اشترك الآن في "تريندز للمعرفة"

تريندز للمعرفة محتوى معرفي ثقافي شامل، يقدم رسائل يومية عبر الواتساب تتناول أبرز الابتكارات والمعارف والعلوم والكتب الحديثة إضافة الى إصدارات ودراسات المركز / كما يقدم متابعات حول أبرز التطورات الإقليمية والعالمية

اشترك الآن

من نحن

البرامج البحثية

الإصدارات

الفعاليات

الخبراء

المركز الإعلامي

الخدمات الإلكترونية

البارومتر العالمي

اتصل بنا

English

29 أبريل 2020

تعليق الولايات المتحدة تمويل منظمة الصحة العالمية: التداعيات على جهود مواجهة وباء “كوفيد-19”

د. أشرف سعد العيسوي

في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات لتعزيز التعاون الدولي لمواجهة وباء كورونا المستجد”كوفيد-19″، فإن قرار الولايات المتحدة الأمريكية تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية يمثل ضربة لهذه الجهود، ليس فقط لأن هذه الخطوة تأتي في وقت تحتاج فيه المنظمة إلى الدعم للاضطلاع بدورها في مواجهة هذا الوباء، وإنما أيضاً لأنها تزامنت مع الاتهامات المتبادلة بين واشنطن وبكين في شأن المسؤولية عن انتشار هذا الفيروس، ومحاولة إقحام المنظمة في هذا الجدل، وما يعنيه ذلك من خطورة  “تسييس” الأزمات الصحية على حساب جهود التعاون الدولي في هذا الشأن.

وفي هذا السياق، تبحث هذه الورقة في الأبعاد المحيطة بقرار الولايات المتحدة تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية، وتحاول تفسير الأسباب والعوامل الكامنة خلق هذا القرار، وتأثيراته المحتملة على دور منظمة الصحة العالمية في التصدي لجائحة وباء كورونا، كما تركز على توضيح أبعاد ومخاطر “تسييس” الأوبئة والأزمات الصحية بوجه عام، وتبحث في مسارات التعاون الدولي في مواجهة وباء كورونا بعد القرار الأمريكي وتأثيراته المختلفة على جهود التعاون الدولي في التعامل مع هذا الوباء واحتواء تداعياته المختلفة.

الأبعاد المحيطة بقرار الولايات المتحدة تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية

أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2020، خلال مؤتمره الصحفي اليومي في البيت الأبيض حول فيروس كورونا المستجد، أنه أمر بتعليق المساهمة المالية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى منظمة الصحة العالمية، وقدم العديد من المبررات لهذا القرار، من بينها: “سوء إدارة المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، لأزمة تفشي فيروس كورونا المستجد”، واتهامها أيضاً بـتقديم معلومات خاطئة حول “كيفية انتقال العدوى والوفيات” الناجمة عن الوباء، فضلاً عن “إخفاقها في القيام بواجبها الأساسي في مواجهة هذا الوباء، وأن محاسبتها واجبة” على حد قوله[1].

وقد قوبل هذا القرار بتنديد دولي واسع، إذ رأى الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو جوتيريش، أنّ “هذا ليس وقت خفض موارد منظّمة أممية منخرطة في الحرب ضدّ وباء كوفيد-19”. ودافع مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أيضاً عن المنظمة قائلا: “إنّ وقف تفشي الوباء كان محطّ تركيزها”، وحذر كذلك من أن “فيروس كورونا المستجد قد يستغل انقسام العالم ليوسع من انتشاره، وأن المنظمة تحصل على معلومات باستمرار عن الفيروس وتشاركها مع بقية دول العالم”. كما اعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية زهاو ليجيان أن القرار الأمريكي “سيقوّض التعاون الدولي” في مكافحة الفيروس. وذكر من جانبه، جوزيب بوريل، مفوض الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، أنه لا يوجد مبرر للخطوة الأمريكية، لأن الحاجة للمنظمة أكبر من أي وقت مضى[2].

تنطوي هذه المواقف الدولية الرافضة لقرار تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية على تحذير واضح من تداعيات الخطوة الأمريكية ليس فقط على أداء المنظمة التي تقود الجهود الدولية لمواجهة هذا الوباء، وإنما على التعاون الدولي بوجه عام، خاصة أن هذا القرار جاء استناداً إلى ما تعتقده إدارة الرئيس ترامب تحيزاً من جانب المنظمة للصين، وتجاهلها للكثير من المعلومات التي كان يمكن أن تسهم في مواجهة هذا الوباء منذ وقت مبكر، واحتواء التداعيات السلبية الناجمة عنه على جميع دول العالم.

تعليق الولايات المتحدة تمويل منظمة الصحة العالمية

ماذا وراء القرار الأمريكي تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية؟

رغم أن قرار تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية تضمن الأسباب الظاهرية التي تقف ورائه والمرتبطة إجمالاً بأداء المنظمة وطريقة إدارتها لوباء كورونا المستجد، إلا أن هناك عوامل ومعطيات تفسر هذا القرار، لعل أبرزها:

  1. الانسحاب من المعاهدات والاتفاقيات الدولية: يُرجح عدد من الخبراء أن اتخاذ هذا القرار ينسجم مع التوجه العام لإدارة ترامب الخاص بالانسحاب من المعاهدات والاتفاقيات الدولية منذ توليه الرئاسة في يناير عام 2017، حيث انسحبت واشنطن من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، والتي تضم أستراليا، وبروناي، وكندا، وشيلي، واليابان، وماليزيا، والمكسيك، ونيوزيلندا، وبيرو، وسنغافورة، وفيتنام، واتفاقية باريس للمناخ.

كما انسحبت من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”، في أكتوبر 2017 بعد اتهامها بالانحياز لفلسطين على حساب إسرائيل، وانسحبت من مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع للمنظمة الأممية، لرفض الإدارة الأمريكية سياساتهما تجاه إسرائيل، وكذلك أوقفت تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وانسحبت في فبراير من العام 2019 من معاهدة الحد من انتشار الصواريخ النووية المتوسطة التي تم توقيعها مع الاتحاد السوفيتي”السابق” إبان حقبة الحرب الباردة[3].

وتشير جميع هذه الانسحاب من المنظمات الأممية، والاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف إلى أن الأمر أصبح ملمحاً عاماً للسياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة ترامب، ولا ينفصل في الوقت ذاته عن شعار “أمريكا أولًا” الذي يرفعه الرئيس ترامب، ويرى بمقتضاه أن هذه المنظمات والاتفاقيات التي انسحب منها لا تتفق مع مصالح الولايات المتحدة، أو تتخذ مواقف تتعارض مع أولويات سياستها الخارجية[4].

ويَنسحب هذا التوجه على منظمة الصحة العالمية بشكل رئيسي التي لم تنجح وفقاً لإدارة ترامب في إدارة أزمة وباء كورونا المستجد، ولم تُبادر إلى معرفة حقيقة انتشار الوباء في الصين، وأن خبراءها لم يتمكنوا من السفر إلى ووهان الصينية لدراسة انتشار فيروس كورونا المستجد حتى 12 فبراير 2020، وكانت تعتمد بشكل رئيسي على بيانات بكين الرسمية[5].

  1. التهرب من مسؤولية تفشي الوباء: هناك من يرى أن قرار إدارة ترامب وقف تمويل منظمة الصحة العالمية، واتهامها بالتقصير في مواجهة وباء كورونا المستجد ليس سوى محاولة للتهرب والنأي بالمسؤولية عما وصلت إليه أوضاع وباء كورونا المستجد في الولايات المتحدة التي تأتي في مقدمة دول العالم من حيث أعداد الوفيات والمصابين؛ خاصة أن العديد من وسائل الإعلام الأمريكية بدأت توجه انتقادات شديدة اللهجة لإدارة ترامب، واتهامها بالتقصير في مواجهة الوباء، وتجاهل التقييمات الاستخباراتية التي صدرت منذ وقت مبكر في هذا الشأن، وكانت تشير إلى أن جائحة كورونا قادمة إلى الولايات المتحدة.

وقد أفادت تقارير صحفية في كل من صحيفتي “واشنطن بوست”، و”نيويورك تايمز” أن كبار مستشاري الرئيس ترامب قد حذروه من تفشي وباء كورونا في أواخر شهر يناير 2020، والذي يمكن أن يقتل مئات الآلاف من الأمريكيين، لكنه قلل من خطورة هذا الأمر، بل أنه صرح في بداية شهر مارس 2020 أن كورونا المستجد لا يشكل أي قلق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية[6].

كما يخشى ترامب، في هذا السياق، من أن تؤثر الأزمة الراهنة على فرص انتخابه لولاية ثانية خلال  الرئاسية التي ستقام في نوفمبر 2020، خاصة مع تصعيد الديمقراطيين لانتقاداتهم لإدارته؛ فجو بايدن، مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، قد زاد من انتقاداته لترامب، لما وصفه بـ “الأخطاء الكارثية التي ارتكبها في التعامل مع الأزمة منذ بدايتها وفشله في التخطيط والإعداد، وامتد ذلك إلى تقييم الأزمة والتعامل مع هذا الخطر الذي هدد الأمة الأمريكية، وهو ما قاد إلى نتائج كارثية”.

ووجهت رئيسة مجلس النواب الأمريكي، الديمقراطية نانسي بيلوسي، بدورها انتقادات حادة لترامب بعد إعلانه العزم على رفع بعض القيود المفروضة للتصدي لتفشي فيروس كورونا المستجد قائلة: “إن تعامل ترامب مع تفشي وباء كورونا لا يحترم العلم والحقائق”[7]؛ ولهذا يريد ترامب أن يلقي باللائمة على منظمة الصحة العالمية، وتحميلها مسؤولية انتشار الوباء بهذه الصورة في دول العالم، كما حمَل ترامب إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، مسؤولية ضعف المنظومة الصحية في الولايات المتحدة، وعجزها عن التعامل بشكل أكثر فعالية مع وباء كورونا المستجد.

  1. توتر العلاقات مع الصين: تذهب العديد من التقديرات إلى أن تعليق إدارة ترامب التمويل لمنظمة الصحة العالمية لا ينفصل عن توتر العلاقات مع الصين، والخلافات المتصاعدة معها في شأن المسؤولية عن انتشار فيروس كورونا، وكيفية مواجهته، وتتماشى هذه الخطوة مع مواقفه السابقة حينما وصف هذا الفيروس في أكثر من مناسبة خلال مؤتمراته الصحفية في البيت الأبيض بـ”الفيروس الصيني”[8] ما أثار غضب الصين التي ردت على تصريحات ترامب، بأنها شاركت المعلومات المهمة حول هذا الوباء مع الولايات المتحدة منذ الثالث من يناير 2020، لكن الولايات المتحدة لم تحذر مواطنيها إلا بعد مرور 12 يوما[9].

وهناك من يرى، في الوقت ذاته، أن الولايات المتحدة تريد أن تتحمل الصين النسبة الأكبر في تمويل منظمة الصحة العالمية، إذ أنها تدفع فقط 86 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية ومبلغ صغير بحجم عشرة ملايين دولار كمساهمة تطوعية، بينما تعد الولايات المتحدة أكبر المساهمين في تمويل المنظمة، حيث تقدم مساهمة إلزامية بنحو 235 مليون دولار، ونحو 200 مليون كمساهمات تطوعية لتمثل نحو 10% من ميزانية منظمة الصحة العالمية، وهذا الفارق ربما أثار غضب الرئيس ترامب، وكان وراء انتقاداته وتهديداته المتكررة بتقليص تمويل المنظمة[10].

كيف سيؤثر القرار الأمريكي على عمل منظمة الصحة العالمية؟

لا شك أن قرار إدارة ترامب بوقف تمويل منظمة الصحة العالمية في هذا التوقيت سيؤثر على دورها في التصدي لجائحة وباء كورونا، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الولايات المتحدة – كما سبق الإشارة – تأتي في صدارة المساهمين في تمويل المنظمة، التي تبلغ ميزانيتها للعام الجاري 2020 نحو  4.4 مليار دولار، وهي في كل الأحوال ميزانية ضئيلة جداً لا تتناسب مع حجم ما تقوم به من مهام متعددة في مجال الصحة العالمية.

لكن هناك من يقلل من أثر الخطوة الأمريكية على أنشطة المنظمة في الفترة المقبلة، لأن مصادر تمويل المنظمة متعددة، ولا تقتصر فقط على المساهمات الإلزامية للدول الأعضاء التي يتم تجديدها بشكل سنوي وتمثل 20% من ميزانياتها العامة، وإنما تتضمن أيضاً مساهمات من القطاع الخاص ومنظمات غير حكومية، والتي تصل نحو 80% من الميزانية .

كما كشفت تقارير أمريكية، قبل أن توقف الولايات المتحدة تمويلها للمنظمة في شهر أبريل 2020، أنها كانت تخطط لتخفيض نسبة مساهماتها في منظمة الصحة العالمية، وأنها ضغطت من أجل خفض تبرعاتها إلى النصف في ميزانية العام 2020. أما قائمة الأطراف الأخرى الأكثر تمويلاً للمنظمة، فتضم كل من بريطانيا بنسبة 7.79% من ميزانية منظمة الصحة العالمية وألمانيا 5.68%، في حين توفر المفوضية الأوروبية 3.3%، وتغطي اليابان 2.76%، وفقا لميزانية المنظمة 2018-2019.

وتأتي مؤسسة بيل وميليندا جيتس، ثاني أكبر مساهم في منظمة الصحة العالمية، حيث تدفع نحو 531 مليون دولار، والثالث هي مؤسسة التحالف العالمي للقاحات والتحصين، وهي شراكة صحية عالمية بين القطاعين العام والخاص تركز على زيادة التحصينات للبلدان الفقيرة، (تبرعت مؤسسة غيتس بـ 1.56 مليار دولار إلى التحالف العالمي للقاحات والتحصين بين 2016-2020)، فيما يمنح التحالف العالمي للقاحات والتحصين أكثر من 370 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية، حيث يذهب نحو 72.36% من تمويله نحو اللقاحات والأمراض التي يمكن الوقاية منها[11].

من الواضح أن منظمة الصحة العالمية تعاني نقصاً كبيراً في التمويل، وقد أقرت بذلك صراحة في العديد من المناسبات، حتى أنها طالبت بزيادة ميزانيتها السنوية، كي تستطيع مواجهة وباء كورونا المستجد الذي أصبح يحتل العبء الأكبر، ويستحوذ على الإنفاق الرئيسي من ميزانيتها في تقديم المساعدات للدول التي لا تمتلك أنظمة صحية متطورة؛ هذا فضلاً عن برامج المنظمة الرئيسية الأخرى، والتي تتنوع ما بين تقديم الرعاية الصحية لنحو مليار إنسان في مختلف بقاع العالم، وتوفير خدمات الرعاية الطارئة لمليار آخر، وبرامج التوعية حول أحدث التطورات للأوبئة والأمراض المختلفة وما قد تشكله من مخاطر مثلما فعلت إبّان تفشي أوبئة إيبولا، وسارس، وشلل الأطفال.

وتقدم الكثير من البرامج للتطعيم في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية ومكافحة أوبئة منتشرة منذ عقود، علاوة على دعم الأنظمة الصحية في دول فقيرة عبر ميزانية ضعيفة[12]. ورغم جائحة كورونا التي تعد أكبر تحدي يواجه منظمة الصحة العالمية منذ عقود، فإن ميزانيتها المتوقعة للعام المالي 2020-2021 هي 4.8 مليار دولار، وذلك حسب البيانات المعلنة على موقعها الرسمي[13].

ولا شك أن مشكلة ضعف التمويل التي تواجهها المنظمة في الوقت الراهن تقف وراء الانتقادات التي توجه إليها، وتتهمها تارة بالقصور، وتارة أخرى بالانحياز لمواقف بعض الدول، بل أن دعوات صدرت في أوقات سابقة طالبت بإلغائها وتأسيس منظمة دولية جديدة لتولى مهامها لكن الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” رفض الأمر ودعم استمرار منظمة الصحة العالمية [14].

المرجح بناء على التطورات والمعطيات السابقة أن منظمة الصحة العالمية التي تدير الجهود العالمية لمواجهة وباء كورونا تواجه أزمة غير مسبوقة لا ترتبط فقط بمشكلة التمويل، وإنما أيضاً، وربما الأخطر بالتشكيك في طبيعة دورها القيادي لشؤون الصحة العالمية، صحيح أنها تعرضت في السابق لانتقادات طالت كل جوانب عملها ومدريها  العامون، وتعدد مهامها، وعدم شفافية ميزانياتها، لكن الأزمة الحالية تعد الأخطر لأنها ترتبط بوباء عالمي تتضاعف معدلات الإصابات والوفيات الناتجة عنه بصورة مزعجة، وغير مسبوقة مقارنة بالأوبئة التي حدثت في العقدين الماضيين.

كورونا.. مخاطر “تسييس” الأوبئة

في الوقت الذي يفترض أن تتوحد فيه الجهود الدولية لمواجهة وباء كورونا القاتل، فإن توجه إدارة ترامب إلى تعليق تمويلها منظمة الصحة العالمية، وتصعيد التوتر مع بكين وتبادل الاتهامات معها حول المسؤولية عن تفشي الوباء إنما ينطوي على “تسييس” واضح للأوبئة والأزمات الصحية بوجه عام، وهذا أمر لا يصب في صالح الجهود الرامية إلى احتواء الوباء، والعمل على تخفيف تداعياته المختلفة.

لقد أخذ التوتر بين واشنطن وبكين منحى وصل إلى درجة تهديد الرئيس ترامب خلال مؤتمره الصحفي اليومي في 18 أبريل 2020 للصين بالقول: “أن عليها أن  تتحمل العواقب إذا ثبت أنها مسؤولة عن عمد عن وباء فيروس كورونا”[15]، والخطير في الأمر أن الخلافات حول كيفية إدارة أزمة وباء كورونا لم تعد تقتصر على واشنطن وبكين، وإنما امتدت إلى حلفائهما، ما يعني مزيد من الخلافات بشأن هذه الجائحة، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم يتردد في توجيه انتقادات للصين، بل واتهامها بإخفاء معلومات جوهرية في ما يتعلق بحقيقة منشأ الفيروس لتقترب بذلك من الموقف الأمريكي[16].

الصين بدورها لم تقف مكتوفة الأيدي أمام ما تتعرض له من اتهامات وانتقادات حول كيفية إدارتها لأزمة وباء كورونا، بل تحركت بشكل عاجل لتقديم نفسها على كونها نموذج يحتذى به في إدارة هذه الأزمة، بالنظر لأنها استطاعت في وقت قياسي السيطرة على انتشار الوباء، وبدأت بشكل تدريجي في العودة إلى ممارسة النشاط الاقتصادي.

كما تبنت الصين، في هذا السياق، الدبلوماسية الصحية ليس فقط في الترويج لإدارتها للأزمة، وإنما لنموذجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بوجه عام، في تحول يكشف عن رغبتها في توظيف الأزمة لصالح تعزيز نفوذها في أوروبا، وخاصة في دول مثل إيطاليا، وإسبانيا، والمجر، والعديد من دول أوروبا الشرقية، كانت تنتظر المساعدة من الاتحاد الأوروبي التي تتمتع بعضويته، لكن خاب أملها وجعلها تتجه إلى الصين وروسيا في مساعدتها لمواجهة الأزمة.

وبالفعل سارعت الصين إلى تقديم المساعدات الطبية إلى هذه الدول الأوربية وغيرها كثير من دول العالم في مناطق أخرى، بل وكان لافتاً أنها كتبت على الحاويات التي تنقل هذه المساعدات شعارات ذات معنى سياسي من قبيل “الوحدة تصنع القوة” بالفرنسية والفلمنكية والصينية[17]. كما تلقت إيطاليا تبرعات تضمنت معدات طبية وأجهزة اختبار من الصين، وهو ما قوبل بترحيب كبير تجسد في وسم (grazieCina#( شكرا للصين باللغة الإيطالية، والذي انتشر بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي في إيطاليا[18] في إشارة قوية إلى أنها تسعى بالفعل إلى إثبات أنها القوة الأكثر استعداداً لقيادة الجهود العالمية في مواجهة هذا الوباء، مستغلة في ذلك تراجع الولايات المتحدة عن القيام بدورها القيادي في إدارة هذه الأزمة، لاكتساب نقاط نفوذ جديدة تعزز من مكانتها المستقبلية في النظام الدولي.

محاولات تسييس وباء كورونا  لم تقتصر فقط على انتقادات الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، كفرنسا وبريطانيا، لطريقة إدارة الصين لأزمة وباء كورونا، وإنما امتدت إلى قضايا خلافية أخرى أًقحمت في الأزمة الراهنة، من بينها الصراع في بحر الصين الجنوبي، في ظل ما يثار عن محاولات بكين استغلال انشغال العالم بمواجهة الوباء بتعزيز نفوذها في بحر الصين الجنوبي، حيث قامت في الأسابيع الماضية بإنشاء محطات أبحاث ونشرت طائرات عسكرية خاصة في البحر المتنازع عليه، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى التحفظ على هذه التحركات، حيث دعا بيان صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية الصين إلى التوقف عن تحركاتها في بحر الصين الجنوبي. وكما هو معروف فإن الولايات المتحدة تشكك في حقوق بكين في بحر الصين الجنوبي الذي يعد من بين الممرات المائية الأكثر ازدحاما في العالم ويضم موارد طاقة كبيرة، وفي المقابل فقد اتهمت الصين في شهر مارس الماضي الولايات المتحدة بـ “الاستفزاز” بعدما قالت إن المدمرة “يو إس إس ماك كامبل” أبحرت على مقربة من جزر باراسيل القريبة من بحر الصين دون إذنها [19].

في الوقت ذاته، فإن الدبلوماسية الصحية التي تتبناها الصين في بعض الدول الأوروبية تثير حفيظة فرنسا وبريطانيا، اللتان تذهبان إلى أنها تستهدف تكريس الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، وإظهار تفوق نظامها السياسي والاقتصادي، وإيصال رسالة إلى العالم بأن الأنظمة الغربية فشلت في اختبار أزمة كورونا، وعجزت منظومتها الصحية عن التعامل مع هذا الوباء.

مسارات التعاون الدولي في مواجهة كورونا

لا شك أن قرار إدارة الرئيس ترامب وقف تمويل منظمة الصحة العالمية، وما ارتبط به من محاولات لتسييس “وباء كورونا” على النحو الذي سبق الإشارة إليه، يؤثر بصورة سلبية على جهود التعاون الدولي في التعامل مع هذا الوباء واحتواء تداعياته المختلفة، وخاصة بالنظر إلى الاعتبارات التالية:

  1. تشكيك الولايات المتحدة في طبيعة الدور الذي تقوم به منظمة الصحة العالمية قد يجعل دولاً أخرى لا تلتزم بتعليماتها والإجراءات التي تعلن عنها كخطوات وقائية في التعامل مع الوباء، وخاصة في ما يتعلق بإجراءات رفع القيود الاجتماعية والاقتصادية بسرعة دون الرجوع إليها. ولهذا فقد حذر تادروس ادهانوم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية قبل أيام من قيام الدول برفع القيود الاجتماعية والاقتصادية بسرعة، لأن هذا من شأنه أن يؤدي إلى المخاطرة بوجود وضع أسوأ من الحالي[20]، ومن اللافت أن إدارة الرئيس ترامب تتبنى، في هذا السياق، وجهة النظر الداعية إلى إعادة فتح الاقتصاد على النحو الذي صرح به الرئيس ترامب في مؤتمر خلية الأزمة الأمريكية في العشرين من أبريل 2020 حول مستجدات فيروس كورونا المستجد، من أن إدارته تسعى لتنفيذ خطة إعادة فتح اقتصاد البلاد في أسرع وقت[21].

 

  1. عرقلة الجهود التي تقوم بها المنظمات الدولية التي تستهدف المساعدة في مواجهة وباء كورونا وغيرها من الأزمات الصحية، وليس أدل على ذلك من تحفظ إدارة ترامب على البيان الرئيسي لوزراء الصحة في مجموعة العشرين خلال الاجتماع الافتراضي الذي استضافته السعودية في 19 أبريل 2020، والذي كان يتعهد بتعزيز تفويض منظمة الصحة العالمية في تنسيق الاستجابة لوباء كورونا العالمي، واكتفائهم بدلاً من ذلك بإصدار بيان مختصر يشير إلى أن هناك خلل في الطريقة التي يتعامل بها العالم مع الأوبئة [22]، وذلك في إشارة واضحة إلى أن وباء كورونا بات “مسيساً”، وأحد مصادر الخلافات بين الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية من ناحية والصين من ناحية ثانية.

 

  1. التأثير السلبي على جهود الدبلوماسية الصحية التي تقوم بها منظمة الصحة العالمية والعديد من القوى الدولية والمنظمات الأخرى التي تعمل في مجال الصحة العامة على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة مع حالة الجدل التي صاحبت “تسييس” وباء كورونا كما سبق الإشارة، وليس أدل على ذلك حالة الشكوك جراء التحركات الدبلوماسية التي قامت بها الصين في العديد من الدول الأوروبية، بدعوى أنها تتجاوز الاعتبارات الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية. وهذا ما يفهم من تصريحات جوسيب بوريل، رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بشأن ما أسماه حملة بكين للقوة الناعمة، قائلاً :”إن أوروبا “يجب أن تدرك أن هناك مكوناً جيوسياسياً للأزمة بما في ذلك الصراع من أجل النفوذ من خلال الغزل وسياسة الكرم”[23].

الخاتمة

لا يزال “كوفيد 19” يشكل خطراً كبيراً على المجتمع الدولي بالرغم من تراجع حدة خسائره البشرية في بعض المناطق مثل أوروبا، وهذا الأمر يفرض على المجتمع الدولي تجاوز خلافاته، ولو مؤقتاً، حتى يتم القضاء تماماً على هذا الخطر، وتعزيز الجهود الدولية المشتركة لمواجهته، والتي تقودها منظمة الصحة العالمية. ومع الاعتراف بوجود جوانب قصور في أداء هذه المنظمة العالمية في إدارتها لهذه الأزمة الخطيرة، فإن المطلوب هو تصحيح هذه الجوانب وليس الانسحاب من المنظمة أو عرقلة جهودها، ولاسيما في ضوء ما أظهرته هذه الجائحة من أن الأمن الصحي العالمي يفوق في أهميته الأمن العسكري والاستراتيجي، وأن التعاون الدولي حتمي لمواجهة مثل هذه الأوبئة مستقبلاً.

 

الهوامش

[1]– للاضطلاع على مضمون قرار ترامب، يمكن الرجوع إلى الرابط التالي: https://bbc.in/3eLnZPc

[2]– لمعرفة المزيد من ردود الأفعال حول قرار الولايات المتحدة تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية، يمكن الرجوع إلى الرابط التالي: https://bbc.in/3cwZ3c5

[3]– هشام عبد الخالق، “عدو المعاهدات”.. تاريخ انسحابات ترامب من الاتفاقيات الدولية منذ توليه الرئاسة، موقع مصراوي الإلكتروني، 27 أبريل 2019، من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/2XPVzgF

[4]–  ماذا وراء انسحابات إدارة “ترامب” من الاتفاقات الدولية؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة(أبوظبي)، 5 فبراير 2018، من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/34Uz5g3

[5]– باربارا فيزل، ترامب وعواقب تهديداته ضد منظمة الصحة العالمية، موقع دويتش فيله (ألمانيا)، 15 أبريل 2020، من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/2RRHUSO

[6]– ترامب يرفض الانتقادات حول تجاهل خطورة كورونا، صحيفة البيان (دبي)، 13 أبريل 2020، من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/3apN0Ma

[7]-فيروس كورونا: لماذا نجحت دول وأخفقت أخرى في التصدي للوباء؟، هيئة الإذاعة البريطانية، “بي بي سي”، 19 أبريل 2020، من خلال الرابط التالي: https://bbc.in/2VmTAid

[8] -Peter Beaumont and Sarah Boseley, What does the WHO do, and why has Trump stopped supporting it?, the guardian, 15 Apr 2020, https://bit.ly/2ROpkLj

[9]– دلال العكيلي، كوفيد 19: الوجه الاخر للصراع الأمريكي الصيني، شبكة النبأ المعلوماتية، 16 أبريل 2020 من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/2RMiXry

[10]– باربارا فيزل،  مصدر سبق ذكره

[11] – Barnini Chakraborty ,How the World Health Organization collects its money? Fox News, 18-4-2020, https://fxn.ws/2xN0K6q

[12] – Peter Beaumont and Sarah Boseley,  Ibid.

[13]– للاطلاع على تفاصيل هذه الميزانية، يمكن الرجوع إلى الموقع الرسمي للمنظمة على الرابط التالي: https://bit.ly/3cv8WHa

[14]– فيروس كورونا: ما دور منظمة الصحة العالمية ولماذا أوقف ترامب تمويلها؟، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، 16 أبريل 2020، من خلال الرابط التالي: https://bbc.in/2KkBDKZ

[15]– ترامب يحذر الصين من العواقب إذا كانت مسؤولة عن الوباء، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، 19 أبريل  2020، من خلال الرابط التالي: https://bbc.in/34OUWFT

[16]-ميشال أبونجم، توتر دبلوماسي فرنسي ـ صيني، باريس تلتحق بواشنطن ولندن في انتقاداتها لبكين،  صحيفة الشرق الأوسط(لندن)، 18 أبريل 2020 ،  https://bit.ly/2ymnQRB

[17]– MATTHEW KARNITSCHNIG, China is winning the coronavirus propaganda war, politico, 18/3/2020; https://politi.co/2VjiZcR

[18]– فرناندو دوارت،  فيروس كورونا: كيف أدى إلى اندلاع توترات دبلوماسية في أنحاء العالم؟، هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، 11 أبريل 2020 من خلال الرابط التالي: https://bbc.in/2XQlHbl

[19]-دلال العكيلي، مصدر سبق ذكره.

[20]-منظمة الصحة العالمية تحذر من المخاطرة برفع القيود الاجتماعية والاقتصادية، وكالة أنباء الشرق الأوسط(أ. ش. أ)، 16 أبريل 2020.

[21]– ترامب: نسعى لتنفيذ خطة إعادة فتح اقتصاد البلاد في أسرع وقت، صحيفة الإمارات اليوم(دبي)،   20 أبريل 2020، من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/2RSJhAw

[22] – Patrick Wintour , Fiona Harvey and Peter Beaumont, US scuppers G20 coronavirus statement on strengthening WHO, .the guardian,  20 Apr 2020, https://bit.ly/2xJlyvJ

[23] – لماذا يخشى الغرب “دبلوماسية الكمامات” الصينية؟، موقع الحرة، 28 مارس 2020، من خلال الرابط التالي: https://arbne.ws/2KkhmVZ

 

 

 

 

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.