اشترك الآن في "تريندز للمعرفة"

تريندز للمعرفة محتوى معرفي ثقافي شامل، يقدم رسائل يومية عبر الواتساب تتناول أبرز الابتكارات والمعارف والعلوم والكتب الحديثة إضافة الى إصدارات ودراسات المركز / كما يقدم متابعات حول أبرز التطورات الإقليمية والعالمية

اشترك الآن

من نحن

البرامج البحثية

الإصدارات

الفعاليات

الخبراء

المركز الإعلامي

الخدمات الإلكترونية

البارومتر العالمي

اتصل بنا

English

2 سبتمبر 2021

السياسة المصرية تجاه إقليم شرق أفريقيا.. المحددات والآليات والتحديات

بسمة سعد

عقب غياب شبه تام دام لنحو ثلاثة عقود، شهدت خلالها أفريقيا عموماً وفي القلب منها منطقة شرق أفريقيا عدة تغيرات سياسية وأمنية، تصاعدت حدتها منذ عام 2011 عقب ما شهدته المنطقة العربية من تغيرات جاءت في إطار ما أُطلق عليه “الربيع العربي”، سجلت السياسة الخارجية المصرية منذ عام 2014 حضوراً نشطاً وفعالاً في القارة عموماً وفي إقليم شرق أفريقيا خصوصاً، عبر حزمة من الآليات متعددة الأبعاد، في ظل ما يتمتع به الإقليم من أهمية جيوستراتيجية بالغة.

وقد عكس هذا الحضور اتجاه القيادة السياسية المصرية إلى إعادة تقييمها للمنظور المصري لأفريقيا، والعمل على إعادة ترتيب حساباتها وفقاً لمصالحها المتعددة في إقليم  شرق أفريقيا، والتي يأتي من بينها: ضمان حماية حقوقها المائية، وتأمين حركة الملاحة الدولية المارة عبر قناة السويس. واستناداً لما يشهده الإقليم من تحديات سياسية وأمنية جعلت منه إقليماً مضطرباً، فإن حجم المخاطر المحيطة بمصر قد تعاظم نظراً لتقاربها وترابطها الجغرافي مع هذا الإقليم الذي بات يمثل امتداداً لأمنها القومي.

انطلاقاً مما سبق، تهدف هذه الورقة إلى تناول المحددات الرئيسية الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية تجاه دول إقليم شرق أفريقيا، وما تستند إليه من آليات لتنفيذها، ناهيك عن مناقشة مجموعة من التحديات التي تعيق الجهود المصرية المبذولة للانخراط والاندماج مع دول الإقليم، فضلاً عن تقديم رؤية مستقبلية مقتضبة للدور المصري تجاه دوله.

أولاً: محددات السياسية المصرية تجاه شرق أفريقيا

تستند السياسة المصرية في محيطها الإقليمي وفي الساحة الدولية عموماً على عدة محددات رئيسية، تعكس الشواغل المصرية متعددة الأبعاد، والتي يتصدرها السعي المصري لتعزيز التعاون الاقتصادي والشراكات التنموية الثنائية ومتعددة الأطراف بما يُعزز من النمو والتنمية الاقتصادية لمصر إلى جانب تعزيز التنسيق والتعاون حول آليات التصدي للتحديات الأمنية المشتركة؛ وفي أفريقيا عموماً وتحديداً إقليم شرق القارة، هناك حزمة من المحددات السياسية والأمنية والاقتصادية التي ساهمت في إعادة تقييم المنظور المصري للإقليم وإعادة بنائه، والتي وقفت، في الوقت نفسه، وراء التحركات المصرية النشطة في دول الإقليم التي احتلت مكانة مميزة وفريدة في السياسة المصرية تجاه القارة الأفريقية، وأبرز هذه المحددات ما يلي:

1- الأهمية الجيوستراتيجية لإقليم شرق أفريقيا

يتمتع إقليم شرق أفريقيا[1] بمزايا متعددة أكسبته أهمية جيوستراتيجية بالغة، وعززت من حالة التنافس بين القوى الدولية والإقليمية للبحث والحفاظ على موطئ قدم لها في الإقليم، كما كانت تلك الأهمية وما تزال مصدر قوة وورقة رابحة لدول الإقليم التي نجحت في توظيفها لتعظيم مكاسبها الاقتصادية والسياسية والأمنية عبر الانخراط مع مختلف القوى الإقليمية والدولية في شراكات ثنائية أكسبتها دعم وتمثيل سياسي في المحافل الدولية والإقليمية.

وتكمن أهمية الإقليم في كونه يطل على أحد أهم ممرات الملاحة الدولية في العالم وهو البحر الأحمر، الذي يُعد حلقة الوصل بين القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ بربطه بحر العرب، والمحيط الهندي، وخليج عدن، ومضيق باب المندب – ذي الأهمية الاستراتيجية – بقناة السويس التي تمثل ممر استراتيجي مهم لمصر ولحركة التجارة الدولية حيث يمر من خلالها ما يقرب من 12% من التجارة العالمية و30%من حركة الحاويات الدولية، وتنقل ما يزيد قيمته عن تريليون دولار أمريكي من البضائع سنويًا[2] تشمل نحو ما يقرب من 6.2 مليون برميل يوميا من النفط الخام المُحمل إلى أوروبا، والولايات المتحدة، وآسيا، إلى جانب أكثر من 50 مليون طن من المنتجات الزراعية كل عام؛ وغيرهما من المنتجات، وذلك وفقًا للبيانات الصادرة عن وزارة الطاقة الأمريكية في عام 2018[3]، مما يعكس حجم الترابط والتقارب الجغرافي بين مصر ودول إقليم شرق أفريقيا، وما تُمثله من أهمية استراتيجية للقاهرة.

هذا بالإضافة إلى ما تحتويه أعماق البحر الأحمر وتتمتع به دول إقليم شرق أفريقيا من ثروات وموارد طبيعية، تشمل احتياطات هائلة من النفط، والغاز، والزنك، والنحاس، والفضة، والذهب، واليورانيوم، والهيدروكربونات، والنيكل وغيرها[4]، إلى جانب تميزها بتوافر مورد مياه استراتيجي متمثلاً في نهر النيل كأحد المكونات الجغرافية لإقليم شرق أفريقيا، والذي يُعد محدداً مهماً ورئيسياً لسياسة مصر الخارجية تجاه الإقليم، ناهيك عن كون الإقليم يضم 3 من أصل 10 اقتصادات الأسرع نمواً في العالم خلال عام 2020، وهي؛ رواندا، وإثيوبيا، وتنزانيا[5]، وهو ما يجعل منها أسواقاً واعدة وشريكاً اقتصادياً مهماً، يدفع القاهرة لتعزيز تعاونها الاقتصادي والتجاري معها، لا سيما في مجال الطاقة بعدما أصبحت مصر مركزاً إقليمياً للطاقة في شرق المتوسط، وهو ما يُشير إلى تمدد الطموح المصري لضم إقليم شرق أفريقيا إلى شرق المتوسط، خاصةً في ظل مساعي دول إقليم شرق أفريقيا إلى تعزيز استثماراتها في مجال الطاقة.

2- أزمة سد النهضة والأمن المائي المصري

يُعد ملف المياه، وبالتالي أزمة سد النهضة محدداً مهماً ورئيسياً للتحركات المصرية تجاه دول إقليم شرق أفريقيا، وفي القلب منها دول حوض النيل، وذلك بالنظر إلى أهمية نهر النيل كمورد رئيسي للمياه لا غنى عنه في مصر؛ ومن ثم تسعى مصر في سياستها تجاه الإقليم إلى الحفاظ على حقوقها المائية التي تتيحها لها الاتفاقيات الدولية، متبعة في ذلك الوسائل الدبلوماسية، وذلك بغية تحقيق هدفين رئيسيين:

  • الأول: استمالة مواقف دول الإقليم في تلك الأزمة وإقناعها بأحقية المخاوف المصرية من تداعيات السد على حقوقها المائية، مع التأكيد على ضرورة التوصل لاتفاق ملزم لقواعد ملء السد وتشغيله، وهو ما نجحت فيه مصر وانعكس في مواقف كل من كينيا[6]، وتنزانيا[7] وجمهورية الكونغو الديموقراطية[8]. وترى القاهرة أن اتساع الدائرة الأفريقية الداعمة لموقفها، سيمثل قيمة مضافة لها في طرح تلك القضية أمام المجتمع الدولي.
  • أما الهدف الثاني فهو السعي إلى تحييد موقف بعض دول الإقليم التي لا تدعم الموقف المصري في الأزمة، وهو ما انعكس بشكل واضح في الموقف الأوغندي الذي ظل لسنوات منحازاً للجانب الإثيوبي[9].

3- اضطراب  البيئة السياسية والأمنية  للإقليم

تشهد البيئة الأمنية والسياسية لإقليم شرق أفريقيا حالة من الاضطراب الناتجة عن مجموعة من العوامل من بينها الأزمة اليمنية التي تدور رحاها على الجانب المقابل للإقليم من البحر الأحمر، وما  يترتب عليها من تداعيات تطال دول الإقليم، وما تواجهه عملية الانتقال السياسي للجار المصري (السودان) من تحديات، إلى جانب ما تَشكل من تحالفات ساهمت في رسم المسار السياسي في الإقليم كتحالف “مجلس تعاون القرن الإفريقي” الذي أُطلق في سبتمبر 2018 بمبادرة وقيادة إثيوبية وبمشاركة كل من إريتريا والصومال، بالإضافة إلى تنامي نشاط التنظيمات الإرهابية التي دفعت القوى الإقليمية والدولية إلى تعزيز حضورها في الإقليم عبر عدة آليات، من بينها: نشر القواعد العسكرية، والاستثمار في موانئ الساحل الشرقي الأفريقي[10] بما يُمكن تلك القوى من إعادة توجيه وتسيير المعادلة السياسية والأمنية في الإقليم وفقاً لمصالحها وأهدافها، الأمر الذي قد يترتب عليه خلق حالة من التجاذبات السياسية والتوترات الأمنية.

و تهدد تلك التغيرات أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر وإقليم شرق أفريقيا؛  وتفرض، من ثم، مزيد من المخاطر والتهديدات على الأمن القومي المصري. كما أنها تؤثر بشكل أو بآخر على المصالح المصرية في الإقليم، ولذا سعت مصر للانخراط في الإقليم وقضايا دوله من أجل ضبط وإعادة التوازن للمعادلة الأمنية والسياسية في النطاق الحيوي للإقليم، وللبحر الأحمر عبر طرح نفسها كفاعل في تلك المعادلة وشريك فيها.

ثانياً: ثنائية الأمن والتنمية.. آليات القاهرة للانخراط في الإقليم  

تأتي التحركات المصرية في إقليم شرق أفريقيا وفقاً لاستراتيجية ضمنية تستهدف تحقيق “الأمن والتنمية” عبر ثلاث آليات رئيسية تضمن بموجبها القاهرة الارتقاء بمستوى التعاون والشراكة مع دول الإقليم، وخلق مساحة من التفاهم والتشارك حول عدد من الشواغل المصرية والأفريقية، وهذه الآليات هي:

1- الآلية الدبلوماسية:

سجلت الدبلوماسية المصرية منذ عام 2014 نشاطاً وحضوراً بارزاً في الساحة الأفريقية وفي العمق منها إقليم شرق أفريقيا، وذلك على المستويين الرئاسي والوزاري.

فعلى المستوى الرئاسي فقد حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على زيارة عدد من دول الإقليم كان بعضها إما الأولى من نوعها لرئيس مصري أو الأولى منذ عقود، وآخر تلك الزيارات زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جيبوتي في 27 مايو الماضي، والتي كانت الأولى لرئيس مصري لهذا البلد[11] الذي تكمن أهميته فيما يمثله من أهمية استراتيجية بالغة في محيطه الإقليمي بالنظر إلى موقعه الجغرافي المتميز الذي دفع العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى التسابق من أجل الظفر بموطئ قدم فيه، فضلاً عن علاقاته الوطيدة بإثيوبيا. كما قام السيسي بزيارات أخرى مهمة منها زيارته الأولى لجمهورية السودان عقب تشكيل مجلس السيادة الانتقالي في 6 مارس 2021[12]، والتي جاءت استكمالاً لسلسلة من الزيارات الرئاسية خلال عهد  الرئيس عمر البشير، وزيارته الأولى لجنوب السودان في 28 نوفمبر 2020،  والأولى لتنزانيا منذ عام 1968 خلال جولته الأفريقية (14 -17) أغسطس 2017[13]، والتي ضمت أيضاً الزيارة الأولى لرئيس مصري لكل من رواندا وتشاد[14]، وغيرها من الزيارات، فضلاً عن استقباله لعدد من الرؤساء الأفارقة، مما عكس نشاط ما يُمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الرئاسية ” لمصر.

أما على المستوى الوزاري فقد أجرى وزير الخارجية سامح شكري عدة جولات أفريقية تكثفت خلال شهري مارس وأبريل 2021 ضمت عددا من دول الإقليم، من بينها: كينيا، وبوروندي، وتنزانيا، ورواندا، والكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان[15] تزامناً مع تعثر مفاوضات أزمة سد النهضة وطرح الأزمة للنقاش في مجلس الأمن.

وقد سعت مصر عبر هذه الآلية الدبلوماسية إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

  • أولها استعادة الحضور المصري في القارة وتمثيلها في المحافل الدولية والإقليمية بعد غياب ثلاثة عقود خلال عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك؛
  • وثانيها إعادة ضبط المفهوم والمنظور الأفريقي لمصر كدولة أفريقية باعتبارها حليف وشريك رئيسي مهم لدول القارة، وخير داعم وممثل لقضاياها في المحافل الدولية والإقليمية، وقد توج الجهد المصري في هذا الجانب بفوز مصر بمقعد غير دائم في مجلس الأمن بصفتها ممثلة للقارة خلال عامي 2016-2017 بعد غياب دام لما يقرب من عشرين عام، وباختيارها لتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019؛
  • وثالثها: خلق مساحة من التفاهم والتواصل بين القاهرة ودول الإقليم حول عدد من الشواغل المصرية والأفريقية، أبرزها: أزمة سد النهضة، وتعزيز مشروعات التعاون المائي، ومكافحة التطرف والإرهاب، وبناء نظام إقليمي فعال يضم دول الإقليم لتأمين منطقة البحر الأحمر، والاستفادة الأفريقية من الخبرات المصرية في قطاعات البنية التحتية، والصحة، والكهرباء، وغيرها من القطاعات محل الاهتمام الأفريقي.

2-  آلية التعاون الأمني والعسكري وبناء الثقة مع دول الإقليم

حرصت القاهرة على تعزيز التعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي مع دول الإقليم في ظل ما يواجهه الجانبان من تحديات أمنية مشتركة، وساعدها في هذا امتلاكها قدرات أمنية وعسكرية عالية تجعل منها شريكا أمنيا وعسكريا مهما لهذه الدول؛ وفي هذا الصدد، جاءت الجولات الأفريقية لكل من رئيس أركان الجيش المصري الفريق محمد فريد، ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، والتي كانت إشارة واضحة  على نشاط آلية الدبلوماسية الأمنية والعسكرية بغية تحقيق خطوات متقدمة ومتسارعة في مرحلة بناء الثقة بين القاهرة ودول الإقليم.

ولقد شملت الزيارات الخارجية كل من كينيا، وروندا[16]، والكونغو الديمقراطية[17]، والسودان، [18] وجنوب السودان،[19] وغيرها بهدف تعزيز أوجه التعاون الأمني والعسكري في مجالات التدريب والتأهيل ونقل الخبرات، ناهيك عن التنسيق حول عدد من الملفات الأمنية والاستخباراتية، وقد توجت هذه الزيارات بتوقيع مصر اتفاقيات للتعاون العسكري والأمني والاستخباراتي والدفاعي مع كل من بوروندي، وكينيا، وجنوب السودان وتنزانيا، وأوغندا[20]، والسودان[21] خلال الأشهر الماضية من العام الجاري.

كما وصل التنسيق والتعاون بين مصر والسودان في ضوء ما تواجهه البلدان من تحديات سياسية وأمنية مشتركة، إلى مستويات غير مسبوقة، يُستدل عليها بإجراء مصر عدد من المناورات الجوية المشتركة مع السودان تُعد الأولى من نوعها في تاريخ التعاون بين البلدين: هي “نسور النيل – 1″ في نوفمبر 2020، و”نسور النيل – 2” في مارس 2021، تبعها تنفيذ المناورات العسكرية المشتركة “حماة النيل” خلال الفترة (26- 31) مايو 2021[22].

3- الآلية التنموية:

أدركت مصر أن تحقيق التنمية هو الهدف المنشود لدول الإقليم وأنها بوابة الانخراط معها في ظل ما تواجهه هذه الدول من تحديات اقتصادية، دفعتها إلى بناء شراكات مع عدد من القوى الإقليمية والدولية لسد احتياجاتها التنموية؛ وبناء على هذا، ارتكزت السياسة الخارجية المصرية على ملف التنمية كآلية رئيسية للانخراط والتلاحم مع دول الإقليم، وذلك في ظل ما تتمتع به القاهرة من خبرات تجعلها قادرة على أن تقدم يد العون والمساعدة في هذا المجال، وقد جاءت  التحركات المصرية في هذا المجال عبر ثلاث وسائل رئيسية، هي كالتالي:

أ- دراسة مشروعات لبناء وتطوير البنية التحتية الأفريقية وتنفيذها:

إلى جانب الإعلان عن إنشاء صندوق للاستثمار فى البنية التحتية المعلوماتية لتطوير أفريقيا في عام 2018[23]، شاركت مصر  في إنشاء العديد من مشروعات البنية التحتية في دول إقليم شرق آفريقيا، حيث اتفقت مع السودان على إنشاء خط سكة حديد عابر للحدود بين البلدين بقيمة 1.19 مليار دولار لنقل البضائع والركاب[24]، كما انتهت من تنفيذ المرحلة الأولى من إجمالي ثلاث مراحل من مشروع الربط الكهربائى مع السودان في أبريل 2020، والذي من المقرر أن يكون بداية لربط القاهرة بباقي دول أفريقيا كهربائياً[25]، ناهيك عن قيامها بإنشاء المدن وتطوير البنية التحتية في الكونغو الديمقراطية، وإطلاق مشروع  طريق (القاهرة- كيب تاون) الذي يربط بين شمال القارة بجنوبها مروراً بعدد من دول الإقليم وهي: السودان، وكينيا، وإثيوبيا، وتنزانيا[26] وغيرها من المشروعات ذات الصلة. كما أطلق الرئيس المصري تعليماته للحكومة المصرية بالعمل على الربط بين الموانئ المصرية ونظيرتها الواقعة على الساحل الشرقي الأفريقي عبر خطوط مباشرة.

ب- دراسة مشروعات التعاون المائي وتنفيذها:

اتجهت مصر أيضاً إلى تنفيذ العديد من مشروعات التعاون المائي، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، إنشاء 7 سدود[27] وحفر 75 بئرا، وبئرين لتوفير مياه الشرب النقية في أوغندا، وحفر 180 بئرا في كينيا، و60 بئرا في تنزانيا، و10 آبار في إقليم دارفور؛ فضلاً عن تنفيذ 6 محطات مياه شرب جوفية في مدينة جوبا جنوب السودان[28]، وعدة مشروعات أخرى قيد التنفيذ كمشروع تصميم سد ومحطة “روفيجي” للكهرباء في منطقة “ستيجلر جورج” وتشييدها في تنزانيا والمقرر الانتهاء منه عام 2022[29]، وأخرى قيد الدراسة كمشروع إنشاء سد واو متعدد الأغرض جنوب السودان[30] .

ج- دراسة مشروعات تنموية وتنفيذها:

اهتمت مصر أيضاً بتنفيذ مشروعات تنموية تنوعت بين القطاعات الزراعية والاقتصادية والخدمية، ومن بينها على سبيل المثال، افتتاح 8 مزارع نموذجية من أصل 22 مزرعة في عدد من دول القارة مثل أوغندا والكونغو، وجارٍ العمل على تنفيذ البعض منها في إريتريا وتنزانيا وجنوب السودان[31] إلى جانب إنشاء منطقة صناعية مشتركة في الخرطوم لتعزيز التكامل الصناعي والتجاري بين البلدين[32]، والاتفاق مع جيبوتي على التعاون في مجال بناء الوحدات السكنية وربط الموانئ بموانئ القاهرة وإنشاء منطقة لوجيستية وتطوير الاستزراع السمكي وسبل إزالة العشوائيات[33].

بالإضافة إلى افتتاح ثلاثة من أصل خمسة مكاتب تجارية جديدة في القارة في تنزانيا، وأوغندا، وجيبوتي، وافتتاح أول مركز لوجيستي في كينيا لتسهيل حركة التجارة بين مصر ودول شرق أفريقيا[34]، وتدشين المرحلة الأولى من مشروع جسور التجارة للربط بين  مدينتي العين السخنة المصرية ومومباسا في كينيا للوصول إلى دول شرق أفريقيا، ويتضمن حزمة متكاملة من خدمات النقل واللوجستيات متضمنة الترويج والوساطة[35]، فضلاً عما قدمته القاهرة من دعم لتأهيل الكوادر الأفريقية وتدريبها في مختلف القطاعات برز خلالها دور الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية؛ كإرسال وفود طبية مصرية لتركيب المعدات وتدريب الطواقم الطبية، وإنشاء أقسام طبية مصرية بكل من جنوب السودان وإريتريا وبوروندي[36]، وسعت القاهرة إلى الربط بين الموانئ المصرية ونظيرتها الواقعة على السواحل الأفريقية عبر إنشاء خطوط مباشرة.

ثالثاً: تحديات الانخراط المصري في إقليم شرق أفريقيا:

في ضوء ما يشهده الإقليم من أنماط متعددة من التفاعلات بين القوى الإقليمية والدولية، وما تواجهه دول الإقليم من تحديات سياسية وأمنية، تواجه التحركات المصرية عدة تحديات، هي كالتالي:

1- تنامي نفوذ القوى الإقليمية والدولية:

يشهد الإقليم صعوداً لنفوذ العديد من القوى الإقليمية والدولية، مثل؛ الصين، والولايات المتحدة، وروسيا، وغيرها، فضلاً عن النفوذ الإثيوبي في محيطه الإقليمي في ظل ما يتمتع به الإقليم من أهمية جيوستراتيجية بالغة. وتسعى هذه القوى الإقليمية والدولية إلى ترسيخ نفوذها في الإقليم، سواء عبر بوابة تعزيز التعاون الأمني والعسكري أو عبر بوابة تحقيق التنمية الاقتصادية أو من خلال توفير الدعم السياسي في المحيط الإقليمي والدولي. ويفرض هذا الوجود الدولي والإقليمي في الإقليم تحدياً متنامياً أمام مصر التي ينبغي أن تتحرك بخطى متسارعة ومتزنة عبر ملفات الشراكة متعددة الأوجه التي تحتل صدارة اهتمام الشريك الأفريقي، بما يُمكنها من مواجهة هذا التحدي وترسيخ أقدامها في الإقليم.

2- اختلاف المنظور الأفريقي للقاهرة ما بين كونها دولة عربية وأفريقية:

يُمثل المنظور الأفريقي لمصر تحدياً رئيسياً، يتمثل في تصنيفها بأنها أقرب للانتماء العربي من الأفريقي، لا سيما داخل دائرة دول حوض النيل، وأن ما تبذله القاهرة من جهود لاستعادة حضورها في الساحة الأفريقية، يستهدف فقط تأمين احتياجتها من المياه ومن ثم قد تتوقف هذه الجهود بمجرد تأمين تلك الاحتياجات. ولا شك أن هذا المنظور  قد يفقد مصر تأييد وتعاطف الدول والشعوب الأفريقية مع قضاياها ومواقفها؛ ومن ثم على مصر أن تؤكد أنها دولة عربية-أفريقية لا تستطيع أن تتجاهل هويتها التي تتسم بالتنوع الثقافي، والتي توفر مزايا عديدة للقارة الأفريقية عموماً ودول إقليم شرق أفريقيا خصوصاً، من بينها أن مصر تعد حلقة وصل بين دول الإقليم والمنطقة العربية، وكذلك بين الأولى من ناحية وأوروبا والولايات المتحدة من ناحية أخرى، وذلك استناداً إلى كون القاهرة حليف وشريك استراتيجي مهم لهما.

3- تنامي ظاهرة الإرهاب:

تعاني القارة  الأفريقية عموماً ومنها دول الإقليم من تنامي ظاهرة الإرهاب لا سيما في ظل ما تتسم به البيئة الأمنية والسياسية والاقتصادية الإقليمية من هشاشة وضعف، وهو ما يُستدل عليه باحتلال حركة “الشباب” الصومالية المرتبة الأولى في مؤشر النشاط الإرهابي خلال شهر يونيو 2021 بواقع 20 عملية إرهابية في منطقة شرق القارة، تصدرت خلالها الصومال قائمة الدول الأفريقية التي تُعاني من نشاط التنظيمات الإرهابية[37].

هذا بالإضافة إلى ارتكان دول الإقليم إلى الحليف والشريك الأجنبي في التصدي لتلك الظاهرة، وهو ما يعظم من حجم التحديات التي تواجهها القاهرة إما لطرح نفسها كشريك أمني وعسكري مهم أو لتأمين ما تنفذه من مشروعات تنموية من أية هجمات إرهابية، مما يضع مصر أمام اختبار حقيقي لحدود قدراتها وخبرتها في هذا الملف أمام شركائها الأفارقة.

رابعاً: مستقبل الدور المصري في شرق أفريقيا

من الواضح أن صانع القرار المصري قد أدرك أهمية البعد الأفريقي في سياسة مصر الخارجية، ومن ثم يبدو أن القاهرة تسير نحو الحفاظ على مسار الانخراط في إقليم شرق أفريقيا، بما يعكس نشاط الأنماط الثلاثة للدبلوماسية المصرية المستندة لاستراتيجية تحقيق “الأمن والتنمية”، وهو ما يعني الاستمرار في بذل مزيد من الجهود لخلق مساحات من التفاهم والتشارك حول عدد من الشواغل المصرية والأفريقية، مع ضمان تقديم الدعم المتبادل لطرحها في المحافل الدولية والإقليمية.

كما ستحرص القاهرة على أن تكون حلقة الوصل بين دول الإقليم وعدد من حلفائها الساعين للانخراط في القارة، مثلما كانت داعما لفتح السوق الأفريقي للجانب الروسي باطلاق النسخة الأولى من المنتدى الروسي الأفريقي عام 2019 خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي إلى جانب توسيع نطاق الشراكة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية مع دول الإقليم، بما يصب في تعزيز قيمة الشراكة المصرية في المنظور الأفريقي، مقارنة بتكلفة الوجود والدعم العسكري الأجنبي في أفريقيا، ناهيك عن السعي إلى تعزيز واتساع نطاق الشراكات الاقتصادية والتنموية مع دول الإقليم، بالتوازي مع العمل على تأهيل العنصر البشري الأفريقي في مختلف المجالات ونقل الخبرات المصرية عبر برامج الدعم والتأهيل المتعددة.

ورغم أهمية الجهود المصرية المبذولة في إقليم شرق أفريقيا، فإن هناك حاجة إلى مزيد من هذه الجهود، إذ أن تنامي التحديات التي تواجه مصر في الإقليم، تفرض عليها أن تنظم أوراقها وتقيم سياستها وتضع استراتيجية مرنة ومحددة الأهداف وآليات الانخراط والاندماج مع دول الإقليم، بما يدفع نحو تكثيف الجهود المصرية في القارة عموماً وإقليم شرق أفريقيا خصوصاً، في مختلف المجالات، لا سيما ذات الأبعاد الصحية والتعليمية والتنموية التي تمس المواطن الأفريقي بشكل مباشر.

ويمكن أن يتم تفعيل تلك الجهود من خلال حزمة من السياسات، تشمل  إطلاق المبادرات المصرية وتكثيفها لدعم دول الإقليم في أزماتها الصحية المتعددة، والعمل على رفع مستوى تعليم شباب القارة والإسهام في خلق أجيال أفريقية مؤهلة للعمل في السوق الأفريقي وواعية بما تواجهه القارة من تحديات، إلى جانب تكثيف التعاون في عدد من المشروعات التنموية المشتركة، لا سيما التي تستهدف المناطق النائية والريفية المهمشة التي تعاني من انتشار وتمركز التنظيمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

 

المصادر:

[1] – يُقصد بإقليم شرق أفريقيا؛ الحيز الجغرافي الذي يضم دول حوض النيل وهي؛ إثيوبيا، وكينيا وتنزانيا وإريتريا وروندا وبوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا والسودان وجنوب السودان ومصر، بالاضافة إلى دول القرن الأفريقي الذي يضم إلى جانب إثيوبيا وإريتريا كأحد دول حوض النيل، الصومال وجيبوتي.

[2] -the New Zealand Embassy in Cairo,The Importance of the Suez Canal to Global Trade, New Zealand Ministry of Foreign Affairs and Trade, 18 April 2021.

https://www.mfat.govt.nz/assets/Trade/MFAT-Market-reports/The-Importance-of-the-Suez-Canal-to-Global-Trade-18-April-2021.pdf

[3] – Gregory Aftandilian, Increasing Contestation over the Red Sea and Horn of Africa, Arab Center Washington DC, 23 DECEMBER 2020.

http://arabcenterdc.org/policy_analyses/increasing-contestation-over-the-red-sea-and-horn-of-africa/

[4] The Red Sea (Bab Al-Mandeb to Suez Canal), Dryad Global. https://dg.dryadglobal.com/red-sea

[5] -Malala Raharisoa Lin ,THE BOOM OF ECONOMIC GROWTH IN EAST AFRICA, “The Borgen Project, 14 MAY 2021. https://borgenproject.org/economic-growth-in-east-africa/

[6] – السيسي يبحث مستجدات قضية سد النهضة مع رئيس الكونغو الديمقراطية، روسيا اليوم، 7 يوليو 2021.

https://cutt.us/i1aTO

[7] – السيسي يؤكد لرئيسة تنزانيا ضرورة التوصل لاتفاق ملزم وعادل لملء وتشغيل سد النهضة، مصراوي، 9 يونيو 2021.

https://cutt.us/HUNGu

[8] – الكونغو تدعم موقف مصر في قضية سد النهضة، البيان، 19 سبتمبر 2020.

https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2020-09-19-1.3964424

[9] – أوغندا تتدخل في أزمة “سد النهضة”… هل تقدم جديدا؟، سكاي نيو عربية، 5 مايو 2021.https://cutt.us/8t8kB

[10] – بسمة سعد، السياسة الإثيوبية في منطقة القرن الأفريقي وانعكاساتها على أمن البحر الأحمر، الملف المصري، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 82، يونيو 2021.

[11] – زيارة الرئيس السيسي إلى جيبوتي، الهيئة العامة للاستعلامات، 27 مايو 2021. https://cutt.us/4V6gt

[12] – زيارة الرئيس السيسي إلى جمهورية السودان، الهيئة العامة للاستعلامات، 6 مارس 2021. https://cutt.us/WQug6

[13] – جولة الرئيس السيسي الأفريقية، الهيئة العامة للاستعلامات، 14 أغسطس 2017.  https://cutt.us/EKjVw

[14] – المصدر السابق.

[15] – أحمد عسكر، دلالات ورسائل الجولة الإفريقية المكوكية لوزير الخارجية المصري، السياسة الدولية، 26 أبريل 2021.

http://www.siyassa.org.eg/News/18062.aspx

[16] – محمد محمود فايد، الفريق محمد فريد يعود إلى أرض الوطن بعد انتهاء زيارته لـ «كينيا ورواندا»، أخبار اليوم، 30 مايو 2021.

https://cutt.us/KKV2K

[17] – داليا عثمان، رئيس الأركان يعود من زيارة الكونغو الديمقراطية والسودان، المصري اليوم، 27 يونيو 2021.

https://www.almasryalyoum.com/news/details/2362452

[18] -لبحث تعزيز التعاون.. مدير المخابرات المصرية في السودان، العين الإخبارية، 4 يناير 2021.

https://al-ain.com/article/discuss-director-egyptian-sudan

[19] -ما هي الرسائل التي بعثت بها مصر من جنوب السودان؟، سبوتنيك عربي، 13 أغسطس 2020.https://cutt.us/7GKsC

[20] – محمد سليمان، استراتيجية النيل المصرية، مؤسسة الشرق الأوسط، 2 يوليو 2021.

https://www.mei.edu/publications/astratyjyt-alnyl-almsryt

[21] – مصر توقع اتفاقية عسكرية مع ثالث دولة أفريقية وسط تصاعد أزمة “سد النهضة”، سبوتنيك عربي، 11 أبريل 2021.

https://cutt.us/y7VyR

[22] – محمد سليمان، مرجع سبق ذكره.

[23] – أيمن رمضان ومحسن البديوي، السيسي: إنشاء صندوق للاستثمار فى البنية التحتية المعلوماتية لتطوير إفريقيا، اليوم السابع، 9 ديسمبر 2018.  https://cutt.us/3wX6d

[24] – الطريق يبدأ من القاهرة.. تفاصيل إنشاء «سكة حديد مصر والسودان»، الرئيس، 25 مارس 2021 .

https://www.alraeesnews.com/92149

[25] – محمد محمود، انتهاء المرحلة الأولى من مشروع الربط الكهربائى بين مصر والسودان، أخبار اليوم، 7 مارس 2021.

https://cutt.us/SsNKA

[26] – جيهان عبد السلام، كيف ينعكس منتدى “التكامل من أجل النمو” على الاستثمار المصري في أفريقيا؟، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 12 يونيو 2021. http://rcssegypt.com/3963

[27] – مصر تكشف عدد السدود التي ساهمت في بنائها للدول الإفريقية، روسيا اليوم، 28 ديسمبر2020.https://cutt.us/OMfrF

[28] – أميمة سعودي، مصر وافريقيا.. مشروعات تنموية واعدة، الهيئة العامة للاستعلامات، 26 مارس 2019. https://cutt.us/3I0mt

[29] – محمد خاطر، يكتمل بناؤه 2022.. قصة إنشاء أكبر سد أفريقي في تنزانيا بإشراف مصري، جريدة الوطن، 24 مايو 2021.

https://www.elwatannews.com/news/details/5501515

[30] – تعاون بين مصر وجنوب السودان لإنشاء مشروع سد واو المتعدد الأغراض، الشروق، 26 يونيو 2021.

https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=26062021&id=82cfe299-ead7-4969-b165-652c09e0019b

[31] -عادل إسماعيل، الزراعة: طفرة في إنشاء المزارع المصرية في أفريقيا خلال 6 سنوات، أخبار اليوم، 9 يوليو 2020.

https://cutt.us/UA8sr

[32] – محمد سليمان، مرجع سبق ذكره.

[33] -Muhammed Magdy, Egypt eyes economic foothold in Djibouti, Al-monitor, 27 March 2021.

https://www.al-monitor.com/originals/2021/03/egypt-eyes-economic-foothold-djibouti#ixzz71ya9nd7A

[34] – جيهان عبد السلام، مرجع سبق ذكره.

[35] – عبد الحليم سالم، هل يدعم مشروع “جسور” حركة التجارة بين مصر وأفريقيا.. اعرف التفاصيل × 7 نقاط، اليوم السابع، 24 مارس 2021  https://cutt.us/SmQGN

[36] – أميمة سعودي، مرجع سبق ذكره.

[37] -شيماء عبد الهادي، مرصد الأزهر: 400 قتيل حصيلة ضحايا العمليات الإرهابية في القارة الإفريقية خلال يونيو 2021، الأهرام، 7 يوليو2021.  https://gate.ahram.org.eg/News/2859790.aspx

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.