28 أكتوبر 2020

الإخوان المسلمون في الجزائر ولعبة التُقْيَة السياسية

د. محمد فريد عزي

عرفت الجزائر خلال أكثر من سنة، من 22 فبراير 2019 إلى 15 مارس 2020، موجة احتجاجات شعبية سلمية خرج فيها أسبوعيا آلاف المواطنين عبروا فيها عن رفضهم لقرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تقديم ترشحه لفترة رئاسية خامسة. ولم تمر سوى أسابيع قليلة عن هذا الحراك حتى استقال بوتفليقة في أبريل 2019 تحت وطأة هذه الاحتجاجات التي استمرت مطالبة بإحداث تغيّرات جوهرية تسمح بانتخابات حقيقية وحرة.

وبينما كان الحراك يحقق بعض أهدافه، سادت تخوفات بين المحتجين والمهتمين بالشأن الجزائري حول إمكانية تسلل الإسلاميين إلى الحراك وتأثيرهم على مساره وأهدافه على غرار ما فعل الإخوان في مصر الذين استغلوا ثورة 25 يناير 2011 التي لم يكن لهم يد في اندلاعها لصالح مشروعهم للاستيلاء على السلطة، خاصة وأنه قد سبق للإسلاميين الجزائريين أن وظفوا الأزمات والانفراجات التي أتاحها النظام السياسي من أجل الحشد والتوسع.

ومن أمثلة توظيف الإسلاميين للتطورات المحيطة بهم خدمة لأجنداتهم ما حدث بعد الإصلاحات السياسية لعام 1989 التي سمحت بتكوين الأحزاب وبالحريات السياسية، والتي نُظِّمت على إثرها انتخابات تشريعية فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، قبل أن يتدخل الجيش وينهي المسار الانتخابي سنة 1991، لتنزلق الجزائر بعد هذا في خندق حرب أهلية طاحنة استمرت حتى عام 2001 رافقتها مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

لم تستطع جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، والممثلة بعدة أحزاب على رأسها حزب حركة مجتمع السلم، ركوب موجة الاحتجاجات السلمية للتأثير فيها بما يخدم أجندتها كما حدث في مصر وتونس إذ كان الجزائريون مدركين لهذه السلوكيات الانتهازية. وتمظهر هذا إدراك جليًّا عندما استهجن المحتجون ظهور أحد رموز الجماعة في الجزائر، عبد الله جاب الله، رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية، في إحدى المسيرات الاحتجاجية، وقاموا بطرده منها[1].

كما هُمش على نحو مماثل عبد الرزاق مقري الذي يقود الحزب الإسلامي الرئيس في الجزائر (حركة مجتمع السلم) حين جوبه بلامبالاة المشاركين في إحدى المسيرات بوجوده فيها[2]، وذلك في مؤشر واضح على الرفض الشعبي لجماعة الإخوان المسلمين وعدم الثقة في قياداتها وتراجع شعبيتها وجاذبيتها بين الجزائريين.

وأحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع الذي آل إليه موقف الجزائريين من الجماعة مرده إلى انتهازية الأحزاب الممثلة لجماعة الإخوان في الجزائر تجاه الأحداث السياسية التي عرفها هذا البلد في إطار الحراك الشعبي المنادي بالتغيير، إذ لم تكتف هذه الأحزاب بمحاولة تسلق العربات الأخيرة للحراك الشعبي، بل حاولت انقاذ نظام بوتفليقة المتهاوي في اللحظات الأخيرة بتقديمهم مبادرة تسمح بتجديد للنظام[3].

أتت هذه المحاولات البائسة عندما تواصل رئيس حزب حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، وفي سرية تامة، بشقيق الرئيس بوتفليقة ومستشاره الأول والحاكم الفعلي للجزائر منذ إصابة الرئيس بجلطة دماغية سنة 2013 ليقترح عليه خطة تقضي تأجيل إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في 2 أبريل 2019، والمرور بمرحلة انتقالية لمدة سنة تسمح بالتوافق على المرشح القادم للرئاسة. كان من شأن هذه الخطة توفير فرصة لنظام بوتفليقة للالتفاف على الحراك وإفشاله، وهو ما رفضه قادة الحراك.

وتُجسد هذه المبادرة بوضوح الانتهازية السياسية لجماعة الإخوان المسلمين ومحاولتها "مسك العصا" من المنتصف، حيث أرادت إبرام صفقة مع النظام السابق للحصول على بعض المكاسب، وفي الوقت ذاته حاولت إظهار حرصها على الأمن والاستقرار في الدولة؛ وإظهار أنها جزء من الحراك المنادي بالتغيير في الوقت ذاته وأنها تسعى لتحقيق مطالب المحتجين غير أن يقظة الشعب الجزائري ووعيه كشفت هذه الصفقة وهذه الانتهازية وأفشلها.

إضافة إلى هذا، ثمّة عوامل أخرى تفسر سبب عزوف الرأي العام الجزائري عن الأحزاب الإسلامية عامة، وجماعة الإخوان المسلمين خاصة:

  • أولها تجربة الحرب الأهلية الدامية في الجزائر التي أشعلت فتيلها الجماعات الإسلامية المسلحة خلال عقد التسعينيات أو ما يعرف بالعشرية السوداء التي أكسبت الجزائريين مناعة وقتهم من الانسياق وراء نداءات الإخوان المسلمين ومخططاتهم، خوفاً من الانزلاق مرة أخرى إلى دائرة العنف الدموي؛
  • وثانيها مواقف الجماعات الإسلامية الغامضة والمزدوجة تجاه النظام السياسي والقضايا ذات الشأن العام، والتي أفقدتهم المصداقية والشرعية، وعززت القناعات العامة بأن هذه الجماعات تعمل من أجل مصلحتها الخاصة بدلاً من المصلحة العامة؛
  • وثالث هذه العوامل يتعلق بحالة التشظي والانقسام التي يتسم بها مجال الإسلام السياسي في الجزائر، فالحركات الإسلامية في هذا البلد هي الأقل تجانساً في العالم العربي والأكثر تشرذماً وانقساماً، فهناك أحزاب وجمعيات عديدة ذات صبغة إسلاموية وتحمل استراتيجيات متباينة تجاه الدولة والمجتمع المدني[4].

ويشار، في هذا الصدد، إلى أن تيار الإخوان المسلمين شكّل دائما الأقلية ضمن حركات الإسلام السياسي في الجزائر؛ ومع هذا فقد عمل هذا التيار باستمرار على توظيف أزمات المجتمع لتحقيق مصالحه.

وتعود نشأة جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما قدمت العديد من العناصر التابعة لجماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر ضمن الجاليات المصرية التي جاءت بعد استقلال الجزائر في إطار المساعدة في المجهود التعليمي، حيث اضطلعت هذه الجماعات بالدور الأهم في نشر أفكار التنظيم داخل الجزائر.

ظهر أول تنظيم يعبر عن هذا التيار تحت اسم "الموحدون" سنة 1976، بقيادة شخصيتين مهمتين هما محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني. وقد بدأ محفوظ نحناح في عامي 1985- 1986 بتحرك رسميا تحت شعار الإخوان ويدعو لبيعة القيادة المركزية للجماعة في القاهرة[5]. ولم يكن نحناح الوحيد الذي يمثل التيار الإخواني في الجزائر بل نافسه في ذلك عبد الله جاب الله الذي أسس عام 1974 تنظيم سري عرف باسم جماعة "جاب الله" هو التنظيم نفسه الذي عُرف ابتداء من عام 1987 باسم الجماعة الإسلامية. وكان عضواً مؤسساً لرابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون "الأب الروحي لإخوان الجزائر"[6].

وتمخض نشاط تيار الإخوان المسلمين عن إنشاء حزبين كبيرين على إثر الإصلاحات السياسية التي أقرت التعددية الحزبية سنة 1989، الأول باسم حزب حركة النهضة بزعامة عبد الله جاب الله عام 1989، والثاني حزب حركة مجتمع السلم بزعامة محفوظ نحناح عام 1990.

لقد عرفت الجزائر خلال مرحلة التسعينيات (1992-2002) حرباً دامية بين الدولة والجماعات الإرهابية المنبثقة عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تمثل التيار السلفي الجهادي. وقد اغتنمت تيارات الإخوان تداعيات هذه الأزمة التي هزت الدولة والمجتمع خلال ما أصبح يعرف بـ "العشرية السوداء" لتقدم نفسها باعتبارها الوجه المعتدل وغير العنيف للإسلام السياسي، على عكس الجبهة الإسلامية للإنقاذ؛ وهو الأمر الذي منحها فرصة مناسبة للمشاركة السياسية على أعلى مستوى لتصبح الممثل الرسمي للإسلام السياسي داخل النظام السياسي الجزائري.

ولا تختلف جماعة الإخوان المسلمين في أهدافها النهائية عن جماعات الإسلام السياسي العنيفة، فكلاهما يسعى إلى أسلمة المجتمع وإقامة الدولة الإسلامية (الخلافة) وفقا لمنظورها الضيق والماضوي للدين. وهما يختلفان فقط في الوسيلة للوصول إلى مسعاهما. فالتيار الجهادي على عجلة يريد الانقضاض على الدولة ويختصر الطريق حتى يحقق أجندته على المجتمع، بينما فلسفة جماعة الإخوان المسلمين الجزائريين تقوم على مبدأ التدرج من خلال المشاركة في مؤسسات النظام السياسي والمجتمع المدني وإقامة المجتمع الموازي حتى الوصول إلى مرحلة التمكين والسيطرة.

ويقدم الإخوان في مرحلة الإعداد هذه بعض التنازلات ويدخلون في جميع أنواع التحالفات السياسية حتى لو كانت على حساب مبادئهم، وهذا ريثما يصلوا لمرحلة التمكين. وهم يحذون في هذا حذو جماعة الإخوان الأم في مصر التي حدد لها مرشدها الأول الخطوات والمراحل التي يجب قطعها للوصول إلى قطف ثمار الدولة.

وتأسيسا على ما تقدم، وبعد أن انتهت الحرب الأهلية في الجزائر بدحر الجماعات الإرهابية وواجهاتها السياسية وإعادة تشكيل التوازنات السياسية، شرعت الأحزاب الإسلامية ذات التوجه الإخواني مثل حركة مجتمع السلم وحركة النهضة برئاسة جاب الله في المشاركة في المجال السياسي. وكانت البداية في الانتخابات الرئاسية عام 1995 إذ رشح محفوظ نحناح نفسه وحصل على 25% من أصوات الناخبين، وفاز في هذه الانتخابات الرئيس لمين زروال[7].

وقد فتحت المشاركة الأولى شهية الأحزاب الإخوانية، فشاركوا في معظم الاستحقاقات الانتخابية المحلية منها والوطنية، بل أصبحوا جزءً من التحالف الحاكم منذ مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999. وهذا التحالف مكنهم من تقلد عدة مناصب وزارية. ورغم انتقاد نحناح علمانية النظام السياسي الجزائري، إلا أنه برّر هو ومعاصروه نهجهم التشاركي في السلطة مستخدمين الروايات والنصوص الدينية مثل أن الأنبياء تعاونوا مع أنظمة كافرة من أجل توصيل ونشر رسائلهم.

وتقول الباحثة في شؤون الإسلام السياسي داليا غانم "منذ ذلك الحين، تمّ بفعالية إلحاق الإسلاميين بالحكومة إلى درجة أنهم احتضنوا قواعد النظام السياسي القائمة على الفساد والتصلّب الانغلاقي، واليوم باتت هذه الأحزاب عاجزة عن تعبئة الناخبين، ولا تشكل أي تحدٍ حقيقي للنظام المدعوم من الجيش. هذا الفشل في الدفع باتجاه التغيير، هو حصيلة كلٍ من عدم قدرة الإسلاميين على التغلّب على خلافاتهم، ومن رغبتهم الانتهازية في الحفاظ على علاقاتهم المتسمة بالمحسوبية مع النظام."[8]

مما تقدم يمكن القول أن التُقْيَة السياسية تمثل أهم سمات جماعة الإخوان المسلمين وتنظيماتها الفرعية، فموقف إخوان الجزائر من الحراك السلمي لا يختلف عن موقف جماعة الإخوان المسلمين المصريين من ثورة "25 من يناير 2011" فكلاهما حاولا إبرام صفقة مع النظام في مرحلة ما من أجل تعظيم مكاسبهما السياسية، وعندما تيقنا أن النظام ساقط لا محالة سارعوا بمحاولة الانضمام إلى ركب الحراك. كما أنهما عملا دوما على توظيف الأزمات وما تتيحه من فرص في تحقيق أهدافهما السياسية، وهذا إنما يؤكد عدة أمور:

  • يُعد الوصول إلى السلطة والاستحواذ على مؤسسات الدولة ومقدراتها، هدفا أساسياً تسعى جماعات الإخوان المسلمين إلى نيله من أجل إقامة الدولة الإسلامية وفقا لرؤاها المؤدلجة والمُسيَّسَة للدين الإسلامي.
  • رغم بعض الاختلافات والفروق بين جماعات الإخوان المسلمين بحسب البلد والظرف التاريخي، فإن لها قواسم وسمات مشتركة تُحدد تعاملاتها وعلاقاتها مع الأنظمة السياسية والحكومات وهي التعامل مع النظام بشكل مرحلي وبناء الدولة الموازية في الوقت نفسه.
  • أفرزت التجربة الطويلة لجماعات الإخوان المسلمين التي ابتدأت في مصر عام 1928، وانتشرت في كافة البلدان العربية والإسلامية وخارجها، مجموعة من المحددات الضابطة لتلك العلاقات. وأحد أهم تلك السمات يكمن في غموض وازدواجية[9] الرؤية السياسية للإخوان المسلمين والتي تنبع من المُسَلَّمة الأيديولوجية الأساسية للجماعة التي تعتبر أن الإسلام نظام شامل يشمل كل مناحي الحياة في الدنيا والآخرة، ويقدم الحلول لكل المشاكل والصعاب التي تواجه الفرد والمجتمع. ويترتب على هذه النظرة خلط بين كل مستويات النشاط البشري وعدم وجود تمايز بين ما هو سياسي أو اقتصادي وما هو ديني أو دنيوي.
  • أنتج غموض وازدواجية الخطاب الإخواني تجاه النظام السياسي والمجتمع تناقض بين ما يفعلونه وما يقولونه. فهذا حسن البنّا مثلا في الوقت نفسه الذي كان يندد بسياسة الوجهاء في خطاباته لتعبئة وتجنيد بسطاء القوم، كان يقيم تحالفات مع أعضاء متنفذين من النخبة السياسية خلال فترة الحكم الملكي في مصر[10].

كما كان يطري علانية على الملك فاروق في حين ينتقده في جلساته الخاصة[11]. وينتقد الحزبية ويزعم أنها وسيلة لتفريق الأمة، بينما رشح نفسه للانتخابات البرلمانية مرتين في 1941 و1945. هذا وغيره من أمثلة كثيرة تبين اعتماد الإخوان المسلمين للتقية السياسية منهجا.

  • سمة أخرى تنفرد بها جماعة الإخوان المسلمين في التعامل مع الأنظمة السياسية هي براغماتيتها الشديدة، حيث تتقرب وتتحالف مع من تظن أنه الأقوى حتى تستطيع التحرك بحرية وتنفيذ مخططاتها السياسية والأيديولوجية.

لكن هذا النهج الإخواني القائم على الانتهازية والازدواجية السياسية لم يعد يقنع الكثير من الشعوب منذ سقوط الإخوان المسلمين في مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013، وهو ما ظهر واضحاً في الحراك السلمي الذي شهدته الجزائر العام الماضي، حيث تم نبذ الإخوان من قبل قادة الحراك، بعد أن بات الجميع مدركين لخطورة لعبة التقية السياسية التي تمارسها هذه الجماعة.


المراجع

[1] " الجزائر..المتظاهرون يطردون أحد رموز الإخوان من مسيرتهم"، العربية نت، 15 مارس 2019. على الرابط: http://ara.tv/9xzdq

[2] .   دالية غانم، "المداميك المُتقلِّبة للإسلام السياسي في الجزائر"، مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، 22 يوليو 2019، على الرابط: https://bit.ly/338nw5U

[3] . Algérie : quand Saïd Bouteflika rencontre secrètement Abderrazak Makri,

Jeune Afrique, 31 décembre 2018, Avalable at https://bit.ly/3kP10F2

[4]. AMEL BOUBEKEUR, "POLITICAL ISLAM IN ALGERIA”, Available: https://bit.ly/2G8WP7Y, accessed 17/09/20.

  .[5]   باهر عبد العظيم، "الإخوان المسلمون في الجزائر .. ومحاولة العودة للمشهد السياسي"، https://www.islamist-movements.com/2711، اطلع عليه في 18/09/ 20

        . [6] عبدالله جاب الله، "الإخواني الباحث عن الزعامة في الجزائر"،  https://www.islamist-movements.com/30823متاح على: ،      اطلع عليه في 16/09/20

[7]  "الانتخابات الرئاسية "تجر الخيبة" الرابعة لإخوان الجزائر"، العين الإخبارية، 13 ديسمبر 2019. على الرابط: https://al-ain.com/article/brothers-algeria-fourth-defeat

[8]. دالية غانم، مرجع سابق.

[9] Roel Meijer, The Muslim Brotherhood and the Political: An Exercise in Ambiguity, p.297. Available at website: Available at:  https://bit.ly/2GaR2yI      accessed 16/09/20

[10] Mitchell, R. The society of the Muslim Brothers, (Oxford University Press. 1969) PP. 13-33.

[11] Ibid

الإخوان المسلمين التطرف

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.