اشترك الآن في "تريندز للمعرفة"

تريندز للمعرفة محتوى معرفي ثقافي شامل، يقدم رسائل يومية عبر الواتساب تتناول أبرز الابتكارات والمعارف والعلوم والكتب الحديثة إضافة الى إصدارات ودراسات المركز / كما يقدم متابعات حول أبرز التطورات الإقليمية والعالمية

اشترك الآن

من نحن

البرامج البحثية

الإصدارات

الفعاليات

الخبراء

المركز الإعلامي

الخدمات الإلكترونية

البارومتر العالمي

اتصل بنا

English

9 أبريل 2020

تداعيات انسحاب الجيش الأمريكي من العراق: التنافس الإقليمي وتأثير وباء كوفيد-19

أمل البريكي

أدى مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية، بعد زيارته للعراق للقاء رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لحضور اجتماع للسلام، إلى تزايد التوتر على الصعيدين الإقليمي والعالمي. كما هزت الحادثة السلام الهش بين الولايات المتحدة وإيران وزادت على قائمة الإخفاقات العديدة التي حدثت منذ الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) واستمرار الإدارة الأمريكية في جهودها لفرض سياسة “الضغط الأقصى” على الاقتصاد الإيراني.

وقد أدى مقتل سليماني كذلك إلى احتدام النقاش الداخلي حول النفوذ الإيراني في العراق، وكشف دور بغداد في المشكل الأمريكي/الإيراني ومستقبل البلاد من دون وجود عسكري أمريكي. وتناقش هذه الورقة – في ظل تداعيات وباء كوفيد-19، وخطورة الوضع الداخلي في العراق – احتمالات انسحاب القوات الأمريكية وما يمكن أن يترتب عنها، إضافة إلى موقف المجموعات المختلفة داخل العراق تجاه هذه الخطوة الأمريكية من منظور المسار الاجتماعي/السياسي الحالي للبلاد.

وتتناول هذه الورقة أيضًا حالة عدم اليقين المحتملة التي قد تعقب الانسحاب الأمريكي، وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط على المديين القصير والمتوسط.

المعضلة ومقتل سليماني والوباء

تؤكد سلسلة الأحداث المؤسفة الأخيرة التي أسهمت في تدهور الوضع الإقليمي أن واشنطن وطهران يعتبران العراق ساحة معركة لتصفية حساباتهما. كما تشير الأحداث ذاتها إلى عدم فهم أيٍّ منهما للجوانب الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة للصراعات الدائرة في العراق، والتي قد تضطر أمريكا إلى تغيير مسارها في هذا البلد للحد من مخاطر اندلاع أيّ نزاع محتمل على الرغم من فشل قرار اغتيال سليماني في ردع وكلاء إيران، وتزايد خطورة وباء “كوفيد-19”.

لقد سعت الولايات المتحدة منذ غزوها للعراق عام 2003 إلى إعادة تأهيل قدراته الإدارية، وحدد – في هذا السياق – اتفاق الإطار الاستراتيجي، المبرم عام 2008 الجهود المشتركة المطلوبة لإعادة بناء البلاد؛ ورغم أن الاتفاق كان مجدية، فقد أكد أيضاً على الجهود الموجَّهة للجانب الأمني بدلاً من الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحيوية؛ غير أنه بعد عام 2011 قد اتضح افتقار الولايات المتحدة إلى أي استراتيجية تجاه العراق.

وقد تجلّى افتقار واشنطن إلى أي استراتيجية واضحة تتبعها في العراق من خلال تركيز الرئيس دونالد ترامب المستمر على الاستفزازات الصادرة عن وكلاء إيران باعتبارها مبرراً لسياسة الردع؛ وبدا جليا، بناءً على هذا، أن الاستراتيجية الأمريكية في العراق تهتم أساساً بجهود مكافحة الإرهاب والتطرف، الأمر الذي يجعل السياسات الخارجية الأمريكية تجاه العراق غير واضحة وبعيدة عن تحقيق أي قيمة مضافة.

لقد أدت تداعيات مقتل قاسم سليماني إلى انهيار العلاقات الأمريكية/العراقية، وأيقن بسببها العراقيون أن السياسة الأمريكية عادت إلى تبني نهج عدواني وغير واقعي، ما فاقم حالة انعدام الثقة بين البلدين. كما أن رفض واشنطن الالتزام بالقرار العراقي القاضي بسحب القوات الأمريكية يطعن في شرعية وجودها في العراق، ويشي بتصرفها – أي واشنطن – ضد سيادية العراق. كما يقوض أكثر شرعية السياسيين العراقيين الفاسدين الذين ينقلبون علنًا على التوجيهات التي يصدرونها.

أسهمت، إضافة إلى هذا، تهديدات الرئيس ترامب الانتقامية الصريحة ضد اقتصاد العراق في تصاعد غضب الشارع، ودلّت على عدم اهتمام واشنطن بالعراق إلا في حدود علاقات أحادية الجانب. كما أن مسؤولون كثير في البيت الأبيض ما زالوا  رافضين لقرار الحكومة العراقية مؤكدين أهمية العراق كشريك استراتيجي؛ ويتضح أكثر التباس النهج الأمريكي في الاعتراض القوي الذي أبداه وزير الخارجية مايك بومبيو على انسحاب القوات الأمريكية في مقابل ترحيب ترامب باحتماليته.

لقد أدى “كوفيد-19” إلى تعقيد الوضع حيث تزامن تفشيه مع تعرضت القوات الإيرانية والأمريكية في العراق إلى سلسلة هجمات انتقامية؛ ورغم عدم وجود بلاغات عن إصابات مؤكدة به بين الجنود الأمريكيين في العراق، فقد ظهرت أعراضه على بعض الموظفين الذين تم عزلهم. ويشار إلى أن تفشي وباء “كوفيد-19″، قد خفف من حدة الرد الأمريكي على الضربات الإيرانية لأن واشنطن مشغولة بمناقشة خياراتها لمواجهة الركود المحلي.

انسحاب محفوف بالمشاكل

توقع الرئيس العراقي برهم صالح حدوث مشاكل جديدة عندما صرح خلال زيارته لواشنطن بأن على الولايات المتحدة وبقية دول العالم أن يعلموا أنّ العراق ليس منصة لضرب جيرانه، وذلك في أعقاب ما أثار مقتل سليماني من تذمُّر في البرلمان العراقي، والذي دفع برئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إلى دعوته إلى اتخاذ إجراء عاجل ردًا على هذا التصرف الذي وصف فيه الولايات المتحدة بأنها قد عرضت سيادة العراق إلى انتهاك خطير واتهمها بخيانة اتفاق الإطار الاستراتيجي.

ومن جملة الإجراءات التي أقدم البرلمان العراقي على اتخاذها في ظل هذه التطورات المفاجئة – بفترة وجيزة – خطوة غير مسبوقة تمثلت في مصادقته على إصدار قرار غير ملزِم يطالب بإخراج 5,200 جندي أمريكي، وأي قوات أجنبية أخرى من العراق. كما أن القرار قد ذهب إلى حد جعل بعض القادة العراقيين يعدّون إيران حليفاً بدلاً من الولايات المتحدة، ما يؤكد تدهور موقع واشنطن في العراق.

وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن وجود القوات الأمريكية في العراق أتى استجابةً لطلب الحكومة العراقية عام 2014 لمساعدتها على التصدي لـ “داعش”، وكان مبنياً على اتفاق وليس على معاهدة رسمية. وما زاد الطين بلة، في هذا الصدد، هو افتقار البرلمان العراقي لسلطة تنفيذ مثل هذه القرارات، الأمر الذي جعل الشارع العراقي يغلي ويعبر عن غضبه في احتجاجات شعبية في أكتوبر 2019 ضغط بها على السياسيين في اتجاه دفعهم إلى تحقيق الاستقرار بتقديم تنازلات سياسية.

يمكن وصف العلاقات الأمريكية – العراقية خلال السنوات القليلة الماضية بأنها متقلّبة، على أحسن تقدير، وقد اتخذت الحكومة العراقية موقفاً أكثر صلابة وتسييساً ضد الولايات المتحدة عقِب القرار الاستراتيجي الذي اتخذته مؤخراً بشأن الوجود الأمريكي؛ غير أن قرار الحكومة العراقية يثير تساؤلات حول ماهية الجهة التي يخدمها حقاً في وقت يُعدّ فيه الوجود العسكري الأمريكي في العراق أمراً ضرورياً لتأمين البلاد أمام احتمالات ظهور تنظيم داعش مجدداً وأمام النفوذ السياسي والعسكري الإيراني المتنامي.

وقد وجهت الولايات المتحدة على إثر هذه التطورات وتزايد المشاعر المعادية لها مواطنيها إلى العودة إلى بلادهم وأقدمت على إخلاء سفارتها. كما فرضت هذه التطورات الأخيرة على واشنطن إعادة النظر في سياسة الخارجية تجاه العراق بصفته كياناً مستقلاً عن العلاقات الأمريكية – الإيرانية المتوترة حالياً في وقت وجد فيه قرار البرلمان العراقي تأييداً قوياً من الأحزاب الشيعية، في حين امتنع عن التصويت عليه أكثر من 150 سنياً وكردياً من إجمالي 328 برلمانياً.

مع هذا، يخشى العديد من الفصائل السياسية سحب المساعدات العسكرية الأمريكية وظهور تنظيم داعش مجدداً، ومن ثم عودة الصراع الذي أنهك العراق لسنوات عديدة.

المجموعات العرقية والمصالح السياسية

تقطن العراق مجموعات متعددة لديها مصلحة سياسية في أنظمة الحكم العراقية الحالية والمستقبلية، بما فيها السنّة والشيعة وغيرهما من الأقليات. وتسبب، على مدى العقود الماضية، الشقاق الطائفي والعرقي العميق في تقويض الهوية الوطنية العراقية.

الأغلبية الشيعية بين إيران والعراق

يتسم العراق بتاريخ طويل من الانقسام المجتمعي والاضطراب السياسي سمح لإيران باستخدام نفوذه وكسب تأييد المجتمع الشيعي العراقي. إضافة إلى هذا، ظل وكلاء إيران يعملون بجرأة واستقلالية استثنائية في العراق؛ ويتضح من خلال هذه الجرأة أن السياسة الإيرانية في العراق تخدم استراتيجية أوسع يُنظَر إليها في طهران على أنها منافسة جيوسياسية هدفها توسيع النفوذ داخل منطقة الشرق الأوسط الكبرى.

ويشكل في هذا السياق القرار البرلماني الأخير منعطفا سجل للمرة الأولى التفاف الأحزاب المدعومة إيرانياً على كلمة واحدة تطالب بإخراج القوات الأمريكية من العراق. كما شكَّل مقتل أبو مهدي المهندس، رئيس أركان الحشد الشعبي، مع قاسم سليماني دافعاً آخراً للمجموعات الشيعية الموالية لإيران لكي ترد بالطريقة التي ردت بها. وتجدر الإشارة، مع هذا، أيضاً إلى أن الشيعة في جنوب العراق ظلوا منذ أواخر 2019 يحتجون بشدة على التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية العراقية.

لقد كان مقتل سليماني نقمةً في باطنها نعمة لإيران، لأنه حوَّل انتباه المحتجين نحو الاحتلال الأمريكي المتصوَّر، غير أن شجب الشيعة العراقيين لإيران يدل على رغبة في الاستقلال الذي يعطيهم بصيصاً من الأمل في مستقبل سياسي أكثر استقلالية للعراق إذا استقر الوضع الحالي.

عوامل التعقيد الداخلية – 1: الإقصاء السياسي للعرب السنّة

شعرت، في الأزمة الأخيرة، الأحزاب العربية السنية في العراق بالتهميش في تصويت البرلمان على إخراج القوات الأجنبية في بداية يناير من هذا العام. وحاول كثيرون حث أعضاء الأحزاب الشيعية على إعادة النظر في موقفهم وإدراك التأثير المدمر الذي سيتعرض له السنّة إذا حدث انسحاب أمريكي كامل من العراق. وأثار، بطبيعة الحال، نواب العرب السنّة مرة أخرى إمكانية تأسيس إقليم سنّي شبه مستقل إذا انتهى الأمر إلى انسحاب القوات الأمريكية، علماً بأن الدستور العراقي يسمح لكلّ محافظة أو أكثر بتشكيل إقليم وفق آليات محددة.

ويتطلب المشهد السياسي العراقي تغييراً جذرياً في ظل تجدد الانقسام الوطني. فقد فشلت الحكومة المركزية، بالنسبة لكثيرين من أعضائها، في أداء مهمتها الرئيسية المتمثلة في توحيد الشعب العراقي وخدمته بغض النظر عن معتقداته وانتماءاته. وعبّر عدد متزايد من النواب العرب السنّة عن مخاوفه تداعيات انسحاب القوات الأمريكية من العراق، لأن مدنهم وبلداتهم الأصلية تشهد عودة تنظيم داعش، حيث وقعت في مدينة القائم –  على سبيل المثال – حوادث خطف واعتداء. كما يخشى السنّة احتمال هيمنت النفوذ الإيراني على البلاد إذا انسحبت منها القوات الأجنبية الأخرى.

كانت المشاعر السائدة بين العرب السنّة تجاه قاسم سليماني مشاعر عدائية بالطبع، لدرجة أن كثيرين منهم هتفوا للأمريكيين استحساناً لمقتله؛ ويمكن أن يُعزى غضب العرب السنّة المتفاقم تجاه إيران ومخاوفهم من هيمنتها إلى عدة عوامل:

  • أولاً: إقصاء العرب السنّة من المؤسسات السياسية والعسكرية الرئيسية في البلاد بسبب وكلاء إيران، وتزايد الهيمنة الشيعية في حقبة ما بعد صدام حسين، فلم يبق أمامهم خيار سوى المقاومة، الأمر الذي أدى في النهاية إلى نشوء تنظيم القاعدة ثم وجود تنظيم داعش لاحقاً.
  • ثانيًا: وسط تصاعد الفوضى الطائفية والتطرف، بقي العرب السنّة مبعَدين ومستضعفين في ظل فراغ سياسي وعدم وجود قوات عسكرية مركزية، ما دفع الولايات المتحدة لاحقاً إلى وضعهم تحت حمايتها في خطوة وصفها القادة الشيعة بأنها استرضاء. ورغم إعادة دمج السنّة في البرلمان والجيش بعد سنوات، فإنهم ما زالوا عُرضة لمخاطر التمييز تحت كل إدارة منتخبة يهيمن عليها الشيعة.

لقد كافح العرب السنّة في العراق من أجل إيجاد آلية سياسية مناسبة للتعبير عن تحفظاتهم تجاه إيران بطريقة تقود إلى حوار سياسي، وحتى في الاحتجاجات الحالية في العراق، ظل دور العرب السنّة هامشياً نوعاً ما بسبب الخوف من الأعمال الانتقامية وغير ذلك من العواقب، لأنهم كثيراً ما وُضعوا في كفةٍ واحدة مع مقاتلي تنظيم داعش وعاملتهم الأغلبية الشيعية على هذا الأساس.

ففي محافظة الأنبار، عبّر العرب السنة بطريقة حذرة عن مخاوفهم من انسحاب القوات الأمريكية، لأن مدنهم وبلداتهم أصبحت أكثر عرضة للتهديدات التي ظهرت مجدداً. كما أبدوا تأييداً متردداً للاحتجاجات الأخيرة في العراق من دون أن يشاركوا فيها بفعالية، وذلك تجنباً لأي اتهام لهم بالخيانة أو بالتآمر مع قوى أجنبية. ورحّب العرب السنّة بمقترح إنشاء إقليم عربي سني مستقل لأنهم واعون بما يتمتّع به الإقليم الكردي من استقرار ورخاء.

لقد ظل العرب السنة – عموماً – محاصرين بالوصم الطائفي وسط احتكار سياسي مدعوم من إيران، وكثيراً ما كان لهذا الوضع تأثير خطير على صلاح معيشتهم. وما زال على السكان العرب السنة في العراق بناء مستقبل أكثر استقرارًا لأنفسهم، ولكن من المؤكد أنهم سيكونون في موقع ضعف في غياب المظلة الأمريكية.

عوامل التعقيد الداخلية – 2: الأكراد ضد تنظيم داعش في مثلث للتهديدات

تميزت، تاريخياً، العلاقات الأمريكية – الكردية بروابط تعاون متينة مع بعض الاستثناءات التي كدّرت صفوها في سبعينيات القرن العشرين عندما موّلت الولايات المتحدة قوات البيشمركة، ودعمت الأكراد في حقبة ما بعد صدام حسين في نضالهم من أجل الحكم الذاتي لم تعطهم التزاماً واضحاً بتحقيق استقلالهم. ونتيجة لهذا، من المهم ملاحظة أن نهج الولايات المتحدة المتغيِّر ودعمها المشروط يفسران فتور ثقة الأكراد العراقيين في الأمريكيين.

ونظراً إلى الوضع السياسي الراهن في العراق وبوادر ظهور تنظيم داعش وسعي إيران وتركيا إلى إفشال أي تحركات لاستقلال الأكراد، لا يستطيع أكراد العراق تحمُّل انسحاب القوات الأمريكية؛ وفي ظل هذه المحددات وجد نواب البرلمان الأكراد أنفسهم في ورطة عندما حثوا زملاءهم العرب السنة على عدم التصويت على سحب القوات الأجنبية، وتأكيد مسعود برزاني– رئيس إقليم كردستان العراق – في الوقت ذاته على أن الأكراد هم صناع سلام ووسطاء بين بغداد وواشنطن.

ويبدو أن موقف أكراد العراق الذي يحاول الموازنة بين موقف الانحياز وعدم الانحياز – في الوقت نفسه – يعقد وضعهم ومن شأنه أن يقوض طموحاتهم في تحقيق الاستقلال؛ وينبغي بناءً على هذا أن يتخذ الأكراد موقفاً جيوسياسياً غير حزبي في المنطقة، وإن كان كل من الولايات المتحدة وإيران يضغطان لكي ينحازوا إلى طرف.

بدأ أكراد العراق يتعافون من القتال المدمر مع تنظيم داعش، وسيتعرضون للخطر إذا انسحبت القوات الأمريكية. وعلى الرغم من اعتماد حكومة إقليم كردستان العراق على نفسها، فإن مواطني الإقليم لا يستطيعون الصمود بمفردهم أمام تنظيم داعش إذا عاد مجدداً. إضافة إلى هذا، اعتمد أكراد العراق على الدعم الدبلوماسي والعسكري الأمريكي. ورغم أن تركيا تتمتع بعلاقات اقتصادية جيدة مع حكومة كردستان العراق، فإنها تظل حذرة في تحركاتها السياسية، لأنها، وإيران كذلك، تنظر إلى انفصالية أكراد العراق على أنها محفز محتمل للأقليات الكردية الأخرى في المنطقة ومهدد للدول التي تقطن فيها أقلية كردية.

وبعد أن نقلت الولايات المتحدة قواتها إلى مناطق أخرى في العراق وغيره من الدول، تتخوف تركيا وإيران من تعزيز علاقات أكراد العراق مع الولايات المتحدة. وقد فسّر كثيرون الهجمات الأخيرة التي تمت برعاية إيرانية على القواعد الأمريكية في كركوك وبالقرب من مطار أربيل الدولي على أنها رسالة موجهة إلى الأكراد وليس إلى الأمريكيين.  وهذه ليست سياسة إيرانية جديدة، لأن إيران تدخلت في السياسة الداخلية لحكومة كردستان العراق سراً في الماضي. ولا شك في أن العلاقات الجيدة بين أربيل وواشنطن تعطي مصداقية وشرعية لأكراد العراق، وربما تتيح لهم فرصة مستقبلية لتحقيق شبه استقلال حقيقي عن العراق في مرحلةٍ ما.

أدت تداعيات الاستفتاء الكردي الذي جرى في عام 2017، وقضت المحكمة العليا العراقية ببطلانه، إلى إقدام القوات العراقية المدعومة إيرانياً على الاستيلاء على كركوك والسيطرة على مصدر الإيرادات الرئيسي الذي تعتمد عليه حكومة إقليم كردستان العراق. إضافة إلى ذلك، ناقش البرلمان العراقي إدخال إصلاحات دستورية في عام 2019، ما جعل الأكراد يفكرون في مستقبلهم. لذلك لم يتوصل أكراد العراق حتى الآن إلى أرضية ثابتة داخلياً وخارجياً، ومن المتوقع أن يتعرض استقلال الأكراد إلى المزيد من التهديدات إذا توقفت عنهم المساعدات والحماية الأمريكية.

تأثير أزمة كوفيد-19

في ظل الأزمة السياسية الحالية والاحتجاجات المناوئة لإيران في العراق، أدى وباء “كوفيد-19” إلى تفاقم الوضع. وعلى الرغم من معاناة النظام الإيراني من الوباء ووفاة العديد من قادته الرئيسيين بسببه، من بينهم نائبان للرئيس وأحد كبار مستشاري المرشد الأعلى، فقد أظهر العدوان الأخير على القواعد الأمريكية أن الأزمة الصحية لن توقف سعي إيران لتحقيق أهدافها في العراق. ويمكن النظر إلى الهجمات الإيرانية المتهورة على أنها محاولة لصرف الانتباه عن الانقسام السياسي والاضطرابات الاجتماعية في إيران.

ربما تجد إيران ووكلاؤها أن من الأفضل إعادة النظر في نهجهم العدواني تجاه الولايات المتحدة، بعد أن أصاب وباء “كوفيد-19” الاقتصاد الإيراني المتعثِّر وقطاع الرعاية الصحية بالشلل. ولكن إذا قررت إيران تقليل تدخلاتها في العراق، فلا يوجد ما يضمن انصياع وكلائها لقرارها في ظل الأدلة التي تثبت استعداد الشيعة في جنوب العراق لمواصلة أجنداتهم.

وفي العراق نفسه، ثار بعض الخلاف حول مدى انتشار العدوى بوباء “كوفيد-19” وعدد الوفيات بين السكان. ففي حين أكدت حكومة بغداد على وجود 772 حالة إصابة بالفيروس، تشير مصادر دولية أخرى إلى أن العدد الحقيقي يتراوح بين 3 إلى 9 آلاف. وقد تلقّت الحكومة العراقية مساعدات من دول عديدة، بما فيها المساعدات الصينية لبناء معمل (تفاعل البوليمراز التسلسلي PCR) جديد في بغداد وتجهيزه بالمعدّات المخبرية اللازمة التي تمكنه من إجراء نحو ألف عملية كشف عن العدوى في اليوم.

وفي ما يتعلق بالقوات الأجنبية، يوجد حالياً أكثر من ألفيْ جندي أوربّي في العراق يمثلون جزءاً من التحالف العالمي الذي تم تشكيله في عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش. ورغم أن بعض الحكومات الأوربية فكّرت جدياً في سحب قواتها بسبب الاضطرابات الأخيرة، ألحّت حكومات أوربية أخرى على الحكومة العراقية أن تسمح لقواتها بالبقاء في العراق. كما أطلق، إضافة إلى هذا، أعضاء التحالف دعوة جماعية للتهدئة وحاولوا استخدام نفوذهم الدبلوماسي لتحقيق هذا الهدف، غير أن تفشي وباء “كوفيد-19” دفع بعضهم إلى تقليص أنشطتهم في العراق وسحب قواتهم منه مؤقتاً.

الخاتمة

لقد أثبت القرار العراقي القاضي بإخراج القوات الأمريكية وغيرها من القوات الأجنبية حق العراق في امتلاك سيادته، غير أنه كشف أيضا الكثير عن الحكومات المفكّكة التي تخشى أن يغّذي مثل هذا القرار النزعة القومية ويهدد بفتح باب الانقسامات الطائفية والعرقية مرة أخرى.

وفي الوقت الذي تعيد فيه القوات الأمريكية انتشارها من بعض القواعد العسكرية الصغيرة المهمة وتسعى قوات التحالف إلى تقليل وجودها، ظل تنظيم داعش يعيد تجميع صفوفه بكل نشاط، ولم يظهر أي مؤشر على انصراف إيران عن سعيها لتعظيم نفوذها في العراق على حساب الولايات المتحدة وحلفائها.

ومع تزايد عدد الإصابات بفيروس كورونا في العراق، تواجه الحكومة العراقية تهديداً حقيقياً ربما يفاقم حالة عدم الاستقرار السائدة أصلاً. وإضافة إلى المعضلات السياسية، يواجه العراق مشاكل اجتماعية-اقتصادية متزايدة لا بد من معالجتها. وفوق ذلك، ربما تسعى المجموعات المهمّشة، مثل الأكراد والعرب السنّة، إلى النأي عن السلطة المركزية في بغداد. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الولايات المتحدة تفتقر إلى أي استراتيجية في الوقت الراهن، وتبدو كأنها غافلة عن المخاطر التي ستحيق بالعراق، ومن ثم بالمنطقة كلها، جراء انسحابها.

إذا أُريد الخروج من عدم الاستقرار السياسي الحالي في العراق، ينبغي على الحكومة العراقية أن تُجهِّز نفسها للصدمة اللاحقة التي يخلفها هذا الوباء العالمي الساحق وأن تخفف من ضغط المطالبة الحالية بسحب القوات الأمريكية.

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 2

No votes so far! Be the first to rate this post.

صراع

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.