24 ديسمبر 2020

عرض وتلخيص لكتاب: الأرض الموعودة

المؤلف: باراك أوباما

عرض : البروفسور فوزي الغزالي

“الملخص التنفيذي”

باراك حسين أوباما سياسي ومحامٍ أمريكي، ولد في الرابع من أغسطس/آب عام 1962 في هونولولو بولاية هاواي في الولايات المتحدة الأمريكية. في عام 1991، حصل على شهادة جامعية في القانون من كلية الحقوق بجامعة هارفرد؛ وابتداءً من عام 2009، جرى تنصيب أوباما ليصبح الرئيس الرابع والأربعين للولايات شغل المتحدة حيث تولى الرئاسة لفترتين متتاليتين. وبصفته سيناتوراً ديموقراطياً من ولاية إيلينوي، أوباما منصب الرئيس في أعقاب الانتصار الحاسم الذي حققه على المرشح الجمهوري جون ماكين في الانتخابات الرئاسية لعام 2008. وخلال الثماني سنوات التي أمضاها في الرئاسة، أصبح أوباما أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية، وأول رئيس متعدد الأعراق، وأول رئيس ذي بشرة ليست بيضاء، ناهيك عن أنه أول رئيس يرى النور في هاواي. وقد خلفه في عام 2017 الرئيس الجمهوري دونالد ترامب.

وكتاب أوباما الموسوم بـ “الأرض الموعودة”، هو أول جزء من سلسلة ذات مجلدين، يضم مذكراته خلال فترة رئاسته في البيت الأبيض، ويقدم عرضاً أميناً لتجربته أثناء فترة رئاسته للولايات المتحدة. ومع أن المحور الرئيسي للكتاب سياسي أكثر مما هو شخصي؛ فإن ما يكتبه أوباما عن عائلته يتميز بروعة تقترب من الحنين إلى الماضي. الكتاب صدر في السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني، أي بعد الانتخابات الوطنية بوقت قصير؛ وقد أصدر أوباما نسخة مسموعة من كتابه بصوته. وبحسب وصف صحيفة “نيويورك تايمز” له، فإن الكتاب قد “ضمن فعلياً” أن يكون في صدارة الكتب الأكثر مبيعاً لهذا العام. وإلى جانب الطبعة الأصلية التي صدرت باللغة الإنجليزية، فإن الكتاب سيترجم إلى 24 لغة أخرى.

يستهل أوباما كتاب “الأرض الموعودة” بوصفٍ لبدايات سنوات حياته، تعقبه تغطية لأولى حملاته السياسية، وينتهي الكتاب بعرض لاجتماع عُقد في كنتاكي يناقش فيه أوباما غارة “أبوت آباد” التي أودت بحياة أسامة بن لادن مع المجموعة التي ترافقه. ويخصص أوباما أحد فصول الكتاب الأساسية لاستعراض دور صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في الحفاظ على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والحكمة التي أظهرها في معالجة الكثير من القضايا التي برزت في أعقاب “الربيع العربي” عام 2011. وهذا الكتاب جاء ليوثق رؤية الولايات المتحدة حيال العديد من الأحداث المعقدة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره.

(1) أوباما والشيخ محمد بن زايد

في كتابه “الأرض الموعودة”، يصف أوباما الشيخ محمد بن زايد (وهو يشير إليه في الكتاب بالأحرف الأولى من اسمه باللغة الإنجليزية: MBZ)، ولي عهد أبوظبي و”الحاكم الفعلي” لدولة الإمارات العربية المتحدة، بالقائد الأكثر حكمة في منطقة الخليج الذي أسهم بتحالفه مع المملكة العربية السعودية في ضمان الاستقرار في هذه المنطقة وفي التعاطي مع الكثير من القضايا الإقليمية.

وذكر أوباما في كتابه أنه بعد دعوته لحسني مبارك إلى التنحي في أعقاب ثورة الشعب المصري ضده في عام 2011، بأن الشيخ محمد بن زايد قال له إن منطقة الخليج ترقب عن كثب البيانات الأمريكية حول مصر بإحساس متعاظم بالقلق، وإنه – أي الشيخ محمد بن زايد – قد حذَّره مما قد تؤول إليه الأوضاع لو أن المتظاهرين المحتجين في البحرين، على سبيل المثال، قد طالبوا الملك حمد بالتنحي؛ فهل ستقوم الإدارة الأمريكية بتوجيه النوع ذاته من البيانات للبحرين مثل تلك التي صدرت عنها بشأن مصر؟

ورداً على مخاوف الشيخ محمد بن زايد فيما يتعلق بالنظام الحاكم في مصر، أبلغه أوباما بأنه يأمل بالعمل معه ومع القادة الآخرين في الخليج كي لا يرغم الأمريكيين على الاختيار ما بين الإخوان المسلمين وحكومات المنطقة التي تواجه الصدامات العنيفة المحتملة مع شعوبها. ويؤكد أوباما جازماً أن صوت الشيخ محمد بن زايد كان هادئاً وحازماً، وأنه لم يطلب العون من الولايات المتحدة؛ بل إنه – أي الشيخ محمد بن زايد – قد أخبر أوباما أن تأثير الرسالة العامة الأمريكية لم يقتصر على مبارك فحسب، بل إنها أثرت في المنطقة برمتها. ويذكر أوباما أن الشيخ محمد بن زايد أخبره أنه انتقد تصريح أوباما عن مبارك لأنه في حال انهارت مصر واستولى الإخوان المسلمون على السلطة، فإن من المرجح كثيراً أن يواجه قادة عرب آخرون أوضاعاً مماثلة. وفي تقدير الشيخ محمد بن زايد، وكما نقله إلى أوباما، فإن تصريحات كتلك التي أدلى بها هذا الأخير قد كشفت عن أن الولايات المتحدة ليست شريكاً يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل.

ويضيف أوباما قوله إن الشيخ محمد بن زايد كان محقاً في توقعه بأن مثل هذه البيانات الأمريكية، التي تفيد بأن على مبارك أن يتنحى عن منصبه، سوف تؤخذ على محمل الجد من قبل المحتجين في البحرين حيث انطلقت تظاهرات ضخمة في العاصمة المنامة ضد حكومة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والتي كان معظم المشاركين فيها من الشيعة. وقد دفعت هذه الاحتجاجات بالملك حمد إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة تمثلت في دعوة فرق عسكرية مدرعة من الجيشين السعودي والإماراتي لمساعدة البحرين في السيطرة على تظاهرات المنامة. ويقول أوباما أنه أبلغ الشيخ محمد بن زايد بأن البحرين حليف قديم للولايات المتحدة، وبأنها تستضيف الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، وأنه ينبغي على الملك حمد ووزرائه، وعلى أقل تقدير، أن يفعلوا شيئاً ما لتلبية مطالب المحتجين وكبح جماح أعمال العنف التي تمارسها قوات الشرطة.

إن ماقاله باراك أوباما عن الشيخ محمد بن زايد أولاً يعكس الدور الاستراتيجي الذي تقوم به دولة الإمارات في الحفاظ على الاستقرار والسلام في منطقة الخليج، وثانياً فإنه يعبر عن اعتراف أوباما بحكمة الشيخ محمد بن زايد وشجاعته ودقة وعيه للأوضاع السياسية التي تشهدها المنطقة.

(2) أوباما والملك عبدالله بن عبدالعزيز (المملكة العربية السعودية)

عن أول زيارة قام بها أوباما للمملكة العربية السعودية في يونيو/حزيران عام 2009، يقول إنه كان مبهوراً بحفل الترحيب الفخم الذي أقيم له في المطار، إلا أنه – مع ذلك – شعر بالصدمة بسبب غياب النساء والأطفال بشكل تام سواء على مدرج المطار أو في صالاته. وقد ساوره وقتذاك إحساس بمدى الظلم والحزن اللذين يخيمان على هذا المكان المعزول، كما لو أنه قد دخل فجأة إلى عالم جرى فيه التعتيم على الأصوات والمظاهر الجميلة جميعها.

بحسب وصف أوباما له، فإن الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود هو القائد الأكثر قوة ونفوذاً في العالم العربي، وأن والده الملك عبدالعزيز – أول ملوك الدولة – كان متمسكاً بعمق بتعاليم رجل الدين محمد بن عبدالوهاب الذي ينتمي إلى القرن الثامن عشر والذي يدّعي أتباعه أنهم يمارسون مبادئ الأنموذج القويم والأصيل للعقيدة الإسلامية. كما أنهم يرون في الإسلام الشيعي والصوفي نوعاً من الهرطقة ليس إلا، ويدعون إلى الفصل بين الجنسين بشكل عام، وتجنب التواصل مع غير المسلمين، ويرفضون الفنون والآداب ذات الطابع العلماني وأنشطة التسلية الأخرى التي قد تصرف أنظارهم عن عقيدتهم. ويذهب أوباما إلى القول إن الملك عبدالعزيز آل سعود استغل انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى لترسيخ سيطرته على القبائل العربية المنافسة، وتأسيس المملكة العربية السعودية الحديثة وفقاً لهذه المبادئ والمفاهيم الوهابية.

وإضافة إلى ذلك، يذكر أوباما أن اكتشاف النفط والثروات الهائلة التي صار يدرها شجعت الملك عبدالعزيز على إقامة نوعين من العلاقات الاستراتيجية. فالملك عبدالعزيز كان في البداية بحاجة إلى التكنولوجيا والخبرات الغربية كي يستغل بشكل تام كنز المملكة الجديد؛ ومن ثم قام بتشكيل تحالف مع الولايات المتحدة بغية الحصول على أسلحة حديثة وتأمين حقول النفط السعودية ضد خصوم المملكة من الدول المنافسة. ويقول أوباما إن النظام الملكي السعودي قام بإبرم صفقة مع رجال الدين الذين يتبنّون المذهب الوهابي يكون من خلالها لآل سعود الهيمنة المطلقة على اقتصاد البلاد وحكومتها مقابل منح رجال الدين الوهابيين سلطة التحكم في الأنشطة الاجتماعية، وفي نظم التعليم، والمساجد، فضلاً عن فرض عقوبات على من ينتهك المعتقدات الدينية. كما يعرب أوباما عن اعتقاده بأن الطابع الأصولي والاستبدادي الذي يتميز به الفكر الوهابي لا يتوافق مع نزعة الحداثة، وأنه بمنزلة وعاء لـ “استنبات” وترسيخ نزعة التطرف لدى أعداد كبيرة من الشبان المسلمين مثل أسامة بن لادن الذي وضع برفقة أربعة آخرين خططاً لهجمات 11 سبتمبر وتنفيذها.

وقد لاحظ أوباما أن الملك عبدالله كان حذراً وقلقاً بشكل واضح حيال الجدل المحتمل عندما سأله أوباما عن إمكانية قيام المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى بتشجيع الفلسطينيين على دخول جولة أخرى من محادثات السلام مع إسرائيل، كما أن الملك عبدالله لم يرحب في الوقت نفسه بطرح أوباما عن مدى إمكانية نقل بعض معتقلي غوانتانامو إلى مراكز إعادة تأهيل سعودية. ولم يغبْ عن أوباما الإشارة إلى أن الملك عبدالله أخبره عن زوجاته الاثنتي عشرة، وكيف أن مجاراتهن باتت أمراً يفوق سياسات الشرق الأوسط تعقيداً. ومهما يكن، فقد بدا أوباما مندهشاً أمام الهدايا الثمينة للغاية التي قدمها الملك عبدالله له ولأعضاء الوفد المرافق له.

(3) أوباما وحسني مبارك

عن زيارته للقاهرة في عام 2009 ولقائه حسني مبارك، الذي ظل رئيساً لمصر طوال 30 عاماً (1981 – 2011)، يقول أوباما إن الزيارة ولّدت لديه انطباعاً مفاده أن النظام في مصر وجميع الأنظمة الاستبدادية القديمة غالباً ما كانت تغلق أبواب قصورها على نفسها، وأن تفاعلها مع أبناء شعوبها كان يجري عن طريق الموظفين القساة الخانعين الذين يحيطون بهذه الأنظمة. وبناءً على ذلك، لم تكن أفعالهم محكومة بأي هدف أكبر يتجاوز الحفاظ على شبكة متداخلة قائمة على المحسوبية والمصالح التجارية التي أبقت هذه الأنظمة في السلطة. ويصف أوباما خطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة بأنه فرصة تناول فيها قضايا، مثل: الديموقراطية، وحقوق الإنسان، والمرأة، والتسامح الديني، والحاجة إلى سلام حقيقي ودائم بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة.

ويقول أوباما إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة غضت الطرف عن ظاهرة الفساد المتنامي والسجل البائس لحقوق الإنسان في عهد مبارك بعد أن أصبحت القاهرة حليفة لواشنطن إثر توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل. كما أوضح أن مبارك لم يولِ اهتماماً لإجراء إصلاحات في اقتصاد بلاده الآيل إلى الركود، ما ترك جيلاً كاملاً من المصريين العاجزين عن العثور على فرص عمل. وهذا يرجع إلى المعونات المالية السخية التي اعتاد مبارك تلقيها ليس من الولايات المتحدة فحسب، بل من المملكة العربية السعودية وسائر بلدان الخليج الغنية بالنفط كذلك.

ويشير أوباما إلى أنه لا يكّن إعجاباً شديداً بمبارك؛ لكنه يخلص إلى القول إن إصدار بيان وحيد ينتقد قانوناً ظلَّ معمولاً به طوال ما يقرب من ثلاثين عاماً لن يكون مفيداً إلى حد كبير. ويصف أوباما استراتيجية الولايات المتحدة بأنها أشبه بـ “سفينة بحرية” وليست “زورقاً سريعاً” من حيث أنه لو كان يعتزم تغيير منهجه في المنطقة، لكان سيتعين عليه تكييف استراتيجيته بما يمنح الحلفاء في المنطقة وقتاً كافياً لتغيير الأوضاع السائدة في بلدانهم. ويذكر أوباما أن العديد من دبلوماسييه وخبرائه المحنكين المخضرمين كانوا قد عبّروا، وكما هو متوقع، عن شكوكهم في وجود حاجة إلى إجراء أي تغيير في سياسة الولايات المتحدة، متذرعين بأنه على الرغم من الإحساس بعدم الرضا لدى حكومات بعض حلفائهم العرب، فإن الوضع الراهن إنما يخدم المصالح الرئيسية لأمريكا، وأن الإصلاح الحقيقي لن يكون في حكم المؤكد على الإطلاق حتى في حال تولت السلطة أنظمة بديلة تحظى بقدر أعظم من الشعبية.

ويستذكر أوباما أنه كان في أغسطس/آب من عام 2010 قد أصدر تعليماته لكل من وزارة الخارجية، والبنتاغون، ووكالة المخابرات المركزية، والوكالات الحكومية الأخرى ذات الصلة لتقصي السبل التي يمكن للولايات المتحدة من خلالها حث دول المنطقة على إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية ذات مغزى بهدف جعلها – أي تلك الدول – أكثر قرباً من مبادئ “الحوكمة المفتوحة”، لعلها تسهم في تفادي اندلاع انتفاضات من شأنها زعزعة الاستقرار، واستثارة أعمال العنف، وإشاعة الفوضى، وغير ذلك من النتائج غير المتوقعة التي غالباً ما تقترن بالتحولات المفاجئة. ويقول أوباما إن الاستراتيجية الأمريكية في هذا الشأن كانت بحلول منتصف ديسمبر/كانون الأول جاهزة تقريباً كي يصادق عليها.

ويؤكد أوباما صراحة أن العديد من زعماء المنطقة، بما فيهم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والشيخ محمد بن زايد، وبنيامين نتنياهو، وآخرون غيرهم كانوا يتساءلون عن الأسباب التي حالت دون قيام الولايات المتحدة بتقديم دعم أكثر قوة لمبارك. وفي هذا السياق، قال نتنياهو لأوباما إن إيران قد تحاول سريعاً اغتنام فرصة كهذه للتوغل في المنطقة كلها؛ في حين أوضح الملك عبدالله بن عبدالعزيز لأوباما أن أربعة فصائل تقف وراء الاحتجاجات في مصر وهي: الإخوان المسلمون، وحزب الله، والقاعدة، وحماس.

(4) أوباما .. ونتنياهو .. ومحمود عباس

يصف أوباما بنيامين نتنياهو قائلًا إن بنيته أشبه ببنية اللاعب الظهير (لاعب الدفاع في كرة القدم الأمريكية)، وفكه مربع الشكل، وذو ملامح عريضة، وشعر رمادي يحاول به إخفاء صلعه. وقد بدا له ذكياً، وحكيماً، ومتصلباً، ويمتلك موهبة التواصل؛ وهو سليل حركة صهيونية عميقة الجذور حيث كان والده أحد قادتها وكاتباً عن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود إبّان حقبة محاكم التفتيش الإسبانية. ويذكر أوباما أن رؤية نتنياهو لنفسه على أنه المدافع الرئيسي عن الشعب اليهودي ضد الكوارث والنكبات قد سمحت له بتبرير كل ما من شأنه أن يبقيه في السلطة إلى حد كبير؛ وأن الخبرة التي اكتسبها بالسياسات ومنابر الإعلام الأمريكية جعلته واثقاً من أنه يستطيع مقاومة أي ضغوط قد تحاول أي إدارة ديموقراطية ممارستها بحقه.

 وينوه أوباما إلى أن نتنياهو قد ورث عن والده عداءه الصريح للعرب أيضاً، وأن طبيعة شخصيته لن تسمح له بعقد أي تسوية أو اتفاق مع العرب. وفي اعتقاد نتنياهو أن إسرائيل محاطة بدول مجاورة معادية؛ لذلك صار لزاماً عليه أن يكون صارماً في مواقفه. وكما يراه أوباما، فإن مثل هذه المواقف تضفي على نتنياهو صفة العضو الأكثر تشدداً في لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (التي تسمى اختصاراً أيباك) (AIPAC). وبصرف النظر عن هذا، يقول أوباما إن نتنياهو يمكن أن يصبح شخصية جذابة أو مراعياً لمشاعر الآخرين على الأقل متى ما كان هذا يخدم غاياته. وقد أبدى نتنياهو اهتماماً فائقاً بالحديث عن إيران، التي يُنظر إليها عموماً على أنها الخطر الأعظم الذي يتهدد أمن إسرائيل.

وكما يعتقد أوباما، فإن نتنياهو يرى أنه غير ملزم قطعاً بالحديث عن إمكانية استئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين، وأن عزوفه عن الدخول في محادثات سلام كهذه نابع من تنامي قوة إسرائيل؛ في حين يرى أوباما أن إحجام الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الدخول في هذه المحادثات إنما هو وليد ضعف سياسي.

ويرى أوباما أن محمود عباس رئيس طاعن في السن، ذو شعر وشارب أبيضين، ودمث الأخلاق، وحذر في تحركاته إلى حد كبير، وكان يقف دوماً في ظل ياسر عرفات، ذلك الرئيس الذي كان يتمتع بقدر أكبر من الكاريزما. وفي تقدير أوباما، فإن حذر محمود عباس الفطري وعدم ممانعته للتنسيق الأمني مع إسرائيل قد أضر بسمعته بين أبناء شعبه خاصة بعد أن فقد السيطرة على قطاع غزة لصالح حماس في الانتخابات التشريعية لعام 2006، والذي اعتبر حينها أن محادثات السلام مع إسرائيل خطر لا يستحق المجازفة.

ويذكر أوباما في يومياته حجم الضغوط التي تعرض لها من جماعات الضغط الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، لاسيما فيما يتعلق بمقترحه الداعي إلى تجميد الاستيطان حينما اُتُهمَ علناً بإضعاف التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. كما اتهمه صحفيون وعدد من قادة المنظمات اليهودية – الأمريكية وأعضاء في الكونجرس بانتقاد إسرائيل أيضاً وتركيز الاهتمام على المستوطنات في حين أنه ثبت وبشكل واضح أن أعمال العنف الفلسطينية هي العقبة الرئيسية التي تحول دون إحلال السلام. فما كان من أوباما إلا أن سارع إلى دعوة قادة تلك المنظمات وبعض من أعضاء الكونغرس للحضور إلى البيت الأبيض وأكد لهم التزامه الكامل الذي لا يقبل التغيير بضمان أمن إسرائيل وبتقوية العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية.

(5) أوباما وأردوغان

لم يتردد أوباما في رسم صورة لأردوغان تجعله أشبه بوسيط محلي للسلطة في مجلس مدينة شيكاغو، وذلك في ضوء الصفقات التي أبرمها مع الغرب ودول الشرق الأوسط. ويشير أوباما إلى أن أردوغان وأعضاء حزبه (حزب العدالة والتنمية) عندما وصلوا إلى السلطة عام 2002-2003 كانوا يروّجون لنداءات شعبوية وإسلامية في كثير من الأحيان، ما تسبب في زعزعة استقرار النخبة السياسية العلمانية التي يهيمن عليها الجيش في تركيا. كما أن تعاطف أردوغان الصريح مع كل من جماعتي الإخوان المسلمين وحماس في صراعهما من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة، خلق أجواءً من التوتر مع واشنطن وتل أبيب. ويضيف أوباما أن بعض مستشاريه كانوا يرون أن بوسع أردوغان تقديم نموذج للإسلام السياسي يتسم بالاعتدال والحداثة والتعددية ليكون بديلاً عن الأنظمة الاستبدادية والثيوقراطية والحركات المتطرفة التي أصبحت سمة بارزة من سمات المنطقة.

ويوضح أوباما كذلك أنه كانت هناك علاقة عمل بينه وبين أردوغان تقوم على تبادل المصالح الذاتية؛ حيث كانت تركيا بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة لها في مساعيها الرامية إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن المساعدات العسكرية والاستخباراتية في محاربة الانفصاليين الأكراد الذين ازدادوا جرأة بعد سقوط صدام حسين. في تلك الأثناء، كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى تعاون تركيا معها في مجالي مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في العراق. وعلى العموم، فقد بدا أردوغان في نظر أوباما شخصاً ودوداً ومستجيباً لطلباته. وعندما كان أوباما يستمع إليه وهو يتحدث، كانت قامة أردوغان الطويلة تنحني قليلاً، ويغدو صوته متقطعاً قوياً بنبرة من ثماني درجات في رده على المظالم المختلفة أو الإهانات المتخيلة. وقد تولد لدى أوباما انطباع قوي بأن التزام أردوغان بالديموقراطية وسيادة القانون قد لا يستمر إلا إذا كان سيضمن لأردوغان الاحتفاظ بالسلطة. ومع أن أوباما يعتقد أن أردوغان كان شديد الحساسية عند الحديث عن إبادة الأرمن الجماعية على أيدي الأتراك، لكنه يعرب عن تقديره للدعم اللوجستي الذي قدمه أردوغان أثناء انسحاب الولايات المتحدة من العراق.

(6) أوباما والعراق .. وإيران

لم يكن حديث أوباما عن إيران منفصلاً عن حديثه عن الوضع في العراق بعد الغزو الأمريكي له، الذي أسهم – كما يراه أوباما – في تعزيز موقع إيران الاستراتيجي في منطقة الخليج. ويصف أوباما نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، بأنه شخصية تتسم بالعناد والقسوة، ويشبه نيكسون على نحو غامض بوجهه الطويل، ولحية ذقنه الخشنة، ونظراته الزائغة، والذي جاء اختياره رئيساً لوزراء العراق ليجعل منه ما يشبه اللعنة بالنسبة إلى السعودية وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في منطقة الخليج. بيد أن أوباما اعتبر أن مهمة المالكي شاقة وخطيرة في آن واحد، إذ كان عليه أن يحقق التوازن بين مطالب القوى الشيعية المحلية التي تدعمه وتحميه ومطالب أهل السُّنة الذين بسطوا هيمنتهم على البلاد في عهد صدام حسين. كما كان عليه إدارة الضغوط المتضاربة من جانب كل من أصحاب الفضل الأمريكيين وحليفته إيران أيضاً.

خلافًا لروسيا والصين، يقول أوباما إن إيران شكّلت التحدي الأقل خطورة للمصالح الأمريكية على المدى الطويل، لكنها فازت بجائزة “العداء الأشد فاعلية” عندما وصفت الولايات المتحدة بـ “الشيطان الأكبر”. وكما يراها أوباما، فإن إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي كانت قد تبنّت المبادئ العلمانية الغربية ووظفت ثرواتها المتزايدة في تحديث الاقتصاد ونظم التعليم، وكان من السهل عليها إقامة علاقات واسعة مع رجال المال والأعمال الغربيين والأسر الملكية الأوروبية. وكان هذا قبل الثورة الإيرانية في عام 1979 حين ترجل الخميني، رجلُ الدين ذو اللحية البيضاء والعينين الغاضبتين، من الطائرة في طريق عودته المظفرة من المنفى أمام بحر متلاطم من الأنصار المحبين له ليبدأ حقبة جديدة من الحكم الثيوقراطي في إيران.

وفي تعليقه على مشاعر القلق التي ساورت دول الخليج في أعقاب الثورة الإيرانية، يوضح أوباما كيف أن دعوة الخميني لإطاحة النظم الملكية العربية السُّنية أحالت إيران وآل سعود إلى عدوين لدودين وزادت من حدة الصراع الطائفي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وعن الحرب الدموية التي دامت ثماني سنوات بين العراق وإيران، يقول أوباما إن دول الخليج قدمت لصدام حسين دعماً مالياً في حين عمل السوفييت على تزويد جيش الخميني بالأسلحة، بما في ذلك الكيماوية منها، ما دفع إيران إلى تسريع خططها في مجال رعاية الإرهاب كأداة مضادة في مقابل المزايا العسكرية التي غنمها أعداؤها وذلك من خلال وكلائها المسلحين الذين يقاتلون بالنيابة عنها من أمثال حزب الله في لبنان وحماس في غزة. وفي الوقت ذاته، يعلق أوباما على الكيفية التي حاولت بها الولايات المتحدة، في عهد إدارة رونالد ريغان، على نحو يدعو إلى السخرية، من كسب ود الطرفين في آن واحد من خلال توفير الدعم علناً للعراق وبيع الأسلحة سراً لإيران (فضيحة إيران-كونترا) وذلك لقاء إطلاق سراح بعض الأمريكيين الذين كانوا محتجزين في لبنان.

ويعترف أوباما بأن البرنامج النووي الإيراني كان بمنزلة “صداع من الدرجة الأولى” بالنسبة إلى إدارته، خاصة بعد أن اكتشف أن إيران استطاعت تسريع برنامجها النووي وأنها لا تلتزم بأحكام معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي وقعت عليها في عام 1970. ومع أن هذه المعاهدة قد منحت إيران الحق في استخدام الطاقة النووية للوسائل السلمية، فإن الإيرانيين استخدموا تقنية الطرد المركزي ذاتها لتدوير وتخصيب اليورانيوم منخفض التخصيب (LEU) الذي يغذي محطات الطاقة النووية، والذي يمكن تحويره بقصد إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب (HEU) بالمستوى الذي يجعله صالحاً لتصنيع أسلحة نووية.

وقد نوّه أوباما أن البرنامج النووي الإيراني المتسارع قد فرض المزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية؛ حيث كان من المرجح أن يرد السعوديون ببذل جهد دؤوب لامتلاك “القنبلة النووية السُّنية” المنافسة، ليشعلوا بذلك فتيل سباق تسلح نووي في منطقة هي الأكثر اضطراباً في العالم. من ناحية أخرى، كان يقال إن إسرائيل، التي تمتلك أسلحة نووية غير معلنة، كانت ترسم خططًا لتوجيه ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

ويخلص أوباما في آخر المطاف إلى أن منع إيران من الحصول على سلاح نووي بشكل مثالي يجب أن يتم من خلال الجهود الدبلوماسية، إما بأسلوب التواصل المباشر مع الإيرانيين، وإما عن طريق تعبئة المجتمع الدولي لتطبيق عقوبات اقتصادية صارمة متعددة الأطراف من شأنها أن تجبر إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ومن جانبه قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتشكيل مجموعة سماها “”P5+1 تمثل الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا لغرض عقد اجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين ودفعهم إلى العودة للامتثال لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

(7) أوباما وأسامة بن لادن

في عام 2003، كان أوباما قد صرح بأن تنظيم “القاعدة” كانت أشد الحركات خطورة وتطرفاً في القرن الحالي، وأن تقديم أسامة بن لادن للعدالة يجب أن تكون له الأولوية بدلاً من الحرب في العراق. ونوّه في الوقت ذاته إلى أنه خلال سباقه الرئاسي كان قد تعهد بمطاردة ابن لادن داخل باكستان في حال كانت الحكومة الباكستانية غير قادرة أو غير راغبة في طرده. وعندما فاز أوباما في الانتخابات الأمريكية عام 2009، سارع إلى إحضار مجموعة من مستشاريه كي يبلغهم أنه يريد إعطاء ملاحقة ابن لادن الأولوية القصوى. وكان أوباما قد أولى جلَّ اهتمامه لتقديم ابن لادن إلى العدالة، وذلك لأن بقاءه طليق الحركة قد تحول إلى مصدر ألم للعائلات التي فقدت أحباءها في هجمات الحادي عشر من سبتمبر. إضافة إلى ذلك، كان ابن لادن لا يزال الشخص الأكثر فاعلية في تجنيد أنصار جدد لتنظيم “القاعدة”، ما أدى إلى تقوية نزعة التطرف لدى الشبان الساخطين في جميع أنحاء العالم. وأراد أوباما من خلال ملاحقة ابن لادن إعادة توجيه استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية من خلال تركيز الاهتمام على الإرهابيين الذين خططوا ونفذوا أحداث 11 سبتمبر بدلاً من التركيز على “الحرب المفتوحة على الإرهاب” التي كانت – كما يعتقد أوباما – فخاً استراتيجياً أدى إلى علو شأن تنظيم “القاعدة”.

ويقول أوباما إنه لم يكن بوسعه تصديق ما وصل إلى سمعه من أن مسؤولي وكالة المخابرات المركزية قد حصلوا على دليل يوصلهم إلى ابن لادن الذي تمثل في رجل يُعرف باسم أبو أحمد الكويتي الذي يعتقد المسؤولون أنه كان يعمل ساعياً لدى تنظيم القاعدة ويرتبط بعلاقات معلنة مع ابن لادن. وقد أوصلهم تتبع هاتفه وتحركاته اليومية إلى مجمع كبير في حي راقٍ في ضواحي مدينة أبوت آباد الباكستانية، التي تبعد خمسة وثلاثين ميلاً شمال إسلام آباد. وكانت وكالة المخابرات المركزية قد حرصت على مراقبة المجمع الذي كان ابن لادن يقيم فيه حتى حان الوقت الذي قرروا فيه كيف ستكون طبيعة الغارة على المجمع. لم يكن أوباما معنياً بإشراك الباكستانيين في الغارة المقترحة على أبوت آباد خشية حصول عناصر في المخابرات الباكستانية على هذه المعلومات وإبلاغها إلى حركة طالبان أو تنظيم “القاعدة” ما قد يؤدي في آخر المطاف إلى قطع الطريق إلى الهدف المنشود.

وفي يوم الجمعة الموافق 29 إبريل/نيسان، أعطى أوباما الضوء الأخضر رسمياً لمهمة أبوت آباد، وأوكل هذه المهمة إلى الأدميرال المتقاعد وليام ماكريفن ومنحه كامل الصلاحية للسيطرة العملياتية على الغارة، وترك له تحديد التوقيت الدقيق لها. وفي غرفة العمليات بالبيت الأبيض، كان أوباما يشاهد العملية العسكرية لاعتقال ابن لادن بشكل واضح وفي الوقت الفعلي الذي كانت تنفذ فيه من خلال صور شبحية تتحرك عبر الشاشة. لم يكن أوباما ليصدق نفسه عندما هتف مساعدوه في وقت واحد بكلمات كانوا ينتظرون سماعها بعد شهور من التخطيط وسنوات من جمع المعلومات الاستخبارية:

“تم تحديد هوية جيرونيمو  … جيرونيمو ]العدو[ قُتل أثناء العملية”

كانجيرونيمو هو الاسم الرمزي الذي أطلق على ابن لادن بقصد الحفاظ على سرية المهمة. وقتذاك، أخبر أوباما أعضاء فريقه أنه وضع خططاً لإخطار باكستان ودول أخرى بهذه العملية، كما أصدر تعليماته لهم بأن الترتيبات المحددة لدفن ابن لادن ستكون طبقاً للشعائر الإسلامية التقليدية وستجرى في البحر، وذلك تجنباً لتشييد مزار لابن لادن يحج إليه المجاهدون المتطرفون من شتى أنحاء العالم.

(8) أوباما وزعماء العالم

ديفيد كاميرون .. رئيس وزراء المملكة المتحدة

يقول أوباما إن ديفيد كاميرون كان يتمتع بمظهر شبابي ويتصرف بشكل غير رسمي وإنه يمتلك دراية مثيرة للإعجاب بشتى القضايا المطروحة للبحث ولديه موهبة لغوية كبيرة، فضلاً عن ثقته بنفسه من حيث قدرته على تحقيق النجاح فيما يفعله وكأنه شخص لم تفرض عليه الحياة ضغوطًا قاسية. ولا يخفي أوباما أنه شخصياً أحب كاميرون الذي أثبت أنه شريك موثوق به قادر على الوفاء بالتزاماته حيال مجموعة من القضايا الدولية، ابتداءً بتغير المناخ (فهو يؤمن بالجانب العلمي لهذه القضية)، مروراً بحقوق الإنسان (فقد كان يؤيد المساواة في الزواج)، وليس انتهاءً بمساعدة البلدان النامية (حيث تمكّن كاميرون خلال فترة ولايته من تخصيص 1.5 في المائة من موازنة المملكة المتحدة للمعونات الخارجية، وهذه نسبة أعلى بكثير من تلك التي ما كان بمقدور أوباما في أي وقت من الأوقات إقناع الكونجرس الأمريكي بالموافقة عليها).

فلاديمير بوتين .. رئيس الاتحاد الروسي

يصف أوباما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه من الناحية البدنية ذو بنية قصيرة مكتنزة بشكل غير ملحوظ كأنها بنية مصارع، وشعره رقيق بني مائل للصفرة، وأنفه بارز، وعيناه شاحبتان يقظتان. كما لاحظ أوباما عدم اهتمام بوتين بحركاته، ولا يبالي بشكل مدروس بنبرة صوته على نحو ينبئ بأنه شخص اعتاد أن يكون محاطًا بحاشية من المرؤوسين والمستعطفين؛ شخص اعتاد منذ نشأته على تولي السلطة دوماً. ويضيف أوباما قوله إن بوتين يذكّره ببارونات السياسة الذين التقاهم في وقت مبكر من حياته المهنية في شيكاغو، وبأنه – أي بوتين – يشبه حاكم مقاطعة ما، لكنه يمتلك أسلحة نووية فضلاً عن حق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وينوه أوباما إلى أن بوتين يعيد إلى ذاكرته ذلك النوع من الرجال الذين كانوا يتحكمون بشؤون شيكاغو: شخصيات قاسية تتميز بالدهاء وتبلد المشاعر، وعلى وعي بما كانوا يعرفونه، ولم يساورهم الشعور بالخجل أو الحرج حيال تجاربهم الهزيلة ضيقة الأفق؛ بل إنهم اعتبروا أن المحسوبية والرشوة والابتزاز والاحتيال وأعمال العنف المتفرقة أدوات تجارية مشروعة.

نيكولا ساركوزي .. رئيس فرنسا

بحسب وصف أوباما له، فقد اجتمعت في الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انفعالات عاطفية متأججة وخطاب مبالغ فيه؛ وهو يتميز بملامح متوسطية غامضة ومعبرة وبنية صغيرة. بدا ساركوزي في نظر أوباما وكأنه إحدى شخصيات لوحة من لوحات الرسام الفرنسي تولوز لوتريك. وعلى الرغم من أنه ينحدر من عائلة ثرية، فإن ساركوزي لم يتردد في الاعتراف بأن طموحاته كانت مدفوعة جزئياً بشعور بالغربة لازمه طوال حياته. وأضاف أوباما أن ساركوزي، مثله مثل أنجيلا ميركل، صنع اسمه كزعيم لليمين الوسط، وفاز بالرئاسة على أساس برنامج اقتصادي يقوم على عدم التدخل ويتيح قدراً أكبر من الحرية، وأنظمة عمل أكثر مرونة، وتخفيض الضرائب، ودولة يصبح فيها نطاق الرفاهية أقل اتساعاً. وعلى العكس من ميركل، كان ساركوزي حذراً وهو يبحث العديد من الأمور السياسة؛ وغالباً ما يكون تركيزه على العناوين الرئيسية ذات الصلة بالنفعية السياسية. وقد سبق له أن دان صراحة تجاوزات النزعة الرأسمالية العالمية. وما افتقده ساركوزي في التناسق الأيديولوجي، كان يعوضه بجرأة وسحر وطاقة تكاد تكون جنونية. وفي واقع الحال، كانت المحادثات مع ساركوزي تتناوب بين المسلية والمثيرة للاستياء؛ فيداه في حركة دائمة، وصدره يندفع مثل صدر ديك صغير (ديك بانتام)، ومترجمه الشخصي يجلس دوماً بجواره كي يعكس بشكل محموم كل إيماءاته ونبرات صوته المتغيرة: وكانت المحادثات مع ساركوزي تنتقل من الإطراء إلى نوبات غضب، لتتحول بعدها إلى تبادل الرؤى الحقيقية والمعرفة المتعمقة لقضايا العالم، وهي في مجملها لا تبتعد كثيراً عن اهتماماته الأساسية التي تكاد لا تخفي رغبة أن يُدان لها بالفضل في أي شيء يستحق أن يكون له الفضل في الحصول عليه.

أنجيلا ميركل .. مستشارة ألمانيا

يقول أوباما إن أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، هي ابنة قس لوثري نشأ في ألمانيا الشرقية الشيوعية، وهي عادة تتفادى لفت الأنظار إليها. وقد حصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء الكمية. ولم تدخل عالم السياسة إلا بعد سقوط الستار الحديدي؛ وارتقت بشكل منهجي في صفوف حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي في يمين الوسط بمزيج من المهارة التنظيمية والفطنة الاستراتيجية والصبر الذي لا يتزعزع. تتميز ميركل بعينين زرقاوتين كبيرتين يمكن أن تتأثرا بالتناوب بمشاعر الإحباط، أو المرح، أو الأسى. وبخلاف ذلك، فإن مظهرها الذي يتسم بجمود المشاعر يعكس مدى حساسيتها التحليلية العقلانية. اشتهرت ميركل بارتيابها من الانفعالات العاطفية أو الخطاب المبالغ فيه، وقد اعترف فريقها لاحقاً بأنها عبّرت في بادئ الأمر عن تشكيكها بقدرات أوباما لا لشيء إلا بسبب مهاراته الخطابية على وجه التحديد. ويقول أوباما إنه لم يعتبر ذلك إهانة له لاعتقاده بأن نفور هذا الزعيم الألماني أو ذاك من أي خطاب ديماغوجي محتمل ربما يُعد أمراً صحياً.

 

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 2 / 5. Vote count: 2

No votes so far! Be the first to rate this post.

أوباما

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.