17 نوفمبر 2020

أطفال داعش: صدى الإرهاب يتحدى الديمقراطيات الغربية

د. محمد بوشيخي

ما زالت قضية "أطفال داعش" تثير الكثير من الأسئلة لتعلقها بمستقبل أبرياء وجدوا أنفسهم مرغمين على دفع ثمن أخطاء آبائهم. فمنذ إعلان قوات سوريا الديمقراطية "قسد" القضاء على داعش في سوريا، يوم 23 مارس 2014، وموضوع أطفال داعش يراوح مكانه بين حالة الجمود ومؤشرات الانفراج بسبب ما فجَّره من إشكالات قانونية ألقت بثقلها على النخب السياسية والحقوقية من جهة؛ وما أثارته، من جهة أخرى، من تخوفات أمنية فاقمت القلق الاجتماعي في الدول الأصل، خصوصاً الغربية منها، جراء توالي ضربات الذئاب المنفردة.

وكانت النتيجة تراكم أعداد كبيرة من الأطفال في مخيمات الاحتجاز[1] في أوضاع إنسانية مزرية جراء تفشي الأمراض وسوء التغذية وانعدام أبسط شروط الحياة الكريمة، والحرمان من الرعاية الطبية، وتردي البرامج التعليمية والخدمات الاجتماعية. وأكثر من هذا استبعاد غالبية المخيمات من رقابة المنظمات الدولية وعيش ساكنيها في الخوف الدائم من الأعمال الانتقامية والمصير المجهول، مع ما يثيره كل ذلك من احتمالات الرفع من درجة التطرف لدى هؤلاء الأطفال وزيادة مستوى الاحتقان في المجتمعات التي تأويهم.

القضية ومفارقاتها

تعود فصول قضية "أطفال داعش" إلى فترة التراجعات الميدانية للتنظيم وبدأ العد العكسي لمساره العسكري التصاعدي، خاصة عقب إعلان قيام تحالف دولي لمحاربته ابتداء من سبتمبر 2014[2]، وانسحاباته المتوالية في سوريا والعراق التي خلفت وراءها انهيار حلم العوائل المهاجرة في حياة النعيم الموعود التي وعدهم بها البغدادي؛ وما خلفه ذلك من سقوط أُسر بأكملها في قبضة قوات التحالف، خاصة منها الفصيل الكردي، المعروف بـ قوات سوريا الديمقراطية "قسد".

وقد كانت مراكز الأبحاث الغربية سباقة لإثارة الانتباه لمستقبل الأسرى من الأطفال وانعكاسات عودتهم على الأوضاع الأمنية لدولهم، خاصة مؤسسة Quilliam Foundation البريطانية المهتمة بمكافحة التطرف، والتي أصدرت في مارس 2016 تحقيقاً في الموضوع غطى الفترة بين أغسطس 2015 ويناير 2016 حثَّت ضمن خلاصاته ضرورة الاهتمام الفوري بأطفال داعش المجندين، تلاه تقرير وكالة الشرطة الأوروبية Europol السنوي حول الإرهاب في دول الاتحاد الأوروبي المنشور يوم 20 يوليو 2016، والذي لفت إلى "أن مستقبل الأطفال الذين ولدوا وترعرعوا في أحضان تنظيم الدولة الإسلامية يشكل قضية تستحق اهتمام المجتمع الدولي"[3].

إلا أن القضية دخلت طي النسيان نتيجة التجاهل الرسمي من الدول المعنية أحياناً، والرغبة في توظيفها لتحقيق مكاسب جيوسياسية من قوات "قسد" أحياناً أخرى، ولم تطفوا على سطح الأحداث الدولية إلا بفعل تطورات وتحولات سياسية وعسكرية في الميدان، خاصة مع عدم قدرة "قسد" على تحمل التكاليف المالية والإدارية للمخيمات الشيء الذي دفعها إلى حث حكومات الدول الأصل على التدخل العاجل لاستعادة أطفالها وإيجاد مخارج قانونية وعملية لمحاكمة أمهاتهم[4]، بل والتلويح برفع يدها عن مراقبة المعتقلين كما حدث إبان العملية العسكرية التركية التي استهدفت منطقة شرقي الفرات باسم "نبع السلام" ابتداء من يوم 9 أكتوبر 2019.

غير أن الصمت الرسمي في الدول المعنية سيفتح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية إلى تبني القضية، على شاكلة منظمة " أنقذوا الأطفال" العالمية. كما تأسست جمعيات جديدة خصيصاً للاضطلاع بهذه المهمة مثل "تجمع عائلات موحدة" في فرنسا؛ وهذه جمعيات انتظمت من خلالها أسر هؤلاء الأطفال للمطالبة بإعادتهم إلى ديارهم، فوجدت حكومات هذه الدول نفسها عرضة لضغوطات جمة على الجانب الحقوقي.

وقد تزايدت هذه الضغوط لا سيما بعد اكتشاف حالات مصابة بـوباء كوفيد-19 في مخيماتهم منها مخيم الهول الذي تشرف عليه "قسد" حسب تأكيدات هيئة الأمم المتحدة، ثم دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الخط قبل ذلك حين لوح بإطلاق سراح أكثر من 800 مقاتل من مواطني الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة معتقلين لدى قوات "قسد"، ومن ثم عودتهم إلى أوروبا ما لم تبادر دولهم لاستعادتهم[5].

ورغم هذا فإنه لا أمل قريب في حل القضية بالنظر إلى تعقيداتها المركبة على مستوى الأبعاد الإنسانية والحقوقية للطفل الضحية، وتلبس ذويهم بأركان الجريمة الإرهابية وما يترتب على ذلك من اعتبار الضروريات الأمنية شرطاً أولياً للحفاظ على السلم الاجتماعي في الدول الأصل، فبات حلها يتوقف على توافقات سياسية حاسمة وجريئة من حكومات الدول المعنية؛ إذ أن القرار الرسمي في هذه الدول يتأسس - حسب تصريحات مسؤوليها - على تداخل جملة اعتبارات إجرائية تُفاقمها حالة الخوف في مجتمعاتها من التداعيات الأمنية لعودة أطفال داعش من جهة أولى وضبابية الوضع القانوني لهؤلاء الأطفال من جهة ثانية.

أولاً- التداعيات الأمنية

تنتاب المجتمعات الغربية حالة من الهلع والخوف بكل ما له صلة بـ داعش والإرهاب "الإسلاموي" عموماً؛ الشيء الذي يؤثر في صياغة القرار الحكومي بشأن ما بات يعرف بـ "أطفال داعش"، لا سيما وأن عدداً من هؤلاء الأطفال خضعوا لعمليات غسل دماغ جراء تربية داعشية مشددة من أمهاتهم. كما أُجبر عدد منهم من قبل عناصر التنظيم على ممارسة أعمال قتالية وحضور عمليات إعدام جماعية في إطار مشروع "أشبال الخلافة" الذي أطلقه التنظيم غداة إعلانه الخلافة عام 2014 ما أثر على توازنهم النفسي الذي يزداد اختلالاً بتعرضهم للتهديد والإخضاع والابتزاز من رفقائهم داخل المخيمات.

ولعل ظهور الطفل البريطاني الملقب بـ "أبوعبد الله البريطاني"، الذي قيل إنه ابن المغنية السابقة سالي جونز[6] في أحد أشرطة التنظيم "على رأس خمسة أطفال، وهم بكامل زيهم الحربي، ويطلقون الرصاص على مجموعة من السجناء الأكراد الذين يرتدون بزات برتقالية، في وضع الركوع"[7]، قد عمَّق التخوفات من هؤلاء الأطفال وعقد الإجراءات الحكومية لاستعادتهم.

ثانياً- ضبابية الوضع القانوني لأطفال داعش

يتجلى الإشكال القانوني في قضية أطفال داعش من خلال أربعة عناصر أساسية شكلت في مجموعها محددات ناظمة لموقف الدول الأصل من القضية ومصير شخوصها:

  • يتمثل أولها في احتجاز أطفال في المخيمات مع أمهاتهم الداعشيات من دون ذنب اقترفوه بل قد يسجنون معهم في دولهم الأصل كما حدث في العراق[8]؛
  • ويتمثل ثانيها في عدم القدرة على توفير وثائق رسمية تثبت جنسية الأطفال بعد تفرقهم عن آبائهم الذين اختفوا فجأة بسبب الهرب أو الأسر أو القتل، خصوصاً وأن هؤلاء الآباء كانوا يحملون ألقاباً يعرفون بها عِوضاً عن أسمائهم الحقيقية، ويتجنبون التسجيل في المحاكم المدنية إما لكفرهم بها أو لتجنب تقديم ملفات إدارية تتضمن معلومات عن هوياتهم؛
  • ويرتبط ثالثها بحق الطفل في حضانة أمه وعدم رغبة الأخيرة في التخلي عن هذا الحق الطبيعي الذي تعززه المواثيق والقوانين الدولية، وبالأخص منهن اللَّواتي تشبعن بفكر التنظيم ويحدوهن الأمل في إعادة بعث خلافته؛
  • ويتمثل رابعها في الفراغ القانوني، ما يجعل الموضوع عرضة للتأويل ومحاولات التملص من المسؤولية لا سيما وأن عدداً من الدول الغربية عمدت إلى تعديل قوانينها بما يسمح لها بسحب الجنسية ممن يثبت تورطه في أعمال إرهابية باعتبارها مهددة للأمن القومي مثل بريطانيا[9] وألمانيا[10].

إن هذه الاعتبارات متمثلة في "التداعيات الأمنية" و"ضبابية الوضع القانوني لأطفال داعش" هي التي جعلت وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان يشدد على أهمية احترام القانون وأمن الفرنسيين "كدعامتين أساسيتين للموقف الفرنسي بخصوص هذا الموضوع"[11]، غير أنه رغم التوافق الظاهري لدى الدول الأوروبية بشأن هاتين الدعامتين فإن اعتمادهما في حلحلة الملف ظل يشكل محل اختلاف عميق بينها، وبالتالي بروز تباينات ومفارقات في الرؤية لدى هذه الدول في ما بينها كما في داخل حكومة كل دولة على حدة: ففي بلجيكا – أعاد وزير العدل كوين جينس Koen Geens، في فبراير 2019، التذكير بموقف حكومة بلاده القائم على "إعادة الأطفال ما دون سن عشر سنوات" فقط، أما غيرهم فسيتم "النظر في كل حالة منهم على حدة"[12].

وفي بريطانيا – بادرت السلطات إلى تفعيل قرارتها بسحب الجنسية ممن يثبت تورطه في أعمال إرهابية في محاولة للتنكر لحق أطفالهم في العودة، قبل أن يعلن وزير خارجيتها جيريمي هانت، في مارس 2019، عن تحول مهم في سياسة بلاده بخصوص الموضوع، بكشفه عن سعي حكومي لإعادة أطفال البريطانيات الداعشيات للمملكة، وذلك في أعقاب تداعيات خبر وفاة طفل شميمة بيغوم، المسحوب منها جنسيتها، في أحد المخيمات في سوريا[13].

أما فرنسا، التي تعتبر المُصدِّر الرئيسي للجهاديين الغربيين إلى أرض الخلافة المزعومة، فإنها قدمت نموذجاً خاصاً، يستحق التفصيل، لشكل تعاطي الحكومات الغربية مع أطفال داعش الحاملين لجنسياتها.

الحالة الفرنسية: أولوية السياسي على الحقوقي

لطالما أكدت الحكومة الفرنسية على ضرورة محاكمة مواطنيها من الإرهابيين في الدول التي ارتكبوا فيها جرائمهم حتى لو حكم عليهم بالموت هناك مع التجاهل التام لمصير أطفالهم، ودون اكتراث لتعارض عقوبة الإعدام مع القوانين الفرنسية، ثم حاولت في وقت لاحق الالتفاف على مطالب "قسد" للدول الأوروبية بإعادة مواطنيها من خلال دعمها لخيار إقامة محكمة مختلطة في العراق لمحاكمة المقاتلين الأجانب الذين ترفض حكومات دولهم استقبالهم، قبل أن تعود وتؤكد على حق هؤلاء في العودة، حيث قدرت وزيرة العدل الفرنسية السابقة نيكول بيلوبي، في مقابلة مع صحيفة "ليبراسيون" Libération يوم 11 يناير 2020، أنه لا يوجد حل أمام حكومة بلادها سوى إعادة مواطنيها إلى بلدهم للمحاكمة مؤكدة أن أوضاع العراق الحالية جعلت من مقترح محاكمتهم هناك أمراً مستحيلاً[14].

ويرجع هذا الموقف الجديد أساساً لارتباط مصير الأطفال بمصير أمهاتهم حيث سبق لـ جان إيف لودريان وزير الخارجية الفرنسي أن اعتبر في حوار لصحيفة "ويست فرانس"  Ouest-France يوم 31 مارس 2019، أن موقف فرنسا في هذا الشأن واضح وثابت منذ البداية؛ أي "لا عودة"، مبرراً موقفه بأن "الفرنسيين الذين يحاربون في صفوف داعش يكونون في حكم من يحارب فرنسا وبالتالي فهم أعداء" مضيفاً بأنه "يجب محاكمتهم بالمواقع التي ارتكبوا فيها جرائمهم، وبالذات في العراق وسوريا"، أما عن الأطفال المحتجزين مع أمهاتهم اللواتي قررن التنازل عن حق الحضانة فستتم مراجعة كل حالة على حدة بالتنسيق مع الصليب الأحمر[15].

ولترجمة الأقوال إلى أفعال، أقدمت فرنسا - تحت ضغط الأصوات الحقوقية ومطاردة التقارير الإعلامية - على أول خطوة عملية في منتصف مارس 2019 باستعادة خمسة أطفال أيتام من سوريا[16]، ثم تابعت العملية، في 10 يونيو 2019، بإعادة إثنا عشرة طفلاً آخرين وصفتهم الخارجية الفرنسية بأنهم "أيتام أو معزولين"[17] ثم اضطرت في ليلة 22-23 أبريل 2020 لاستقبال طفلة تعاني من أمراض مزمنة[18]. قبل أن تتخذ فرنسا آخر قرار في هذا الشأن يوم 22 يونيو 2020 شمل إعادة "عشرة أطفال من أبناء إرهابيين فرنسيين موجودين في المخيمات السورية"، وبحسب بيان لوزارة خارجيتها فإن الأمر يتعلق بـ "أطفال فرنسيين قُصر أو أيتام أو في أوضاع إنسانية حرجة، كانوا مقيمين في مخيمات شمال شرق سوريا"[19]، ليصل مجموع الأطفال العائدين، على امتداد أكثر من سنة، 28 طفلاً فقط من أصل أكثر من 200 طفل[20].

وبهذه الإجراءات يتضح أن موقف الحكومة الفرنسية قد استقر أخيراً على معالجة كل حالة على حدة، بشكل يتطابق مع تصريحات وزير الخارجية ويتعارض مع زميلته السابقة في وزارة العدل، أي أنها انتصرت للموقف السياسي على حساب الموقف الحقوقي، وهو ما أكده "إريك ديبون-موريتي" Éric Dupond-Moretti وزير العدل الحالي، الذي رغم إعلانه سابقاً عن دعمه عودة الجهاديين الفرنسيين، مبرراً حينها موقفه بحقهم في محاكمة عادلة بعيداً عن خطر عقوبة الإعدام التي تهددهم هناك"[21]، فإنه كشف عقب تعيينه وزيراً للعدل في إطار التعديل الحكومي الذي شهدته فرنسا يوم 6 يوليو 2020، لصحيفة Le Journal du dimanche، عن انخراطه في إطار "حكومة تدافع عن فكرة محاكمة المعتقلين في أماكن ارتكاب جرائمهم، فيما تُعالج ملفات الأطفال وفق كل حالة على حدة"[22].

الديمقراطيات الغربية: سوء تدبير وأزمة ضمير

إن الآلية التي استقرت عليها فرنسا، وغيرها من الديمقراطيات الغربية في معالجة كل حالة من حالات أطفال داعش على حدة، وقرارات سحب الجنسية من الأمهات الأوروبيات والاتفاق شبه الكلي بين دولهم على رفض استقبالهن واشتراط تنازلهن عن حق حضانة أبنائهن كمحددات أساسية لكل قرار بشأن أطفالهن، بل وصدور أحكام قضائية تعزز المواقف الحكومية، كما حصل في بلجيكا[23]، والتشديد على محاكمتهن في أماكن ارتكابهن للأعمال القتالية وتجاهل ظروف الحرب في تلك الأماكن يعتبر بلا شك تنكراً للحقوق الطبيعية للطفل وانتهاكاً صريحاً للمواثيق الدولية في هذا الشأن، وبالتالي لا يتوقع انفراج قريب لأوضاع الأطفال المحتجزين في ظل غياب آليات فعلية لإلزام الدول على مطابقة سياساتها مع مستلزمات البعد الأخلاقي والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها والخاصة بحقوق الطفل.

وهذا ما أثار تحفظ وامتعاض الهيئات الحقوقية في الدول الأوروبية مثل "اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان في فرنسا" CNCDH التي ذكَّرت، على لسان رئيسها جون-ماري دولاري  Jean-Marie Delarueيوم 27 مايو 2019، سلطات فرنسا، بواجبها تجاه التزاماتها الحقوقية ودعتها إلى "إعادة كل الأطفال المحتجزين في المخيمات في سوريا دون أي شروط"[24]، بل سبقها في ذلك ما يعرف في فرنسا بـ "المدافع عن الحقوق" Le Défenseur des Droits، والذي يُعينه رئيس الجمهورية حسب دستور البلاد، حيث أصدر جاك تُوبون Jacques Toubon الذي تولى هذا المنصب منذ عام 2014، في 22 مايو 2019، قراراً – موثقاً عبر سبعة عشر صفحة – تضمن أربع توصيات للحكومة الفرنسية شملت:

  • اتخاذ ما يلزم لوقف ما وصفه بالتعامل غير إنساني الذي يتعرض له الأطفال المحتجزين وأمهاتهم؛
  • وقف قرار الاحتجاز المتخذ بحقهم بمقتضى قرارات تَحَكُمية؛
  • ضمان حقهم في اللجوء إلى السلطات الفرنسية للمطالبة بوقف ما يتعرضون له من خروقات لحقوقهم؛
  • التعويض عمَّا لحقهم من ضرر جراء ذلك، ثم اتخاذ ما يلزم في شأن حماية حقوق الطفل ومصلحته العليا[25].

غير أن قرار المدافع عن الحقوق الموجه إلى كل من رئيس الوزراء ووزير أوروبا والشؤون الخارجية ووزير العدل، والذي حدد لهم مدة شهر واحد ابتداء من تاريخ استلامهم للقرار للتجاوب مع توصياته[26] كان مصيره التجاهل التام مع أنه يعتبر صادراً عن سلطة دستورية مستقلة[27]، وذلك رغم تجديد  المدافع عن الحقوق دعوته لحكومة بلاده، عبر بيان صحفي يوم 29 مايو 2019، إلى "التوقف عن خرق حقوق الطفل ومصلحته العليا" مؤكداً بأن وجود أطفال في وضعية احتجاز بالمخيمات يشكل خرقاً للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادقت عليها فرنسا عام 1990[28]، حيث تعتبر الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادقت عليها، فضلاً عن فرنسا، جميع الدول الأوروبية من أهم الاتفاقيات المتضمنة لالتزامات الدول تجاه حقوق الأطفال؛ إذ نصت على ما يلي:

  • المادة الأولى – الطفل هو من يقل عمره عن ثمانية عشر سنة
  • المادة السابعة – للطفل الحق منذ ولادته "في اكتساب جنسية"، وفي "معرفة والديه وتلقي رعايتهما"
  • المادة الثامنة – تتعهد الدول الأطراف باحترام حق الطفل "في الحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته، واسمه، وصلاته العائلية"
  • المادة التاسعة – "عدم فصل الطفل عن والديه على كره منهما"، واحترام "حق الطفل المنفصل عن والديه أو عن أحدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصية واتصالات مباشرة بكلا والديه".

بناء على مضامين هذه الاتفاقية تبنت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا يوم 30 يناير 2020 وثيقة تؤكد على براءة أطفال داعش مما ارتكبه آباؤهم من أفعال (الفقرة - 2)، وأن يشمل قرار العودة كل الأطفال بغض النظر عن سنهم ودرجة تورطهم في الصراع القائم ما داموا لم يتجاوزوا سن الثمانية عشر، مع إعادة هؤلاء الأطفال مصحوبين بأمهاتهم أو المسؤول المباشر عنهم إلا إذا كان هذا في غير مصلحة الطفل (الفقرة - 8)، مبينة في الوثيقة ذاتها أن "إبقاء الطفل في المخيمات أو مراكز الاعتقال لا يمكن اعتباره أبداً أمراً يخدم المصلحة النهائية للطفل" (الفقرة - 4) [29].

وعموماً إذا كانت قضية أطفال داعش تعتبر أحد أهم المآسي الإنسانية للإرهاب في صورته الجديدة، فإنها تشكل في الآن ذاته أهم امتحان للديمقراطيات الغربية في الوقت الراهن، إذ يعيش هؤلاء الأطفال على هامش المجتمع الدولي وبعيداً عن اهتماماته. كما أن تدخلات هيئة الأمم المتحدة في شأنهم لا ترقى للمستوى المطلوب، وبالتالي تكشف هذه القضية بما تَستَبْطِنُه من فواجع عن تخبطات في طريقة تدبير الديمقراطيات الغربية لمسألة إنسانية بامتياز وأكثر من هذا يضعها أمام اختبار قِيم حضارية وأزمة ضمير أخلاقي طالما تبجحت به في سياق صراعاتها مع الغير.

المراجع

[1] حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) تاوي مخيمات الاحتجاز في سوريا وحدها حوالي 29 ألف طفل تقل أعمار معظمهم عن 12 سنة، فيما يوجد حوالي 1200 طفل في وضعية مشابهة بالعراق. انظر:

“Protégez les droits des enfants des combattants étrangers bloqués en Syrie et en Iraq”, Déclaration de Henrietta Fore, Directrice générale de l’UNICEF, 21 mai 2019, https://www.unicef.org/fr/communiqu%C3%A9s-de-presse/protegez-les-droits-des-enfants-des-combattants-etrangers-

ويعتبر مخيم الهول أشهر هذه المخيمات، التي تنتشر بدول سوريا والعراق وليبيا، يقع بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، ويأوي وحده "نحو 12 ألف أجنبي، هم 4000 امرأة و8000 طفل من عائلات الأجانب الذين كانوا في صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي، بحسب السلطات الكردية". انظر: "كيف تنسّق الدول الأوروبية لاستعادة أبناء مقاتلي «تنظيم داعش» من سوريا؟"، 6 يوليو 2020، موقع يورونيوز، على الرابط التالي: https://arabic.euronews.com/2020/07/06/how-european-countries-are-tacking-isis-children-in-syria-issue

[2] انظر موقع التحالف الدولي، على الرابط التالي: https://theglobalcoalition.org/ar/

[3] Sarah Diffalah, “L'Europe doit se préparer au retour des enfants-soldats de Daech”, 03 août 2016, https://www.nouvelobs.com/monde/20160802.OBS5700/l-europe-doit-se-preparer-au-retour-des-enfants-soldats-de-daech.html

[4]  انظر: نازرين صوفي، "متجاهلاً آلاف الدواعش والداعشيات منسق الامم المتحدة يحث على حل أزمة 2500 طفل من أطفال داعش الاجانب في مخيم الهول"، 18 أبريل 2019، موقع (xeber24.net)، على الرابط التالي: https://xeber24.org/archives/173697

[5] LEXPRESS, “Retour des djihadistes: Trump met l'Europe sous pression”, 17 février 2019, https://www.lexpress.fr/actualite/monde/proche-moyen-orient/retour-des-djihadistes-de-syrie-trump-met-l-europe-sous-pression_2062771.html

[6]عُرفت سالي جونز باسم "سيدة الإرهاب" بعد هروبها إلى سوريا عام 2014، وقد "كانت تنشر قوائم بالمُستهدفين البريطانيين، مع توعدها بقطع رؤوسهم، والتهديد بتفجير خطوط مترو الأنفاق في بريطانيا وتفجير نفسها". انظر: أحمد فوزي سالم، "بريطانيا تمضي نحو إنهاء أزمة «أجانب داعش» وتستعيد أطفالهم"، 22 أكتوبر 2019، موقع نون بوست، على الرابط التالي: https://www.noonpost.com/content/29896

[7] المصدر نفسه.

[8]  أثار القرار العراقي انتقاد الهيئات الحقوقية مثل منظمة هيومن رايتس ووتش التي استبقته بدعوة الحكومة العراقية إلى رفض "خطة من شأنها أن تحتجز بشكل غير قانوني العائلات التي يُتصور انتماؤها لتنظيم «الدولة الإسلامية»" كما اعتبرت اقتراحها "بحبس عائلات أعضاء داعش لا ينتهك القانون الدولي فحسب، بل يتعارض مع هدف الحكومة المُعلن المُتمثل في تحقيق المصالحة بين السكان ما بعد داعش". وأن الأمر يتعلق بـ "شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي يغذي النقمة ويعلّق حياة الآلاف من الناس إلى ما لا نهاية"، 7 مايو 2019، موقع هيومن رايتس ووتش، على الرابط التالي: https://www.hrw.org/ar/news/2019/05/07/329871

[9]  انظر: "لندن تسقط الجنسية عن شقيقتين انضمتا إلى «داعش» في سوريا"، 1 مارس 2019، موقع (DW)، على الرابط التالي: https://bit.ly/3kdWYpi

[10]  "ألمانيا- قوانين ضد الإرهابيين الحاملين لجوازي سفر"، 9 مارس 2019، موقع (DW)، على الرابط التالي: https://bit.ly/35t5Tzf

[11] La rédaction de LCI, “Selon Nicole Belloubet, la France n'a «pas d'autre solution» que de rapatrier les djihadistes français détenus en Syrie”, 11 janvier 2020, https://www.lci.fr/terrorisme/selon-nicole-belloubet-la-france-n-a-pas-d-autre-solution-que-de-rapatrier-les-djihadistes-francais-detenus-en-syrie-2142475.html

[12] Pauline Perniaux, “Enfants belges retenus en Syrie, le retour interdit”, 4 juin 2019, https://www.alterechos.be/enfants-belges-retenus-en-syrie-le-retour-interdit/

[13] Ben Quinn, “UK considering how to bring home children of Isis Britons, says Hunt”, 10 Mar 2019, https://www.theguardian.com/world/2019/mar/10/two-more-isis-women-reema-and-zara-iqbal-syrian-camps-stripped-of-british-citizenship

[14] La rédaction de LCI, “Selon Nicole Belloubet, la France n'a «pas d'autre solution» que de rapatrier les djihadistes français détenus en Syrie”, op.cit.

[15] Ouest-France, "ENTRETIEN EXCLUSIF. Jean-Yves Le Drian sur Daech: « La position de la France c’est qu’il n’y a pas de retour »", 31 janvier 2019, https://www.ouest-france.fr/politique/jean-yves-le-drian/entretien-jean-yves-le-drian-sur-daech-la-position-de-la-france-c-est-qu-il-n-y-pas-de-retour-6287799

[16] Elise Vincent et Nathalie Guibert, “La France a rapatrié de Syrie cinq enfants orphelins de djihadistes“ , 15 mars 2019, https://www.lemonde.fr/international/article/2019/03/15/enfants-de-djihadistes-la-france-a-rapatrie-de-syrie-plusieurs-orphelins_5436588_3210.html

[17] انظر بيان وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية:

 “Syrie – Rapatriement d’enfants mineurs ou isolés (10 juin 2019)”, https://www.diplomatie.gouv.fr/fr/dossiers-pays/syrie/evenements/actualites-2019/article/syrie-rapatriement-d-enfants-mineurs-ou-isoles-10-06-19

[18] Ludwig Gallet, “Taymia, 7 ans et gravement malade, rapatriée de Syrie”, 23 avril 2020, https://www.leparisien.fr/politique/taymia-7-ans-et-gravement-malade-rapatriee-de-syrie-23-04-2020-8304783.php

[19] انظر بيان وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية:

“Syrie – Retour de dix jeunes enfants français - Communiqué (22 juin 2020)”, https://www.diplomatie.gouv.fr/fr/dossiers-pays/syrie/evenements/actualites-2020/article/syrie-retour-de-dix-jeunes-enfants-francais-communique-22-06-20

[20] “Des enfants de combattants français de Daesh bloqués en Syrie et en Irak exposés au risque d’apatridie”, 9 septembre 2019, https://index.statelessness.eu/news/des-enfants-de-combattants-francais-de-etat-islamique-bloques-en-syrie-et-en-irak-exposes-au

[21] SudOuest, “Éric Dupond-Moretti, nouvel espoir pour les détenus français de Syrie et Irak et leurs enfants?”, 7 Juillet 2020, https://www.sudouest.fr/2020/07/07/eric-dupond-moretti-nouvel-espoir-pour-les-detenus-francais-de-syrie-et-irak-et-leurs-enfants-7636563-10407.php

[22] Emmanuelle Bourdy, “Éric Dupond-Moretti souhaite rapatrier les djihadistes français”, 23 juillet 2020, https://fr.theepochtimes.com/eric-dupond-moretti-souhaite-rapatrier-les-djihadistes-francais-1469671.html

[23]  صدر حكم استئنافي في بروكسل في فبراير 2019 يلغي حكماً ابتدائيا صدر يوم 26 ديسمبر 2018 رفضته الحكومة البلجيكية، حيث قضى حينها لصالح جهاديتين بلجيكيتين طالبتا بإعادة أطفالهن الستة إلى بلجيكا. انظر:

Pauline Perniaux, “Enfants belges retenus en Syrie, le retour interdit”, 4 juin 2019, https://www.alterechos.be/enfants-belges-retenus-en-syrie-le-retour-interdit/

[24]  انظر النص الكامل لمراسلة السيد جون-ماري دولاري، رئيس "اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الانسان" في فرنسا (CNCDH)، إلى الوزير الأول "إدوارد فيليب"، على الرابط التالي:

https://www.cncdh.fr/sites/default/files/20190527_lettre_du_president_-_appel_au_rapatriement_des_mineurs_francais.pdf

[25] “Décision du Défenseur des droits n°2019-129”, 22 mai 2019, p 2, https://juridique.defenseurdesdroits.fr/doc_num.php?explnum_id=18912

[26] Ibid., p 3.

[27] انظر المادة 71 من الدستور الفرنسي المعدل عام 2008، على الرابط التالي:

https://mjp.univ-perp.fr/france/co1958.htm#11b

[28] انظر نص البيان الصحفي كاملاً:

“Décision du Défenseur des droits suite aux saisines relatives à la situation d’enfants français retenu en Syrie”, 29 mai 2019, https://www.defenseurdesdroits.fr/sites/default/files/atoms/files/cp_defenseur_des_droits_-_enfants_francais_retenus_en_syrie_0.pdf.

[29] Parliamentary Assembly, “International obligations concerning the repatriation of children from war and conflict zones”, Resolution 2321 (2020), Text adopted by the Assembly on 30 January 2020, http://assembly.coe.int/nw/xml/XRef/Xref-XML2HTML-EN.asp?fileid=28581&lang=en

التطرف

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.