3 يناير 2021

اتجاهات الإرهاب العالمي: نزوع المتطرفين إلى التكيُّف والتطوُّر

د. ستيفن بلاكويل و د.كريستيان ألكسندر

شهدت السنوات الأخيرة تطورات ملحوظة في أنماط الإرهاب العالمي والتهديد المحتمل الذي يشكله للمجتمع الدولي. وقد سجلت أحدث نسخة من تقرير مؤشر الإرهاب العالمي (2020) مزيداً من التراجع في الحوادث الإرهابية وفقاً للبيانات المجمَّعة من جميع أنحاء العالم[1]، غير أن أنماط الإرهاب الناشئة وتداعيات وباء كوفيد-19 ما تزال تمثّل مصادر للقلق.

وتشير الأرقام الأخيرة إلى أن التوزيع الإقليمي لحوادث الإرهاب قد تغيَّر، رغم أن جنوب آسيا ما تزال أكثر المناطق تضرراً من الإرهاب. كما تشير الاتجاهات المستقبلية إلى استمرار تنظيم داعش باعتباره تهديداً، خصوصاً من خلال الأنشطة السيبرانية، رغم تزايد التشظي داخل المجموعات والأفراد التابعين له. كما أن تنامي أنشطة الجماعات اليمينية المتطرفة في أمريكا الشمالية وأوروبا وأماكن أخرى يشكل مصدراً آخر للقلق. وربما يكون وباء كوفيد-19 قد أعاق بعض الأنشطة الإرهابية، لكن الأضرار الاقتصادية التي ربما تلحق بالشرائح الاجتماعية الضعيفة قد تُعطي الجماعات المتطرفة فرصاً جديدة تمكِّنهم من استقطاب مجنَّدين جدد.

الاتجاهات العالمية للإرهاب:

يشير تقرير مؤشر الإرهاب العالمي  إلى استمرار تراجع الحوادث المرتبطة بالإرهاب طوال السنوات الخمس الماضية، حيث انخفض إجمالي عدد قتلى الحوادث الإرهابية للعام الخامس على التوالي بعد أن بلغ ذروته عام 2014. وتوضِّح الأرقام المجمّعة أن العدد الكلي للقتلى انخفض   عام 2019 إلى 13,826 قتيلاً؛ أيْ بواقع 15.5%. وقد تمكنت 103 دول تقريباً من تحسين ترتيبها على مؤشر الإرهاب العالمي من حيث الخسائر في الأرواح المرتبطة بالإرهاب، في حين سجلت 35 دولة تراجعاً في ترتيبها على المؤشر. وتجدر الإشارة إلى أن منهجية مؤشر الإرهاب العالمي يتضمن أيضاً البيانات المتعلقة بما يسببه الإرهاب من حوادث وإصابات وأضرار في الممتلكات خلال خمس سنوات[2].

ويذكر تقرير مؤشر الإرهاب العالمي عموماً أن الوفيات الناجمة عن الإرهاب في عام 2019 أقل بواقع 59% من مستوى الذروة الذي بلغته عام 2014، وكان هذا الانخفاض في معدلات الوفيات أكبر في كل من العراق وسوريا ونيجيريا. كما أن انخفاض الوفيات المرتبطة بالإرهاب ينعكس أيضاً في انخفاض عدد الدول التي تشهد حوادث قتل إرهابية؛ وعلى الرغم من أن 63 دولة سجَّلت حالة وفاة واحدة على الأقل نتيجة للإرهاب عام 2019، فإن هذا الرقم يمثل أدنى رقم يُسجَّل منذ عام 2013.

كما يذكر التقرير أن تأثير الإرهاب كان أقل في سبع من بين مناطق العالم التسع عام 2019. وسجلت، في هذا السياق، منطقة جنوب آسيا أكبر انخفاض، تلتْها منطقة أمريكا الوسطى والكاريبي التي سجّلت أقل تأثير إقليمي للإرهاب خلال السنوات السبع عشرة الماضية، فيما شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكبر تحسّن إقليمي من حيث انخفاض النشاط الإرهابي للعام الثاني على التوالي. وبشكل عام، انخفضت الوفيات المرتبطة بالإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بواقع 87% منذ عام 2016 وهي الآن في أدنى مستوياتها منذ عام 2003[3].

مع هذا، ازدادت الهجمات التي نفذها إرهابيو اليمين المتطرف في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا وأوقيانوسيا بواقع 250% منذ عام 2014، وأصبحت هذه الهجمات الآن أكثر حدوثاً من أي وقت خلال السنوات الخمسين الماضية. وارتفع، إضافة إلى هذا، عدد الوفيات المنسوبة إلى فروع تنظيم داعش في أفريقيا جنوب الصحراء بواقع 67%. كما وقعت هجمات تنظيم داعش وفروعه في 27 دولة عام 2019، وازداد النشاط الإرهابي في جنوب آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث سجلت المنطقتان وفيات مرتبطة بالإرهاب أكثر من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عام 2018[4].

ووفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020، كانت الدول العشر الأكثر تضرراً من الإرهاب[5] هي بالترتيب: أفغانستان، العراق، نيجيريا، سوريا، الصومال، اليمن، باكستان، الهند، جمهورية الكونغو الديمقراطية، والفلبين.

ورغم أن الانخفاض الأكبر في تأثير الإرهاب حدث في أفغانستان التي سجلت في عام 2018 انخفاضاً بمقدار 1,654 حالة (22.4%) في الوفيات الناجمة عن الإرهاب مقارنة بالعام السابق، فإنها ما زالت الضحية الرئيسية للإرهاب بعد أن تجاوزت العراق عام 2018. وسجلت نيجيريا ثاني أكبر انخفاض في عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب عام 2019، حيث انخفض العدد بوقع 39.1% من 2,043 إلى 1,245، ويُعزى هذا الانخفاض أساساً إلى حدوث وفيات أقل على أيدي المتطرفين من قبائل الفولاني، ولكن حدثت زيادة طفيفة في حالات القتل المنسوبة إلى تنظيم بوكو حرام؛ المجموعة الإرهابية الأكثر نشاطاً في نيجيريا خلال العقد الماضي. ومع هذا، أصبح عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب في نيجيريا الآن أقل بـنسبة 83% من ذروتها عام 2014[6].

ولا تزال منطقة جنوب آسيا المنطقة الأكثر تضرراً من النشاط الإرهابي والحوادث الإرهابية، رغم وجود تراجع واضح في الهجمات الإرهابية في أفغانستان وباكستان والهند، حيث سجلت هذه المنطقة وفيات ناجمة عن الإرهاب أكثر من أي منطقة أخرى خلال العامين الماضيين. ويمثل تزايد نشاط تنظيم داعش في أفريقيا جنوب الصحراء العامل الأساسي في تلك المنطقة، مسجِّلاً ثاني أكبر عدد من قتلى الإرهاب في المنطقة رغم الانخفاض الكبير في نيجيريا، وقد وقع في أفريقيا جنوب الصحراء 41% من إجمالي الهجمات المرتبطة بتنظيم داعش عام 2019[7].

وقد قُدِّر التأثير الاقتصادي العالمي للإرهاب بنحو 26.4 مليار دولار عام 2019؛ وهذا يمثل انخفاضاً بواقع 25% مقارنةً بالعام السابق؛ ومع هذا، لا يمكن لتقديرات الأضرار المالية المرتبطة بالإرهاب أن تحدد الكمية الكاملة للآثار غير المباشرة التي تطال النشاط الاقتصادي، والتأميني، والتكاليف الأمنية المصاحبة لعمليات مكافحة الإرهاب[8].  

ورغم أن تأثيرات الإرهاب قد تراجعت عموماً، فإنها تظل مشكلة عالمية ملحّة ومدمرة؛ فالإرهاب يزدهر في البيئات المضطربة، حيث حدث أكثر من 96% من الوفيات الناجمة عن الإرهاب عام 2019 في البلدان المتأثرة بالنزاعات الداخلية والحروب الأهلية، بدليل أن الدول العشر التي تتعرّض لأشد آثار الإرهاب منغمسة في نزاع عسكري واحد على الأقل.

اتجاهات الإرهاب المستجدة: تهديد داعش المستمر

حدث تراجع واضح ومطّرد في قدرة تنظيم داعش اتضح في انخفاض عدد القتلى على يديه من 1,571  قتيلاً عام 2018 إلى 942  قتيلاً عام 2019، ورغم أن 339 حادثة إرهاب قد نُسِبت إلى التنظيم عام 2019، فهذا العدد يمثل أدنى معدل للهجمات منذ إنشائه. ورغم الانخفاض المنتظم في نشاط تنظيم داعش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، فقد نشط التنظيم واستقطب  منتسبين جدداً في مناطق أخرى من العالم[9].

ويتضح هذا جلياً في أفريقيا جنوب الصحراء؛ فوفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي،  فإن سبع من الدول العشر التي سجلت أكبر زيادة في الإرهاب تقع في هذه المنطقة، وهي: بوركينا فاسو، وموزمبيق، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، والنيجر، والكاميرون، وإثيوبيا. وقد شهدت بوركينا فاسو أكبر زيادة في حالات القتل المرتبطة بالإرهاب بلغت 590%؛ حيث ارتفع عدد الحالات من 86 حالة عام 2018 إلى 593 حالة قتل عام 2019. وثمة ثلاث مجموعات إرهابية مسؤولة مسؤولية مباشرة عن زيادة عدد القتلى، هي: الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS)، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، وفرع أنصار الإسلام في بوركينا فاسو.[10]

إضافة إلى هذا، واصل الإرهابيون استهداف العديد من الدول الأوروبية، وحظيت هجماتهم بتغطية إعلامية واسعة، وأعيد تصعيد قضية الإرهاب إلى الواجهة في الأجندة العامة. وقد جرى تنفيذ العديد من الهجمات الإرهابية (15 هجوماً) على الأراضي الأوروبية بين عاميْ 2015 و2018. ويثير هذا  الأمر  عدداً من التساؤلات، مثل: ما هي الأهداف الاستراتيجية لهذه الهجمات؟ وما هي الجهة التي قادت/مكّنت/سهّلت هذه الهجمات؟ وكيف يمكننا وضع هذه الهجمات الإرهابية في أوروبا في سياق مناسب؟ وهنا يمكن الإشارة إلى بعض الأمور التالية:

أولاً: أصبح واضحاً أن تهديد تنظيم داعش قد تنوَّع بوتيرة متزايدة وصار أكثر انتشاراً جغرافياً، خصوصاً في أعقاب نهاية التنظيم في سوريا والعراق. وظل تكرار العمليات الإرهابية يتأرجح بين هبوط وارتفاع، مع العلم أن الكثير من التقارير حول الحوادث الإرهابية تنحو إلى استبعاد المخططات التي تم إحباطها أو الفاشلة. ورغم اطّراد وتيرة الهجمات الإرهابية المستلهَمة من تنظيم داعش والهجمات التي قادها التنظيم خلال السنوات القليلة الماضية، فإن المخططات الإرهابية الواسعة التي تتضمن شبكات معقّدة من النشطاء وأوامر صادرة من القمة للقاعدة تبدو شيئاً من الماضي إلى درجة أصبحت معها الهجمات المرتبطة بها، في إطار الاتجاهات العامة للإرهاب، ظاهرة هامشية على نحو متزايد[11].

ثانياً: أدت هذه الأنواع من الهجمات الصغيرة إلى بث مخاوف متزايدة من الإرهاب، وهي تهدف إلى ذلك. وكما هو سائد في جميع الحوادث الإرهابية، يشي جزءٌ من الاستراتيجية الأساسية بإمكانية حدوث هذه الهجمات العنيفة في أي مكان وأي وقت وعلى يد أي شخص دون الكثير من التخطيط أو التحضير أو الإنذار المسبق. كما تتضمن استراتيجية داعش للإرهاب في أوروبا عنصراً آخرَ يتمثّل في توليد/استثارة/تعزيز شعور مُعْدٍ من أجل التحريض على المزيد من الهجمات وتشجيع الآخرين على الاقتداء بذلك[12]. والهدف الرئيسي من كل هذا هو التحريض على إشعال تمرد عالمي يتوخّى إلهام المسلمين وتحريكهم في جميع أنحاء العالم. ويريد تنظيم داعش رفع وتيرة الهجمات لكي ينافس بعض خصومه وأن يدّعي تفوّقه في عدد الهجمات بدلاً من نوعيتها وأن يُنظَر إليه بصفته الممثل الرئيسي لما يسمّى المجتمع الجهادي في العالم.

وقد يُفسَّر سبب وقوع هذه الهجمات في أوروبا بأن العديد من الذين يسعون إلى السفر من مختلف العواصم الأوروبية إلى العراق وسوريا للانضمام إلى تنظيم داعش قد منعتهم الأجهزة الاستخبارية من السفر، وربما أدت خيبة أملهم وردة فعلهم إلى تنفيذ مثل هذه الهجمات انتقاماً لما حدث لهم؛ فوفقاً لإحدى الدراسات، شن هؤلاء الممنوعون من السفر هجمات بسيطة في بلدانهم الأصلية خدمةً لقضية تنظيم داعش من بلد إقامتهم. وتشير الأرقام إلى أن الممنوعين من السفر وضعوا 25 مخططاً إرهابياً في أوروبا بين يناير 2014 و2019 قادت في النهاية إلى ثمان هجمات أسفرت عن إصابة 18 شخصاً وقتل سبعة آخرين[13].

أحد العوامل الرئيسية وراء انتشار تهديد داعش ولا مركزيته هو تزايد استخدام وسائل الإعلام الاجتماعي لنشر الدعاية والتحريض. ويشير أحد التحليلات إلى أن زيادة استخدام هذه المنصات الرقمية لتجنيد النشطاء الإرهابيين وتعليمهم وتشجيهم قد حوَّلت تنظيم داعش من مجموعة متمردة تسيطر على أراضٍ حقيقية إلى "خلافة افتراضية". وبدأ التنظيم الآن يستخدم الفضاءات الإلكترونية والمنصات الرقمية لنشر خطاب يوظف الدين في ارتكاب هذه الأعمال[14]. كما تشير طريقة عمل الجهاديين الأوروبيين الأخيرة إلى أن الأسلحة النارية والسكاكين والمركبات أصبحت الأسلحة المفضلة لأنها متوفرة ورخيصة نسبياً ويسهل الحصول عليها. ومن السهل امتلاك هذه الأنواع من الأسلحة على الرغم من أنها عموماً لا تقتل عدداً كبيراً من البشر[15].

وقد توصلت دراسة شاملة أجراها معهد غلوبسيك للسياسات The GLOBSEC Policy Institute إلى ما يُسمّى "سلسلة الجريمة والإرهاب" المترابطة التي تشكِّل الأساس لخلفية العديد من الجهاديين الأوروبيين. وبناءً على مجموعات من البيانات المجمَّعة من عدد من الدول الأوروبية (فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا واليونان)، تشير الدراسة إلى أن ".. عدداً كبيراً من الجهاديين الأوروبيين كانوا منخرطين في بعض الأنشطة الإجرامية قبل ارتكابهم أعمال عنف سياسي"[16]، وأن ما يقرب من ثلث الجهاديين الأوروبيين كانوا على خلاف خطير مع القانون حيث ارتكبوا جرائم مثل النهب والسطو والسرقة وتهريب السلع والاحتيال (على سبيل المثال لا الحصر).

وقد أمضى العديد من المقبوض عليهم والمدانين منهم أحكاماً بالسجن وتحوَّلوا في أثناء فترة سجنهم من مجرمين إلى إرهابيين وأصبحوا متطرفين من خلال الاتصالات مع سجناء متطرفين. كما تشير دراسة معهد غلوبسيك أيضاً إلى طبيعة الجهاد الأوروبي كظاهرة محلية؛ بمعنى أن العديد من الجهاديين الأوروبيين إما متجنسين أو ينتمون إلى الجيل الأول من المهاجرين، وهم عموماً ذكور لم يتلقوا تعليماً جيداً (من حيث التعليم الثانوي أو التعليم العالي الرسمي)[17].

إضافة إلى هذا، استغل تنظيم داعش القضايا السياسية والثقافية الخاصة بمجتمعات مسلمي الشتات في أساليب التجنيد (الدعاية) التي يستخدمها. ويمكن أن يؤدي انعدام الاندماج الاجتماعي والبطالة والتمييز بين الشباب في مختلف الأحياء السكنية إلى التهميش الاجتماعي ومن ثم إلى ارتفاع احتمال ارتكاب مثل هذه الهجمات. ويشعر الكثير من مجتمعات المسلمين الأوروبيين بالغضب لأن كثيراً ما يحدث خلط بين الإرهابيين والمسلمين عموماً، ما يلقي بظلال من الشكوك على المجتمعات الدينية المختلفة المقيمة في أوروبا[18]؛ وهذا يؤدي إلى مشكلة استقطاب بين المواطنين المسلمين في أوروبا. وقد سعى تنظيم داعش إلى الاستفادة من التوترات القائمة بين المجتمعات المسلمة في أوروبا التي تتسم بالإقصاء والتهميش والخوف من الآخر.

الاتجاهات المستجدة: نمو اليمين المتطرِّف

على الرغم من أن الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعات اليمينية المتطرفة نادرة نسبياً مقارنةً بالأشكال الأخرى من النشاط الإرهابي، فإن الاتجاه الواضح في السنوات الأخيرة هو النمو السريع في وقوع مثل هذه الحوادث، حيث ازدادت هجمات الجماعات اليمينية المتطرفة في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا وأوقيانوسيا بواقع 250% منذ عام 2014؛ ومن بين 89 حالة قتل منسوبة إلى إرهابيي اليمين المتطرف عام 2019، حدثت 51 حالة في هجمات على مساجد في مدينة كرايستشيرتش في نيوزيلندا. إضافة إلى هذا، على الأرجح أيضاً أن يُنفَّذ إرهاب اليمين المتطرف في شكل أفعال يقوم بها أفراد غير منتمين لجماعات بعينها، وقد شكَّلت مثل هذه الهجمات 60% من إجمالي هجمات اليمين المتطرِّف بين عاميْ 1970 و2019، مقارنةً بأقل من 10% ارتكبها اليسار المتطرف والجماعات السياسية الانفصالية والإرهابية[19].

وما يحرض على أنشطة اليمين المتطرف إلى حد كبير هو الإسلاموفوبيا وتصورات التهديد الذي تشكله الجماعات الإسلاموية المتطرفة؛ لذا فإن إرهاب اليمينيين المتطرفين يأتي انعكاساً، جزئياً على الأقل، لأيديولوجيات مستهدَفيهم الإسلامويين، والعكس بالعكس. وتحقّق ردود الأفعال هذه استراتيجية تنظيم داعش الرامية إلى "دفع المجتمعات الأوروبية نحو الاستقطاب بهدف تسهيل الطموحات الجهادية مثل التدخل المستمر في الخارج وإضفاء الطابع الأمني على الإسلام في الداخل وإبراز أوروبا وكأنها معادية للمسلمين، وكل هذا يعزز فكرة "الحرب على الإسلام"[20].

لذا فإن الهجمات الإرهابية الرامية إلى إثارة ردود أفعال إسلاموفوبيّة تحقق نجاحاً وفقاً لدرجة عنف ردود الفعل من جانب الجماعات المجتمعية الأخرى. وبإثارة الأعمال الانتقامية التي تستهدف المسلمين الذين يعيشون في أوروبا، يمكن أن يؤدي التطرف المتبادل بين أقصى اليمين المتطرف والإسلامويين العنيفين إلى زيادة الوضع سوءاً[21]. وتشير الأدلة التي جمعها مشروع مكافحة التطرف في النمسا إلى أن الهجمات الموجهة ضد المسلمين وطالبي اللجوء والمؤسسات المرتبطة بذلك قد استمرت، بل ازدادت في الواقع. ويقول التقرير السنوي الصادر عن المشروع إن الجماعات اليمينية المتطرفة الجديدة، مثل حركة الهوية في النمسا التي يركز خطابها على الخوف المتصوَّر من أسلمة المجتمعات الغربية، اكتسبت شعبيةً وأن تدفُّق الهجرة إلى أوروبا زاد من مشاعر كره الأجانب التي أدت تدريجياً إلى إشعال نيران التطرف اليميني في النمسا[22].

ثمة اتجاه أوسع نطاقاً، ومثير للقلق، مرتبط بمثل هذه التطورات يتمثل في زيادة تقبُّل العنف السياسي باعتباره ظاهرة مقبولة في العديد من الدول. وتشير الاتجاهات الإحصائية إلى أن الأفراد الحزبيين في المجتمعات التي يتزايد فيها الاستقطاب ينظرون إلى مثل هذا العنف باعتباره عملاً مبرراً أكثر فأكثر؛ ففي استطلاع للرأي أُجري في الولايات المتحدة عام 2020، وافق نحو 40% من الديمقراطيين والجمهوريين على أن العنف المرتكَب بدوافع سياسية مقبول في بعض الظروف؛ علماً بأن المستجيبين في استطلاع عام 2018 الذين وافقوا على هذا الاقتراح كانوا أقل من 10%. وتتوافق هذه الأرقام مع زيادة في المظاهرات العنيفة في المجتمعات الغربية نتيجة لازدياد عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي[23].

تأثير وباء كوفيد-19

في بعض النواحي، أعاق حظر التجوُّل وإغلاق الحدود وإيقاف الطائرات التجارية خلال وباء كوفيد-19 النشاط الإرهابي، وواجهت الجماعات المتمردة قيوداً على تحركاتها وعملياتها وعلى جهود التجنيد التي تقوم بها. كما أن إجراءات الإغلاق التي حدّت من استخدام الأماكن العامة قلصت أيضاً من الأهداف المحتملة أمام الإرهابيين؛ وفي ما يتعلق بتنظيمات مثل تنظيم داعش، سيعوق الوباء قدرتها على شن هجمات واسعة ومتطورة على أهداف ذات أهمية؛ لكن من المرجح، في الوقت نفسه، أن تشكِّل القيود المفروضة بسبب الوباء مشاكل أقل للجماعات الإرهابية المحلية الأصغر حجماً والأفراد الذين يعملون تحت لوائها.

مع هذا، من المرجح أن يؤدي وباء كوفيد-19 إلى تفاقم النشاط الإرهابي في بعض المناطق وأن يوجِد تحديات جديدة أمام مكافحة مثل هذه الهجمات. وغالباً ما ترتبط هذه التحديات بقدرة الدولة على ممارسة سلطتها وضمان رفاهية الشعب في وقت تزداد فيه الضغوط الاقتصادية. وربما يوفر الوباء فرصاً للإرهابيين ليعيدوا تجميع صفوفهم ويوسعوا نطاقهم الإقليمي لأن الحكومات منصرفة إلى معالجة أزمة الصحة العامة بدلاً من التركيز على إجراءات مكافحة الإرهاب. وفي المناطق التي يكون فيها حكم الدولة منقوصاً أو يُرى أنه غير شرعي، يمكن للجماعات الإرهابية أن تستغل فراغ السلطة لتقدِّم الخدمات الأساسية للسكان المحليين المعرضين للفقر والتهميش.

وربما يوفر الوباء أيضاً سياقاً أكثر ملاءمةً لتلك الجماعات التي تسعى إلى تجنيد أعضاء جدد وتحويلهم إلى متطرفين. وقد أشارت حركة طالبان إلى أن فيروس كوفيد-19 أرسله الله عقاباً على "معاصي البشر"، في حين وصفه تنظيم داعش بأنه "جندي من جنود الله". ويلاحظ أن تنظيم القاعدة سعى إلى استغلال الوضع الراهن بتشجيع غير المسلمين في الغرب على التحوّل إلى الإسلام، في حين استمر تنظيم داعش في الدعوة إلى الجهاد العالمي وحثّ أتباعه على شن هجمات في أثناء انشغال القوات الحكومية والأمنية بالمساعدة في مواجهة الوباء.

وقد تتأثر عمليات مكافحة الإرهاب نتيجة لزيادة العجز المالي الحكومي الناجم عن الأزمة الاقتصادية التي سببها الوباء. ويوجد خطر من أن التراجع الاقتصادي الذي أحدثه وباء كوفيد-19 قد يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار السياسي في بعض الأماكن وأن تقرر الحكومات، تحت الضغط المالي، تخفيض الأموال المخصصة لمبادرات مكافحة الإرهاب. وبالفعل، تأثرت العمليات التي يقوم بها التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش، كما شوهد ذلك في حالة العراق حيث يفكِّر بعض أعضاء التحالف  في سحب قواته خوفاً من انتشار وباء كوفيد-19[24].

نظرة مستقبلية

في الختام، من الواضح أن حوادث الإرهاب آخذة في التراجع في جميع أنحاء العالم، غير أن التهديد بدأ يتطوّر وربما يتطور أكثر في اتجاهات غير محددة نتيجة لوباء كوفيد-19. ويلقي تقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020 الضوء على مدى تراجع الإرهاب الدولي في السنوات الأخيرة. ومن النتائج الأكثر تشجيعاً بين نتائج هذا التقرير أن النشاط الإرهابي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – التي شهدت في السنوات الأخيرة أعمال عنف خطيرة في المناطق المضطربة – قد انخفض بأكثر من 80% خلال السنوات الأربع الأخيرة.

مع هذا، ما زالت المخاوف قائمة بشأن قدرة تنظيم داعش على توسيع عملياته في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، وكذلك قدرته على تجنيد الأفراد المتطرفين في أوروبا. كما أن صعود اليمين المتطرف يشكّل تحدياً متنامياً باعتباره رد فعل، جزئياً على الأقل، على استمرار تهديد الإسلامويين المتطرفين وانعكاساً لمجتمعات أكثر انقساماً.

لقد فرض تفشي وباء كوفيد-19 العالمي ضغوطاً إضافية على الحكومات الإقليمية، لأنه يزيد من خطر استغلال تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى لسوء الحكم وانعدام الأمن من أجل تجنيد أتباع جدد وتوسيع نفوذها في المناطق المهمشة. ولمواجهة هذا التحدي، لا بد للدول المضطربة أن تعمل على توسيع تعاونها في مكافحة الإرهاب مع الدول الإقليمية المجاورة وأن تستعين بموارد الجهات الفاعلة الدولية لمنع ظهور النشاط الإرهابي من جديد. وينبغي على المجتمع الدولي أن يكون متيقظاً ومنتبهاً للجماعات الإرهابية التي تسعى إلى استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الرسائل المتطرفة، وأن يعالج المظالم المشروعة للمجموعات المهمشة.

أخيراً وبرغم أن الاتجاه التراجعي العالمي للإرهاب يدعو إلى التفاؤل، فلا بد من استمرار اليقظة واستخدام مجموعة من الأدوات والسياسات المواكبة لتطورات ظاهرة الإرهاب نفسهاإذا أراد المجتمع الدولي مواصلة الضغط على الجماعات الإرهابية وضمان توفير الأمن للسكان المستضعفين.

المراجع

[1] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020: Measuring the Impact of Terrorism, Sydney, November 2020: https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2020/11/GTI-2020-web-1.pdf. The Institute for Economics and Peace (IEP), in collaboration with the National Consortium for the Study of Terrorism and Responses to Terrorism (START) led by the University of Maryland, has collated and presented data on more than 170,000 terrorist incidents since 1970.  The (GTI) report is a thoroughly comprehensive study that presents “the impact of terrorism for 163 countries covering 99.7 percent of the world’s population” and “looks at the application of systems thinking to terrorism, using mainly statistical techniques and mathematical models to better understand the dynamics of terrorism and its subsequent impact on society.”

[2] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, p. 12.

[3] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, p. 13.

[4] ‘2020 Global Terrorism Index: Deaths from terrorism reach five-year low, but new risks emerge,’ PRN Newswire (Asia), November 25, 2020: https://www.prnewswire.com/news-releases/2020-global-terrorism-index-deaths-from-terrorism-reach-five-year-low-but-new-risks-emerge-301175939.html.

[5] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, p. 18.

[6] ‘Changing tactics on terrorism,’ Christian Science Monitor, December 18, 2020: https://www.csmonitor.com/Commentary/the-monitors-view/2020/1218/Changing-tactics-on-terrorism.

[7] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, pp. 34-8.

[8] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, pp. 30-9.

[9] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, pp. 53-9.

[10] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, pp. 80-2.

[11] Robin Simcox, ‘The Post-Caliphate Threat in Europe-and the Need for Continuing U.S. Assistance,’ The Heritage Foundation, 2019: https://www.heritage.org/terrorism/report/the-post-caliphate-terror-threat-europe-and-the-need-continuing-us-assistance.

[12] Thomas Renard, ‘Fear Not: A Critical Perspective on the Terrorist Threat in Europe.’ Security Policy Brief, EGMONT, No. 77, 2016, pp.1-8: http://aei.pitt.edu/86893/.

[13] Robin Simcox, ‘When Terrorists Stay Home: The Evolving Threat to Europe from Frustrated Travelers,’ CTC Sentinel, 2019, pp. 46-55: https://ctc.usma.edu/terrorists-stay-home-evolving-threat-europe-frustrated-travelers/.

[14] Michael Krona, ‘Revisiting the Ecosystem of Islamic State’s ‘Virtual Caliphate,’, GNET, 2020: https://gnet-research.org/2020/10/21/revisiting-the-ecosystem-of-islamic-states-virtual-caliphate/.

[15] Seth Jones, ‘Keep Calm and Carry on: The Terrorist Threat in the United Kingdom,’ Center for Strategic & International Studies, CSIS Briefs, 2018, pp. 1-5; https://www.csis.org/analysis/keep-calm-and-carry-terrorist-threat-united-kingdom.

[16] GLOBSEC, ‘Who are the European Jihadis? Project Midterm Report,’ Brussels, 2018, pp. 1-36: https://www.globsec.org/wp-content/uploads/2018/09/GLOBSEC_WhoAreTheEuropeanJihadis.pdf.

[17] GLOBSEC, ‘Who are the European Jihadis?’

[18] Onur Sultan. ‘Post-Daesh Challenges for Europe,’ Horizon Insights, Vol. 1, No. 1, 2018, pp. 64-81; https://pdfs.semanticscholar.org/b0be/f334a34ef21694671f977a51819493e2bbfe.pdf?_ga=2.192302383.46084718.1608718597-1889267841.1608718597.

[19] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, pp. 60-6.

[20] John Turner, ‘Manufacturing the Jihad in Europe: The Islamic State’s Strategy,’ The International Spectator, Vol. 55, No. 1, 2020, pp. 112-125; https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/03932729.2020.1712136?journalCode=rspe20.

[21] David Rappaport, ‘Why has the Islamic State changed its Strategy and Mounted the Paris-Brussels Attacks?’ Perspectives on Terrorism, Vol. 10, Issue 2, 2016, pp.24-32; http://www.terrorismanalysts.com/pt/index.php/pot/article/view/498/html.

[22] Counter Extremism Project, Austria: Extremism & Counter-Extremism, 2020 https://www.counterextremism.com/countries/austria.

[23] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, p. 17.

[24] Institute for Economic and Peace, Global Terrorism Index 2020, p. 29.

Terrorism الإرهاب التطرف
تقيمك يهمنا

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.