27 أبريل 2021

الذكاء الاصطناعي وُجِد ليبقى: انظر إلى تطبيقاته في مجالات التصنيع واللوجستيات وتجارة التجزئة والرعاية الصحية والتعليم

مقدمة

الذكاء الاصطناعي هو تشكيلة من الأساليب التي أثرت تأثيراً كبيراً في حياة كل فرد خلال السنوات الأخيرة؛ إنه يؤثر فيما نراه، وما نشتريه، وما نفكر فيه، ويحكم كيفية صنع المنتجات والخدمات اليومية وتوفيرها.

وتبحث هذه الورقة في إمكانات الذكاء الاصطناعي وتستكشف الطرق التي يؤثر بها في حياتنا. وقد شارك كاتب هذه الورقة في العديد من الحالات التي تم فيها توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجالات متنوعة، وذلك لتقديم صورة واقعية عن طبيعة الأثر الذي أحدثته هذه التطبيقات على حياة البشر.

الــفـــــــــــرد

يتميز كل إنسان بأنه كيان معقّد، ومن ثم لا يمكن وصفه بدقة من خلال نموذجٍ للذكاء الاصطناعي، ولكن الناس إجمالاً يتصرفون بطرق يمكن التنبؤ بها وإخضاعها للوصف الرياضي. ومن الأمثلة المثيرة للاهتمام وصف الاختناقات المرورية بلغة فيزياء الديناميكا الحرارية التي تقود إلى وضع نظريةٍ فعالة لإدارة الحركة بهدف منع الاختناقات (Weber, 2000).

ويمكن قياس رغبات البشر المادية على نحو جيد من خلال إحصاءات السوق التي يتم الحصول عليها من مجموعة متنوعة من منافذ البيع بالتجزئة، وهي دائماً ما تكون نتيجة مباشرة لحملات الدعاية والتسويق المنسّقة التي تجريها الصناعات العالمية والتي تحدد  للناس تفضيلاتهم وما يجب أن يرغبون فيه بناءً على ذلك (Petropoulos Petalas, 2017). لقد تم استخدام الذكاء الاصطناعي بنجاح لنمذجة التفاعلات المعقّدة بين الاتجاهات التسويقية القائمة، وسلوك المستهلك، وتصرف المشاركين الآخرين في السوق، والأفعال المحتملة لمشارك واحد في السوق. ويمكننا بواسطة هذا النموذج أن نستنتج الخطوات التي ينبغي أن يتخذها البائع لتوطيد وضعه التسويقي.

بيع التجزئة

ربما اعتمدت صناعة البيع بالتجزئة عموماً على الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرها. فنحن ملمُّون بالجوانب المختلفة للتحول الرقمي في هذا المجال لأننا جميعاً زبائن لهذه الصناعة. وعندما نزور موقعاً إلكترونياً خاصّاً بمحل تجزئة ضخم، فغالباً ما تظهر لنا فوراً نافذة دردشة لتسألنا إن كان لدينا أي أسئلة.

وفي الطرف الآخر، يوجد روبوت دردشة باللغة الطبيعية، يعمل بالذكاء الاصطناعي ليرد على أسئلتنا. وإذا طُرحت أسئلة ذات صلة بالمنتجات، فربما تحصل على إجابة معقولة. ولاشك في أن هذه الروبوتات مفيدة للشركة والمستهلك على حد سواء، لأن المستهلك يحصل على ردود فورية، ولا يتعيّن على الشركة استخدام موظفين بشريين؛ غير أن روبوتات الدردشة هذه محدودة من حيث كمية المعلومات التي يمكن أن تقدّمها، ومن ثم لا تستطيع الإجابة إلا عن أبسط الاستفسارات، أما ما فوق ذلك، فعلى المستهلك أن يتصل بالخط الساخن.

ويمكن تعديل أسعار سلع التجزئة إما على فترات منتظمة أو في اللحظة الفورية. إننا جميعاً اعتدنا على معضلة شراء تذاكر الطيران، ويبدو لنا أن الأسعار تتغير اعتماداً على التوقيت الذي نسأل فيه عن السعر وتفاصيل الموعد الذي نرغب السفر فيه. لكن الواقع أن هذه الأسعار تُحسَب في اللحظة الفورية باستخدام آليات الذكاء الاصطناعي التي تم تدريبها على هذه البيانات الاستفسارية، وتتوصل إلى استنتاجاتها بناءً على مَنْ قد تكون أنت ومدى إلحاح طلبك. ونحصل على مقترحات بشراء بعض السلع من خلال مواقع التجزئة على الإنترنت؛ لأنها ذات صلة بالسلع التي بحثنا عنها في وقتٍ سابق.

يُعد هذا مثالاً لنظام توصية يمتلك معلومات عما فعل الزبائن الآخرون في الماضي، ويوصي بما قد يعجبك. فالخدمة التي تُقدَّم بالاشتراك، مثل نيتفليكس، توصي مشتركيها ببعض الأفلام ليشاهدوها. وعلى منصات بيع التجزئة الضخمة، مثل أمازون، يقترح نظام التوصية منتجات أخرى ليشتريها الزبون. ومن المحتمل أن تكون أنظمة التوصية أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي شيوعاً اليوم. وتثير هذه الأنظمة الاهتمام؛ لأنها ليست شديدة التعقيد من الناحية التكنولوجية، كما أن متطلبات دقتها ليست عالية. فإذا لم تعجبك التوصية، فلن يحدث أي ضرر عادةً، وإذا أعجبتك فستتحقق فائدة فورية. لذلك، فإنه حتى إذا كانت دقة نظام التوصية منخفضة نسبياً، فإن فائدته التجارية لبائع التجزئة يمكن أن تكون كبيرة.

ومع ذلك، فثمة عقبة تكمن في أن أنظمة التوصية تتعلم بناءً على سلوكنا، ما يعني أنها إلى حدٍّ ما نبوءة ذاتية التحقق، إضافة إلى أنها أنظمة ستعزز تفضيلاتنا القائمة. وهذا أمر ليس جيداً دائماً، كما يتضح ذلك من نظام فرز المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي الذي يفضل المشاركات الأكثر تطرفاً من أجل تعظيم المشاهدات. ومن التعديلات الأخيرة المثيرة للاهتمام في أنظمة التوصية تضمين عناصر تقترح ما سيكون “جيداً” بدلاً مما يمكن أن “يرغب” فيه الشخص فقط. وهذا مهم في المنصات التعليمية، على سبيل المثال، التي من المفترض أن تدفع المستخدم إلى حافة منطقة ارتياحه لكي يحسِّن مهاراته.

اللوجستيات

تنطبق العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي على اللوجستيات. ويتمثل الجزء المادي من اللوجستيات في نقل البضائع من مكان إلى آخر. ونحتاج في عملية النقل إلى تحديد المسار الذي تسلكه المركبات، وعادةً ما يكون طريقاً يقع عليه العديد من نقاط التوقف للتحميل والتفريغ ويجب جدْوَلة توقيتها على النحو الأمثل. إلى جانب هذا، يصبح ترتيب تحميل المركبة أمراً مهماً. فإذا أخذنا سفينة حاويات كمثال، فينبغي ألّا يتم تفريغ الحاويات الموجودة في أسفل الشحنة في أول ميناء توقُّف؛ لأن ذلك سيتطلب تفريغ الحاويات الموجودة في أعلى الشحنة ثم إعادة تحميلها مرة أخرى على السفينة نفسها، ما يعني إهدار كثير من الجهد والوقت. وبالإضافة إلى التحديات البسيطة والواضحة أمام تحميل مركبةٍ ما وتحريكها من النقطة “أ” إلى النقطة “ب” على الطريق الصحيح، فإننا نواجه تحديات تتمثل في تشغيل أسطول المركبات بطريقة تقلل من تكلفة الوقود وتأثيره في البيئة.

تُعدّ السلامة دائماً شأناً مهماً بالنسبة إلى اللوجستيات، وكذلك في حالة الاستخدام الشائع للذكاء الاصطناعي، وتحديداً القيادة الذاتية التي أصبحت شائعة أيضاً في قطاع اللوجستيات. فاستخدام الشاحنات والسفن والروبوتات الذاتية التشغيل في المصانع يقلل من المخاطر التي يتعرض لها البشر في أثناء العمل، وخصوصاً عندما تتم هذه الأنشطة في بيئات نائية أو خطرة. ويعتمد وضع الجدول الزمني للأنشطة اللوجستية اعتماداً كبيراً على الجدولة التي حدثت قبل اللوجستيات؛ تحديداً التصنيع ومن بعده اللوجستيات، وأنشطة البيع بالتجزئة لهذه البضائع. لذلك، يتضمن الذكاء الاصطناعي واللوجستيات تحديات أيضاً تتمثل في التَّنبّؤ باستخدام السلاسل الزمنية.

بالإضافة إلى أنشطة اللوجستيات المرتبطة بالنقل، توجد أنشطة داخل المستودعات اللوجستية التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسِّنها. وقد أصبحت معظم الأنشطة في المستودعات مؤتْمَتة هذه الأيام باستخدام الروبوتات؛ فعلى سبيل المثال تُستخدَم الروبوتات في وضع الطرود على الرفوف في المستودعات واستخراجها من الرفوف نفسها، ولكن مشكلة وضع هذه الطرود بطريقة تمكِّن من استخراجها بأقل جهد تمثِّل تحدياً للذكاء الاصطناعي. فالسلع ذات العمر التخزيني القصير التي يجب وضعها واسترجاعها بكثرة ينبغي وضعها بالقرب من الباب، أما المنتجات ذات العمر التخزيني المتوسط والطويل فيمكن وضعها في الجزء الخلفي من المستودع.

تستخدم الخدمات اللوجستية آلات، سواء أكانت روبوتات أم شاحنات أم سفناً أم طائرات أم غيرها، وتتطلب جميع هذه الآلات صيانة دورية وتتعرض لأعطال عَرَضية تقتضي تبديل الأجزاء (مكوِّنات الآلة)، وربما إصلاحات أخرى. وظلت الشركات تقوم بأعمال الصيانة أو الفحص المجَدْول لعقود. وتمثل الصيانة التنبؤية أحد استخدامات الذكاء الاصطناعي الرائجة في الصناعة، والتي تتنبأ بأن نوعاً معيناً من المعدات سيتعطل قريباً. ويتم تنبيه مهندسي الصيانة بأنهم سيحتاجون إلى الشروع في عملية صيانة استباقية قبل تعطُّل المعدات. وقد يتصوّر المرء أن إصلاح شاحنةٍ ما في أثناء وجودها في المستودع أقل تكلفة من إصلاح شاحنة محمّلة بالكامل تعطلت على الطريق السريع.

التصنيع

يجب إنتاج السلع أولاً قبل نقلها. ويمكن تقسيم التصنيع عموماً إلى مجموعتين من منظور الذكاء الاصطناعي: تتكون المجموعة الأولى من مصانع الإنتاج التي تصنع السلع؛ وتشمل منشآت معالجة النفط والغاز، ومنشآت توليد الطاقة، ومصانع المواد الكيميائية، ومحطات معالجة المياه وغيرها. وتتضمن المجموعة الثانية منشآت التصنيع التي تنتج وحدات منفصلة من الأشياء؛ وتشمل تصنيع السيارات والهواتف المحمولة والسلع المنزلية وما شابه ذلك.

تتميز خطط العمليات المستمرة باستخدام معدّات ضخمة تُعالج بعض السوائل التي تخضع لتحوُّل ميكانيكي أو كيميائي أو بيولوجي. فنحن هنا نعمل على تحسين عملية مرتبطة بالفيزياء أو الكيمياء، ومن ثَم تُعيد نمذجة الذكاء الاصطناعي إنتاج القوانين الفيزيائية الكونية. ولعل الحالتين الأكثر شيوعاً في هذا الصدد هما “الصيانة التنبؤية”، المذكورة سلفاً، و”تحسين عملية الإنتاج” من خلال التعديل المستمر لنقاط الضبط، وهي القيم التي يمكن لمشغلي المصنع تعديلها. وقد يكون هدف هذا التحسين هو كفاءة المصنع أو إنتاجيته أو ربحيته المالية.

وينطبق هذا على حالات استخدام مختلفة؛ لأن عمليات التصنيع تهيمن عليها سلسلة من الآلات الأصغر حجماً التي تُستخدم في منشآت التصنيع المنفصلة، بحيث ينجز كل منها مهمة مستقلة ومنفصلة إلى حدٍّ ما عن الآلات الأخرى في العملية. ويوجد هذا فعلاً في أي منشأة لتصنيع السيارات؛ فعلى سبيل المثال عندما توجد محطات مختلفة على طول خط تجميع تقوم فيه آلة واحدة ببعض عمليات اللحام، وتقوم آلة أخرى بوضع مسامير التثبيت على السيارة، وتضع الآلة الثالثة جزءاً منفصلاً على الجزء الموجود مسبقاً … الخ. ويجري تنفيذ هذه الأنشطة بروبوتات تمت برمجتها مسبقاً على أداء تلك المهمة المحددة، وتتوقع أن تكرر تلك المهمة على فترات منتظمة لا نهاية لها.

وتمثل عملية تتبُّع الخُردة أكثر حالات استخدام الذكاء الاصطناعي شيوعاً في مجال تصنيع الأجزاء. وتتميز جميع عمليات التصنيع من هذا النوع بمشكلة تتمثل في أن الأجزاء المنفصلة هذه إما أنها تتطابق مع مواصفات المنتَج أو لا تتطابق. فإذا لم تتطابق الوحدة المنتَجة مع مواصفاتها، تكون خردةً ومن ثَم تصبح في عداد القمامة. وكلما تمكنت عملية التصنيع من اكتشاف الخردة بطريقة أسرع، يمكن الإسراع في إزالة ذلك الجزء من العملية. لذلك، ستكون قطعة القمامة هذه أقل تكلفة بفضل التوقف عن بذل أي أنشطة تضفي عليها قيمة مضافة.

يمكن للمرء أن يكتشف الخردة مادياً من خلال وضع محطات اختبار على فترات مختلفة ضمن عملية التصنيع. ويمكن تعزيز هذه المحطات وجعلها أكثر ذكاءً بكثير من خلال تحليل البيانات المتدفقة من جميع آلات الإنتاج، والتحديد في اللحظة الفورية إن كانت الآلات قد أدّت وظيفتها على نحو صحيح أو لا. إن اكتشاف الخردة في وقت مبكر يساعد في استبعاد الأجزاء التالفة من المزيد من المعالجة وينبّه مهندسي الصيانة إلى أن آلات بعينها تتطلب نوعاً من الصيانة.

قطاع المواد الخام

لابد لأي منشأة تصنيع من أن تحصل على المواد الخام قبل الشروع في العمل؛ وهذه المواد الخام أيضاً تنتجها منشآت تصنيع أخرى مختلفة. ونصل في النهاية إلى عملية التعدين حيث تُستخرَج المواد الخام من الأرض لتقود إلى الخطوة الأولى في سلسلة من عمليات التصنيع التي تنتهي إلى منتج استهلاكي.

عادةً ما تكون المواد التي نستخرجها غير نقية بما يكفي لاستخدامها في التصنيع، ولذلك لا بدّ من إخضاعها لعملية تنقية لتكون أنقى؛ فعلى سبيل المثال، تشتمل الخامات المعدنية عادةً على مواد معدنية وغير معدنية متعددة ويجب فصلها إلى فئات مختلفة بعد استخلاص المعادن. فالتربة الغنية بالنحاس ينتج عن معالجتها نحاس ومعادن ثمينة أخرى، إلى جانب كمية كبيرة من البقايا التي لا فائدة منها من الناحية العملية.

شهد استخدام الذكاء الاصطناعي في التعدين زيادة كبيرة خلال العقد الماضي، خصوصاً في تحليل البيانات لتحديد مواقع الرواسب المعدنية. ويمكن أيضاً تحسين عملية الحفر والتنقيب للوصول إلى هذه الرواسب المعدنية باستخدام الذكاء الاصطناعي. إضافة إلى هذا، تساعد الصيانة التنبؤية في عملية التنقيب؛ لأنها تضمن معرفتنا المسبقة بالوقت الذي يتعطل فيه أي جزء من آلة الحفر.

يتأثر الاستخدام الإنتاجي لمنشآت التعدين بالمركبات الذاتية التشغيل، حيث يُنقَل الخام من المنجم بشاحنات ذاتية التشغيل تستطيع أن تعمل في ظروف خطرة لمدة 24 ساعة يومياً دون أن يتأثر أداؤها أو أن تشكِّل أي أخطار على سلامة البشر. كما أن تنقية المواد، مثل النفط أو الخامات المعدنية، وتحويلها إلى منتَجها النهائي يشبه عمليات التصنيع المستمر المشار إليها سابقاً، ومن ثم تخضع للتحسينات نفسها باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويمكن استخدام نمذجة الذكاء الاصطناعي لتحسين نقاء المنتَج ومقدار الجهد المطلوب لتحقيق ذلك النقاء.

الاقتصاد الدائري

يقودنا ما سبق إلى مفهوم الاقتصاد الدائري. فللوهلة الأولى، يبدو أن ما تحدثنا عنه حتى الآن هو اقتصاد خَطّي يبدأ بقطاع التعدين (قطاع المنبع)، ويمر عبر التصنيع والخدمات اللوجستية إلى صناعة البيع بالتجزئة. وفي هذه المرحلة الأخيرة، يتلقى المستهلك السلعة المصنّعة ويستهلكها، ثم في النهاية تجد السلعة طريقها إلى القمامة. ويمكن إعادة استخدام السلعة، بناءً على نوعها، من دون تغيير كبير، أو إعادة تدويرها في خطوة تصنيعية لتصبح سلعة أخرى. والمثال على إعادة التدوير هذه يحدث عندما يتم تحويل ملابس بوليستر قديمة إلى سجّاد يمكن تدويره إلى مماسح … إلخ. وبطبيعة الحال، يفقد المنتَج شيئاً من ميزاته في كل خطوة من خطوات إعادة التدوير، ولكن من الأفضل إكمال خطوات التدوير بدلاً من إلقاء السلعة في مكب النفايات.

ويمثل فصل القمامة إلى فئاتها المختلفة خطوة حاسمة في عملية صنع القرار. فقبل عقود مضت، انتقل العديد من الدول إلى عملية يتولى فيها المستهلك مباشرةً فصل القمامة إلى فئات مثل البلاستيك والورق والزجاج والمواد القابلة للتحلل … الخ. مع ذلك، فقد ارتُكِبت أخطاء، ولم تعد العديد من الدول تعتمد هذه العملية حتى الآن؛ لذلك لابد لمنشآت معالجة القمامة من أتْمَتة فصل النفايات إلى هذه الفئات. ويمكن القيام ببعض هذه العملية مادياً، مثل فصل النفايات المعدنية باستخدام مغناطيس كهربائي. غير أن بعض عملية الفصل هذه يصعب إنجازه بالوسائل المادية، ومن الأفضل استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد القطع الفردية للقمامة، وتشكل إعادة التدوير الفعلية نفسها نوعاً من عملية التصنيع المستمر.  وبهذه الطريقة فإن عملية التصنيع وسلسلة الإمداد بأكملها تشكل دائرة مستمرة من التصنيع والنقل والاستهلاك، وهكذا دواليك، بدلاً من كونها عملية خطية تبدأ وتتوقَف. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دوراً في معظم جوانب كل خطوة من هذه الخطوات.

إذا جمعنا تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة الرئيسية في هذه الدائرة، فإننا نتوصل إلى أربع مجموعات متميزة من النماذج المستخدمة؛ فأول هذه النماذج وأقربها إلى المستهلك هو نظام التوصية الذي يوصي المستهلك مباشرة بشراء منتَج أو خدمةٍ ما ذات أهمية محتملة. وربما يكون هذا النموذج في الوقت الراهن أكثر أنواع نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة رواجاً.

وتأتي بعده مباشرة تكنولوجيا المجموعة الثانية، وهي التنبؤ باستخدام السلاسل الزمنية التي ستقدم تنبؤاً بما سيحدث قريباً لأي نظام. ويمكن تحقيق التنبؤ على نحو دقيق لكل من سلوك البشر إجمالياً وسلوك آلات الإنتاج، ويتضمن التنبؤ باستخدام السلاسل الزمنية في حالات الاستخدام الشائعة للصيانة التنبؤية التي ذُكرت سابقاً.

ويأتي تحسين العمليات من خلال تغيير نقاط الضبط المتوافرة في المرتبة الثالثة ضمن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الرئيسية.

أما حالة الاستخدام الرابعة المنتشرة فتتمثل في الرؤية الحاسوبية؛ فهذا النوع من نماذج الذكاء الاصطناعي يسمح للحاسوب بأن يفسِّر صورة التُقِطت بكاميرا رقمية على أنها تحتوي على نوع بعينه من الأشياء التي يمكن تحديدها وتحديد موقعها في تلك الصورة. فنحن على دراية، مثلاً، بصور مناظر الشوارع، حيث يحدد نموذج الذكاء الاصطناعي موقع علامات الطرق وماهيتها.

الرعاية المَرَضيّة والرعاية الصحية

بعد التحدث عن سلسلة إمداد التصنيع والبيع بالتجزئة، دعونا نقترب أكثر من الفرد من خلال النظر في الرعاية الصحية. فمنذ زمن بعيد، ظل النمط السائد في الرعاية الصحية هو أن يذهب الشخص إلى الطبيب عندما يشعر بألم ليحصل على تشخيص ووصفة علاجية لكي يشعر بالعافية مرة أخرى. وتعاني هذه العملية من مشكلتين: الأولى، أن التفاعل بين الفرد ونظام الرعاية الصحية لا يحدث إلا إذا شعر الشخص بالتوعُّك، وهذه رعاية مَرَضَية بدلاً من كونها رعاية صحية. والثانية، أن المحصلة الأساسية هي وصفة طبية لتناول بعض الأدوية.

يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في التشخيص بدرجة عالية من الثقة؛ لأنه يقوم خصوصاً على خوارزميات الرؤية الحاسوبية التي تأخذ تقتنيات التصوير الطبي كمُدخلات لها؛ مثل الأشعة السينية أو التصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية أو التقنيات المماثلة لها. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتشف وجود، أو غياب، الأورام وموقعها وحجمها، والسرطانات، والحالات والأمراض المختلفة التي لا ينبغي أن تكون موجودة. ونلاحظ أن دقة التشخيص عند العديد من الأطباء الأفراد تبلغ 80% تقريباً، في حين تبلغ دقة تشخيص خوارزميات الرؤية الحاسوبية عادةً 98% أو 99%. ولذلك، حتى في الممارسة الطبية المعيارية، يمكن جعل التشخيص دقيقاً وسريعاً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

توجد بعض التقنيات التي يمكن ارتداؤها؛ مثل الساعات الذكية، وأجهزة الاستشعار الذكية الأخرى التي تقيس الكميات البسيطة في جسم الإنسان على نحو مستمر، مثل النبض أو جلوكوز الدم أو الخطوات التي نمشيها، وتمكِّن خوارزميات الذكاء الاصطناعي من حساب بعض الإحصاءات البسيطة، والحيوية في الوقت نفسه، عن صحتك وسلامتك. ويمكن أن تطلب منك هذه الإحصاءات، مدمّجةً مع أنظمة التوصية، بأن تقوم بأنشطة معينة، كما يمكنها أن تساعدك على البقاء بصحة جيدة لفترة أطول بحيث لا تحتاج إلى تشخيص أي حالة.

وفي التفاعل تحديداً بين الحفاظ على جسم صحي وعقل صحي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً كبيراً في إبعاد الفرد عن الممارسات السلبية التي تؤثر على صحته. فمن خلال تتبُّع نمط حياتك، وتحليله باستمرار، وإعطاء توصيات بشأن ما يجب القيام به، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدك على أن تكون أكثر صحةً. وقد أصبح واضحاً في السنوات الأخيرة أن للسلوك العقلي والسلامة العاطفية للفرد تأثيرات مباشرة وكبيرة على صحته الجسدية.

ويمكن أن يكتشف الذكاء الاصطناعي الحالة العاطفية لشخصٍ ما بناءً على صورة أو مقطع فيديو قصير لوجه ذلك الشخص. ويمكن أن يكتشف مستويات التوتر من خلال تحليل صوته، كما يمكنه اكتشاف مستوى الانتباه أو التركيز مقابل مستويات الإجهاد بناءً على تتبُّع حركات عين الشخص. وقد أدى هذا مؤخراً إلى استخدام أدوات مراقبة السائقين في السيارات الأكثر ذكاءً؛ وذلك لاكتشاف الحالات التي لا ينبغي للسائقين أن يقودوا فيها السيارات. وهكذا نرى أن للذكاء الاصطناعي دوراً مهماً يؤديه للحفاظ على صحة الأشخاص، واستعادتها أيضاً.

التقنيات الجديدة

توجد تقنيات جديدة يمكن دمجها أو توظيفها  مع تقنيات الذكاء اصطناعي، وتتيح حالات استخدام أوسع وفاعلية أكثر،  وتتمثل هذه التقنيات في الأساس من الواقع الافتراضي أو المعَزَّز، والطباعة الثلاثية الأبعاد، والطائرات من دون طيار. فالواقع الافتراضي أو المعَزَّز ينتج بيئة رقمية ثلاثية الأبعاد يتم توفيرها بصرياً لمشغِّل بشري ويمكن أن تسمح بأنماط تفاعلية مختلفة. وخير مثال على هذا هو مؤتمر يكون جميع المشاركين فيه جالسين في منازلهم، ولكن يمكنهم جميعاً رؤية أنفسهم في صورة ثلاثية الأبعاد، وجميع الآخرين، ومبنى المؤتمر. ويمكن استخدام هذه التقنيات في الصناعة بطرق مختلفة، كما يمكن استخدامها للتواصل مباشرة مع المستهلك عبر المؤتمرات والمعارض، ويمكن للمهندسين استخدامها في المصانع لتشغيل معداتها وصيانتها، ويمكن للمشغِّلين استخدامها لتشغيل المعدات أو المركبات عن بُعد.

لقد أصبحت الطباعة الثلاثية الأبعاد تكنولوجيا مثيرة للاهتمام، حيث لم تعد هناك حاجة إلى الاحتفاظ بالأجزاء (القِطَع) في المخزن، بل يمكن إنتاجها، ثم تركيبها، آلياً بالكامل عند الطلب، وهذا يقلل كثيراً من تكاليف التخزين والتكاليف اللوجستية؛ لأن المنتَج يمكن إنتاجه عند الطلب وكسلعة واحدة. أما في عمليات التصنيع فيجب علينا في كثير من الأحيان أن نطلب قطعاً أكثر بكثير من واحدة فقط.

ومكّنت الطائرات من دون طيار العديد من حالات الاستخدام التي تتضمن الذكاء الاصطناعي، ويأتي معظمها في شكل رؤية حاسوبية. فالطائرة من دون طيار هي جهاز يستطيع الطيران إلى مناطق قد يكون في وصول الإنسان إليها صعوبة أو خطورة، مثل قمة عمود التقطير في مصفاةٍ ما، كما يمكنها التقاط صور لذلك الموقع وإرسالها إلى المشغِّل البشري أو إلى خوارزمية الرؤية الحاسوبية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والمسؤولة عن اكتشاف أي حالة غير عادية. وبهذه الطريقة ظلت الطائرات من دون طيار سبباً للتخفيض الكبير في تكاليف الصيانة ومخاطر السلامة في الصناعة التحويلية.

ويمكن أن يلعب الذكاء الاصطناعي عما قريب دوراً مهماً في مجالين، الأول مجال الرعاية الصحية، حيث من المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر شيوعاً وانتشاراً بكثير في تشخيص الأمراض وعلاجها، وخاصة في تطوير أنظمة الرعاية الصحية الوقائية التي تسعى للحفاظ على صحة الفرد من خلال مساعدته ونصحه بشأن ما يجب وما لا يجب أن يقوم به من أفعال. وسوف يكون مفيداً أيضاً بالنسبة للصحة العقلية والعاطفية من خلال اكتشاف الحالات العاطفية واقتراح أنشطة معينة، مثل التأمُّل الذي سيساعد الفرد في استعادة صحته العقلية وتحسينها.

وأما المجال الثاني للذكاء الاصطناعي فيمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في مجال التعليم؛ حيث بدأ النمط التعليمي التقليدي الذي يخاطب فيه المدرِّس فصلاً دراسياً مكوناً من العديد من الطلاب الذين ينصتون إليه ويأملون في استيعاب شيء من هذه المعرفة – بدأ يصبح أكثر فأكثر دون المستوى الأمثل. ويمكن أن يوفر الذكاء الاصطناعي تعلُّماً تكيُّفيّاً يستشعر المنهجية الأفضل لأي طالب (كالتعلّم المرئي في مقابل التعلّم السمعي، مثلاً)، وكذلك توفير السرعة التي يتعلم بها الفرد حالياً. ولذلك يمكن أن يعدِّل المنهج الدراسي وفقاً لاحتياجات تعلُّم الفرد. ومن خلال معالجة اللغة الطبيعية يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي أيضاً أن يعمل كمدرّس – على الأقل جزئياً – ويستطيع الطالب أن يطرح أسئلة على هذا المدرس وأن يتلقى رداً معقولاً في معظم الحالات. ويمكن أن يكون هذا مفيداً على وجه خاص في المناطق التي لا تقدم لها المؤسسات التعليمية خدمات كافية أو المناطق النائية، حيث يتعيّن على الطلاب اجتياز مسافات طويلة للوصول إلى مؤسسة تعليمية.

خاتمة

يُعد الذكاء الاصطناعي سلسلة من النماذج الرياضية التي تنتج إجابة لسؤالٍ ما، وقد يكون هذا السؤال هو التنبؤ بتطور رقمٍ ما مع مرور الزمن، أو تحديد شيء في صورةٍ ما، أو استخراج رد لغوي لسؤال بعينه … إلخ. وتم توظيف هذه الأنظمة في العديد من الاستخدامات المتنوعة في مجالات التعدين والتصنيع وسلسلة الإمداد وتجارة التجزئة والرعاية الصحية والصناعات الأخرى، لتعود علينا جميعاً بالفائدة في النهاية. ولا يشكل الذكاء الاصطناعي أي تهديد، على الرغم من تصويره أحياناً على هذا النحو في أفلام هوليود الترفيهية.

إن الذكاء الاصطناعي وُجد ليبقى، وسيزداد تأثيره واستخدامه الواسع خلال السنوات القليلة المقبلة. وعلى الرغم من أن البشر قد لا يدركون ذلك، فإن حياتهم الشخصية تتأثر تأثراً مباشراً بالعديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي وبشكل يومي من خلال الإعلانات التي يرونها، والبرامج التلفزيونية التي يشاهدونها، والمنتجات التي يشترونها، ونتائج البحث التي يقومون بهاعلى حواسبهم الخاص، والعديد من الأنشطة الأخرى التي يقومون بها كل يوم.

إلى جانب التطور التقني الذي يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة، برز مؤخراً مفهومان في البحوث الخاصة بالذكاء الاصطناعي، أولهما قابلية التفسير، التي تطلب من نظام الذكاء الاصطناعي أن يشرح: لماذا كانت إجابته هكذا؟ إلى جانب الإجابة نفسها. وقد نشأ هذا في سياق أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقرر إن كان يجب الموافقة أم لا على طلب لقرض مصرفي، ويسأل مقدِّم الطلب لماذا رُفض طلبه. وأصبح واضحاً في الآونة الأخيرة أن تفسير النتيجة التي يعطيها الذكاء الاصطناعي مرغوب فيه ومفيد في العديد من الظروف المختلفة. وثانيهما أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تُعنى بما إن كان التطبيق الذي استُخدم فيه الذكاء الاصطناعي تطبيقاً أخلاقياً أم لا؛ ففي بعض الحالات، تؤدي نسبة صغيرة من عدم صحة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قدر كبير من الضرر الذي يوجب إيقاف التطبيق بأكمله. وقد يكون الضرر مالياً في بعض الأحيان، وشخصياً في أحيان أخرى. فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك نظام للتعرّف على الوجوه تم تدريبه للتعرف على الوجوه القوقازية فقط، واستُخدِم على جميع السكان بكل تنوعهم، فإنه سيرتكب أخطاء في الحكم على الذين وجوههم ليست قوقازية؛ لذلك ليس أخلاقياً أن تخضع تلك المجموعات السكانية لذلك النوع من الذكاء الاصطناعي.

ولهذا يجب أن نكون حذرين وحريصين على ألّا نستخدم الذكاء الاصطناعي إلا في حدود الظروف والأحوال التي صُنِع من أجلها. فأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل أي أداة، لها نطاق تطبيقي محصور، وعادةً ما يكون محدداً وواضح المعالم.

 

المراجع

Maslow, A. H. (1943). A theory of human motivation. Psychological Review, 50(4), 370-96.

Bostock, David (2000). Aristotle’s Ethics. New York: Oxford University Press.

Weber H., Mahnke R., Kaupužs J., Strömberg A. (2007) Models for Highway Traffic and Their Connections to Thermodynamics. In: Schadschneider A., Pöschel T., Kühne R., Schreckenberg M., Wolf D.E. (eds) Traffic and Granular Flow’05. Springer, Berlin, Heidelberg. https://doi.org/10.1007/978-3-540-47641-2_52

Petropoulos Petalas, D., van Schie, H., & Hendriks Vettehen, P. (2017). Forecasted economic change and the self-fulfilling prophecy in economic decision-making. PloS one, 12(3), e0174353. https://doi.org/10.1371/journal.pone.0174353

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 2 / 5. Vote count: 3

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.