8 مارس 2021

“أفريكوم”.. إعادة التمركز ومستقبل الدور في ظل إدارة بايدن

أحمد عسكر

أثار قرار الولايات المتحدة سحب قواتها البالغ عددها 700 جندي من الصومال في يناير الماضي جدلاً واسعاً حول مستقبل القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا المعروفة باسم أفريكوم AFRICOM في منطقة شرق أفريقيا، وذلك في ضوء التحولات المرتقبة التي ربما تلحق السياسة الأمنية الأمريكية تجاه القارة في عهد جو بايدن، وحجم التحديات التي تواجهها في المنطقة؛ مما قد يسمح إما بإعادة النظر في توسيع دور أفريكوم والدعم المقدم لها أو انحسار دورها ضمن استراتيجية جديدة تتوجه نحو خفض عدد القوات الأمريكية في أفريقيا والشرق الأوسط وتعزيزها في شرق آسيا.

أولاً: أفريكوم.. البنية الهيكلية واللوجستية 

جاء تأسيس أفريكوم رسمياً في 6 فبراير عام 2007 عقب مصادقة الكونغرس على إنشائها؛ وهي تشمل كل الدول الأفريقية عدا مصر التابعة للقيادة الوسطى. وقد بدأت العمل رسميًا في أكتوبر عام 2008 بقيادة الجنرال ويليام وود الذي يقوم برفع التقارير إلى وزير الدفاع  ومنه  إلى الرئيس الأمريكي[1] .

وقد اتخذت أفريكوم من مدينة شتوتغارت في ألمانيا مقراً لها عقب تحفظ الدول الأفريقية على احتضانها نظراً لتخوفهم من أن تكون أداة لتدخل أمريكي في شؤون دول القارة مما ينتقص من سيادتها. كما أنها واحدة من 11 قيادة موحدة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” حول العالم، حيث تعتبر تاسع مركز قيادة موحدة أمريكية، وسادس مركز قيادة إقليمية يتأسس بعد الحرب العالمية الثانية[2]، وهي مسؤولة أيضاً عن جميع عمليات البنتاغون والتدريبات والتعاون الأمني في القارة الأفريقية.

وتضم أفريكوم حوالي 2,000 عنصرا بما فيهم الموظفين المدنيين والعسكريين والموظفين الفيدراليين الأمريكيين والمتعاقدين، يعمل منهم حوالي 1,400 شخص في مقر القيادة في شتوتغارت الألمانية. كما أن هناك ضباط اتصال للقيادة في المؤسسات الأفريقية بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

وكان الجنرال توماس والدهاوزر، قائد أفريكوم السابق، قد صرح أمام الكونغرس عام 2018، أن عدد القوات الأمريكية في أفريقيا يبلغ حوالي 7,500 جندي (كان نحو 6,000 جندي عام 2017) يعمل معظمهم من معسكر “ليمونييه” بجيبوتي الذي يعد نقطة انطلاق ومركز قيادة لبعثات العمليات الخاصة الأمريكية في أنحاء أفريقيا[3]، بالإضافة إلى حوالي 700 جندي في الصومال قبل عملية سحبهم المعروفة بـ Octave Quartz التي تمت في يناير الماضي بناء على قرار من الرئيس السابق ترامب[4].

وتتألف قوات أفريكوم من عدة قطاعات هي[5]:

  • القوات البرية الأمريكية في أفريقيا ومقره في فيتشنزا في إيطاليا، ويضطلع بالتعاون مع القوات الأفريقية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
  • القوات البحرية الأمريكية في أفريقيا التي تعمل من نابولي في إيطاليا، ويقوم دورها على تحسين قدرات الشركاء الأفارقة في مجال الأمن البحري.
  • القوات الجوية الأمريكية في أفريقيا ومقرها في قاعدة رامشتاين الألمانية، وتشارك في العمليات الأمنية المستدامة لتعزيز السلامة الجوية والأمن والتنمية في أفريقيا.
  • قوات مشاة البحرية الأمريكية في شتوتغارت الألمانية، وتقوم بعمليات وتدريب وأنشطة تعاون أمني في أنحاء القارة الأفريقية.
  • قوة المهام المشتركة في القرن الأفريقي ومقرها في معسكر ليمونييه بجيبوتي، وتعمل على تعزيز قدرات الدول الأفريقية، وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي ومنع الصراعات وحماية المصالح الأمريكية في القرن الأفريقي.
  • قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في أفريقيا ومقرها في شتوتغارت، وتهدف إلى بناء القدرات التشغيلية وتعزيز مبادرات الأمن الإقليمي والقضاء على التنظيمات الإرهابية في أفريقيا.

ثانياً: دور أفريكوم في القارة الأفريقية

مثلت أفريقيا نقطة ارتكاز محورية في السياسة الأمنية والعسكرية لواشنطن خلال العقدين الماضيين خاصة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتبني الولايات المتحدة شعار الحرب الكونية على الإرهاب؛ مما دفع إدارة الرئيس الأسبق بوش الابن للتفكير في الاعتماد على آلية أمنية تضمن وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في القارة الأفريقية يجسد الاهتمام الأمريكي بأفريقيا.

تنبهت واشنطن، في ضوء التحديات الأمنية التي تمثلت في انتشار التنظيمات الإرهابية في أفريقيا خلال السنوات الماضية، إلى أهمية أفريقيا الاستراتيجية وإلى خطئها الاستراتيجي في بقائها بعيدة عما يحدث في القارة، مما عزز لديها فكرة الانخراط في أفريقيا للتعامل عن قرب مع القضايا الحيوية التي تمثل مصدر تهديد للمصالح الأمريكية في المنطقة من خلال تأسيس أفريكوم[6].

وتلعب أفريكوم دوراً محورياً باعتبارها واحدة من الأدوات المهمة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في أفريقيا، انطلاقًا من مهمتها الأساسية المتمثلة في تحقيق الأمن للقارة وبناء القدرات الدفاعية للدول الأفريقية ورفع قدراتها للاستجابة للأزمات وردع التهديدات العابرة للحدود الوطنية، وذلك من خلال توفير البرامج العسكرية والتدريب للجيوش الأفريقية، وتعزيز التنسيق والتعاون بين البنتاغون والدول الأفريقية لتكون أكثر فعالية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار في القارة[7].

ورغم إرجاع البعض تأسيس أفريكوم لمسائل بيروقراطية مرتبطة بصعوبة التنسيق وتوزيع المهام المتعلقة بأفريقيا بين ثلاث قيادات عسكرية هي القيادة الأوروبية، والقيادة الوسطى، وقيادة المحيط الهادئ، فإن ثمة أهداف ودوافع أخرى لا تتعلق بضمان الحفاظ على الأمن في القارة فحسب، إذ تمتد هذه الأهداف لتصل إلى تأمين الوصول إلى الموارد والثروات الأفريقية خاصة النفط، واحتواء تصاعد نفوذ بعض القوى الكبرى مثل الصين وفرنسا وروسيا.

وقد تبلورت أولويات أفريكوم منذ تأسيسها في السعي إلى تحقيق خمسة أهداف هي: أولا – المساهمة مع الشركاء الأفارقة في تحقيق الأمن الإقليمي، ثانيا – العمل على تحجيم التهديدات الإرهابية والجريمة المنظمة، ثالثا – ضمان تعزيز نفوذ واشنطن في القارة، رابعا – ضمان تواجد أساسي لأفريكوم في المناطق الاستراتيجية في القارة، خامسا – ضمان حماية المصالح الأمريكية في القارة السمراء.

وقد عملت أفريكوم عام 2019 على مراجعة خطتها الخاصة بأهداف تواجدها في أفريقيا، حيث أضحت تركز على ست أولويات تتمثل في: أولا – تقوية شبكة العلاقات مع الشركاء الإقليميين وتعزيز قدراتهم، ثانيا – تطوير الأمن في الصومال، ثالثا – احتواء حالة عدم الاستقرار في ليبيا، رابعا – دعم شركائها في منطقة الساحل والصحراء وبحيرة تشاد، خامسا – تهيئة البيئة الملائمة لتسهيل أنشطتها اليومية، سادسا – الاستجابة للأزمات وعمليات الطوارئ[8].

وتدعم أفريكوم بعض البرامج والعمليات الأمنية والعسكرية التي ترعاها في شرق أفريقيا بهدف دعم القدرات الأمنية للدول الأفريقية والقدرات القتالية لجيوشها في مواجهة التحديات الأمنية،مثل[9]:-

  • عملية Observant Compass التي تقدم المشورة والمساعدة العسكرية الأمريكية لتمكين الجيوش الأفريقية في المنطقة لمواجهة “جيش الرب” الأوغندي.
  • المناورة البحرية Cutlass Express لشرق أفريقيا التي تهدف  إلى تقديم التدريب على مكافحة القرصنة والمخدرات والصيد غير المشروع، مع التركيز على تبادل المعلومات وتنسيق العمليات بين القوات البحرية الدولية.
  • برنامج ACOTA الذي يوفر مدربين واستشاريين عسكريين للمساهمة في تمكين عمليات بعثة الاتحاد الأفريقي AMISOM في الصومال.
  • تدريب Africa Endeavor الذي يركز على التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات بين الدول الأفريقية بهدف تطوير تكتيكات القيادة والتحكم والاتصال والتقنيات والإجراءات التي يمكن أن يستخدمها الاتحاد الأفريقي لدعم عمليات حفظ السلام.

كما ضمت أفريكوم تحت لوائها فرقة العمل المشتركة في منطقة القرن الأفريقي التي تعتبر مقر عملياتي ديناميكي يتصدى بفعالية للتنظيمات الإرهابية في المنطقة، والتي كانت قد تأسست في أكتوبر 2002 في جيبوتي، وتعمل مع بلدان المنطقة وقوات التحالف والمنظمات الدولية لدعم العمليات العسكرية التي تقوم بها دول شرق أفريقيا لمكافحة الإرهاب بما في ذلك توفير التدريب العسكري[10].

ثالثاً: أفريكوم في استراتيجية بايدن تجاه أفريقيا

رغم أن ملف الإرهاب في أفريقيا لم ينل الاهتمام الكافي في الخطاب السياسي للرئيس جو بايدن خلال حملته الانتخابية الرئاسية بما يوحي باحتمالية التراجع الأمريكي عن مكافحة الإرهاب في القارة[11]، إلا أن حجم التحديات التي تواجه السياسة الأمريكية في أفريقيا عموما وشرق أفريقيا خصوصا ربما تفرض على إدارته إيلاء ملف الإرهاب والأمن اهتماماً أكبر.

 وتتعدد التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية في أفريقيا مثل تنامي النفوذ الصيني والروسي في القارة، وضمان تأمين النفط والموارد الاستراتيجية من الدول الأفريقية، وتصاعد نشاط بعض الجماعات الإرهابية في المنطقة ما عزز مخاوف واشنطن من إمكانية استهداف حركة الشباب المجاهدين للقاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي على غرار هجومها على قاعدة سيمبا في خليج ماندا بكينيا في العام 2020، لا سيما في ظل تهديد أبو عبيدة، زعيم الحركة بشن هجمات ضد الأمريكيين في أنحاء العالم، وهو ما أعاد إلى الأذهان البيان الذي أعلن فيه أسامة بن لادن الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية عام 1996[12].

وإلى جانب هذه التحديات، تبرز أيضاً الأنشطة الإيرانية في أفريقيا، لا سيما من ناحية إمكاينة استهداف المصالح الأمريكية والغربية عموماً في القارة، حيث تتصاعد مخاوف واشنطن من احتمالية استهداف مصالحها في القارة الأفريقية، خاصة بعد إعلان إثيوبيا في فبراير الجاري القبض على 15 شخص بتهمة التخطيط لاستهداف سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في أديس أبابا، الأمر الذي دفع صحيفة “نيويورك تايمز” إلى اعتبار أن محاولة استهداف السفارة الإماراتية ربما كانت جزءًا من مؤامرة إيرانية أكبر لاستهداف السفارات الأمريكية والإسرائيلية في أفريقيا للانتقام من اغتيال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس، والعالم النووي، محسن فخري زادة[13].

كل هذه التحديات، تشكل دافعاً قوياً لإدارة بايدن للمضي قدماً نحو تعزيز دور أفريكوم في أفريقيا من أجل التصدي لها بهدف حماية وتعظيم مصالحها الاستراتيجية. ويعزز من هذا الاستنتاج التصريحات الصادرة من بعض المسؤولين العسكريين التي تشير إلى أن أفريكوم مستمرة في أفريقيا، حيث أكد الجنرال ستيفن ج. تاونسند، قائد أفريكوم، أنها لن تنسحب من أفريقيا، وأنها ما تزال ملتزمة بمساعدة الشركاء الأفارقة على بناء مستقبل أكثر أمنًا، وما تزال قادرة على استهداف حركة الشباب المجاهدين؛ فيما أوضح كريستوفر كارنز، المتحدث باسم أفريكوم، أن القوات الأمريكية التي انسحبت من الصومال سوف تنتقل إلى بلدان أخرى في شرق أفريقيا لإنجاز مهامها، وستواصل القوات الأمريكية مهامها العسكرية نفسها كما كانت من قبل. وأن واشنطن ستحتفظ بقدرتها على القيام بعمليات مكافحة الإرهاب في الصومال والمنطقة[14].

كما أن خلفيات بعض كبار مساعدي بايدن تشير إلى تفضيلهم التدخل العسكري في أفريقيا لمحاربة الإرهاب، حيث يمتلك أنطوني بلينكين، وزير الخارجية الأمريكي، رؤية تميل إلى تعزيز الدور العالمي للولايات المتحدة على حساب الصين، وكان من أبرز الداعمين لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما للتحرك الأمريكي ضد سوريا، ودعا بلينكين ترامب أيضا إلى دعم العمل العسكري في ليبيا[15].

رابعاً: مستقبل دور أفريكوم في شرق أفريقيا

يرتبط مستقبل أفريكوم في منطقة شرق أفريقيا بتوجهات إدارة بايدن إزاء استراتيجية مكافحة الإرهاب في أفريقيا التي لم تتضح بعد بشكل صريح، وإن كانت ثمة مؤشرات تعززها تصريحات المسؤولين العسكريين وبعض المشروعات المستقبلية لأفريكوم في منطقة شرق أفريقيا، والتي تفيد باستمرار الاعتماد على أفريكوم في تقديم الدعم لدول القارة وتنفيذ العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية.

فمن ناحية، لا يحد التراجع الأمريكي من العمليات التي تقوم بها أفريكوم ضد حركة الشباب الصومالية فقط، بل يحرمها أيضاً من معرفة أنشطة الحركة المستقبلية. كما أن غياب قوات جاهزة للتعامل مع تصاعد نشاط الإرهاب في شرق القارة قد يؤدي إلى توسيع نطاق سيطرة حركة الشباب في الداخل الصومالي وتمددها الإقليمي إلى دول الجوار، وقد يوفر الفرصة لزيادة نشاط تنظيم “داعش” في المنطقة، وهو ما يهدد المصالح الدولية في المنطقة، لا سيما المصالح الأمريكية؛ ومن ناحية أخرى، لا ترغب واشنطن في ترك فراغ أمني تستغله بعض القوى المنافسة لها مثل الصين وروسيا. كما أن توسيع عملياتها في مكافحة الإرهاب يعزز مساعي بايدن لاستعادة الدور الريادي للولايات المتحدة عالمياً، ويزيد طمأنة الحلفاء الأفارقة والأوروبيين.

وتدرك واشنطن جيدًا أهمية شرق أفريقيا بوصفها منطقة تشهد تنافساً بين القوى الكبرى، خاصة من الصين التي تعمل على تعظيم مصالحها الاقتصادية، وتوسيع نطاق تواجدها العسكري هناك من خلال قاعدتها العسكرية في جيبوتي؛ وروسيا التي تسعى هي الأخرى إلى الحصول على موطئ قدم في المنطقة من خلال اتفاقيات التعاون العسكري وصفقات الأسلحة، وهو ما يشكل تهديدًا لنفوذ أمريكا ومصالحها الاستراتيجية في أفريقيا.

وتتعدد المؤشرات التي تفيد باستمرار أفريكوم في حربها ضد الإرهاب في منطقة شرق أفريقيا، ومن أبرزها؛ تأكيد ستيفن ج. تاونسند، قائد أفريكوم، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بأن أفريقيا آمنة ومستقرة هي مصلحة أمريكية دائمة، وإصدار قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2021 الذي يعزز دور أفريكوم في أفريقيا، وطلب البنتاغون من الكونغرس تخصيص 239 مليون دولار لأفريكوم في عام 2021، وموافقة الكونغرس على زيادة قدرها 38.5 مليون دولار إضافية لها[16].

إلى جانب ذلك ثمة ضغوط من أفريكوم منذ عام 2020 من أجل توسيع نقاط تمركزها في دول المنطقة، حيث أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” في سبتمبر 2020 إلى أن أفريكوم تسعى إلى الحصول على إذن لشن هجمات بطائرات من دون طيار في شرق كينيا ضد حركة الشباب المجاهدين، وهو ما يشير إلى الرغبة في توسيع نطاق ساحة المواجهة عبر الحدود في القرن الأفريقي[17]، إذ  تظهر إحصائيات عام 2020 أن أفريكوم قد شنت حوالي 50 غارة جوية ضد تنظيم داعش في الصومال وحركة الشباب المجاهدين، في حين شنت حوالي 63 غارة جوية خلال عام 2019، و47 غارة جوية عام 2018، و35 غارة جوية عام 2017[18]، ما يعكس إصرار أفريكوم على الاستمرار في التصدي للتنظيمات الإرهابية في القرن الأفريقي  خاصة عقب بيان البنتاغون في 25 نوفمبر 2020 الذي أعلن فيه تطوير خطط المواجهة مع حركة الشباب المجاهدين الصومالية[19].

ومن المؤشرات الأخرى المهمة على استمرار دور أفريكوم في شرق أفريقيا، هو استمرارها في إجراء عمليات التدريب للقوات العسكرية في المنطقة، مثل قوات “لواء البرق” الصومالي الذي ربما تستمر مهمة تدريبه حتى عام 2027[20]، وقوات داناب الخاصة في الجيش الصومالي التي يبلغ عددها حوالي 1,000 فرد. كما تستهدف أفريكوم توسيعها لتضم 3,000 جندي مستقبلًا، والتي تمارس عملها في أربع ولايات صومالية حيث نفذت حوالي 80% من الهجمات التي شنها الجيش الصومالي خلال الربع الأخير من عام 2020 ضد حركة الشباب المجاهدين[21]؛ وهو ما يؤكد أهمية دور أفريكوم في المساعدة على التصدي للتهديدات الأمنية في الصومال والقرن الأفريقي.

بالإضافة إلى هذا، تخطط أفريكوم لعمليات تحديث للقواعد العسكرية الأمريكية وتجديدها في شرق أفريقيا والساحل الأفريقي، ومن المتوقع أن تتم جميعها بين عامي 2021 و2025. وتشير وثائق صادرة في أكتوبر 2018 ونشرتها صحيفة Mail & Guardian في 1 مايو 2020 إلى تنفيذ 12 مشروعاً لبناء قواعد عسكرية في كينيا وجيبوتي والنيجر بتكلفة 330 مليون دولار، يستحوذ منها معسكر ليمونييه بجيبوتي على الحصة الأكبر بواقع تنفيذ سبعة مشروعات خلال السنوات الأربعة المقبلة [22]. كما تشير وثائق أفريكوم إلى أن استغلال واشنطن لمطار شبيلي  Chabelley في الصومال سيستمر حتى مايو عام 2024 مع خيار التمديد لمدة 10 سنوات. علاوة على ذلك، من المقرر إنفاق ما يقرب من 34 مليون دولار في عملية تطوير القاعدة البحرية الأمريكية بخليج ماندا في كينيا وتأسيس بعض المرافق لاستيعاب نحو 325 فرد[23].

وتعد أنشطة مسؤولي أفريكوم وتحركاتهم في دول المنطقة مؤشراً آخر على تنامي وجودها ودورها، إذ تعددت زيارات ستيفن تاونسند إلى بعض دول المنطقة مثل الصومال وكينيا وجيبوتي، وتعهد خلال زيارته إلى كينيا في ديسمبر 2020 بتقديم المساعدة الأمنية لها، وإضفاء الطابع المهني على القوات العسكرية الكينية وزيادة قدرات مكافحة الإرهاب في البلاد، فضلًا عن القدرات الأمنية على الحدود إلى جانب زيادة قدرات حفظ السلام والأمن البحري[24].

وعقب هذه الزيارة التي قام بها ستيفن تاونسند، وصلت سفينة USS Hershel الأمريكية ميناء مومباسا الكيني في 8 فبراير 2021 بهدف دعم انتشار القوات الأمريكية على الساحل الشرقي الأفريقي والتزامها بالحفاظ على الأمن والاستقرار في كينيا والمنطقة، وإظهار تنامي الشراكات الاستراتيجية والتزام واشنطن تجاه البلدان الأفريقية في مجال تدريبات الأمن البحري والسلامة البحرية[25].

كما زار هايدي بيرغ، مدير الاستخبارات في أفريكوم، السودان في 27 يناير 2021 لعقد سلسلة من الاجتماعات مع المسؤولين السودانيين بهدف تعزيز التقارب بين الولايات المتحدة والسودان في عدد من القضايا مثل الإرهاب. وتبدو السودان بمثابة نقطة انطلاق في سياسة بايدن تجاه المنطقة من أجل تحجيم الدورين الصيني والروسي اللذين تمددا بشكل قوي خلال السنوات الأخيرة في المنطقة، خاصة بعد الاتفاق الروسي- السوداني في 2020 الذي يدعم تأسيس قاعدة بحرية روسية في ميناء بورتسودان تستوعب 300 جندي، ومن قبل اتفاق التعاون الأمني والعسكري في 2019 لمدة 7 سنوات الذي يسمح للسفن والطائرات الحربية الروسية باستخدام المطارات والموانئ السودانية[26].

تتزامن هذه المؤشرات، مع سياق إقليمي مضطرب في القرن الأفريقي يمكن رصده كما يلي:

  • تداعيات الصراع في إقليم تيجراي الإثيوبي المستمرة التي تلقي بظلالها على المستويين الداخلي والإقليمي خاصة في ما يتعلق بتفاقم الأزمة الإنسانية وتنامي أعداد اللاجئين والنازحين إلى بلدان الجوار الإقليمي؛
  • توتر العلاقات السودانية -الإثيوبية المتزايد على خلفية الأزمة الحدودية بين الطرفين على منطقة الفشقة مما ينذر بمواجهات عسكرية محتملة في ظل غياب تسوية للأزمة؛
  • اتجاه أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى إلى طريق مسدود في ظل تعثر الأطراف الثلاثة في التوصل لاتفاق ملزم بين الأطراف ينهي الأزمة خاصة مع إصرار أديس أبابا على إتمام الملء الثاني للسد في يونيو 2021؛
  • تصاعد نشاط حركة الشباب الصومالية وتمدد نشاطها إلى بعض بلدان الجوار الإقليمي مثل كينيا، مما يضفي المزيد من الضبابية على المشهد الأمني والسياسي الصومالي الذي يشهد استقطاباً بين الأطراف السياسية بسبب الخلافات حول إجراء الانتخابات العامة المرتقبة؛
  • وقطع العلاقات الدبلوماسية بين كينيا والصومال في ديسمبر 2020 ليضفي مزيداً من الاضطراب حول التفاعلات الإقليمية في القرن الأفريقي.

ويشكل هذا السياق الإقليمي المضطرب، تهديدًا واضحًا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، مما يستدعي ضرورة تعزيز الدور الأمريكي بهدف خلق مناخ إقليمي ينعم بالاستقرار وسرعة إنهاء التوترات القائمة، وتفويت الفرصة على بعض القوى الدولية مثل الصين وروسيا وتركيا الطامحة لملء الفراغ الأمني على حساب النفوذ الأمريكي هناك.

كل هذه المؤشرات، تؤكد أن واشنطن سوف تظل ملتزمة بمسؤولياتها الأمنية تجاه منطقة شرق أفريقيا والصومال بما في ذلك بناء الأمن الإقليمي والحفاظ عليه، ومواصلة مراقبة وتكثيف الضغط على حركة الشباب المجاهدين الصومالية، وتعزيز المصالح المتبادلة مع الشركاء الإقليميين في المنطقة؛ ويُستبعَد أن يتم إنهاء مهمتها أو تقليص نفوذها في القارة خلال الفترة المقبلة مع تصاعد التحديات الأمنية والاستراتيجية في بعض مناطق القارة.

خاتمة

إجمالًا، تظل أفريكوم أداة مهمة ضمن أدوات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أفريقيا، خاصة في ظل المستجدات التي تطرأ على الساحة الأفريقية بتزايد التنافس الدولي على القارة وصعود العديد من القوى الدولية الفاعلة التي تعد منافساً قوياً للولايات المتحدة مثل الصين وروسيا . ورغم التحديات الاقتصادية التي تواجه النظام الدولي بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19 على الاقتصادات الدولية لا سيما الاقتصاد الأمريكي، وتأثيرات ذلك على أشكال الدعم المالي المقدم إلى القارة الأفريقية، تظل المؤشرات إيجابية بخصوص استمرار أفريكوم في تنفيذ دورها المنوط بها في شرق أفريقيا، لا سيما في ما يتعلق بمواجهة الحركات الإرهابية ودعم قدرات دول المنطقة العسكرية، وقد يكون من المفيد أيضاً، أن تقوم ببعض المهام الإضافية مثل إيلاء اهتمام أكبر بتعزيز الدور التنموي لها، إلى جانب الدور الأمني والاستراتيجي الذي تلعبه.

المصادر: 

[1]. السيد خالد التزاني، “الانتشار العسكري الأمريكي في أفريقيا: الدوافع والرهانات”، مركز دراسات الوحدة العربية، متاح على: https://bit.ly/2NXiu6Y

[2]. المرجع السابق.

[3]. Katie Bo Williams, From Small Wars to Great Power, Trump’s Africa Reset Could Change US Military’s Role, Defense One, 12/12/2018, available at: https://bit.ly/3dAlb9b

[4]. James Mc Donnell, Cooperation, Competition, or Both? Options for U.S. Land Forces vis-à-vis Chinese Interests in Africa, Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard Kennedy School. Washington, June 2020, available at: https://bit.ly/3bvpvnK

[5]. United States Africa Command, about the command, available at: https://bit.ly/3sSUNMd

[6]. السيد خالد التزاني، مرجع سابق.

[7]. المرجع السابق نفسه.

[8]. The United States – from counter-terrorism to great power competition in Africa?, FOI Memo 6817, Project No. A11904, August 2019.

[9]. United States Africa Command (U.S. AFRICOM), devex, available at: https://bit.ly/3qWfUwu

[10]. AFRICOM, Action on Armed Violence, 7/12/2015, available at: https://bit.ly/3aLivDO

[11]. “بايدن: الحرب في اليمن يجب أن تتوقف.. وسندعم السعودية في الدفاع عن أمنها”، CNN العربية، 4 فبراير 2021، متاح على: https://cnn.it/3aRNT3N

[12]. Eric Schmitt and abdi Latif Dahir, Al Qaeda Branch in Somalia Threatens Americans in East Africa — and Even the U.S, The New York Times, 21/3/2020, available at: https://nyti.ms/37CABGn

[13]. Tzvi Joffre, Iran attempted to target embassies in Africa in revenge attacks – report, The Jeru Salem Post, 15/2/2021, available at: https://bit.ly/2ZKBacQ

[14]. Robert Burns and Howard Altman, Trump orders most American troops to leave Somalia. AFRICOM says they are redeploying elsewhere in region, Military Times, 4/12/2020, available at: https://bit.ly/2ZDvzoJ

[15]. نهال أحمد السيد، “ترتيب الأوراق من جديد.. هل تتغير السياسة الأمنية الأمريكية تجاه أفريقيا في عهد بايدن؟”، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 22 فبراير 2021، متاح على: https://bit.ly/3sG2rtx

[16]. John Vandiver, AFRICOM set for budget boost; says troops pulled out of Somalia will stay in East Africa, Stars and Stripes, 7/12/2020, available at:

[17]. Eric Schmitt and Charlie Savage, U.S. Military Seeks Authority to Expand Counterterrorism Drone War to Kenya, The New York Times, 15/9/2020, available at: https://nyti.ms/3sjMwRq

[18]. Kyle Rempfer, US forces pack up in Somalia for elsewhere in east Africa, Army Times, 21/12/2020, available at: https://bit.ly/3pDOMRG

[19]. “الكونغرس يوافق على زيادة تمويل أفريكوم لمحاربة الإرهاب في أفريقيا”، بوابة أفريقيا الإخبارية، 13 ديسمبر 2020، متاح على: https://bit.ly/3koXNgA

[20]. Diana Stancy Corell, AFRICOM predicts mission training Somalia’s ‘Lightning Brigade’ will last until 2027, Military Times, 17/3/2020, available at: https://bit.ly/2ZHyz3m

[21]. Cara Anna, ‘Why now?’ Dismay as US considers troop pullout from Somalia, Military Times, 26/11/2020, available at: https://bit.ly/3skdxUQ

[22]. Pentagon to Expand Its Infrastructure in Africa, New Africa Daily, 15/5/2020, available at: https://bit.ly/3aI9onu

[23]. Nick Turse, Exclusive: The US military’s plans to cement its network of African bases, Mail& Guardian, 1/5/2020, available at: https://bit.ly/3pPMsan

[24]. Anthony Kitimo, East Africa: U.S. Naval Ship to Boost Safety in the Region, All Africa, 16/2/2021, available at: https://bit.ly/2P8gzx1

[25]. Why US Naval ship docked 1,000KM from Uganda, Nile Post, 12/2/2021, available at: https://bit.ly/2MlLmW8

[26]. أماني الطويل، “رسائل بايدن لأفريقيا”، موقع Masr360، 10 فبراير 2021، متاح على: https://bit.ly/3koFzvq

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 3.8 / 5. Vote count: 4

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.