اشترك الآن في "تريندز للمعرفة"

تريندز للمعرفة محتوى معرفي ثقافي شامل، يقدم رسائل يومية عبر الواتساب تتناول أبرز الابتكارات والمعارف والعلوم والكتب الحديثة إضافة الى إصدارات ودراسات المركز / كما يقدم متابعات حول أبرز التطورات الإقليمية والعالمية

اشترك الآن

من نحن

البرامج البحثية

الإصدارات

الفعاليات

الخبراء

المركز الإعلامي

الخدمات الإلكترونية

البارومتر العالمي

اتصل بنا

English

14 فبراير 2021

عالم ما بعد كوفيد-19.. من التوجهات الاقتصادية الجديدة إلى الفوارق البائدة

د. سيمون دجانكوف

يتجسد الاتجاه المهيمن خلال العقود القادمة في تنامي الدور الذي ستضطلع به الحكومات؛ ومن المرجح أن  يدفع هذا الاتجاه – بحكم ما فرضه كوفيد-19 وتداعياته على اقتصادات العالم – نحو زيادة الإنفاق الحكومي ليس فقط على إجراءات الرعاية الصحية، ودعم الأسر، والشركات المتضررة، بل سيتخطاه ليشمل أيضاً سياسات الطاقة الخضراء، والرقمنة، والتعليم، والبحث والتطوير في حقلي الطب والتكنولوجيا، وكذلك الأمر بالنسبة لنقل العمال من القطاعات المتضررة جراء الجائحة إلى قطاعات جديدة.

لقد كتب جون ماينارد كينز عام 1932 – وهو الخبير الاقتصادي الأشهر في عصره – مقالة تحت عنوان “الاحتمالات الاقتصادية أمام أحفادنا؛ وعلى غرار أزمة الكساد الكبير التي عايشها كينز، فقد كان قلقاً بشأن البطالة المرتبطة بالتطورات التكنولوجية التي تؤدي إلى تقليص أعداد اليد العاملة المطوبة. وهذا التخوف ما زال قائماً إلى يومنا هذا إذ نجد المتسوقين يتهافتون على منصات التسوق الإلكتروني في حين أن مراكز التسوق تتجه نحو الإفلاس.

لكن يجب ألَّا ننسى أن آثار الأزمات ليست دائماً سلبية؛ فقد تنبأ كينز بتطور مستوى المعيشة في الغرب بـ 8 مرات من مستواه عام 1930 بحلول عام 2030، ويبدو أنه كان محقاً إذ ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الأمريكي بين عامي 1930 و2019 بواقع 6.7 مرات، كما أن مستوى المعيشة في الغرب يواصل، رغم جائحة كورونا، ارتفاعه ليتراوح بين 7.5-8 مرات بحلول 2030. وحسب توقعات كينز ستتحقق هذه الزيادة في الثروات بفضل طرق جديدة في ممارسة الأعمال التجارية، ونشوء قطاعات جديدة (دجانكوف وزهانغ 2021).

وتحاول هذه الورقة، في هذا الإطار، النظر في مدى صحة توقعات كينز من خلال أحدث البيانات حول هيكلة الأعمال التجارية في الاقتصادات الغربية. كما تحاول تقديم وصف لبعض مبادرات التعافي المعتمدة والمطبقة اليوم في عدد من الدول حول العالم، وتتناول أيضاً موضوع توسُّـع دور الدولة (الحكومات) من خلال هذه المبادرات. وتتطرق الورقة، في الختام، إلى جوانب ومجالات أخرى يُتوقع ازدياد تدخل الحكومات فيها خلال العقود القادمة.

 

نشوء شركات جديدة

ركزت إجراءات التعافي من جائحة كوفيد-19 في معظمها على مساعدة الشركات الموجودة للصمود في مواجهة الأزمة وإنقاذ الوظائف (بولدوين 2021)؛ في حين تم إيلاء مجهودات أقل لمساعدة الشركات الناشئة وإيجاد فرص عمل جديدة. ولكننا نعرف من كتابات جوزيف شومبيتر (1934) أن الأزمات الاقتصادية هي فترات تشهد فوضى خلاقة تدفع في اتجاه ظهور أفكار وطرق جديدة لإقامة الأعمال وممارستها، وتشكل، كما تنبأ في هذا الصدد كينز، بعض الفرص الجديدة طرق مختلفة – تعتمد على التكنولوجيا – لممارسة الأعمال ذاتها؛ ومن هذا استثمار الشركات في التطبيقات الرقمية، وتعلّم الموظفين كيفية استخدام قواعد البيانات عن بُعد، والوصول إلى العملاء عبر منصات التواصل الاجتماعي. كما أصبح المكتب بمفهومه التقليدي مكتباً افتراضياً حتى قبل انتشار الجائحة كوفيد-19 (بولدوين 2019) وقد يظل الأمر كذلك حتى بعد انتهائها.

في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، 20% من الشركات التي أُنشأت في الربع الثالث من عام 2020 كانت شركات تجارة تجزئة إلكترونية أفرزتها حاجة العملاء إلى التسوق واقتناء حاجياتهم اليومية دون تعريض أنفسهم للخطر، والتزاماً منهم بإجراءات الحجر التي فرضها كوفيد-19. كما كانت هناك، إلى جانب هذه الشركات، صناعات قادرة على التكيف مع طبيعة العمل عن بعد، مثل خدمات مكاتب الدعم (Backoffice) التي شكلت الحصة الأكبر من الأعمال والشركات الجديدة في عام 2020 مقارنة بالفترات السابقة.

كما أن هناك – إلى جانب هذه الأمثلة – إمكانية ظهور قطاعات جديدة بالكامل بعد الجائحة (جافورسيك 2020) يمكنها أن تَجد بدورها طرقاً جديدة لممارسة الأعمال مع القطاع الحكومي، إذ يتم تبسيط التعاملات بين الشركة المعنية والإدارات الحكومية أو المسؤولين (دجانكوف وآخرون 2002). وتشكل مساعدة الشركات على تحقيق هذه النقلة في مقاربتها لممارسة الأعمال مسؤولية تقع على عاتق الحكومات لضمان التعافي من آثار وباء كوفيد-19.

ويذكر في هذا الصدد عمل عدة حكومات على وضع برامج لدعم إنشاء شركات جديدة خلال جائحة كوفيد-19، ومن أبرزها برنامج الولايات المتحدة الذي هدف من خلال إدارة الشركات الصغيرة إلى دعم الشركات الناشئة بتوفير قروض الأضرار والكوارث الاقتصادية التي لا تشترط تقديم كفالة شخصية من صاحب الشركة، ويتم فيها تمديد فترة السداد وتسهيل الدفعات. وفي نهاية نوفمبر 2020، كانت قد تمت الموافقة على 3.3 مليون قرض بقيمة أقل من 50 ألف دولار في الولايات المتحدة (دجانكوف وزهانغ 2021).

بدورها، أنشأت بريطانيا صندوق المستقبل لمواجهة فيروس كورونا للشركات الجديدة، الذي يمنح قروضاً تتراوح قيمتها بين 125 ألف و5 ملايين جنيه إسترليني شريطة أن يكون هناك تمويل مماثل من جانب مستثمرين من القطاع الخاص. وقد وافق هذا الصندوق بين مايو تاريخ إطلاقه وأكتوبر 2020 على قروض قابلة للتحويل بقيمة 800 مليون جنيه إسترليني إلى 745 شركة.

وبدأت في سويسرا أيضاً خطة حكومية في إبريل 2020، تم في إطارها الموافقة على منح 360 قرضاً للشركات الصغيرة، مع تقديم 65% من هذه القروض بموجب كفالة فيدرالية، و35% منها قامت المقاطعات بتوفيرها بحيث تكون الضمانة مشتركة لصرف القيمة الكاملة للقرض بحد أقصى يقدر بمليون فرنك سويسري وهذا يساوي 1.1 مليون دولار. واعتمدت تشيلي أيضا تطبيق برنامج Ciencia Program للشركات الناشئة، ووافق البرنامج على تمويل أسهم رأس مال 90 شركة جديدة للتكنولوجيا بمبالغ تصل إلى 85% من إجمالي قيمة الأسهم، مع التقيد بسقف 220 مليون بيزوس (300 ألف دولار).

وتوحي النتائج الأولية أن برامج دعم الشركات الناشئة هذه قد تكون فعالة وناجحة حيث تُظهر المؤشرات ارتفاعاً ملحوظاً في عدد التطبيقات الجديدة للشركات والأعمال التجارية في الولايات المتحدة بواقع 27% في عام 2020، مقارنة مع الفترة نفسها في عام 2019، قبل انتشار جائحة كوفيد-19. ويشكل هذا الارتفاع أكبر زيادة تعرفها أي دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وفق البيانات المتوافرة.

كما أن هناك زيادات معتبرة في عدد الشركات الرائدة (بالأفكار والمشروعات المبتكرة) المسجلة في تركيا بواقع 23%، وفي تشيلي بواقع 14%، وفي المملكة المتحدة بواقع 8.5%، وهناك أيضا عدة دول أخرى بما فيها إستونيا، وسويسرا، وأستراليا، وهولندا سجلت هي الأخرى زيادات متواضعة في عدد الشركات الناشئة (دجانكوف وزهانغ 2021).

ربما لم يخطر بِبَال كينز، عندما كان يفكر في بناء الثروات على المدى الطويل، مسألة انتشار جائحة عالمية تفرض توقفاً مؤقتاً للحياة الاقتصادية. وربما لم يتصور حدة الشكوك والهواجس التي ستلازم بعض القطاعات، والتي ستعطل انتعاش الطلب لسنوات عديدة قادمة؛ ومع هذا ربما يظل توقعه صحيحاً في فترة ما بعد كوفيد-19، وربما قد تتمكن الشركات الناشئة من ريادة الصناعات التي تصبح أكثر كفاءة وتخلق صناعات جديدة بالكامل، وتستطيع الحكومات تسهيل هذا المسار.

مبادرات التعافي من تداعيات جائحة كوفيد-19

برزت إلى الواجهة بعض الأمثلة لمبادرات هدفت إلى دعم سيرورة التعافي من جائحة كوفيد-19 سنعرضها في ما يلي؛ غير أنه لابد لنا – قبل الخوض فيها – من الإشارة إلى أن الديمقراطيات الصناعية الكبرى التي تنتمي إلى مجموعة الدول السبع الكبرى (G7) توفرت لديها موارد مالية ضخمة ساعدتها في تنفيذ برامج كبرى لإنقاذ الاقتصاد من آثار الجائحة، وتمكنت خلال قرابة العام من مساعدة الشركات وحمايتها من الإفلاس وقامت بدعم دخل العائلات المحتاجة.

لقد أجبرت الجائحة دول مجموعة السبع (G7) على اتخاذ خطوات جذرية مبكرة لدعم اقتصاداتها ركزت على الاحتفاظ بالوظائف، وطبقت برامج ضمانات القروض للشركات. كما أطلقت فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا جولة ثالثة – بعد أقل من عشرة أشهر – من خطط التعافي من الأزمة، في الوقت الذي قامت فيه كندا، واليابان، وبريطانيا، والولايات المتحدة بتمديد العمل بالعديد من الإجراءات التي اعتمدتها مسبقاً؛ ويتعلق الأمر هنا بخطط الحفاظ على الوظائف، ومنها من أطلق مرحلة ثانية من مبادرات التعافي.

في الولايات المتحدة

كشف الرئيس جو بايدن عن خطة حوافز مالية بقيمة 1.9 تريليون دولار، أي ما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي للبلد. وجاءت هذه الخطة في أعقاب رزم مساعدات بقيمة 900 مليار دولار (أي 4% من الناتج المحلي) أقرها الكونغرس في ديسمبر 2020، والتي تضمنت سلفاً إرسال شيكات مساعدات للأفراد بقيمة 600 دولار. وتعد مخصصات الدعم المباشر في ميزانية الولايات المتحدة لعام 2021 أعلى بكثير (يصل حجم المساعدات إلى 13% من الناتج المحلي) من الإجراءات والمخصصات المطبقة في الاقتصادات الأوروبية المتقدمة. ففي فرنسا وألمانيا، على سبيل المثال، كانت خطط المساعدات من الموازنة القومية قريبة من مستوى 4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، وأصبحت 2-3% في ميزانية 2021 (وهذه لا تشمل ضمانات القروض للشركات). كما أعلن الرئيس بايدن أنه سيتم دعم خطة الطوارئ الجديدة في إبريل 2021 من خلال إعادة وضع اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية ضمن قائمة أولويات البيت الأبيض.

ملامح خطة بايدن للتعافي عام 2021

تتضمن خطة بايدن مجموعة من العناصر من بينها، تخصيص تريليون دولار لإرسال شيكات مالية إلى العائلات، بحيث تصبح قيمة الشيك للشخص الواحد 2,000 دولار (مقابل المبلغ المحدد في خطة الكونغرس في ديسمبر والبالغ 600 دولار)، وتخصيص ميزانية بقيمة تزيد على 450 مليار دولار للإجراءات الداعمة للشركات والمجتمعات المحلية (في الولايات)، ووضع برنامجاً أكبر لضمانات القروض (حيث تصل نسبة الضمانات الفيدرالية إلى 80%)، بالإضافة إلى تخصيص 400 مليار دولار لإجراءات مباشرة لمعالجة الأزمة الصحية، تشمل 160 مليار دولار لتمويل حملات الفحوصات والتحاليل المخبرية والتلقيح وجهود تحسين الحلول لتتبّع المخالطين للمصابين اعتماداً على برنامج استقطاب استباقي في قطاع الرعاية الصحية ( يشمل أكثر من 100 ألف ممرضة وطبيب).

قبل الحديث عن النماذج الأوروبية، يثار تساؤل مهم حول أسباب تباين الدول في استجاباتها، وهو ما يمكن تفسيره بالإشارة إلى أن الحكومات الأوروبية الثلاث الرئيسية (في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا) تتشارك في رغبة موجودة لديها مسبقاً بشأن تدخل الحكومة في الاقتصادات، بمستوى أعلى بكثير من الدول المتبقية من نظيراتها في مجموعة(G7) ، فعلى سبيل المثال، بلغ معدل الإنفاق الحكومي 56% من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا في عام 2019،  فيما بلغ 39% في اليابان، وبريطانيا، والولايات المتحدة. وهاتين الأخيرتين شهدتا رفضاً متنامياً إزاء مزيد من الإنفاق الحكومي وأعباء الديون المستقبلية. والمسألة المساوية في الأهمية أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا لديها رغبة أكبر لاستخدام الاستجابات الموجهة لمكافحة كوفيد-19 لدعم السياسات الصناعية، والتشديد على تحويل اقتصاداتها إلى نماذج تطلق مستويات منخفضة من الكربون، بهدف معالجة مشكلة التغير المناخي.

فرنســـا وألمانيـا

أعلنت فرنسا خطتها للتعافي من كوفيد-19 في أوائل سبتمبر 2020، هذه الخطة التي تشترك في جوانب عدة منها مع خطة التعافي الألمانية، التي أُعلنت قبل ذلك التاريخ بثلاثة أشهر، وتُظهر هذه الخطط أن لدى البلدين رؤية مشتركة للتغلب على الأزمة؛ فحزمتا التعافي الألمانية والفرنسية تركز على الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، وتقديم دعم أكبر للعمال والشركات، وإقرار إصلاحات في السياسات الصناعية. وتتسم الخطتان بخمس سمات معيارية بارزة هي:

  • السمة الأولى: حجم حزمة الإجراءات المقترحة متقارب في الدولتين (في فرنسا 100 مليار يورو، أو 3.7% من الناتج المحلي؛ وفي ألمانيا 130 مليار يورو، أو 3.8% من الناتج المحلي). وربما تكون الحزمة الألمانية أصغر فعلياً وفق الحجم النسبي للناتج المحلي إذا حُسبت بشكل صحيح. وعلى وجه التحديد، كانت تأجيلات الضرائب على الشركات في ألمانيا مقررة في الميزانية مسبقاً في إبريل، بينما التحويلات المالية إلى السلطات المحلية تحدث بشكل أوتوماتكي في فرنسا ويجب أن يتم شطبها (من حسابات المقارنة).

 

  • السمة الثانية: تركز كلتا الحكومتين على الاستثمار في التكنولوجيات الخضراء، واستخدام هذه الاستثمارات لإبراز خطط التعافي. وقرابة ثلث قيمة الحزمة الفرنسية (أي 28 مليار يورو) هي عبارة عن استثمارات في التكنولوجيات الخضراء، وحوالي ربع قيمة الخطة الألمانية هي استثمارات في التحول نحو الاقتصاد الأخضر (أي 24 مليار يورو). وتتشابه الإجراءات المتبعة تماماً إذ تشمل:
  • تطوير قطاع الهيدروجين.
  • استثمارات في شبكات السكك الحديدية.
  • مشتريات بأسعار مدعومة للمركبات الكهربائية.
  • تمويل أعمال البحث والتطوير لصناعة السيارات.
  • التجديد الحراري للمباني.
  • السمة الثالثة: توسع كلتا الدولتين مساعداتهما للعمال بفعل الانكماش الاقتصادي الذي كان أكبر من المتوقع في عام 2020 (10% في فرنسا مقابل 6.5% في ألمانيا) إذ أنفقت فرنسا 19 مليار يورو لضمان الاحتفاظ بالوظائف، والتدريب المهني، وتعليم العمال في الصناعات المتضررة بشدة من الجائحة. وهناك إجراءات قصيرة الأمد للمحافظة على الوظائف وضمان إيجاد فرص عمل للشباب الذين يدخلون إلى سوق العمل في الشهور القادمة، ومن هذه الإجراءات ما يلي:
  • تمديد فترة المساعدات للعاملين بدوام جزئي
  • منح مكافآت للشركات لتوظيف العمال الشباب والمقعدين
  • تقديم دعم للشركات التي توظف متدربين، وتحويل عقود التدريب إلى عقود عمل طويلة الأمد

وهناك مجموعة أخرى من الإجراءات لتمويل تدريب العمال الذين يرغبون في تغيير قطاع عملهم؛ فألمانيا تستثمر في التكنولوجيات الرقمية (15 مليار يورو) لكي تثبت المزيد من الناس في وظائف عن بُعد وتخفف الأعباء الإدارية عن الشركات. كما أعلنت الحكومة الألمانية، إلى جانب هذا التوجه الرقمي الجديد، تمديداً إضافياً لبرنامج سابق للاحتفاظ بالوظائف.

  • السمة الرابعة: توسيع الدعم للشركات بإجراءات تقليص الضرائب ودعم السيولة المالية إذ أن تقليص الضرائب على الإنتاج في فرنسا (20 مليار يورو) يمنح الشركات – وخاصة تلك التي لا تحقق أرباحاً – مساحة للارتياح في مجال توافر السيولة. كما قامت الحكومة بزيادة إضافية لتقديم السيولة المالية للشركات من خلال قروض بضمانات من الدولة أو مساهمة في رأس مال الأسهم. وتتجاوز هذه الخطط المساعدات المقدمة من خلال برامج ضمانات القروض المعلنة خلال فترة الاستجابات الأولى لمواجهة الأزمة.

أما بالنسبة لألمانيا فقد بلغت قيمة الحزمة المخصصة للشركات 21 مليار يورو، استهدفت تعزيز أرصدتها النقدية من خلال تأجيل تحصيل ضريبة القيمة المضافة على الواردات وتطبيق قواعد أكثر مرونة بشأن تناقص قيمة السلع مع مرور الوقت (التقادم). كما كانت هناك مساهمات أكبر من جانب الدولة لتعزيز الضمان الاجتماعي للموظفين إذ تم إضافة 5 مليارات يورو لهذا الغرض في حزمة التعافي.

  • السمة الخامسة: توجد مقترحات مرتبطة بهذه الإجراءات على مستوى الاقتصاد، وهي تدل على العودة إلى السياسة الصناعية، وتتجسد العودة في دعم قطاعي الهيدروجين وصناعة السيارات؛ وهذه السمة كانت واضحة مسبقاً في حزم المساعدات الفردية التي قدمتها الحكومتان (لشركات معينة)، مثل شركة رينو في فرنسا ولوفتهانزا في ألمانيا. وقد أوضحت فرنسا ذلك صراحة في خطتها للتعافي بتخصيص ميزانية بقيمة مليار يورو لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية.

ويوجد عنصر إضافي في خطة التعافي الألمانية بقيمة 39 مليار يورو لدعم الطلب في الأسواق، وهذه الخطة تتجسد عملياً في منح تخفيضات مؤقتة في ضريبة القيمة المضافة، وتشير التقديرات إلى أن هذه التخفيضات ستترك 20 مليار يورو في أيدي المستهلكين. وهناك عناصر أخرى تشمل تخفيض أسعار فواتير الكهرباء للعائلات، وصرف مكافأة لمرة واحدة بقيمة 300 يورو للأطفال، وزيادة في العلاوة الممنوحة للأم العازبة/الأب العازب، ومساعدات أخرى للرعاية الصحية ورعاية الأطفال. وهناك مكوّن مشابه مفقود في حزمة التعافي الفرنسية يعتمد على مزيج من إجراءات تعزيز العرض والطلب.

اقتصادات كبيرة ناشئة

بالمقارنة مع الاقتصادات المذكورة في ما سبق، فإن معظم الاقتصادات النامية تتحمل أعباء ثقيلة بسبب عجز الميزانية، ولا تستطيع الاستدانة مسبقاً لتمويل برامج تعافي مماثلة، وغالباً تفتقر إلى القدرة على تطبيق هذه البرامج. وبدلاً من ذلك، هناك دول كثيرة تتبع نموذج البرازيل، وروسيا، والهند، والصين (دول بريكس BRICs) وتدعم قطاع البيع بالتجزئة بدلاً من الأعمال التجارية ودعم الدخل.

تمر الدول الأربعة المذكورة في مراحل مختلفة من التعافي من جائحة كوفيد-19 (دجانكوف 2020b)، وتعد الصين هي الدولة الوحيدة من مجموعة الدول العشرين الكبرى (G20) التي سجل اقتصادها نمواً عام 2020. وحسب توقعات صندوق النقد الدولي، فإن معدل تعافي (نمو) اقتصاد الهند سيصل إلى 6%، وروسيا 4.1% في عام 2021. أما البرازيل فلن تسجل أي نمو، ومن المتوقع أن ينكمش اقتصادها بنسبة 9.1% في 2020، وسيظل راكداً في عام 2021.

وفي مجال تطوير خطط التعافي، فإن الصين والهند وروسيا أقرب إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا بين الاقتصادات السبع الكبرى (G7)، مع إعطاء أولويات واضحة للتعافي الاقتصادي في فترة ما بعد جائحة كوفيد-19، بينما البرازيل تشبه الولايات المتحدة، مع طرح عدة مبادرات منفصلة، ولكنها لم تُتوج بخطة تعافي وانتعاش حتى الآن.

وتعتمد مقاربة دول بريكس (BRICs) للتعافي إلى حد كبير على تحفيز الاستثمار من خلال مشروعات ضخمة للبنية التحتية. ويبدو، من ناحية، أن هذا التوجه جيد إذ تستطيع الحكومات أن تقرر كم كيلومتر من السكك الحديدية أو الطرقات يجب بناؤه، ويمكنها أن تنفذ تلك المشروعات من خلال تدابير مشتريات الطوارئ. لكن يبدو، من ناحية أخرى، أن بناء البنى التحتية يمثل رؤية لانتعاش جانب العرض في قطاع واحد. ولا يمكن لهذا القطاع أن يعوّض التراجع في فواتير السياحة أو الهبوط في الصناعات التصديرية.

وكأمثلة على مشروعات البنية التحتية، يمكن الإشارة إلى نموذج الصين التي تبني سكة حديدية بطول 4 آلاف كلم في بين عامي 2020-2021، ونصف هذه السكة مخصص للقطارات فائقة السرعة؛ وروسيا التي أعلنت برنامجاً لتحديث السكة الحديدية التي تمر عبر صربيا، وإنشاء أكثر من عشرة مطارات في سيبيريا، وثلاثة موانئ على البحر الأسود بحلول عام 2024. كما تعتمد خطة البرازيل والهند – إلى جانب ما سبق – في تمويل مشروعات البنية التحتية على اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة وتوليد عوائد إضافية من خصخصة شركات مملوكة للدولة.

وتهدف البرازيل أيضاً إلى اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة بمليارات الدولارات خلال الفترة من 2021 إلى 2024 حيث أعلنت الحكومة خططاً لخصخصة أكثر من عشر شركات كبرى مملوكة للدولة. ولدى الهند أيضاً قائمة شركات سيتم طرحها للبيع/الخصخصة. كما أن هناك خطط تحفيزية جديدة لجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاعات الطيران المدني، والطاقة الشمسية، وتخزين الكهرباء، والرعاية الصحية، ويتم ترويج هذه الخطط، وهي تجلب عوائد من تخفيضات الرسوم الحكومية وأجور الأراضي المملوكة للحكومة.

كما تبنّت مجموعة دول بريكس إجراءات لتعزيز الطلب مع التركيز على دعم الدخل للفقراء، والسبب في هذا بسيط ومرده إلى اعتبار أن معظم الموظفين المكتبيين قد احتفظوا بوظائفهم من خلال العمل عن بعد خلال الجائحة. كما استفاد هؤلاء الموظفون من سياسات التسهيلات الائتمانية للعائلات والشركات؛ في حين أن نمو الدخل قد توقف أو تحول إلى السلبي بين فئة أصحاب الدخل المنخفض نظراً لما ألحقته الجائحة من خسائر كبيرة بقطاعات الخدمات، مثل قطاع الفنادق، والنقل، والبناء، وتجارة التجزئة، وخاصة بين الشركات غير النظامية.

وجدير بالذكر أن هذه الشريحة الأخيرة تمثل فئة مهمة في كل من البرازيل والهند حيث إن هذه الشرائح من العمال غير النظاميين تشكل ضمن القطاعات غير النظامية نسبة تتراوح بين 40% و60%. والملاحظ، في جميع دول بريكس، أن الجائحة قد تسببت في تقليص فرص العمل للعمال المهاجرين الذين يعملون في أغلب الأحيان في القطاع غير النظامي، وهم غير مشمولين بشبكات الضمان الاجتماعي، ويمكن أن يتعرضوا لفقر مفاجئ.

بالإضافة إلى ذلك، أطلقت جميع دول بريكس تدابير وإجراءات لتوفير حركة انتقالية أكثر مرونة للعمال بين الشركات والقطاعات؛ حيث أصدرت الصين مراسيم لإدارات البلديات، والإدارات المركزية بشأن توظيف الشباب الذين لديهم خبرة مكتسبة من عملهم في القطاع الخاص؛ وتستثمر الهند أيضاً في منصات إلكترونية لجعل دفعات مساعدات الرعاية الاجتماعية للمهاجرين أكثر سهولة ومتاحة في أي زمان ومكان؛ وتعمل روسيا بدورها على رقمنة ملفات التوظيف بما يمكن العمال من التحرك عبر قطاعات مختلفة بالحد الأدنى من التعقيدات والمتاعب الإدارية.

تقليل الفوارق

لقد تفاقمت الفجوة أكثر بين الذكور والإناث في المشاركة ضمن القوة العاملة في الولايات المتحدة وعدة دول متقدمة أخرى بسبب جائحة كوفيد-19، فقد ألحقت الجائحة أضراراً وخيمة بالقطاعات التي توظف النساء أكثر من الرجال كمحلات البيع بالتجزئة، والمطاعم، والفنادق، وأعمال الضيافة، ودفع زيادة مسؤوليات الأسرة في رعاية الأبناء بسبب إغلاق المدارس ووقوعها على عاتق الأمهات العاملات، بالكثير منهن إلى الخروج من القوة العاملة.

ولا تسير الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها في هذا الاتجاه حيث إن هناك عدة دول متقدمة أخرى شهدت انخفاضات في مشاركة النساء ضمن القوة العاملة خلال فترة الجائحة، منها: كندا، واليابان، وكوريا الجنوبية. وقد كان معدل الفجوة بين الجنسين في ديسمبر 2020 أعلى بنسبة 0.8% في هذه الدول الأربع مما كان عليه في يناير من العام ذاته.

ولكن اللافت في الأمر أن مشاركة النساء في القوة العاملة في أربع دول – أستراليا، والدانمارك، والنرويج، وبريطانيا – كانت سريعة التعافي حيث توقفت فيها الفجوة بين الجنسين عن الاتساع عند مستوى 0.5% ، وذلك بحكم قوة اقتصاداتها، وهذا الأمر لم يمكن بمحض الصدفة في هذه الدول التي سواء اعتمدت تطبيق برامج حكومية دعمت بها القطاعات التي توظف عدداً كبيراً من النساء، أو قدمت مساعدات لدعم خدمات الرعاية النهارية وخدمات أخرى للأطفال خلال الجائحة.

التساؤل المطروح هنا هو لماذا كان أداء هذه الدول الأربع أفضل في مجال حماية مكتسبات المرأة العاملة؟ ويمكن إيجاد تفسير لهذا النجاح في الفرضيتان التاليتين:

  • الفرضية الأولى: نجاح اقتصادات هذه الدول في حماية تلك القطاعات التي يوجد بها عدد أكبر من النساء، وخاصة محلات تجارة التجزئة، وخدمات المطاعم والفنادق، وحقلي الفنون والترفيه، والمساعدات الاجتماعية.
  • الفرضية الثانية: عمل حكومات هذه الدول على اعتماد تطبيق برامج لدعم رعاية الأطفال؛ وهذه البرامج ساعدت الآباء/الأمهات على التكيف مع إغلاق المدارس ودور الرعاية النهارية (الحضانات)، وبالتالي ساعدتهم على الاحتفاظ بوظائفهم.

فقد منحت بريطانيا، على سبيل المثال، تخفيضاً مؤقتاً في معدل ضريبة القيمة المضافة للشركات المتضررة بالأزمة، مثل الشركات العاملة في قطاعي السياحة والضيافة. كما حصلت الشركات العاملة في قطاعات تجارة التجزئة، والضيافة، والترفيه على منحة نقدية لمرة واحدة بقيمة 25 ألف جنيه إسترليني من السلطة المحلية للمنطقة التي تتبع لها. وأُعفيت أيضاً العقارات المحلية لمراكز رعاية الأطفال خلال عامي 2020-2021 من الضرائب، وأخيراً، تم إقرار أحقية الآباء الذين خُفضت ساعات عملهم خلال الجائحة في تلقي تعويضات عن تكاليف رعاية الأطفال من خلال الإعفاءات الضريبية. وربما تكون هذه الإجراءات قد ساعدت في مواجهة الأزمة.

أما في النرويج، فقد خُفضت ضريبة القيمة المضافة من 12% إلى 6% على تذاكر وسائل نقل الركاب، والفنادق، والأنشطة الترفيهية. كما قدمت الحكومة منحاً لدعم الشركات العاملة في قطاعات تجارة التجزئة والضيافة، والترفيه. وتم، في الدانمارك، حيث تبلغ نسبة توظيف النساء بدوام جزئي 55% مقارنة مع 35% للرجال، إطلاق خطة حكومية لدعم الأجور، وغطت هذه الخطة حتى 90% من أجور العاملين بدوام جزئي بهدف مساعدة النساء المشاركات في القوة العاملة.

وتشكل الدروس المستفادة من نماذج النجاح في الإجراءات المطبقة لمواجهة الأزمة لتقليص الفجوة بين الجنسين في القوة العاملة مثالاً يحتذى به للحكومات الأخرى؛ في وقت يرى فيه بحث سابق (Hayland et al. 2020) أن المسألة تستغرق وقتاً طويلاً لإعادة دمج النساء في القوة العاملة عندما يفقدن العمل، وهذا سبب كاف يفرض على الحكومات أن تطبق سياسات فعالة لكي تضمن الاحتفاظ بالوظائف خلال الأزمة.

مجالات تحظى باهتمام أكبر من الحكومة

تلقي برامج التعافي من جائحة كوفيد-19 الضوء على مجالات أخرى من المؤكد أنها ستشهد زيادة في تدخل الحكومات، ومنها:

  • مجال البحث والتطوير: خاصة في مجال التقدم الطبي.
  • مجال الطاقة الخضراء: يتطلب هذا المجال موارد ضخمة لتحويل الاقتصادات نحو أساس جديد للتنمية. وتوضح حزم التعافي في الاقتصادات الأوروبية أن هناك التزاماً مالياً طويل الأجل يرافق هذا التحول.
  • مجال الحكومة الإلكترونية: تُبذل منذ سنوات في جميع أنحاء العالم جهود متواصلة لجعل التعامل مع الحكومة أرخص تكلفة وأسرع. وقد أظهرت أزمة كوفيد-19، في هذا الصدد، أن الحكومات تستطيع أن تحقق تقدماً أكبر بكثير من خلال الاستثمار في أحدث التكنولوجيات.

الخاتمـــة

بالعودة إلى تنبؤات الخبير الاقتصادي المرموق جون ماينارد كينز نجد أنه كان محقاً في قلقه بشأن البطالة المرتبطة بالتكنولوجيات قبل 90 عاماً غير أن قلقه لم يصمد أمام اختبار الزمن. فقد وجد الناس والاقتصادات طرقاً جديدة ومثيرة للانخراط في أنشطة إنتاجية مثمرة، من خلال تطوير رأس المال البشري والتكيف مع الاحتياجات الجديدة للمستهلكين. وليست أزمة كوفيد-19 مختلفة في هذا المجال، حيث ظهرت فرص جديدة فعلاً. وهذه المرة، تماماً كما كانت الحال في أعقاب الكساد الكبير، فإن الحكومات مطالَبَـة بمساعدة العمال والشركات للانتقال إلى اقتصاد جديد.


المراجع

Baldwin, R (2020), “Remobilizing the workforce: A two-imperatives approach,” VoxEU.org, 13 April.

Baldwin, R (2019). The Globotics Upheaval: Globalization, Robotics, and the Future of Work. February.

Djankov, S (2020a). “France, Germany, and Italy press ahead to spur their economies,” Realtime Economic Issues Watch, Peterson Institute for International Economics, September 21.

Djankov, S (2020b). “Bricks and mortar in the BRICs,” Realtime Economic Issues Watch, Peterson Institute for International Economics, October 6.

Djankov, S., R. La Porta, F. Lopez-de-Silanes, and A. Shleifer (2002), “The Regulation of Entry.” Quarterly Journal of Economics 117 (1): 1-37.

Djankov, S. and E. Zhang (2020). “COVID-19 widens gender gap in labor force participation in some but not other advanced economies,” Realtime Economic Issues Watch, Peterson Institute for International Economics, December 15.

Djankov, S. and E. Zhang (2021). “Startup Activity Accelerates in Several OECD economies during Covid-19,” VoxEU column, January.

Hyland, M., S. Djankov, and P. Goldberg (2020). “Gendered Laws and Women in the Workforce.” American Economic Review: Insights, 2 (4): 475-90.

Javorcik, B (2020). “Global Supply Chains will not be the same in the Post-COVID-19 World,” in Baldwin, R and S J Evenett (eds). COVID-19 and Trade Policy: Why Turning Inward Won’t Work, VoxEU.org eBook.

Keynes, J (1932). “Economic Possibilities for our Grandchildren,” in Essays in Persuasion (New York: Harcourt Brace), 358-373.

Schumpeter, J (1934). The Theory of Economic Development, Cambridge, MA: Harvard University Press.

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 4.5 / 5. Vote count: 2

No votes so far! Be the first to rate this post.

إقتصاد

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.