23 سبتمبر 2020

تأثير النزاعات والأوبئة على أزمة الهجرة في منطقة البحر المتوسط

أمينة عثماندزيكوفيتش

ما زالت الهجرة من الجنوب إلى الشمال في منطقة البحر الأبيض المتوسط تشكّل قضية ملحّة وتشير إلى وجود مشكلة أوسع في المنطقة، وسط وباء "كوفيد-19" والأزمة الاجتماعية-الاقتصادية الناجمة عنه. وتُنذر التطورات بالمزيد من تفكك منظومة الاتفاقات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تم تطويرها منذ تسعينيات القرن العشرين للحد من الهجرة عموماً. وقد أدت هذه الاتفاقات إلى مأسسة السياسات التقييدية واستيعابها داخلياً، وإلى تجريم الهجرة في بعض الحالات، وقادت في نهاية المطاف إلى حركة هجرة ضخمة في عام 2015 نتج عنها موت أكبر عدد من المهاجرين غرقاً في مياه البحر الأبيض المتوسط.

وتحاول هذه الورقة فهم أزمة الهجرة الحالية في منطقة وسط المتوسط، وستفحص إطار تلك الاتفاقات بين الشمال والجنوب التي تشكِّل السياق منذ بداية تطورها حتى الوقت الراهن، كما ستحلل تأثير النزاعات العسكرية والسياسية الدائرة في ليبيا والنتائج والتداعيات المحتملة في المستقبل، خصوصاً في أعقاب وباء "كوفيد-19".

السياق العام للأزمة الراهنة:

استمرت الهجرة على الرغم من عسكرة الأزمة الجيوستراتيجية المتواصلة في منطقة وسط المتوسط، وما زالت هذه المشكلة مستمرة رغم أن منظومة التعاون قد وُضعت لإدارة تدفقات الهجرة الجديدة،[1] تلك المنظومة التي أكدها "إطار الاتحاد الأوروبي للشراكة بشأن الهجرة" ("إطار الاتحاد الأوروبي" في ما يلي).[2] وما يعقّد هذا الاتفاق وجود عدد كبير متبقٍّ من الاتفاقات الثنائية بين الشمال والجنوب التي ترمي إلى كبح الهجرة، والمساواة بين القضايا المتعلقة باللاجئين وقضايا الاتجار بالبشر، وتأمين الحدود من دون معالجة كافية للأسباب الكامنة تاريخياً وراء تدفقات المهاجرين. إضافة إلى ذلك، أظهر العقد الماضي أن إسناد سياسات الهجرة إلى الخارج[3] من جانب الدول الأوروبية كان له تأثير سلبي غير مباشر على السياسات المحلية للهجرة في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط.

في خضم وباء "كوفيد-19"، ساعدت تلك الاتفاقات الهشة بين دول شمال المتوسط وجنوبه على أمننة الحدود الأوروبية (إضفاء الطابع الأمني على قضاياها)، حيث استغل العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي، مثل إيطاليا[4] ومالطا، حالة الطوارئ الناجمة عن الوباء لتعلن أن موانئها غير آمنة لنزول المهاجرين،[5] ما تسبب في سقوط عشرات الضحايا.[6] وبالإضافة إلى وباء "كوفيد-19"، أسهم استمرار النزاع الليبي في تعقيد مشكلة الهجرة المتوسطية منذ عام 2011. وعلى الرغم من أن ما يقرب من ثلثيْ الدول الأوروبية قد أدرجت عروضاً للجوء ضمن برامجها الطارئة لمعالجة الأزمة في الدول التي أُوقِفت فيها إجراءات اللجوء ولم تُنظَّم فيها إقامة الأفراد، فإن فجوة غير مقصودة توجد في إمكانية الحصول على الرعاية الصحية الأساسية وأشكال الدعم الأخرى.[7]

وبعد تفشي وباء "كوفيد-19"، أجرت الهيئة المستقلة للرصد والبحث السريع والأدلة دراسة في مايو 2020 حول المخاطر التي يواجهها المهاجرون واللاجئون على طول مسار البحر الأبيض المتوسط، وقد شملت جمع بيانات أولية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وبيّنت نتائج الدراسة أن عمليات إغلاق الحدود في كل من دول شمال المتوسط وجنوبه وتشديد الضوابط على ساحلي الجانبين قد صعَّبت على المهاجرين مواصلة رحلاتهم إلى الشمال أو العودة إلى من حيث أتوا. وأدى هذا الوضع إلى زيادة عدد المهاجرين واللاجئين العالقين الذين وجدوا أنفسهم في وضعٍ مريع وأكثر عرضةً لخطر الإصابة بفيروس كورونا.[8]

شكل رقم 1: محاولات المهاجرين العبور من خلال مسار وسط المتوسط

Attempted migrant crossings along the Central Mediterranean - Arabic Graph1

وقد أثرت القيود الإضافية المفروضة على السفر وعمليات إغلاق الحدود وإيقاف تسجيل اللاجئين في المنطقة، في قدرة المهاجرين على طلب اللجوء وطلب المساعدة على العودة. وعلى الرغم من التراجع المؤقت في أنشطة التهريب بعد بداية انتشار "كوفيد-19"، فإن المهاجرين واللاجئين بدؤوا مجدداً يعتمدون اعتماداً كبيراً على المهربين غير الشرعيين لعبور البحر الأبيض المتوسط رغم ما يصاحب ذلك من مخاطر الاستغلال الإجرامي وسوء المعاملة، وربما المزيد من الموتى غرقاً في البحر.[9]

ونظراً إلى زيادة القادمين الجدد إلى دول شمال المتوسط بسبب النزاع المتواصل في ليبيا[10] ووباء "كوفيد-19"، فإن عدم وجود أي نهجٍ موحَّد وإرادة سياسية جامعة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي يعني أن المحركات الأساسية لأزمة البحر الأبيض المتوسط في الجنوب وغيره تظل قائمة. ونتيجة لذلك، يبقى الغموض يسود المستقبل وإمكانية تهدئة الوضع على المدى القصير.

أوجه القصور في السياسات السابقة لوباء "كوفيد-19" وفي أثنائه

قبل وباء "كوفيد-19"، كانت الاتفاقات الثنائية والتدابير الظرفية المخصصة للمهاجرين واللاجئين تمثل الآلية المفضلة لدى كل من دول الاتحاد الأوروبي ونظيراتها في شمال أفريقيا، حيث ضم الجانب الأوروبي فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان ومالطا على الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، فيما ضم الجانب الآخر المغرب وتونس والجزائر وليبيا ومصر على الساحل الجنوبي.

وكانت الاتفاقات الثنائية، بدلاً من إطار الاتحاد الأوروبي، هي المحدد الأساسي لنهج الدول الأوروبية لاحتواء الهجرة في منطقة المتوسط ومعالجتها مع الشركاء غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وفضلت دول شمال أفريقيا تاريخياً الاتفاقات الثنائية على إطار الاتحاد الأوروبي بسبب موثوقيتها بالتنفيذ والمصالح المشتركة التي تتضمنها، حيث لم يتم ضمان أيّ من هذين العنصرين ضماناً كاملاً داخل إطار الاتحاد الأوروبي بحكم أنه مبني على الإجماع بطبيعته. وتنزع هذه الاتفاقات الثنائية إلى التركيز الصريح على الاحتياجات الفورية المباشرة لكل من الطرفين بدلاً من التركيز على الأهداف والغايات الإقليمية الجوهرية طويلة الأجل. ومثل هذه المنظومة ستتطلب درجة أعلى من الشفافية، وقواعد إجرائية أكثر صرامة، وآلية فعالة للرصد والمتابعة والتقييم؛ ولكن القضية المفصلية هي أن الدول المعنية ليس من بينها دولة لديها مصلحة سياسية في تحقيق هذه النتائج.

وتُعدّ إيطاليا الدولة الأنشط في إبرام الاتفاقات الثنائية مع نظيراتها في شمال أفريقيا، وقد وافقت على العديد من مثل هذه الاتفاقات مع ليبيا وتونس ومصر منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين. وقد أثرت هذه الاتفاقات في السياسات الداخلية للدول الثلاث لدرجة تجريم الهجرة جزئياً أو كلياً. فعلى سبيل المثال، تغيّرت العلاقة بين ليبيا وإيطاليا بشأن هذه القضية من حالة التعاون الودي إلى قطع العلاقات بالكامل. وبعد سنوات عدة من العمل المشترك المنسَّق لإعادة المهاجرين من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية إلى ليبيا، توقفت إيطاليا عن استقبال الأعداد المتزايدة ومساعدتها من الوافدين بغض النظر عن المناطق التي أتوا منها. وقد أصدر برلمان الاتحاد الأوروبي قراراً في إبريل 2005 دان الطرد الجماعي لـ 180 مهاجراً من جزيرة لامبيدوزا إلى ليبيا[11] في الشهر السابق.[12]

وبالتوازي مع تزايد أهمية قضية الهجرة، تم تعديل سياسة الجوار الأوروبية[13] في عام 2015 من أجل تعزيز الازدهار والاستقرار والأمن داخل المناطق المتاخمة للاتحاد الأوروبي، وذلك تجنباً لنشوء خطوط تقسيم جديدة بين الاتحاد الأوروبي الموسع والدول الواقعة على حدوده البرية والبحرية المباشرة. وكان القصد أن تشمل سياسة الجوار الأوروبية 16 دولة مجاورة، من بينها 10 دول من جنوب البحر الأبيض المتوسط.[14] وقد اعتُبرت هذه السياسة في الواقع، تطويراً جماعياً لتاريخ من الاتفاقات الثنائية المنفصلة التي أبرمتها دول الاتحاد الأوروبي مع العديد من نظيراتها في جنوب البحر الأبيض المتوسط، وإن كان نجاحها الفعلي محدوداً.

وقد أثّر وباء "كوفيد-19" تأثيراً كبيراً في أزمة وسط المتوسط وجوانبها الجيوسياسية بالنسبة إلى الشمال والجنوب. وتتجلى التداعيات في الأمننة المتزايدة لقضية الهجرة التي لم تُحل بعد، ما أفرز مخاطر إضافية مرتبطة بالصحة، وإعاقة التنقل، وعمليات العودة القسرية، والتهريب، وأوضاعاً معيشية غير مأمونة؛ إضافة إلى التأثير في علاقة الاتحاد الأوروبي مع ليبيا التي تمثِّل منفذ المغادرة الرئيسي للمهاجرين واللاجئين.

وشملت الإجراءات التي نفذتها معظم حكومات شمال المتوسط استجابةً لوباء "كوفيد-19"، إغلاق الموانئ وتأخير إنزال الأفراد من السفن والمراكب وتقليل وجود قوارب البحث والإنقاذ على مسار وسط المتوسط الذي يزداد ازدحاماً بحركة المهاجرين. كما شهدت المراحل الأولى من انتشار الوباء انخفاضاً في وجود سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية على امتداد الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، وقد كانت هذه السفن في السابق تشكِّل شرايين حياة في غاية الأهمية للمهاجرين واللاجئين.[15] وعلى الرغم من استئناف العديد من عمليات الإنقاذ، فإن قدرتها ظلت محدودة، نظراً إلى المخاطر المرتبطة بوباء "كوفيد-19".

إضافة إلى ذلك، وفي إطار استغلال مخاوف الصحة العامة لغرض تشديد الرقابة على الحدود، فرضت حكومتا مالطا وإيطاليا المزيد من القيود على إنزال الأفراد في موانئهما وأعلنتا في إبريل 2020 أن هذه الموانئي غير آمنة.[16] فعلى سبيل السلام، رفضت محكمة لاتسيو الإدارية الإقليمية في إيطاليا طلباً لإيقاف المرسوم الذي قررت الحكومة الإيطالية بموجبه أن موانئها غير آمنة[17]، بسبب المخاوف المرتبطة بوباء "كوفيد-19". لذا كان لوباء "كوفيد-19" والأزمة الاجتماعية-الاقتصادية التي جرَّها أثرٌ مدمِّر على اللاجئين والمهاجرين، ما رفع قضايا مسار وسط المتوسط إلى صدارة سياسة الأزمات الأوروبية.

وقد تجلت التداعيات على المهاجرين في الانخفاض الحاد في التنقُّل وتوفر المساعدات، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد المهاجرين العالقين، وازدياد حالات العودة القسرية والمخاطر الصحية غير المرصودة إلى حد كبير في المخيمات والأماكن الشبيهة بها على جانبي البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى ذلك، أظهر استطلاع لتقييم الأمن الغذائي، أجرته المنظمة الدولية للهجرة في إبريل 2020 شمل 1,350 مهاجراً، أن 63% من المستجيبين لجؤوا إلى اتّباع استراتيجيات تكيُّف صارمة بشأن الغذاء نظراً إلى النقص الكبير في المواد الغذائية الأساسية منذ بداية العام.

شكل رقم 2: القيود على التنقل على طول مسار وسط المتوسط بسبب "كوفيد-19"

Mobility restrictions along the Central Mediterranean due to Covid-19 - Arabic Graph2

الحالة الليبية المعقّدة

ظل النزاع الدائر في ليبيا واحداً من أهم عوامل التعقيد في أزمة البحر الأبيض المتوسط منذ اندلاعه في عام 2011؛ هذا بالإضافة إلى الأزمة الحادة الناتجة عن انتشار فيروس كورونا في البلاد.[18] وقد احتد هذا النزاع مع تدخل العديد من الجهات الدولية الفاعلة فيه إلى درجة أنه تسبّب في الكثير من التداعيات السلبية والأضرار الجسيمة على البلاد من حيث النشاط الاجتماعي-الاقتصادي والتركيبة السكانية والرعاية الصحية وسبل العيش.

فقد شهد النزاع تدخلاً مصلحياً من جانب كل من فرنسا وإيطاليا، نظراً الى مصالحهما التاريخية في المناطق الليبية ذات الأهمية الجيوستراتيجية، وإلى الاعتماد على المنتجات الهيدروكربونية الليبية في حالة إيطاليا.[19] وأسفرت هذه المصالح عن عمليتين سياسيتين متوازيتين ضمن أجندة السياسة الخارجية لكلتا القوتين الأوروبيتين، حيث نأت فرنسا بنفسها عن قوات المشير خليفة حفتر وأعلنت دعمها الرسمي لمفاوضات السلام التي تقودها الأمم المتحدة، في حين انتهجت إيطاليا سياسة مزدوجة تشمل التعامل بشكل غير رسمي مع الفريق الموالي للمشير خليفة حفتر، وتقديم الدعم العلني والفعلي لحكومة الوفاق الوطني التي توسطت في الإعلان عن تشكيلها عام 2015.[20] واتضحت هذه الازدواجية بعد عملية برلين، وكانت مدفوعة برغبة إيطاليا لعب دور أكبر في الأزمة الليبية، والتعاون مع الأطراف كافة لتأمين وحماية شواطئها من وصول أفواج ضخمة من المهاجرين إليها. وفي المحصلة، أسهم هذا النهج في عملية العسكرة الجزئية لمسألة الهجرة في منطقة وسط المتوسط [21]، كما دفع إلى تدخّل تركيا في ليبيا، في تطور مرتبط بالتنافس الحاد الدائر في شرق المتوسط.[22]

شكل رقم 3: مسارات التهريب والاتجار بالبشر عبر ليبيا

Smuggling and trafficking routes through Libya - Arabic Graph3  

ظلت حالة عدم الاستقرار وأعمال العنف في ليبيا تشكل سبباً آخر للنزوح الداخلي منذ أكتوبر 2011. وقد تفاقمت مشكلة السكان النازحين داخلياً نتيجة لوجود نحو مليون من اللاجئين والمهاجرين القادمين في معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء. فحسب تقديرات الأمم المتحدة، كان هناك 1.3 مليون فرد في ليبيا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، خصوصاً في المناطق الشرقية والشمالية من البلاد.[23] إضافة إلى ذلك، حددت المنظمة الدولية للهجرة نحو 350 ألف نازح داخلي[24] في عام 2018، إلى جانب 275 ألف مهاجر، من إجمالي مليون شخص موجودين داخل البلاد.

وبالتوازي مع ظهور وباء "كوفيد-19"، تفاقم النزاع الليبي في بداية عام 2020 عندما حاول الجنرال خليفة حفتر إطاحة الحكومة المعترَف بها من جانب الأمم المتحدة[25]. وإضافةً إلى وقوع خسائر بشرية مباشرة وإجبار أكثر من 28 ألف شخص على النزوح داخلياً، فقد أدى تصعيد القتال إلى زيادة رفض الاتحاد الأوروبي للمهاجرين الوافدين من ليبيا بالقوارب، بحجّة القيود المرتبطة بوباء "كوفيد-19".[26] ومن ناحية أخرى، تشير بعض التقارير الصادرة في يونيو 2020 إلى أن الطائرات الأوروبية ظلت تقوم بالمراقبة الجوية للمساعدة على دفع المهاجرين واللاجئين إلى العودة من مسار وسط المتوسط إلى موانئ ليبيا، وذلك من خلال تنبيه خفر السواحل الليبية والسلطات البحرية الليبية إلى وجود سفن في البحر تم رصدها في وقت سابق.

إجمالاً، عبر أكثر من 17 ألف شخص من ليبيا وتونس إلى الشواطئ الأوروبية خلال العام الحالي 2020، وفقد أكثر من 300 شخص أرواحهم في مياه البحر الأبيض المتوسط وهم يحاولون عبوره إلى أوروبا، وهذا يمثل زيادة بمقدار ثلاثة أضعاف منذ عام 2019. إضافة إلى ذلك، كانت عمليات إنقاذ المهاجرين العالقين تتم في الغالب بسفن تابعة للحكومة الليبية، الأمر الذي أفضى إلى إعادة 7 آلاف شخص إلى ليبيا في الأشهر الستة الأولى من العام.[27] ورغم أن الوضع المريع على الأرض يزداد سوءاً، ولا تلوح في الأفق بوادر نهاية للنزاع، فإن العديد من الأطراف الفاعلة الخارجية قد نأت بنفسها عن مسؤولية استقبال المهاجرين وعن حوار السلام الذي تقوده الأمم المتحدة أيضاً. كما أن انتهاكات حظر الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على ليبيا تعوق الجهود الدولية الرامية إلى تشجيع المفاوضات بين الفصائل الليبية المختلفة.[28]

 

خاتمة: ما يحمله المستقبل

اتخذت أزمة الهجرة في منطقة وسط المتوسط بُعداً أمنياً إقليمياً، ولذلك ابتعدت السياسات الوطنية للدول الأوروبية الكبرى، مثل فرنسا وإيطاليا، أكثر فأكثر عن إطار الاتحاد الأوروبي. كما أدى وباء "كوفيد-19" إلى المزيد من أمننة قضية الهجرة وأوجد ذريعة لفرض قيود جديدة على تدفق البشر من الجنوب إلى الشمال. ونتيجة لذلك، عانت الدول المجاورة لأوروبا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تزايد أعداد المهاجرين غير الشرعيين، في الوقت الذي تعمل فيه على إدارة تداعيات الوباء والوفاء بالتزاماتها بموجب منظومة متهالكة من الاتفاقات الثنائية مع الدول الأوروبية. وفي خضم هذا السياق المختل، يواجه المهاجرون الأفراد والنازحون ظروفاً أصبحت تزداد فظاعة وإثارة لليأس يوماً بعد يوم.

إن ما أفسد العلاقة بين دول شمال المتوسط وجنوبه هو الاتفاقات الثنائية والترتيبات الخاصة التي لا تتطلب قدراً يُذكَر من الشفافية وتحد من آفاق الأمن والحلول المستدامة طويلة الأجل لجميع الأطراف المعنية بالقضية، على عكس نواياها. ورغم أن المبادرات، المتمثلة في العديد من مشروعات الاتحاد الأوروبي في منطقة الساحل، قامت على نوايا حسنة من حيث أهدافها ونطاقها العملي، فإن السياسات الوطنية في أكثرها قد أدت إلى تقويض مقاربات الاتحاد الأوروبي المشتركة ومن ثم نقضت الجهود الموجهة إلى معالجة أزمة المهاجرين من منبعها وليس بصفتها مشكلة "أمنية".[29]

إضافةً إلى ذلك، يمثّل إطار الاتحاد الأوروبي نفسه مؤشراً واضحاً على تحوُّل الاتحاد الأوروبي إلى تبنّي نهج تعاملي قصير الأجل مبني على الحوافز تجاه الهجرة واللجوء استجابةً لـ"أزمة الهجرة"، وذلك نظراً إلى الفقرة التي تضمنها بشأن الحوافز السلبية والعقوبات المترتِّبة على عدم الامتثال. وما لم تُعدَّل فقرات الإطار الرئيسية لتتضمّن ما يفيد أن الهجرة إلى أوروبا لن تتوقّف وأن علاقات أوروبا الخارجية مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى إعادة فحص شامل لكي تمضي إلى الأمام بفعالية، فإن التداعيات على المدى الطويل تُنذِر بأنها سلبية للغاية بالنسبة إلى الدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على حدٍّ سواء.

 
المراجع

[1] Holmes, Seth M., and Heide Castañeda. “Representing the ‘European Refugee Crisis’ in Germany and beyond: Deservingness and Difference, Life and Death,” Anthro-Source, Vol. 43, No. 1 (February 2016), pp. 12-24.

[2] European Commission, “Commission announces New Migration Partnership Framework: reinforced cooperation with third countries to better manage migration,” June 7, 2016, https://ec.europa.eu/commission/presscorner/detail/en/IP_16_2072.

[3] Paoletti, Emanuela. “Migration Agreements between Italy and North Africa: Domestic Imperatives versus International Norms.” Middle East Institute, December 20, 2012, www.mei.edu/publications/migration-agreements-between-italy-and-north-africa-domestic-imperatives-versus.

[4] Tondo, Lorenzo. “Italy Declares Own Ports 'Unsafe' to Stop Migrants Arriving.” The Guardian, April 8, 2020, www.theguardian.com/world/2020/apr/08/italy-declares-own-ports-unsafe-to-stop-migrants-disembarking.

[5] Stierl, Maurice. “Migration: How Europe Is Using Coronavirus to Reinforce Its Hostile Environment in the Mediterranean.” The Conversation, July 14, 2020, www.theconversation.com/migration-how-europe-is-using-coronavirus-to-reinforce-its-hostile-environment-in-the-mediterranean-137840.

[6] Gotev, Georgi. “Malta Says It Can No Longer Rescue, Accept Migrants.” Www.euractiv.com, April 10, 2020, www.euractiv.com/section/justice-home-affairs/news/malta-says-it-can-no-longer-rescue-accept-migrants/.

[7] Coronavirus: UNHCR Offers Practical Recommendations in Support of European Countries to Ensure Access to Asylum and Safe Reception. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR) , April 27, 2020, www.unhcr.org/news/press/2020/4/5ea68bde4/coronavirus-unhcr-offers-practical-recommendations-support-european-countries.html.

[8] Exploring the Impact of COVID19 on the Vulnerabilities of Migrants on the Central Mediterranean Route, IMRREF Report No. 4, July 1, 2020. https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/FULL-REPORT_IMREF-COVID-19-study-Part-2%20%281%29.pdf.

[9] Exploring the Impact of COVID19 on the Vulnerabilities of Migrants on the Central Mediterranean Route, IMRREF Report No. 4.

[10] UNHCR steps up emergency assistance in Libya as continued conflict and COVID-19 create more hardship. 15 May 2020. https://www.unhcr.org/news/briefing/2020/5/5ebe44134/unhcr-steps-emergency-assistance-libya-continued-conflict-covid-19-create.html.

[11] European Parliament Resolution on Lampedusa, April 14, 2005. https://www.europarl.europa.eu/sides/getDoc.do?pubRef=-%2F%2FEP%2F%2FTEXT+TA+P6-TA-2005-0138+0+DOC+XML+V0%2F%2FEN

[12] Stemming the Flow. Human Rights Watch, September 12, 2006. https://www.hrw.org/report/2006/09/12/stemming-flow/abuses-against-migrants-asylum-seekers-and-refugees

[13] European Neighbourhood Policy (ENP). https://eeas.europa.eu/diplomatic-network/european-neighbourhood-policy-enp/330/european-neighbourhood-policy-enp_en

[14] The European Neighbourhood Policy (ENP) covers the following countries: Algeria, Armenia, Azerbaijan, Belarus, Egypt, Georgia, Israel, Jordan, Lebanon, Libya, Moldova, Morocco, Occupied Palestinian Territory, Syria, Tunisia and Ukraine.

[15] 2020 update - NGO ships involved in search and rescue in the Mediterranean and legal proceedings against them. July 27, 2020. https://fra.europa.eu/en/publication/2020/2020-update-ngos-sar-activities

[16] Libya Considers Its Ports Unsafe for the Disembarkation of Migrants. International Organization for Migration (IOM). August 9, 2020, from https://www.iom.int/news/libya-considers-its-ports-unsafe-disembarkation-migrants

[17] Italy: Court confirms that Italy's ports aren't 'safe'. May 26, 2020. https://www.infomigrants.net/en/post/24979/italy-court-confirms-that-italy-s-ports-aren-t-safe

[18] “Libya: COVID-19 - Situation Report No. 7, As of June 22, 2020 - Libya.” ReliefWeb, www.reliefweb.int/report/libya/libya-covid-19-situation-report-no-7-22-june-2020.

[19] Mezran, Karim, and Federica Saini Fasanotti. France Must Recognize Its Role in Libya's Plight, 21 July 2020, www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/france-must-recognize-its-role-in-libyas-plight/; Varvelli, Arturo, and Tarek Megerisi. “Italy's Chance in Libya”, European Council on Foreign Relations, June 16, 1970, www.ecfr.eu/article/commentary_italys_chance_in_libya.

[20] Italy, France Spar Over Escalating Conflict in Libya, April 11, 2019, https://www.voanews.com/europe/italy-france-spar-over-escalating-conflict-libya

[21] Maurice Stierl, “Reimagining EUrope through the Governance of Migration, International Political Sociology, Volume 14, Issue 3, September Haverty, Dan. “EU Leaders Meet as Eastern Mediterranean Crisis Deepens.” Foreign Policy, August 27, 2020, www.foreignpolicy.com/2020/08/27/eu-leaders-meet-eastern-mediterranean-crisis-turkey-greece/.     2020, Pages 252–269.

[22] Haverty, Dan. “EU Leaders Meet as Eastern Mediterranean Crisis Deepens.” Foreign Policy, August 27, 2020, www.foreignpolicy.com/2020/08/27/eu-leaders-meet-eastern-mediterranean-crisis-turkey-greece/.

[23] IOM Libya: Migration Crisis Operational Framework (MCOF). [undated] 2019, https://www.iom.int/countries/libya

[24] “Country Profile: Libya.” International Organization for Migration (IOM), February 26, 2018, www.iom.int/countries/libya.

[25] “Time Is Running out for Libya, UN Chief Warns Security Council | | UN News.” United Nations, United Nations, July 8, 2020, www.news.un.org/en/story/2020/07/1067961.

[26] War and Coronavirus Pushes Migrants to Leave Libya and Head to Europe, TRT World, August 20, 2020, www.trtworld.com/magazine/war-and-coronavirus-pushes-migrants-to-leave-libya-and-head-to-europe-39049.

[27] “IOM, UNHCR Call for Urgent Action after 45 Die in Largest Recorded Shipwreck off Libya Coast in 2020.” UNHCR, August 19, 2020, www.unhcr.org/news/press/2020/8/5f3d3f2a4/iom-unhcr-call-urgent-action-45-die-largest-recorded-shipwreck-libya-coast.html.

[28] “UN Laments 'Blatant' Violations of Libya Arms Embargo” Arab News, September 3, 2020, www.arabnews.com/node/1729296/middle-east.

[29] Puig, Oriol. “Europe's Invisible New Border.” www.euractiv.com, July 5, 2019, www.euractiv.com/section/africa/news/europes-invisible-new-border/.

كوفيد

التعليقات

احمد محمود احمد غيث الحوسني دراسة جيدة ومعمقة عن الهجرة من جنوب. السؤال الجوهري؛ هل ستستمر الهجرة؟نعم ستستمر، خاصة بعد تراجع مداخيل الدول الأفريقية الغربية جراء كوفيد-19،المشكل يكمن في مصادر الهجرة؛ ما لم تتحسن الظروف السياسية والإقتصادية هناك، ستعاني أوروبا من الهجرة؛الول الأوروبية التي استعمرت هذه البلدان لفترة طويلة؛لم تعمل على تطويرها، بل أخذت خيراتها وهربت؛ فالآن شعوب هذه الدول تهاجر إليها. الحل المستدام أنه بإمكان الدول الأوربية إيجاد حلول إقتصادية باستثمار مشروعات يستفيد منها مباشرة الشباب في مصادر الهجرة والمساعدة السياسية لحل الأزمات وتهدئة الأوضاع وليس العمل على تأجيجها بدعم طرف سياسي ضد آخر لتأزيم المشكلة. الحل هو «اقتصادي» ومن ثم سياسي.وخلاف ذلك اذا بقيت الأمور سيئة هناك؛فلن تهدأ حدود أوروبا وشواطئها من الهجرة والكوارث الإنسانية لقوارب المهاجرين. فعلى أوروبا مسؤوليات اخلاقية وسياسية أن تجد حلًا لمستعمرات السابقة. فعلى المجتمع الدولي حث أوروبا ومساعدتها لتحمل هذه المسؤولية التاريخية!؟
(لم يسبق لي التعليق على هذا الموضوع)

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.