Insight Image

الذكاء الاصطناعي والابتكار في الخطاب الوطني الإماراتي

24 نوفمبر 2020

الذكاء الاصطناعي والابتكار في الخطاب الوطني الإماراتي

24 نوفمبر 2020

تبنّت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام وقطاع الأعمال ضمن استراتيجيتها لتنويع الاقتصاد الهادفة إلى نقله من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد يقوم على المعرفة. ويُعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه الذكاء الذي تُظهره الآلات والبرامج بمحاكاتها القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، مثل القدرة على التعلُّم والاستنتاج وحل المشكلات، والتخطيط، والتحليلات التنبؤية، والروبوتات المتقدمة.

وعلى غرار الدول العربية الأخرى، طوّرت دولة الإمارات خطاباً عاماً يقوم على سردية وطنية محورية تهدف إلى ترسيخ صورة الدولة وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. ويتكون الموضوع الأساسي لهذا الخطاب من دعائم مختلفة، مثل التنوع، والتسامح، والاعتدال، والتعاون الدولي، والنزعة الإنسانية، والحداثة. ويستخدم قادة الدولة سرديات ليس فقط للتأثير في الجماهير الوطنية والدولية وإقناعها بصورة دولة الإمارات العربية المتحدة ونظرتها لذاتها، بل أيضاً كوسيلة لتحديد فهمها لمكانتها وهدفها في النظام الدولي.

الطريق إلى الرقمنة

تُعدّ الهوية الإعلامية أداةً مهمة للطريقة التي تقدِّم بها الدول نفسها دولياً وللكيفية التي يمكن بها بناء سمعتها أو تعزيزها. وبإلقاء الضوء على الأفكار والمفاهيم والسياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والابتكار، تشير دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مشاركتها الفاعلة في التحول الرقمي في المنطقة، ومكانتها بوصفها دولة تقدمية حديثة ذات تكنولوجيا متقدِّمة. وتدير القيادة الإماراتية بكفاءة هذه العملية التي تسعى إلى تأسيس سردية ترتكز على أن دولة الإمارات دولةٌ مكوَّنة من شعب متطلِّعٍ قادرٍ على تحمل المخاطر؛ شعب يصنع الفرص ويبتكر بهمّة ونشاط ويوقن أن بلاده تزداد قيمةً ورفعةً بين أعضاء المجتمع الدولي.

اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات عديدة لتعزيز صورتها وتأكيد التزامها بالابتكار والتكنولوجيا، حيث إنها تطمح إلى أن تُصبح واحدةً من الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، وأن تُصبح أيضاً المركز الإقليمي للذكاء الاصطناعي. تجدر الإشارة هنا إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة أصبحت في عام 2017 أول دولة في العالم تُعيِّن وزير دولة للذكاء الاصطناعي[1].

أدركت “استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031” إمكانات النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فشرعت البلاد في زيادة الميزة التنافسية لهذا القطاع، وترسيخ نفسها حاضنةً للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما أدركت دولة الإمارات أهمية استحداث المزيد من برامج الذكاء الاصطناعي المتخصصة وإعداد المزيد من المتخصصين فيه، فضلاً عن إدراكها حاجةَ وزارة الذكاء الاصطناعي إلى مستشارين وخبراء ومؤسسات بحثية في مجال الذكاء الاصطناعي، وإلى جامعات توفر المهارات والمعرفة والخبرة المطلوبة. لذا فإن إنشاء جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يُعدّ خطوة مهمة ومبتكرة سوف تساعد في تسهيل هذا المسعى[2].

كما أعلنت، إضافة إلى هذا، جامعة عجمان عن برنامج للدراسات العليا في مجال الابتكار الاصطناعي، ومن المقرر أن يكون قد بدأ في العام الدراسي الحالي 2020-2021[3]. وفي مارس 2014، أطلقت حكومة دبي مبادرة دبي الذكية بهدف الارتقاء بدبي لتصبح مدينة ذكية رائدة[4]، وكان الذكاء الاصطناعي هو الرافعة والتكنولوجيا الكامنة وراء تسهيل فكرة دبي الذكية. وتضم المبادرات الأخرى المكرَّسة لهذا الغرض كلاً من مبادرة ابتكار التي تُعدّ أول منصة تفاعلية صممها مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومي، ومؤسسة دبي للمستقبل التي تركز على الابتكار. واستثمرت، إضافة إلى هذا، شركة مبادلة (صندوق الثروة السيادية الإماراتي الرائد) وحدها 15 مليار دولار في صندوق مخصص للاستثمار التكنولوجي.

تتطلب المدينة الذكية بنية تحتية رقمية قادرة على ربط مختلف أجهزة الاستشعار وغيرها من الأجهزة والآلات لكي تتمكن من تبادل المعلومات في الوقت الآني. وبالنسبة لحكومات المدن، سيكون التحدي هو ضمان سلامة وأمن المعلومات والبيانات الضخمة التي تُنشئها المدن الذكية.

استخدمت دولة الإمارات تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأنظمته فعلياً في مختلف القطاعات؛ ففي خدمات الأمن والشرطة، على سبيل المثال، طوّرت الدولة ضابط شرطة “روبوت”. واستخدمت هيئة كهرباء ومياه دبي روبوتاً لخدمة العملاء وتاكسي طائر من دون طيار، لم يدخلا الخدمة بعد. وينصب تركيز الذكاء الاصطناعي أساساً على تكنولوجيا الرادار والاتصالات اللاسلكية وتشكيلة من تكنولوجيات الفضاء، إضافةً إلى النقل والطيران.

تهدف استراتيجية الذكاء الاصطناعي الإماراتية تحديداً إلى ترقية الأداء والإنتاجية والكفاءة على جميع المستويات والقطاعات الحكومية. وتدرك الدولة أيضاً إمكانات الذكاء الاصطناعي الاقتصادية الهائلة التي لم تُستغل بعدُ على الصعيدين العالمي والخليجي، ومن المتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ 15.7 ترليون دولار في الاقتصاد العالمي، وبمبلغ 320 مليار في اقتصاد الشرق الأوسط، بحلول عام 2030[5]. وقد شهد التسوق الإلكتروني نمواً ضخماً خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث تشير إحدى التوقعات إلى أن أكثر من ملياريْ شخص حول العالم سيتسوقون عبر الإنترنت في عام 2021، ما يؤدي إلى زيادة في مبيعات التجارة الرقمية بنسبة 20%[6].

وتشير نماذج الذكاء الاصطناعي إلى أن تجار التجزئة يمكن أن يوفروا نحو 340 مليار دولار من خلال تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي وأن يقللوا التكلفة من خلال تطبيق الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد[7]. وتتمثل الفائدة الأخرى في السيطرة المباشرة على سلاسل الإمداد، إضافة إلى المرونة الكبيرة التي تمكِّن من الاستجابة الفعالة للاضطرابات في الأسواق المحلية والقدرة على التكيُّف مع مَواطِن الضعف المحتملة الناجمة عن تقلبات السوق العالمية.

يرتكز جزءٌ من سردية الابتكار في دولة الإمارات العربية المتحدة على ضرورة الحفاظ على القدرة التنافسية في خضم الثورة الصناعية الرابعة، والرغبة في الانتقال من مجرد دولة متبنِّية للذكاء الاصطناعي إلى دولة مطوِّرة لهذه التكنولوجيا. ووفقاً لمؤشر الابتكار العالمي لعام 2019 (الصادر عن الأمم المتحدة)، احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عربياً، والمرتبة رقم 36 عالمياً، من حيث الأداء الكلي على المؤشر، متقدِّمة بتسعة مراكز من تصنيفها لعام 2015[8].

مع كل ما سبق، ينبغي أن تكون التوقعات واقعية؛ فعلى الرغم من التقدم الكبير في مجال الذكاء الاصطناعي، ثمة تقريرٌ صدر مؤخراً عن الإيكونوميست، تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي وحدوده”، يقول “… تظل الحقيقة هي أن العديد من أعظم الادعاءات التي أُطلقت عن الذكاء الاصطناعي قد أخفقت مرة أخرى في أن تصبح حقيقة” وأن “الضجيج الدعائي المحيط بالذكاء الاصطناعي تجاوز علم الذكاء الاصطناعي إلى حدٍّ بعيد” خصوصاً في ما يتعلق بالتطبيق الفعلي للتكنولوجيا على أرض الواقع[9] 

الخاتمة

قبل تفشي فيروس كورونا، بدأت التكنولوجيات الحديثة تُحيل العديد من الوظائف ونماذج مزاولة الأعمال والتكنولوجيات القديمة إلى شيء من الماضي، وجاء وباء كوفيد-19 ليسرِّع من عجلة هذا الاتجاه. لقد أدى فيروس كورونا إلى تعزيز الثورة الصناعية الرابعة ودفع المزيد من مواطني منطقة الخليج، والعالم بأسره، نحو المجال الرقمي. وحتى بعد تطوير لقاح للفيروس، ستحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى مواصلة التطوير المعتمد على الابتكار مع تقدم التحول الرقمي إلى الأمام في جميع أنحاء العالم.

تتميز منطقة الخليج بوجود نسبة عالية من الشباب بين السكان، وللمواطنين الأكثر ذكاءً وابتكاراً دور خاص ليضطلعوا به بصفتهم رواداً للثورة الصناعية الرابعة. إن نمو قطاعات التكنولوجيا المتقدمة في دول الخليج سيعود عليها بفوائد في المستقبل، حيث تسعى دولة الإمارات والدول الأخرى في شبه الجزيرة العربية إلى تحقيق التنوع الاقتصادي وتقليص الأعداد المتضخِّمة من العاملين في قطاعاتها العامة من خلال توفير المزيد من الفرص للمواطنين المهرة في التكنولوجيا في القطاع الخاص.


المراجع

[1] Arabian Business. 2017. ‘UAE Appoints First Minister of Artificial Intelligence’, October 19, https://www.arabianbusiness.com/politics-economics/381648-uae-appoints-first-minister-for-artificial-intelligence

[2] The Nation. ‘Message of the Ambassador H.E. Hamad Obaid Al Zaabi’, https://nation.com.pk/02-Dec-2019/message-of-the-ambassador-h-e-hamad-obaid-al-zaabi

[3] Zawaya. 2020. ‘Ajman University offers MS in Artificial Intelligence’, May 14, https://www.zawya.com/mena/en/press-releases/story/Ajman_University_now_offers_MS_in_Artificial_Intelligence-ZAWYA20200514082900/

[4] Noorhan Barakat.2014. ‘Smart Dubai Strategic Plan launched’, March 05, https://gulfnews.com/uae/smart-dubai-strategic-plan-launched-1.1299842

[5] Nathalie Bontems (2019) ‘The Intricacies of Innovation’, Trends: The International magazine on Arab Affairs, No. 252, pp. 10

[6] Anup Dommen (2019) ‘AI: The Future is Here’, Trends: The International magazine on Arab Affairs, No. 248-250, pp.14

[7] Ibid, p.15

[8] Eleonore Kressner. 2017. ‘Artificial Intelligence and Innovation Development in the UAE’, https://www.tamimi.com/law-update-articles/artificial-intelligence-and-innovative-developments-in-the-uae/

[9] The Economist. 2020. ‘Artificial Intelligence and its limits. An Understanding of AI’s limitations is starting to sink in’, June 11th,  https://www.economist.com/technology-quarterly/2020/06/11/an-understanding-of-ais-limitations-is-starting-to-sink-in

المواضيع ذات الصلة