اشترك الآن في "تريندز للمعرفة"

تريندز للمعرفة محتوى معرفي ثقافي شامل، يقدم رسائل يومية عبر الواتساب تتناول أبرز الابتكارات والمعارف والعلوم والكتب الحديثة إضافة الى إصدارات ودراسات المركز / كما يقدم متابعات حول أبرز التطورات الإقليمية والعالمية

اشترك الآن

من نحن

البرامج البحثية

الإصدارات

الفعاليات

الخبراء

المركز الإعلامي

الخدمات الإلكترونية

البارومتر العالمي

اتصل بنا

English

19 سبتمبر 2021

أهمية الحفاظ على السلام في ذكرى صنع السلام

الدكتور محمد عبدالله العلي
19 سبتمبر 2021

أهمية الحفاظ على السلام في ذكرى صنع السلام

الدكتور محمد عبدالله العلي

يعقد “مركز تريندز للبحوث والاستشارات” يوم 21 سبتمبر الجاري (2021)، ندوة رفيعة المستوى تناقش سبل نشر ثقافة السلام والتسامح وتعزيزها في العالم، وذلك بالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لتوقيع اتفاق السلام الإبراهيمي بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل (15 سبتمبر 2021)، ومع اليوم الدولي للسلام الذي يوافق هذا اليوم من كل عام. ويشارك في هذه الندوة معالي الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش في دولة الإمارات العربية المتحدة، ونخبة من المفكرين من داخل المنطقة وخارجها للإجابة على سؤال بسيط ولكنه محوري في الوقت ذاته، وهو: ما الذي ينبغي علينا فعله من أجل الحفاظ على السلام واستدامته؟ وهذا السؤال المطروح في عنوان الندوة هو في غاية الأهمية؛ نظراً لأن العمل على الحفاظ على السلام أكثر أهمية وأعظم مسؤولية من صنعه. فعندما يُصنع السلام تتوسع دائرة مسؤوليات الدول الموقعة عليه لترسيخ ثوابته وتجذير مفاهيمه في أنحاء التفاعلات اليومية كلها.

في الدراسات المتعلقة بالسلام يرى المفكرون أن هناك درجات متغايرة من السلام: فهناك السلام السلبي ووظيفتة الأساسية هي منع العنف وإبقاء الوضع العام في حالة سكون بما يحول دون تصعيد التوترات والصراعات. وهناك السلام الإيجابي الذي يمنع العنف من جهة ويعزز وسائل التفاهم والتعاون من جهة أخرى بما يؤدي إلى تحييد العوامل التي يمكن أن تقود إلى العنف والصراع مجدداً ويحقق الاستدامة المنشودة للسلام. كما أن هناك نوعاً آخر وهو ما يسمى بالسلام الشامل أو المتكامل، الذي من أهم سماته أن القائمين عليه لا يستثنوا أياً من القوى السياسية أو العرقية أو الدينية المعنية من فرص الانضمام إلى السلام وإشراك الأطراف كافة المعنية به على أساس قاعدة “الكل رابح”.  وفي كل أنواعه، يُمَثِل فهم السلام وأهمية تحقيقه أهم العوامل في استدامته. أما عوامل قابلية تطبيق السلام بشكل عام فيتمثل أهمها أولاً في فهم خطورة دور الحرب في تدمير المجتمعات، وثانياً فهم دور القيادة الحكيمة في عدم إقحام شعوبها في نيران الحرب. ويأتي بعد ذلك عامل أكثر أهمية وهو كيفية الحفاظ على السلام إذا تحقق وضمان استدامته.

واستدامة السلام ليس بالمهمة السهلة أو التلقائية، بل تحتاج إلى شجاعة وإرادة سياسية وتوافر عوامل أخرى مهمة داعمة لتحقيقه، من أهمها: عدم اعتبار السلام مثالياً دون القيام بالجهود والأعمال والممارسات العملية التي تجذر مبادئه؛ أي النظر في العوامل أو الأسس العملية والتطبيقية التي تحافظ على هذا السلام وترسخه بما في ذلك عدم حصر السلام في الأطراف الموقعة عليه واستثناء أطراف أخرى، وعدم فرض السلام بالقوة لأن ذلك سيكون مؤقتاً في الغالب. فإذا نظرنا إلى الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى يمكن ملاحظة كيف خلقت “معاهدة فرساي” أجواء مشحونة بالعدوانية والامتعاض من السلام؛ لأن هذه المعاهدة التي تم توقيعها، حينذاك، لم تطمح إلى تحقيق السلام أكثر من طموحها في معاقبة الدول التي شاركت في الحرب وخسرتها، ولذا لم يستمر السلام طويلاً واندلعت الحرب العالمية الثانية. على عكس ذلك، إذا تمعنا في الظروف التي عقد في ظلها السلام الأخير في منطقة الشرق الأوسط أو الاتفاقات الإبراهيمية، نلاحظ بوضوح الترحيب العالمي الواسع بهذا السلام، الذي يسعى إلى تحقيق مصلحة الجميع. وهذا الترحيب الواسع مرده أن العالم يسعى إلى التعايش السلمي العالمي أكثر من أي فترة مضت، وذلك لأن العالم خاض تجارب الحروب ولم تثمر عن نتائج إيجابية لأي طرف. لذلك نما في الفكر العالمي ما يمكن أن نسميه بالقابلية للسلام والرغبة في تحقيقه.

عندما عُقدت “معاهدة فرساي”، وحضر الألمان توقيع المعاهدة، لم يتم إعطاء الألمان الفرصة للحضور كشركاء في السلام بل لمعاقبتهم؛ إذ نص بند من بنود المعاهدة على ما يسمى بشرط “ذنب الحرب” الذي يُحمّل الألمان المسؤولية عن الحرب. والدرس الأهم لهذه التجربة هو أن أهم عناصر الحفاظ على السلام هو ألا تكون الدول الموقعة عليه هي المعنية به فقط، بل أن تكون في مخرجاته فائدة شاملة للأطراف كلها أيضاً سواء مشتركة في صنعه أم لا.

ومن عوامل الحفاظ على السلام وقوع مسؤولية إضافية على الدول الصانعة للسلام بإضافة أرضية شاملة لمؤسساتها كلها من أجل تجذير مفهوم السلام أيضاً، إذ إن صنع السلام عادة ما يتبع فترات من الصراع أو أجواء مشبعة بالعدوانية، وهو ما يتطلب العمل على تغيير الثقافة القائمة وإيجاد القواسم المشتركة التي تستبدل هذه الأجواء بأجواء يسودها روح التسامح والتعاون. وإذا نظرنا إلى تجربة الاتحاد الأوروبي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية نرى أن من أهم عوامل الحفاظ على السلام هو تطويره كمفهوم فكري اقتصادي إنساني وسياسي. والدرس المستفاد هنا هو أنه إذا ما أبقت الدول الصانعة للسلام التفاهم والتعاون فيما بينها ضمن أطر مؤسساتية محدودة دون وضع قاعدة صلبة من المصالح المشتركة المستندة إلى روابط اقتصادية وثقافية، فإن السلام سيبقى في هذا الإطار المحدود ولن يتجاوزه.

وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط، بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة وتلتها مملكة البحرين بتدشين علاقات سلمية مع إسرائيل وبدء مسار جديد لتحقيق سلام مبني على الحوار المباشر والبنّاء. وتكشف قراءة بنود اتفاق السلام الموقع بين دولة الإمارات وإسرائيل عن الكثير من الحيثيات والأفكار التي تؤكد أهمية السعي إلى تكريس السلام في هذه المنطقة من العالم، حيث ينص الاتفاق على “اجتثاث الفكر المتطرف وإنهاء النزاعات، من أجل منح الأطفال كلهم مستقبلاً أفضل”. وفي تقديري أرى أن هذه الفقرة من أهم الفقرات المدرجة في أي اتفاقية سلام. فالهدف في النهاية هو منح الأطفال مستقبلاً أفضل بعيداً عن النزاعات والصراعات والأجواء العدائية، وهو أمر في غاية الأهمية لهذه المنطقة تحديداً، فعلى مدى أكثر من سبعة عقود، مرت المنطقة بالكثير من الحروب والنزاعات، التي تخللتها فترات ارتفع فيها صوت السلام الذي أسفر عن توقيع اتفاقيات سلام بين مصر والأردن والسلطة الفلسطينية من ناحية وإسرائيل من ناحية أخرى، كما شهدت ارتفاعاً في موجات التطرف الديني والسياسي الذي لم يجلب أي ثمار إيجابية لأطفال الشرق الأوسط. وبعد هذه السنوات كلها، وصلت قيادات الدول التي وقعت الاتفاق الإبراهيمي إلى خلاصة مفادها أن السلام ليس الحل الأمثل فقط، بل هو الحل الوحيد أيضاً، للخروج من هذه الدائرة المغلقة من العنف والتطرف والحروب. والسؤال المطروح الآن هو كيف تتحول الاتفاقات المذكورة إلى سلام دائم ومستدام يخدم منطقة الشرق الأوسط ويمنح أجيالها القادمة الأمل في مستقبل أفضل؟

الإجابة على هذا السؤال تكمن في عوامل عدة مهمة:  أولها، توافر الإرادة السياسية والرغبة الحقة في تحقيق السلام وترسيخه، وهذا الأمر راسخ لدى دولة الإمارات العربية المتحدة التي تتسم بسياساتها الداخلية والخارجية المتزنة ذات الطبيعة السلمية وجهودها الدؤوبة لنشر ثقافة السلام والتسامح في المنطقة العالم. والعامل الثاني هو العمل على ترسيخ أسس السلام من خلال تعزيز علاقات التعاون الاقتصادي والثقافي والإعلامي والتكنولوجي والسياسي بما يعود بالنفع على الأطراف كافة ويقدم الدليل للشعوب على أن السلام هو مصلحة لها. ويتعلق العامل الثالث بقدرة الدول الموقعة على الاتفاق الإبراهيمي على عدم الخضوع للضغوط التي تحاول أن تمارسها بعض القوى والجماعات لإفشال السلام، فتوقيع اتفاق سلام بين أي دولة عربية وإسرائيل أو مع أي دولة أخرى هو تعريف دقيق لحرية الدولة في ممارسة حقها السيادي في اتخاذ ما تراه من قرارات يخدم مصالحها ومصالح شركائها.

وقد أكد وزير خارجية الإمارات، سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، عقب توقيع الاتفاق الإبراهيمي، أن “الإمارات اتخذت قرارها السيادي من أجل السلام والمستقبل” رابطاً ذلك بالتأكيد على ديمومة توطيد التواصل وترسيخ العلاقة بين الشعبين الإماراتي والفلسطيني، فالسلام مع إسرائيل هو خطوة داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني وليست على حسابه، وهدفه هو إيجاد طرق أخرى للوصول إلى السلام الشامل الذي يعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ولكن من خلال الحوار البنّاء والمباشر.  فالسلام الشامل لن يتحقق إلا باعتبار أن الفلسطينيين، كشعب ودولة، جزء لا يتجزأ من أسس السلام. وقد أكد معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، هذا المعنى مشيراً إلى أن القضية الفلسطينية ستظل هي القضية المركزية والمحورية بالنسبة إلى الأمة العربية، وأكد موقف دولة الإمارات الراسخ في دعم قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية”. مُلخصاً بهذا، فلسفة دولة الإمارات والدول الأخرى الموُقِعَة على اتفاق السلام الذي يستهدف خدمة القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى بسبل السلام والحوار المباشر أيضاً، وليس بالضرورة من خلال خيارات المواجهة.

لقد دخلت أوروبا في حروب دينية وسياسية دامية ومدمرة ولكن عندما انتصر السلام خدم مصالح القارة الأوروبية بأكملها وخدم حق أطفالها في الحياة الكريمة على مدى أكثر من سبعة عقود تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية. والفرق بين السلام الذي تم صنعه في أوروبا بعد نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية هو أنه بعد الحرب العالمية الثانية، تم التوكيد على حق الشعوب جميعها في العيش بسلام دون استثناء، وهذا هو المنطق الذي ضمن استدامة السلام.

فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، تبدو المؤشرات الحالية مبشرة للغاية، بعد عام من السلام بدأت الدول الموقعة عليه والمنطقة كلها تشعر بثمار السلام، فلدى إسرائيل الرغبة في تعزيز علاقاتها مع الدول العربية ولكن الأهم هو وجود الإرادة السياسية لتوسيع نطاق السلام ليشمل الأطراف المعنية كلها وعلى رأسها الجانب الفلسطيني، في المقابل تبدو المجتمعات الخليجية أكثر تقبلاً لفكر التسامح والسلام والتعايش السلمي مع “الغير” بما في ذلك الإسرائيليون، فهذه الدول التي تستضيف جاليات من جميع دول العالم وتكرم ضيافتهم هي أكثر الدول تقبلاً لمفاهيم التسامح والتعايش التي هي أساس مهم لبناء السلام المستدام في المنطقة.

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 3

No votes so far! Be the first to rate this post.

تقيمك يهمنا

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 3

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.