22 أكتوبر 2020

صراعات جماعة الإخوان المسلمين الداخلية في الإعلام الرقمي

د. باسل بشير

إن أكثر ما أثار الجدل داخل قواعد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وفي أوساط الرأي العام العربي والدولي، ولا سيما منذ نهاية عام 2013، أي بعد انتهاء حكم الجماعة في مصر (2012-2013)، ذلك التقاطع الأيديولوجي الواضح والصريح في طبيعة وأهدافه الخطاب الاتصالي والإعلامي للجماعة بين ما كان عليه قبل توليها الحكم في مصر كخطاب مركزي موحد الأهداف والوظائف، وبين نظيره بعد ذلك العام وحتى الوقت الراهن، والذي تغلب عليه الطبيعة الانقسامية والصراعية.

ويكتسب هذا الجدل أهمية كبيرة بالنظر إلى حقيقة أن الجماعة تعد الأوفر حظاً بين جميع التنظيمات والجماعات الدينية المتشددة الأخرى من حيث امتلاكها لماكينة إعلامية ضخمة في عالم الاتصال الرقمي، لا سيما منذ مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي دفع قادة الجماعة إلى مضاعفة جهودهم وتوجيهاتهم للقائمين على عملية الاتصال.

لقد عملت الجماعة على توظيف الماكينة الإعلامية الرقمية بهدف تعزيز نفوذها الأيديولوجي والسياسي والبراغماتي للجماعة، ولا سيما بعد امتلاكها قنوات فضائية مثل: مكملين، الشرق، الوطن، الحوار، وتلقيها دعماً كبيراً من قبل قناة الجزيرة القطرية، إضافة إلى قنوات اليوتيوب العديدة ووسائل التواصل الاجتماعي الرقمية الأخرى.

وقد أحدثت وسائل الاتصال الإعلامية للجماعة، قدراً كبيراً من التأثير في المتلقين على غرار ما حدث مع الناخبين المصريين في انتخابات الرئاسة عام 2012، غير أن المشهد الاتصالي والإعلامي الرقمي خلال عام 2013، وما بعده عبَّر بكل وضوح عن سمات هذا المشهد الانقسامي، بكل مكنوناته وأهداف أيديولوجيته وأساليب الدعاية السياسية التي استخدمها القائمون على الاتصال.

وتجسدت هذه الأساليب الانقسامية بوضوح بانتقال هؤلاء من غرف التحرير ذات السياسة التحريرية والأيديولوجية المركزية الواحدة إلى غرف عديدة ذات سياسات تحريرية، كل منها مستقلة عن الأخرى في الفلسفة والاتجاه، الأمر الذي أوجد حالة من الخلاف أفرزت صراعات بين قيادات الجماعة خاصة بعد سقوط حكم الجماعة في يوليو عام 2013.

منعطف مهم في الخطاب الاتصالي والإعلامي للإخوان

ظل الخطاب الاتصالي لجماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام 1928 وحتى صدور صحيفة الحرية والعدالة الناطقة باسم الجماعة (2011-2013) يخضع لقرار المرشد وتعليماته بشكل صارم، غير أن المنعطف التاريخي الذي حدث بعد عام حكم الجماعة، كان هو الفيصل الذي أثر تأثيراً سلبياً كبيراً في نسق الفلسفة الإعلامية والاتصالية الأيديولوجية للجماعة من جهة، ومركزية دور المرشد العام في توجيه وسائل الإعلام والخطاب الاتصالي للجماعة من جهة ثانية وذلك لأسباب عديدة.

أبرز هذه الأسباب، انهيار الشعارات التي كان يرددها قادة الجماعة عبر وسائل اتصالهم التقليدية والرقمية على أرض الواقع الميداني للحكم، كالعدالة الاجتماعية وسلمية الدعوة والإسلام هو الحل ونحو ذلك، وصولاً إلى وعود تحقيق أستاذية الإسلام وحاكميته للعالم، إذ لم يستطع "الإخوان" ترجمة أي من هذه الشعارات على أرض الواقع عندما تولوا الحكم، وهو ما أوضحه إريك تراغر، زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في كتابه الذي حمل عنوان: "كيف ربح الإخوان المسلمون مصر وخسروها في 891 يوماً"[1].

ويخلص تراغر، إلى أن إخفاق الجماعة في الحكم كشف عجزها عن تنفيذ برامجها الانتخابية الأيديولوجية ووعودها للجماهير قبل الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2011، موضحاً أن فوز الجماعة بهذه الانتخابات، يرجع إلى كونها كانت الأكثر تنظيماً آنذاك، وليس لأنها كانت تحظى بشعبية كبيرة أو كانت من "الأحزاب الرئيسية الكبرى" كما اعتقد الكثيرون[2].

ويضيف تراغر قائلا: كان هدف "الإخوان" هو الترويج لأيديولوجياتهم "كمفهوم شامل" من شأنه أن يملي كل جانب من جوانب الحياة، وكان هدف الجماعة النهائي هو بسط نفوذها في جميع أنحاء العالم بهدف إنشاء "دولة إسلامية عالمية"، غير أن هذه الرؤية افتقدت الكفاءة السياسية، ولم تكن سوى برنامجا الهدف منه الوصول إلى السلطة فقط[3].

واقع الأمر، أن فرضية نشوب صراعات أيديولوجية وسياسية بين قيادات الجماعة من خلال وسائل الإعلام الرقمي لها ما يبررها بعد فشل الجماعة في تجربة الحكم، حيث تشتت الخطاب الاتصالي والإعلامي الذي كان مركزياً بدرجة صارمة إلى ثلاثة خطابات ذات مركزيات تابعة إلى ثلاث قيادات إخوانية تحظى كل منها بمنظومة إعلام رقمية خاصة بها تتصارع في ما بينها؛ وتتمثل في تنظيم مصر، وتنظيم تركيا – قطر، والتنظيم الدولي في لندن.

وقد تجاوز بعض هذه الخطابات ما كان يُعد، بالأمس القريب، من الخطوط الحمراء. كما ظهر في مطالبة بعض قيادات الصفوف الأولى في مكتب الإرشاد ومجلس الشورى بضرورة حل الجماعة كلياً كما جاء في شهادة القيادي البارز المخضرم د. كمال الهلباوي بعد إعلان استقالته من جماعة الإخوان المسلمين من قناة تلفزيونية على الهواء مباشرة في مارس عام 2012[4].

مظاهر الصراع بين عناصر "الإخوان" في الإعلام الرقمي

اتخذ الصراع بين عناصر"الإخوان" في الإعلام الرقمي مظاهر عديدة تمحورت حول توجيه الاتهامات إلى قيادات الجماعة بالمسؤولية عن الفشل في عدد من الموضوعات والقضايا، وهو ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:

1-عدم كفاءة القيادة وسوء إدارتها للجماعة

اتهمت بعض عناصر "الإخوان" قيادات الجماعة بعدم الكفاءة وسوء إدارتها، حيث دأب عصام تليمة الذي كان مدير مكتب يوسف القرضاوي لمدة 6 أعوام، وشغل عضوية مجلس شورى الجماعة، لسنوات عديدة على كشف سوء إدارة قيادة الجماعة في مكتب الإرشاد ومجلس الشورى، متهماً أعضاء المكتبين خلال أحاديث على قناته على موقع "يوتيوب" بأنهم غير جديرين أو مؤهلين للقيادة.

كما عزا عصام تليمة، في سياق متصل، تقديمه لاستقالته من تنظيم جماعة "الإخوان" إلى قناعته بأن قيادة التنظيم أو الجماعة غير مؤهلة للقيادة، مؤكداً أنه لم يبق من القيادات الحالية على الإطلاق ما يمكن أن يطلق عليه وصف "قيادات تاريخية"، وأن هذه القيادات تفتقر إلى "الرشد والحكمة وتعاني سوء الإدارة"[5].

ودلل تليمة اتهاماته لقيادات الجماعة بتمرد نسبة كبيرة من قواعدها، وطلب من أعضاء الجماعة الذين ما زالوا عاملين فيها أو ممن تركوها، أن يجيبوا على سؤال مفاده: "مَن مِن أعضاء الجماعة تمرد عليها بسبب سياسات النظام في مصر أو بسبب عدم قناعته بقيادة التنظيم غير الرشيدة؟ مستدركاً، أن العدد الذي خرج من التنظيم بسبب النظام، سواء كان الخروج عن قناعة أو بشكل مصطنع، أقل بكثير من العدد الذي خرج منها بسبب إخفاق قيادات الجماعة وسوء إدارتهم وترفعهم عن قواعد العمل في التنظيم"[6].

كما أكدت بعض عناصر جماعة الإخوان المسلمين، أن هناك حالة من عدم الرضا عن القيادة وعدم الثقة بها، إذ أشار عصام تليمة، الذي شغل عضوية مجلس شورى الجماعة، عبر قناته على اليوتيوب، إلى أن المجلس كان قد أجرى استبياناً رسمياً قبل تولي الجماعة الحكم، عن مدى رضا وثقة قواعد الجماعة بقياداتها، أظهر أن 40% فقط من المشاركين أبدوا رضاهم وثقتهم في القيادة، فيما أبدى 60% عدم رضاهم وعدم ثقتهم بها[7].

ويبدو أن هذه النسبة قد ارتفعت خلال تولي الجماعة الحكم في مصر وبعد خروجها منه عام 2013، إذ أعلن تليمة، على قناته المشار إليها، أن 90% من أعضاء قواعد الجماعة، ومن الصف الثاني من القيادة نزولاً إلى مستويات أدنى، إما أنهم تخلوا عن الجماعة وإما أنهم ينتسبون شكلاً إلى الجماعة، في انتظار حركة تصحيحية لقيادة جديدة للجماعة[8].

2- تغييب النظام المؤسسي للجماعة

وفقاً لشهادات عدد من عناصر جماعة الإخوان المسلمين في وسائل الإعلام الرقمية، فقد تعمدت قيادة الجماعة انتهاك اللائحة القانونية للجماعة عام 2006، والتي تنص على أنه لا يحق لأي عضو في مكتب الإرشاد "السلطة التنفيذية" أو في مجلس الشورى "السلطة التشريعية" الترشح مرة أخرى للمجلسين إذا أمضى 8 سنوات فيهما.

وما تنص عليه هذه اللائحة يعني وجوب إجراء انتخابات تجديدية للمجلسين عام 2014، وعدم السماح لأي عضو في المجلسين بالترشح من جديد، غير أن القيادة لم تلتزم بهذه اللائحة وما تزال تتمسك بالسلطة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بين صفوف قواعد الجماعة والصف الثاني من القيادة، حول جدوى اللوائح التنظيمية[9].

وقد أكد علي بطيخ، عضو مكتب الإرشاد، عضو مجلس شورى الجماعة – الذي تم تجميد عمله مؤخراً من قبل إبراهيم منير، الأمين العام للتنظيم الدولي للجماعة في الخارج، والذي عٌين مؤخراً قائماً بأعمال المرشد العام – في مقابلة تليفزيونية مع قناة مكملين التي تبث من تركيا، أن استمرار جميع أعضاء مكتب الإرشاد ومجلس الشورى في عملهم يعد أمراً غير قانوني وخارج عن الشرعية واختراق للوائح التنظيمية، بسبب مضي أكثر من دورتين على وجودهما في هذه المناصب، حيث يجب ألا تتجاوز المدة القانونية القصوى لأي عضو في منصبه ثماني سنوات (دورتين)[10].

3- ممارسة القيادة لسياسة "الاستبداد والإقصاء" وغياب العمل الديمقراطي

أحد الاتهامات الأخرى التي وجهتها عناصر جماعة "الإخوان" للقيادة عبر وسائل الإعلام الرقمية تمثلت في ممارسة سياسة "الاستبداد والإقصاء"، وهو ما أكده الأكاديمي الكويتي، عبدالله النفيسي الذي كان من المقربين طوال عقود لقيادة "الإخوان"، حين قال في مقابلة تلفزيونية: "إنه ليس من حق أي عضو في جماعة الإخوان أن يسأل أحداً في قيادة الجماعة في مصر أي سؤال، كما أن المناقشة والاعتراض محظورين على الجميع، ويكون الطرد والفصل مصير كل من يطرح أي سؤال"[11].

وقد أكد عصام تليمة هذا الأمر حين ذكر أن قيادة الجماعة تمارس أقصى درجات الاستبداد في سلوكها الإداري وقراراتها التنظيمية، وخاصة عندما يوجه أي عضو، ولو كان قيادياً من الصف الثاني أو عضواً متقدماً، انتقاداً ولو بسيطاً، إلى أي من القيادات الكبيرة، إذ سيصدر بشأنه ودون أي تحقيق قانوني معه، قراراً بالطرد من التنظيم على غرار ما حدث مع الدكتور عمر مدحت الحداد، عضو الجماعة الذي طُرد بسبب اعتراضه خلال نقاش مع القيادي محمود حسين على إحدى النقاط التنظيمية[12].

كما وجهت، إلى جانب هذه الاتهامات، عناصر "الإخوان" لقيادات الجماعة، اتهامات بغياب العمل الديموقراطي داخل الجماعة رغم أن هذه القيادات سلكت الطريق الديموقراطي للوصول إلى الحكم في مصر عبر خوض انتخابات الشعبية، وهو ما أكد عليه إبراهيم الزعفراني القيادي الإخواني خلال حوار صحفي عن الأسباب التي دفعته إلى تقديم استقالته من الجماعة، حيث طالب بتحقيق الديمقراطية داخل التنظيم، واعتبر أن غياب آليات المحاسبة داخله يمثل خللاً كبيراً.

وأشار إبراهيم الزعفراني، في سياق متصل، إلى أن مجلس شورى الجماعة الذي يمثل السلطة التشريعية لا يملك صلاحيات لمحاسبة مجلس الإرشاد الذي يمثل السلطة التنفيذية؛ ومن ثم، إذا أخطأ مجلس الإرشاد في قرار ما، فلا توجد أي آلية مثل سحب الثقة منه أو استجواب أحد أعضائه. كما أشار الزعفراني أيضاً إلى أنه من "السلبيات الموجودة في الجماعة، أنهم لا يتقبلون النقد خاصة العلني، ويعتبرونه انتقاصاً منهم"[13].

4- الانحراف عن العمل الدعوي والانخراط في الصراع الأيديولوجي والسياسي

واجهت قيادات "الإخوان" اتهامات من بعض عناصر الجماعة مفادها أنهم انحرفوا بالجماعة عن العمل الدعوي وانخرطوا في الصراعات الأيديولوجية والسياسية في ما بينهم، بهدف تحقيق أهداف تتعلق ببسط هيمنتهم على قيادة الجماعة أو على فروعها في دول أخرى.

وقد كشف، في هذا الإطار، الدكتور كمال الهلباوي، في حديثه التلفزيوني الذي سبقت الإشارة إليه، انحراف قيادة الجماعة عن الفكر الدعوي المجرد في اتجاه الصراع من أجل الوصول إلى السلطة، حين قال: "إن قيادة جماعة الإخوان المسلمين الحالية قد انحرفت كلياً عن الاتجاه الدعوي الذي كان سائداً في السابق، والتي كانت تدعو من خلاله إلى تغيير نظام حكم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك بالطرق السلمية والديموقراطية والحوارية، حيث نرى القيادة اليوم منشغلة جداً بالوصول إلى السلطة كهدف رئيسي لها بدلاً من الخيار الدعوي الذي جرت عليه القيادات السابقة"[14].

كما طالب إبراهيم الزعفراني القيادي الإخواني المستقيل عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك"، محمد بديع المرشد العام للجماعة، بتخلي الجماعة عن العمل السياسي بشكل مطلق، بإعتبار أن هذا العمل يتقاطع مع أيدولوجية "الإخوان"، وأكد الزعفراني رأيه أيضاً في مداخلة تلفزيونية[15].

وقد جاءت هذه الاتهامات أيضاً من قبل بعض قيادات فروع الجماعة في الخارج الذين تحدثوا عن أسباب فشل الجماعة، فقد طالب أسامة التكريتي، الأمين العام السابق للحزب الإسلامي في العراق (أحد فروع جماعة الإخوان المسلمين في الخارج)، خلال كلمة له في مؤتمر ضم فروع الجماعة في الخارج نشر موقع استديو الوطن العراقي تسجيلاً لها على اليوتيوب في سبتمبر 2019، بضرورة تخلي الجماعة عن العمل السياسي والاكتفاء بالعمل الدعوي[16].

وأكد جمال الحوسني، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، خلال مقابلة مع تليفزيون أبوظبي نشرت على موقع يوتيوب في إبريل عام 2014، هذه الاتهامات، حين قال إن الهدف الرئيسي للجماعة، وضمن مراحل تكتيكية مرحلية مدروسة، هو إسقاط الحكومات في اتجاه هيمنة أيديولوجية الجماعة السياسية والسيطرة على السلطة في اتجاه حكومة الخلافة الإسلامية[17].

وفي دلالة على دخول قيادات الجماعة في صراعات بينية، اتهمت قيادات الصف الثاني في الجماعة 3 من قياداتها التاريخية، وهم محمود حسين وإبراهيم منير ومحمود الإبياري بالمسؤولية الكاملة عن تمكن السلطات المصرية في أغسطس 2020 من إلقاء القبض على محمود عزت القائم بأعمال المرشد العام، مؤكدين أنهم بتواصلهم معه عبر الوسائل الإلكترونية قدموا خدمة جليلة للأمن المصري أوصلتهم لمكانه. وأكد القيادي الإخواني عصام تليمة هذه الاتهامات، وقال إن هؤلاء الثلاثة استصدروا قرارات باسم عزت لخدمة مصالحهم وفرض سيطرتهم على التنظيم[18].

5- تبني سياسة العنف

تحدثت بعض عناصر "الإخوان" عن تبني الجماعة سياسة العنف، وهو ما ينفي ما دأبت الجماعة على ترديده من أنها "سلمية" تتبع النهج السلمي وترفض استخدام العنف. وقد عبر عن هذا الأمر بوضوح، الإخواني هاني الديب عندما علق على أعمال مؤتمر فكري عقدته الجماعة في إسطنبول يومي 14 و15 سبتمبر 2019، وجاء في البيان الختامي للمؤتمر أن "الإخوان" جماعة سلمية.

وقال الديب، في سياق متصل، في مقال نشره إن "الإخوان في اليمن ما زالوا يستخدمون السلاح وكذلك في فلسطين، وهما سياقان مختلفان تماماً، كما حملت الجماعة السلاح في ليبيا والعراق وسوريا، فحين يأتي المؤتمر يتحدث عن سلمية النهج فهو يناقض نفسه"[19].

ولا تقتصر ممارسة "الإخوان" للعنف على الأزمات الكبيرة وإنما أيضاً في بعض الأحداث الصغيرة الأمر الذي يكشف عن تبني الجماعة لهذه الاستراتيجية في مختلف الأحوال، وهو ما أكده بعض المنشقين عن الجماعة من القيادات الوسطى، فقد تحدث أحد أعضاء الجماعة في مصر وزوجته الذين انشقوا عنها، في حوار مطول مع قناة "العربية"، عن هذا الأمر، وضرب الزوج مثالاً بأنه في عام 1991 أشيع خبر بأن أحد الضباط شتم نساء الإخوان، فأخذ أعضاء الجماعة إذناً من المسؤول بممارسة العنف والانتقام من الجهاز الأمني، كما قالت الزوجة "نحن شاركنا كنساء في العنف، وذلك خلال مظاهرات 1991 في الجامعة، ولم ننسحب حتى جاءت توجيهات المسؤولة"[20].

خاتمة

شكل عام حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر (2012-2013) حداً فاصلاً في استراتيجية الاتصال الإعلامي للجماعة، فقبل هذا العام كانت الأمور الإعلامية تدار بمركزية شديدة أنتجت خطاباً موحداً كان من الصعب أن يعكس أي تنوع أو تغيير. لكن بعض سقوط الجماعة ودخولها في صراع شديد مع الدولة المصرية وتعرضها لضربات شديدة بدأت الأمور الإعلامية في التغير، حيث انعكست الانقسامات والانشقاقات العديدة التي شهدتها الجماعة على وسائل الإعلام الرقمي للجماعة التي تحولت إلى ساحة للصراع خاصة من قبل القيادات الوسطى التي حملت القيادات التاريخية المسؤولية عن ذلك السقوط وعن ما تعرضت له الجماعة من ضربات شديدة أنهكتها وقلصت كثيراً من قدراتها في مختلف المجالات.

وقد تعددت مظاهر هذا الصراع، حيث وجه العديد من القيادات الوسطى اتهامات للقيادات التاريخية مثل، عدم كفاءتها وسوء إدارتها للجماعة، وتراجع شرعيتها في ظل غياب الرضا عنها وعدم الثقة فيها، وتجاهلها للنظام المؤسسي داخل الجماعة وممارسة سياسة "الاستبداد والإقصاء" وغياب العمل الديمقراطي، والانحراف عن العمل الدعوي والانخراط في الصراع الأيديولوجي والسياسي، وتبني سياسة العنف.

ولا شك أن وجود هذه الصراعات وخروجها إلى العلن عبر وسائل الإعلام التقليدي أو الرقمي، يكشف بوضوح أن وسائل الإعلام لا سيما الرقمي، التي كانت يوماً سبباً في وصول الجماعة إلى الكثير من المصريين، خاصة قبل انتخابات عام 2011 التشريعية، باتت سبباً في الكشف عن الصراعات المستمرة التي تعيشها الجماعة وعن حالة الضعف التي وصلت إليها.

المراجع:

[1] ERIC TRAGER, Arab Fall: How the Muslim Brotherhood Won and Lost Egypt in 891 Days, September, 28, 2016, The Washington Institute for Near East Policy, Lin;: https://amzn.to/2Zk8VSr

[2] ibid

[3] ibid

[4]  أنظر: مقابلة مع كمال الهلباوي، برنامج العاشرة مساء، قناة دريم الفضائية، 31 مارس 2012، https://youtu.be/wR03LXDV3aA

[5]  أنظر: قناة عصام تليمة على اليوتيوب، حلقة بعنوان قيادات الإخوان وما فعلته بالجماعة والشباب، Apr, 20, 2020، https://bit.ly/36r4Ik5

[6]  المصدر السابق.

[7]  المصدر السابق.

[8]  المصدر السابق.

[9] المصدر السابق.

[10] أنظر مقابلة تليفزيونية مع د. علي بطيخ، برنامج إني أعترف، قناة مكملين، 21 يونيو 2016، https://youtu.be/kwS8ldrsnhU

[11] أنظر مقابلة تليفزيونية مع عبدالله النفيسي، برنامج الصندوق الأسود، 1 يناير 2020، قناة المحور على اليوتيوب، https://youtu.be/2yxiuj5f3H4

[12] عصام تليمة، قيادات الإخوان وما فعلته بالجماعة والشباب، مصدر سابق.

[13] أنظر نص حوار د. إبراهيم الزعفرانى مع صحيفة المصري اليوم، على الرابط:  https://bit.ly/3it0uL6

[14]مقابلة مع كمال الهلباوي، مصدر سابق.

[15]الدكتور ابراهيم الزعفراني يطلب من المرشد العام للإخوان المسلمين التخلي عن العمل السياسي، قناة الجزيرة مباشر، 30 أكتوبر 2017، https://youtu.be/rsayDW7mSPg

[16]  انظر حديث أسامة التكريتي على موقع يوتيوب على الرابط https://www.youtube.com/watch?v=YqTKpqDvqOo

[17] الجزء العاشر من اعترافات القيادي المنشق في تنظيم الإخوان المسلمين جمال الحوسني، 18 إبريل 2014، يوتيوب، https://youtu.be/24AL9DeYuF4

[18] "خيانة وتجسس.. صدمة في الإخوان بعد اصطياد محمود عزت"، العربية نت، 3 سبتمبر 2020، https://bit.ly/2HiShgf

[19] ) هاني الديب، " عن مؤتمر الإخوان المسلمين، موقع العربي الجديد، 16 سبتمبر 2019، https://bit.ly/3lXdqeu. أنظر أيضاً: نشأت الديهي، برنامج بالورقة والقلم، خلاف إخواني جديد وقيادي يهاجم مؤتمر الإخوان المسلمين. قناة TeN،17 سبتمبر 2019 https://www.youtube.com/watch?v=P-9_3K98GVo

[20] " قصة زوجين تائبين من الإخوان يكشفان أسرار التنظيم"، موقع العربية نت، 4 أبريل 2017، https://bit.ly/2INasLr

الإخوان المسلمين التطرف

التعليقات

احمد الحوسني من المؤكد أن سقوط الاخوان في مصر شكل ضربة قاصمة لأمر حيوي أن "فرصة القرن" قد تلاشت تمامًا وربما إلى الأبد؛وغباءهم وتعج هم بقوتهم وأمل نصرتهم من الخارج قد أوهمهم أنهم لم يستغلوا الوساطات التي تقدمتلإنقاذهم في "الرقعة العدوية" ما فرطوا في آخر فرصة وكذلك لم يبادروا إلى الاحتفاظ بنواة سياسية بتحولهم إلى حزب سياسي كمخرج لهم. هذا الانفجار يجب أن يصلوا إلى الغاء جماعة الإخوان وإلغاء مشروعهم السياسي والإبقاء على الخط الدعوي؛ لكن أيدولوجيتهم السياسية لا تتحمل لأن هدفهم الأصلي هو الوصول للحكم!؟

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.