريس نصر الدين.[15]
  • مؤسسة أوروبا: هي مؤسسة خيرية تابعة للإخوان تأسست عام 1997 ويقع مقرها في ليستر شاير في بريطانيا، تتراكم لديها محفظة عقارية كبيرة باستثمارات تقدر قيمتها بملايين الجنيهات في جميع أنحاء القارة الأوروبية، ولديها 47 شقة في ليدز. وبحسب معلومات صحفية، فإن المدير التنفيذي للمؤسسة هو أحمد الراوي (67 عاماً)، الذي وصفته صحيفة لوموند في عام 2004 بأنه أحد شخصين أوروبيين عضوين في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.[16]
  • شركات “الأوف شور”: وهي مؤسّسات مالية خارجية تعمل في جزر قريبة من أوروبا، مثل جزر البهاما وجرسي والكايمان، وترتبط هذه الجزر عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى، وتُعَد ملاذات آمنة لإيداع أموال الأثرياء أو تلك الناتجة عن الفساد والجريمة المنظمة. وقد نجحت الجماعة منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين في بناء هيكل متين من شركات «الأوف شور» بالتوازي مع نمو ظاهرة البنوك الإسلامية، ومن خلال هذا الهيكل تمكنت من إخفاء ونقل الأموال عبر العالم.[17]

3- أدوات تعليمية وثقافية:

تعتبر جماعة الإخوان المسلمين المدارس والجامعات والكليات، حيث التجمعات الشبابية، ساحة خصبة لنشر أفكارها وتدعيم نفوذها. وقد استهدفت الجماعة الجامعات المنتشرة في الدول الأوروبية خاصة تلك التي يتواجد بين طلابها جاليات عربية واسلامية، حيث رصدت أموالاً طائلة بهدف تشكيل عدد من اللجان الإدارية تكون مهمتها التنسيق مع هذه المدارس والجامعات.[18]

وقد سعت الجماعة إلى استقطاب أعضاء جدد من  طلاب هذه المدارس والجامعات. وبحسب إريك تريجر الباحث الأمريكي في شؤون الجماعات الإسلامية لدى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإن جماعة الإخوان المسلمين تستهدف الأطفال ابتداءً من سن التاسعة؛ لتجنيدهم وتلقينهم فكرياً وأيديولوجياً، حيث يبدأ الأعضاء المسؤولون عن عملية التجنيد بالتقرب إلى الطلاب الذين يُظهرون علامات قوية على التقوى، ويقوم بعض أعضاء الإخوان بمقابلة الطلاب الجُدد ومصادقتهم وإشراكهم في أنشطة عادية غير سياسية؛ مثل كرة القدم ومساعدتهم في دروسهم؛ لبناء علاقات مع أهدافهم من أجل التدقيق في تديُّنهم، ويمكن لعملية التجنيد هذه أن تستغرق عاماً كاملاً. [19]

من جهة أخرى، طرحت جماعة الإخوان المسلمين نفسها، باعتبارها تمثل نسخة معتدلة من الإسلام، وبالتالي فإن لها دوراً حيوياً في مكافحة الإرهاب والأيديولوجية المتطرفة، وقد تمثلت إحدى الطرق الرئيسية التي يزعم “الإخوان” من خلالها أنهم قادرون على مواجهة التطرف، في تقديم التعليم الديني لأولئك المسلمين المعرّضين لخطر التطرف. وهذا هو الحال بشكل خاص في الدول الغربية، حيث سعت الجماعة وحلفاؤها إلى إقناع السلطات بأنها تتمتع بمصداقية وتأثير أكبر بكثير على الشباب المسلم المعرّض للخطر أكثر مما يمكن لأي شخص غير مسلم أن يفعل ذلك، وأنها كجماعة إسلامية تعرف ما هي الطريقة الأفضل للتعامل مع التطرف الإسلامي، حيث ينبغي أن يكون ذلك من خلال تعليم المسلمين دينهم بشكل صحيح.[20]

وفي إطار استخدام الأدوات التعليمية والثقافية من قبل جماعة الإخوان لترسيخ وجودها في الدول الأوروبية، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أداتين مهمتين هما:

المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية:

بدأ المعهد نشاطه في باريس في يناير عام 2001 بنحو 180 طالبًا، وشارك في افتتاحه القيادي الإخواني يوسف القرضاوي، الذي كان حريصًا على دعم فكرة المعهد، وأعلن أنه سيسعى لتخريج أئمة ومعلمين يفقهون النصوص الدينية ويفهمون السياق الأوروبي. وقد اعترفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في فرنسا في عام 2009 بالمعهد كمؤسسة تعليم عالٍ معتمَدة، الأمر الذي شجع عددًا أكبر من الطلاب على التسجيل بالمعهد ليصل عدد الطلاب الملتحقين به إلى نحو 2000 بحلول عام 2012، ويعتبر المعهد أحد المعاهد المسجلة في اتحاد المعاهد الأوروبية للعلوم الإنسانية التي تضم المعاهد المحسوبة على “الإخوان” في أرجاء أوروبا؛ مثل معهد شاتو شينون، ومعهد ويلز في بريطانيا، ومعهد باريس، ومعهد برمنجهام في بريطانيا، ومعهد فرانكفورت، ومعهد هلسنكي في فنلندا 2016.[21]

المؤتمرات والاجتماعات الإخوانية في أوروبا

يُعقد ملتقى “اتحاد المنظمات الإسلامية”، الذي يعتبر واجهة لجماعة الإخوان المسلمين في فرنسا سنوياً، ويجذب حوالي 170 ألف زائر، وتنظم في هذا الملتقى ندوات سياسية ودينية، ويجتذب هذا الحدث السنوي التقليدي عشرات الآلاف من النساء والرجال، ليسوا بالضرورة أن يكونوا أعضاء في الجماعة. وقد أدرج هذا الاتحاد على قائمة الجماعات الإرهابية، وحذر رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس من السلفيين الذين يتخذون من هذا الاتحاد ذريعة للتأثير على شباب الأحياء الشعبية.[22]

4- أدوات إنسانية:

استخدمت جماعة الإخوان المسلمين أيضاً عدة أدوات إنسانية لتوسيع انتشارها ووجودها في القارة الأوروبية، وقد تمثلت هذه الأدوات في مجموعة من منظمات الإغاثة الإسلامية التي انتشرت في عدد من الدول الأوروبية، ومن أهمها ما يلي:

أ- منظمة الإغاثة الإسلامية في ألمانيا:

تأسست هذه المنظمة بشكل رسمي في عام 1996، وتم تسجيل المنظمة في سجل الجمعيات في عام 1997، ويقع مقرها الرئيسي في كولونيا. ولديها عدة مكاتب في كل من: برلين، وفرانكفورت، وإيسن، وهامبورغ.[23] وبرغم مزاعم المنظمة بأنها ليس لها أي علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، فإن العلاقة بين الجانبين قد بدت واضحة حين نقلت وكالة الأنباء الألمانية في تقرير لها بثته في نوفمبر 2020، عن متحدث في وزارة الداخلية أن «منظمة الإغاثة الإسلامية» في ألمانيا وتلك التي في برمنغهام في بريطانيا، كلتيهما “تتمتع بصلات شخصية مهمة بجماعة (الإخوان المسلمين) أو منظمات ذات صلة”.[24]

وجدير بالإشارة أن تأسيس «منظمة الإغاثة الإسلامية» في ألمانيا جاء كجزء من منظمة دولية مقرها في بريطانيا، ولديها فروع في نحو 50 دولة، وقد تأسست في مدينة برمنغهام عام 1984 على يد هاني البنا، والأمر كذلك في بريطانيا حيث تحوم حول المنظمة شبهات بأنها ترتبط بجماعة الإخوان المسلمين، خاصة بعدما أعلن بنك «إتش إس بي سي» وقف تعاملاته مع «المنظمة»، قائلاً: إن “أموالاً من المفترض أن تكون مخصصة للمساعدات الإنسانية يمكنها أن تقع بيد جماعات إرهابية في الخارج”.[25]

ب منظمة الإغاثة الإسلامية في إسبانيا:

ينتمي قادة هذه المنظمة إلى “الرابطة الإسلامية للحوار والتعايش”، وهي منظمة إسلامية أخرى لها روابط وثيقة بالإخوان المسلمين، ويرى “لويس دي لا كورتيه”، الباحث في معهد الشؤون الأمنية بجامعة مدريد المستقلة، أن الإخوان المسلمين يعملون من خلال استراتيجية مزدوجة؛ فهم “لا يحاولون فقط بناء نفوذ على أسس دينية، ولكن يعملون أيضاً بكل جد على اكتساب نفوذ في المؤسسات السياسية وبين الطبقة الحاكمة”.[26]

 

بصفة عامة، وإلى جانب الدور الذي تلعبه المنظمات الإنسانية الإخوانية في الأوقات الطبيعية من تقديم المساعدات وغيرها، فإن دورها يبرز كذلك أثناء أوقات الأزمات والكوارث.

على سبيل، ومع تصاعد تدفقات الهجرة من بعض البلدان العربية التي تشهد أزمات وحروباً، مثل سوريا، إلى أوروبا منذ عام 2015، مكنت هذه المؤسسات جماعة الإخوان المسلمين من التواصل مع المهاجرين واللاجئين، عبر زيارة مراكز الاستقبال والمعسكرات المهيأة لهم، تحت غطاء تقديم المساعدة لهم؛ كالترجمة والبحث عن سكن والتعريف بالحقوق والواجبات، ومساعدة الأطفال في المدارس، وهو ما منح الجماعة فرصة للتغلغل بين اللاجئين من جهة، وعقد صداقات مع موظفي اللجوء والهجرة والجوازات من جهة أخرى.

وقد نجحت جماعة “الإخوان” في سحب شريحة الشباب والبالغين أيضاً إلى مراكزها الدينية ومساجدها، ليتم بعد ذلك جرهم الى حضور الجلسات والحلقات الخاصة، التي تعقد دائماً بعد أوقات الصلاة في المساجد أو في بيوت أحد “الإخوان”. وهذا ما عقدّ المشهد أمام الحكومات الأوروبية، وأربكها؛ لجهة الفصل ما بين ظاهرة اللجوء والتطرف، وبين تقديم “المساعدات الإنسانية” وأداء الفروض الإسلامية.

5- أدوات دينية:

تتمثل هذه الأدوات في مجموعة من المجالس الخاصة بإدارة الشؤون الدينية للمسلمين في الدول الأوروبية وإصدار الفتاوى في المسائل والقضايا التي يرغبون في معرفة موقف الإسلام منها، وقد توزعت هذه المجالس في العديد من هذه الدول، وذلك على النحو التالي: –

  • المملكة المتحدة:

تضم المملكة المتحدة مجموعة من المجالس الإسلامية، سواء التابعة مباشرة لجماعة “الإخوان” أو التي ترتبط بعلاقات معها، ومن أهمها: 

  1. المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: الذي تأسس عام 1997 على يد “يوسف القرضاوي”، حيث يصدر المجلس الفتاوى الدينية والفقهية الخاصة بالمسلمين.
  2. المجلس الإسلامي في بريطانيا: وهو أكبر مؤسسة إسلامية في بريطانيا، ويندرج تحت مظلتها أكثر من (500) هيئة إسلامية في بريطانيا، ولها صلات غير معلنة بجماعة الإخوان المسلمين.
  3. الرابطة الإسلامية في بريطانيا (MAB): أنشأها كمال الهلباوي عام 1997، حيث كانت ممثلاً رسمياً للجماعة في بريطانيا، وظل الهلباوي مديراً لها حتى انشقاقه عن “الإخوان”، ثم تولى أنس التكريتي العراقي الأصل وأستاذ الترجمة بجامعة “ليدز”، إدارة الرابطة حتى عام 2005.[27]
  • إيطاليا

تضم إيطاليا اتحاد المجتمعات الإسلامية (UCOII)  واتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا  (UCOII)الذي يعد الممثل الرسمي للإخوان المسلمين في إيطاليا، وقد تأسس عام 1990، ويديره محمد نور داشان السوري الأصل، ويضم الاتحاد ما يقرب من مئة وثلاثين جمعية، ويتحكم في ثمانين بالمائة تقريبا من المساجد في إيطاليا، كما يمتلك الاتحاد فرعاً ثقافيّاً وفرعاً نسائيّاً وآخر شبابيّاً.[28]

  • -بلجيكا

تضم بلجيكا رابطة مسلمي بلجيكا، والمركز الإسلامي البلجيكي. وتعد الرابطة واجهة الإخوان في بلجيكا، وتم تأسيسها عام 1997، بواسطة كل من منصف شاطار، وكريم عزوزي، وتمتلك الرابطة عشرة مساجد، ولها مقارٌّ في عدة مدن؛ منها بروكسل وأنفير وجراند، ويدير الرابطة حاليًا كريم شملال من مدينة أنڤير، وهو من أصل مغربي يعمل طبيباً في مجال علم الأحياء.[29]

وأما المركز الإسلامي البلجيكي فقد تأسس عام 1992 على يد بسام العياشي، وهو مهاجر سوري، ويشتمل على مسجد عشوائي صار بؤرة لنشر الفكر السلفي المتشدد، مركزه في مولنبك.[30]

  • -هولندا

تضم هولندا رابطة المجتمع المسلم في هولندا، التي تأسست في لاهاي على يد يحيى بوياف، المغربي الأصل عام 1996، وتضم الرابطة عدة منظمات؛ منها على وجه الخصوص “مؤسسة اليوروب تراست نيديرلاند” و”المعهد الهولندي للعلوم الإنسانية والإغاثة الإسلامية”.[31]

  • -النمسا

تضم النمسا منظمة الشباب النمساوي المسلم، وتعد التركية دودو كوتشكجول” أحد أهم كوادرها، وقادت حملة إعلامية قوية ضد “تعديل قانون الإسلام في النمسا”، وهي على صلة قوية بشخصيات إخوانية وتعمل تحت تأثير جماعة الإخوان المسلمين. وقد قاومت المنظمة بشدة أي محاولات لتعديل قانون وتمويل المنظمات الإسلامية.[32]

خاتمة:

يكشف العرض السابق أن جماعة الإخوان المسلمين لديها من الأدوات والآليات التي تستخدمها من أجل ترسيخ وجودها في الدول الأوروبية، ونشر أفكارها بين المجتمعات المسلمة في هذه الدول، بغرض امتلاك النفوذ والتأثير فيها. ولا شك في أن مثل هذه التوجهات تشكل تهديداً لهوية هذه الدول، خاصة وأن الجماعة تسعى لنشر فكرها المضلل، الذي يقود إلى انتشار التطرف والإرهاب.

ومن ثم على الدول الأوروبية أن تنتبه إلى جماعات الإسلام السياسي عموماً، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، التي تسعى إلى أن تبدو بمظهر الجماعة المسالمة التي لا تلجأ إلى العنف، مما يساعدها على التحرك، مستغلة المناخ الديمقراطي في هذه الدول وما تملكه من أدوات مختلفة توظفها لتحقيق أهدافها.

المراجع

[1] Manal lotfy, The Muslim Brotherhood and the West: Reading through Official UK Documents, ECSS, February 18, 2021, https://www.ecsstudies.com/en/the-muslim-brotherhood-and-the-west-reading-through-official-uk-documents/

[2] . وحدة الدراسات والتقارير (إعداد)، مخاطر جماعة الإخوان المسلمين في خلق مجتمعات موازية داخل أوروبا، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات-ألمانيا وهولندا، 14/2/2020، على الرابط: https://bit.ly/2PDN6v6

[3] Brotherhood penetration of Europe dangerous, exudes extremist generations, The Reference, 30/July/2020, https://www.thereference-paris.com/12822

[4]– Sigrid Herrmann-Marschall, The Muslim Brotherhood: Strategies and Approaches in Germany, European Eye on Radicalization, 3 March 2021, https://bit.ly/39tTj3Y.

[5] – عبدالغني الكندي، “متلازمة الأعراض السياسية عند «الإخوان»”، صحيفة الشرق الأوسط، 02 ديسمبر 2020، العدد 15345، على الرابط: https://bit.ly/2PBcqlr

[6] – أشرف عبدالحميد، “هؤلاء قادتها بأوروبا.. لماذا قسم “الإخوان” العالم إلى 7 مناطق”؟ موقع العربية نت، 30 مارس 2021، على الرابط: https://bit.ly/3m0YjlC

[7]  ماجد الخطيب، “تقييم جديد لأهداف «الإخوان المسلمين» في ألمانيا”، صحيفة الشرق الأوسط، 26 يناير 2018، رقم العدد 14304، على الرابط: https://bit.ly/3m4fB1h

[8] – “الصحافة الألمانية: الإخوان والنازية وجهان لعملة واحدة.. وعلى أوروبا تبني استراتيجية مشتركة لمواجهة الإرهاب”، موقع رؤية، 21 يناير 2021، على الرابط: https://bit.ly/39raQK8

[9]  – ” التايمز: “علاقات سرية بين الإخوان المسلمين والمجلس الإسلامي في بريطانيا”، موقع بي بي سي عربية، 18 ديسمبر 2015، https://www.bbc.com/arabic/inthepress/2015/12/151217_press_friday

[10]– Roel Meijer, Introduction: Muslim Brotherhood In Europe, Clingendael Institute, P.13, https://bit.ly/31A20Fm

[11] – حسام حسن، “إخوان ألمانيا.. مشروع لـ”زرع التطرف” بين الأطفال”، موقع العين الإخبارية، 17 فبراير 2021، https://al-ain.com/article/germany-children-muslim-brotherhood

[12]  – المرجع السابق.

[13]– “خلايا الإخوان” السرية.. تقرير يكشف الخطر الذي يهدد ألمانيا، سكاي نيوز عربية، 31 مارس2021، على الرابط: https://bit.ly/3u9V2TI

[14] – سعيد شعيـب (ترجمة)، بالأسماء.. إمبراطورية الإخوان الاقتصادية في الغرب، صحيفة روز اليوسف، 9/2/2021، على الرابط:  https://bit.ly/3cxWskV

وكذلك: “تأسيس بنك التقوى”، موقع يوسف القرضاوي، 24/12/ 2018، على الرابط:  bit.ly/3cQonvm

[15] – ماهر فرغلي، «الأوف شور» الطريق السري لإخفاء أموال الإخوان، موقع المرجع، 12/2/2019، على الرابط: https://bit.ly/3ry3r1P

[16]-“التايمز البريطانية تكشف شبكة تمويل الإخوان المسلمين في أوروبا”، ترجمة نشرها موقع بيروت نيوز عربية، 17 يوليو 2015، http://www.beirutme.com/?p=13009 .

[17]– صلاح الدين حسين، ” شبكات التمويل الإخوانية: من الطرق البدائية إلى أوف شور”، موقع حفريات، 29 سبتمبر 2019، https://hafryat.com/en/node/12143?language_content_entity=en

[18] – حسام الحداد، “مراكز التنظيم الدولي لجماعة الاخوان في أوروبا”، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 9 فبراير 2020، https://bit.ly/3maXgiT

[19]– Eric Trager, The Unbreakable Muslim Brotherhood: Grim Prospects for a Liberal Egypt, Washington Institute, Aug 23, 2011, https://bit.ly/3drpUsq

[20]– Ehud Rosen, The Muslim Brotherhood’s Concept of Education, Hudson Institute, https://bit.ly/3sCO35n

[21] – أحمد سلطان، “الأوروبي للعلوم الإنسانية.. فرنسا تقطع ذراع الإخوان المتطرفة”، موقع المرجع، 1 ديسمبر2019، على الرابط: https://www.almarjie-paris.com/12902

[22] – حازم سعيد، “كيف تدير جماعة “الإخوان المسلمين” شبكات عملها من داخل أوروبا؟” موقع المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 16 يوليو 2019، https://bit.ly/2PixuNY

[23]– “منظمة الإغاثة الإسلامية .. تجفيف منابع تمويلها في ألمانيا”، موقع المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 3 ديسمبر2020، على الرابط:  https://bit.ly/3fxVGX9

[24] – راغدة بهنام، “مخاوف في ألمانيا من ارتباط «الإغاثة الإسلامية» بـالإخوان”، صحيفة الشرق الأوسط، 24 نوفمبر 2020، https://bit.ly/3wqlzOT

[25] – المصدر السابق.

[26] – اتهامات موثقة بتمويل الإرهاب.. اخيراً أوروبا تتخذ إجراءات ضد منظمة الإغاثة الإسلامية الإخوانية العالمية، المعهد الكندي للإسلام الإنساني، 25/1/2021، على الرابط: https://bit.ly/3ryBy9D

[27] خالد عبد الرسول، “هكذا يتخفى الإخوان في أوروبا تحت ستار المنظمات”، موقع الوطن، 20 نوفمبر 2020، على الرابط: https://bit.ly/3wdBf7R

[28] هالة أمين، “الخبير الإيطالي جيوفانى جياكالون: «الإخوان» تغذى الإرهابيين بأفكار قطب والبنا” ، صحيفة الدستور، 31ديسمبر2020، على الرابط: https://bit.ly/2PGr22Y

[29] علي رجب، “رابطة مسلمي بلجيكا (LMB).. واجهة «الإخوان» في بروكسل”، موقع المرجع، 27 يونيو 2018، على الرابط: https://bit.ly/3m6zDYU

[30] المصدر نفسه.

[31] – ماهر فرغلي، “استراتيجية الإخوان بأوروبا.. نظام بلا تنظيم”، موقع المرجع، 14 إبريل 2019، على الرابط: https://bit.ly/31C7789

[32] – جماعة الإخوان في النمسا: مراكزهم.. جمعياتهم.. وقياداتهم، إعداد المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا، يونيو 11، 2019، على الرابط: https://bit.ly/3weRZLV

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 1

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.