11 أكتوبر 2020

غياب “النسوية الإخوانية”.. إشكالية مكانة المرأة داخل جماعة الإخوان المسلمين

د. هدى النعيمي

تكشف الممارسات الحركية لجماعة الإخوان المسلمين في علاقتها مع المرأة عن وقوعها ضمن إطار متدني من التسلسل الهرمي للنوع الاجتماعي داخل الجماعة والعمل على ترسيخ ذلك ضمن أطرها المؤسسية والفكرية، بشكل أصبح معه التحيز النوعي ضد المرأة سمة أساسية في الإطار الفكري والتنظيمي للجماعة التي استحوذ العنصر الذكوري فيها على الأدوار القيادية داخل هياكلها المختلفة، الحزبية، والتنظيمية، والعملياتية.

والأمر اللافت هو أنه في أحيان كثيرة لا تبدي الإخوانيات المتحزبات معارضتهن لهذه السلوكيات التمييزية، ما يعني اقتناعهن بهذه الثقافة التي تكرس الهيمنة الذكورية داخل هياكل الجماعة؛ غير أنه قد لوحظ خلال السنوات القليلة الماضية، ولا سيما في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، بروز بعض الأصوات النسائية الإخوانية المطالبة بإعادة النظر في وضع المرأة داخل الجماعة ، ومحاولة تصحيح التفاعلات القائمة في هياكل الجماعة السياسية والحزبية التي تهمش دور المرأة، وذلك استناداً إلى الدور الذي اضطلعت به المرأة الإخوانية، سواءً في ما يتعلق بالمشاركة في التظاهرات المناهضة للحكم في مصر والحشد لها، أو الإسهام في الترويج الإلكتروني للجماعة وفكرها؛ ولكن هل يمكن اعتبار ذلك بداية لما يمكن أن نصفه بـ "النسوية الإخوانية".

في هذا السياق، تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن عدد من التساؤلات، مثل: ما هي المكانة الحقيقية للمرأة في الفكر والممارسات الحركية الإخوانية؟ وهل تنجح المرأة الإخوانية في تشكيل نسوية خاصة بها تتبنى التغيير داخل جماعة الإخوان المسلمين وتسهم في تصحيح أوضاعها أم ستظل عالقة في الإطار نفسه المرسوم لها الذي يهمش دورها ويتعامل معها بدونية؟

"النسوية"... فكر وممارسة

لا شك أن "النسوية" هي التزام فكري وحركة سياسية تسعى إلى تحقيق العدالة للمرأة وإنهاء كل أشكال التمييز الجنساني ضدها من خلال تقديم مجموعة واسعة من المبادرات الفكرية والعملية، وإثارة التساؤلات حول الظواهر متعددة الأبعاد ذات الصلة بالمرأة وأدوارها، وإذا ما كانت مستبعدة عن المواقع الاجتماعية/ والسياسية أم لا؟ والعوامل التي تعترض تحقيقها هدف المساواة الكاملة مع الرجل وكيفية التغلب عليها[1].

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم "النسوية" ما يزال موضع جدل ولا سيما مع تنوع الاتجاهات الفكرية التي تضعنا أمام نسويات منها "الليبرالية" و"الاشتراكية" و"الراديكالية"، والتي تُقَيَّم بحسب إسهامها في تطوير المجتمع ما بعد الذكوري وفق كل توجه فكري؛ الشيء نفسه ينطبق على الأنواع المتباينة فلسفياً مثل "النسوية التجريبية"   و"نظرية ما بعد الحداثة"، وكل منها يمثل نسوية مختلفة لكنها تشترك في رؤية هدفها تحرير المرأة وتحقيق مساواتها بالرجل[2].

ولهذا، لم يتم التوصل إلى تعريف موحد "للنسوية" بسبب تطور المفهوم وتمدده وعدم ثباته وتنوع التيارات التي احتضنته وطوّعته لمصلحتها عبر الزمن بما يخدم توجهاتها الفكرية أو الأيديولوجية؛ لكن أغلب التعريفات تدور وتتمحور حول نصرة حقوق المرأة ومراجعة النظم الاجتماعية السائدة وتعديلها أو إلغائها لرفع الظلم عنها والاتجاه نحو معادلة المساواة بالرجل.

وضمن هذا التنوع ظهر ما يُعرف بـ "النسوية الإسلامية"، والذي أخذ يتبلور في مرحلة انتشار حركة الإصلاح الديني والثقافي في أواخر القرن التاسع عشر في مصر، وهي المرحلة التي بدأ يتشكل فيها "وعي نسوي" في سياق المواجهات مع الحداثة، عندما جرى استخدام الرؤى الإصلاحية الإسلامية لكسر ارتباط الإسلام بالممارسات الرجعية المفروضة باسم الدين[3].

لقد تصاعد هذا التوجه الإصلاحي مع تنامي تأثير الإسلام السياسي في المجتمعات المسلمة، وذلك بهدف تأكيد المساواة الكاملة بين المسلمين ذكوراً وإناثاً على حد سواء[4]؛ وتأسيساً على ما تقدم، اتسمت "النسوية الإسلامية" بكينونتها الخاصة؛ فهي واحدة من النسويات التي عرفها العالم، ولكنها تتّخذ من الإسلام إطاراً مرجعيّاً، لتمكين المرأة من حقوقها عبر منظومة دينية تعتمد على منطلقات العدالة والتوازن في الحقوق والالتزامات[5].

واتجهت "النسوية الإسلامية"، على هذا الأساس، إلى إعادة تفسير النصوص الدينية وجادلت بأن المشكلات التي تواجهها المرأة بشكل عام هي نتيجة تفسيرات مضللة من البعض لمبادئ الإسلام، وهو ما يتطلب إعادة قراءة للنصوص الدينية بشكل نقدي وإعادة تأويلها، وإلقاء الضوء على جوانب الدين المراعية للمرأة وحقوقها، وليست التفسيرات التي يقدمها رجال الدين والقائمة على رؤية تمييزية[6].

وبالمعنى نفسه، ومن وجهة نظر إريكا فريدل، تركز منهجيات "النسوية الإسلامية" على الاجتهاد والتفسير، لتمكين النسويات الإسلاميات من إلقاء الضوء على التفسيرات الأبوية التي ظهرت بدافع من الأوضاع السياسية السائدة ومصالح بعض علماء الدين الذين يتحكمون في صياغة الأيديولوجيات ونشرها، ولديهم السلطة والقبول اجتماعياً وقانونياً لممارسة الاجتهاد[7].

ورغم ما تقدم، بقي حراك "النسوية الإسلامية" محدوداً وحذراً عجز عن مواكبة ما ابتكرته الحركات النسوية في جميع أنحاء العالم من نظريات ومقاربات متعددة لتغيير النظام المجتمعي والثقافي والسياسي الذي منح الرجال السلطتين السياسية والأخلاقية والامتياز الاجتماعي؛ الأمر الذي دفع هذه النسوية إلى الركون إلى السكوت على الهياكل التي تدعم النظام الأبوي، وتقبل هيمنة الرجل على مفردات حياتها.

المرأة في جماعة الإخوان المسلمين

لم تغفل الجماعة عن أهمية دور المرأة في تعزيز مكانتها المجتمعية والسياسية وتحقيق مشروعها الأيديولوجي، ففي عام 1928، أسس البنّا مدرسة أمهات المؤمنين التابعة للإخوان، أعقبها إنشاء قسم للأخوات المسلمات، أطلق عليه بعد ذلك اسم "فرقة الأخوات المسلمات" التي رأسها المرشد العام سنة 1932[8]. وجاء في حيثيات هذه النشأة أن الهدف من تشكيل هذه الفرقة هو "دعم الروح الإسلامية ونشر الفضيلة من خلال المحاضرات والتجمعات النسائية"[9].

كان هذا القسم بمنزلة الأداة الرئيسية لتجنيد العضوات في الجماعة؛ وكتبت، في هذا الصدد، السكرتيرة السابقة للأخوات المسلمات فاطمة عبد الهادي في مذكراتها "رحلتي مع الأخوات" أن الغرض من القسم هو نشر دعوة الإخوان بين النساء في جميع أنحاء مصر وإنشاء فروع لها في كل محافظة ومدينة [10]. كما تولى القسم مهمة اختيار الفتيات المنضمات إلى الجماعة، وتأهيلهن حتى يصبحن عضوات فاعلات، ومن ثم يمكن لأعضاء الجماعة الذكور اختيار الزوجات من بينهن مستقبلاً.

وعليه، بدا عمل المرأة الإخوانية منصباً على تحقيق أيديولوجية الجماعة الساعية إلى إعادة أسلمة مصر والمجتمعات التي يوجدون فيها، وصولاً إلى تحقيق أستاذية العالم، وهو ما يتطلب بحسب ما طرحه حسن البنّا، إدماج المرأة على نحو محدود في المجتمع بقوله: "ليست المرأة في حاجة إلى التبحّر في اللغات المختلفة، وليست في حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، فستعلم عن قريب أنّ المرأة للمنزل أولاً وأخيراً ... علّموا المرأة ما هي في حاجة إليه بحكم مهمتها ووظيفتها التي خلقها الله لها: تدبير المنزل ورعاية الطفل"[11].

وبناء على هذا اتسم الحضور النسوي في جماعة الإخوان المسلمين بالمحدودية، إذ لم يكن بمقدور المرأة تولي المناصب العليا في الجماعة؛ وهو موقف جاء معبراً عن رؤية حسن البنّا للمرأة بصفة عامة حيث تنصّ لائحة الأخوات المسلمات، الصادرة عام 1944، في (المادة الـ (3) فقرة ز): "يمنع منعاً باتاً تكوين هيئات إدارية مستقلة للسيدات، حتى لا يشغلن أنفسهن بتشكيلات وتسميات لا طائل تحتها، ولا خير فيها؛ بل يتفرغن تفرغاً كاملاً للاستفادة من الدروس وتطبيقها في منازلهنّ، على أولادهنّ وأخواتهن وإخوانهنّ"[12].

ورغم وجود المرأة في حركة الإخوان المسلمين المصرية منذ نشأتها، فإن الوضع التنظيمي للمرأة ودورها السياسي يستند إلى أيديولوجية الجماعة المؤمنة بتقسيم الأدوار في المجتمع على أساس من الاختلاف البيولوجي، ويؤكد أولوية دور المرأة في الأسرة؛ ولا يدع بالتالي للمرأة عملياً مكانًا في الهياكل القيادية للجماعة، وبصفة خاصة مكتب الإرشاد، ولا يتم الاتصال بين الطرفين إلا عبر وسطاء، وهو ما أفضى إلى ترسيخ هامشية دورها ومكانتها في مؤسسة صنع القرار الإخوانية.

وبعبارة أخرى، فإن الفصل الكامل بين رجال النخبة الإخوانية (قيادة مكتب الإرشاد) وتنظيمها النسوي، عزز من هامشية المرأة داخل الجماعة، لتكون أدوارها محصورة داخل الأنشطة الدعوية والخيرية دون المساهمة في الأجندة السياسية، على الرغم من أهمية الدور الذي لعبته، وتلعبه، في الحشد السياسي للجماعة ولا سيما في أوقات الانتخابات كما حدث في الانتخابات البرلمانية المصرية لعام 2005 التي فاز فيها الإخوان بـ 88 مقعداً في مجلس الشعب آنذاك، وهي المكاسب التي جاءت إلى حد كبير نتاج لأصوات النساء في المدن والقرى الصغيرة التي تم حشدها لصالح فوز المرشحين الذكور من الجماعة.

ومن بين الأعضاء الـ 88، لم تدعم الجماعة أي امرأة للفوز في هذه الانتخابات لذا خلت قائمة أعضائها من النساء، وهو ما شكل مؤشراً قوياً على التهميش الذي تعانيه المرأة داخل هياكل الجماعة؛ ومع هذا فقد قوض الدور الذي لعبته المرأة في هذه الانتخابات حجة جماعة الإخوان المسلمين بأن النساء غير قادرات على شغل مناصب في السلطة أو في قيادة الجماعة.

وبشكل عام، تأثر تشكيل صورة المرأة الإخوانية بعدد من المتغيرات من بينها: حالة التصادم المتكرر مع السلطة التي منعت بلورة مراجعة جادة تعزز من دور المرأة الهامشي داخل الجماعة، تأثراً برؤية سلفية تحصر دورها في التربية والمنزل؛ أضف إلى هذا تركيز الجماعة على المظاهر الشكلية مثل لباس المرأة، دون الاهتمام بتطوير مكانتها وترقية موقعها في الجماعة؛ ثم انشغال الإخوان بأسلمة المجتمع، الذي احتل الأولوية على مستوى العمل والخطاب.

ورغم قيام جماعة الإخوان المسلمين عام 2010 بإعادة النظر في اللائحة التنفيذية لـ"قسم الأخوات" بعد مرور 68 عاماً من اللائحة الأولى التي وضعها حسن البنا في 26 إبريل 1932، واعتماد اللائحة الجديدة للمرأة من مكتبي الشورى العام والإرشاد، والتي تضمنت 5 بنود رئيسية أهمها[13]:

  • التركيز على نشر أفكار الإخوان في محيط النساء بشكل عام
  • العمل على صياغة الشخصية النسائية وفق منهج الجماعة
  • العمل على الارتقاء التربوي والدعوي بالأخوات
  • المساهمة في استقطاب النساء وإعداد الرموز والداعيات لقيادة العمل النسائي،

فإن هذه اللائحة لم تتضمن تغييراً ملموساً على مستوى التحول الأيديولوجي في فكر الإخوان، ولا تعكس اعترافاً بالحقوق السياسية للمرأة في الجماعة.

أما بعد سقوط نظام مبارك وتأسيس الإخوان لحزب الحرية والعدالة وحصولهم في انتخابات عام 2011 على أكثر من ثلثي مقاعد أول مجلس شعب (تمّ حل المجلس لاحقاً) فقد جاء حضور المرأة في كتلة الحزب خجولاً، ولم يطرأ تحوّل كبير على مكانتها أو أدوارها سواء في الحزب أو في هياكل الجماعة.

تجربة الأخوات في التعبئة الجماهيرية

الملاحظ أن لنساء الإخوان مهارات واسعة وتجربة في التواصل، تم إنشاؤها عبر سنوات من تقديم الرعاية الاجتماعية من خلال المنظمات الخيرية، التي مكنتهم من بناء الجسور مع النساء في الجامعات والمعاهد التعليمية وخلال دروس التعليم الديني في المساجد، ليتم استثمارها إبان الحملات الانتخابية للترويج لمرشحي الجماعة. فضلاً عن قيامهن بأدوار أخرى كالتجنيد، وجمع التبرعات، ونقل المعلومات بين الإخوان خارج السجون والقيادات داخلها.

وكان تسييس المساجد علامة بارزة في مسيرة العمل النسوي الإخواني من خلال الجمع ما بين الدعوة والسياسة في فضاء المسجد، ليتم وصفه بالتسييس المرن، الذي توظف فيه العاطفة الدينية وتأثيرات المكان الروحية، لاستقطاب النساء وحشدهن لصالح مرشحي الجماعة في الانتخابات البرلمانية أو المحلية؛ ومع هذا، تراوحت أدوار المرأة الإخوانية ما بين الهامشية والاستغلال، بحسب حاجة الجماعة لها، فهي ذات أهمية كبيرة في القطاعات الطلابية والنقابات المهنية، الأمر الذي تطلب دعمها انتخابياً لتحقيق السيطرة على هذه الهياكل الحيوية داخل المجتمع المصري وبما يسمح بتحقيق الانتشار والحشد الجماهيري.

ومن جهة ثانية تشكل نسبة النساء متغيراً مهماً خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية، لتكوين كتلة تصويتية تُستغل سياسياً، لدعم الجماعة في الوصول إلى أغلبية برلمانية، فضلاً عن أدوار النساء في إدارة الحملات الإعلامية لمرشحي الجماعة خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في عامي 2005 و2010؛ وعلى هذا الأساس، فإن دور المرأة الإخوانية السياسي يتصاعد في أثناء الانتخابات النيابية والمحلية، ويرتبط بدورات زمنية محددة، ويمكن القول إنه موسمي، ولا يعبر عن نمو المساواة بين الجنسين داخل الجماعة.

دور محدود وقبول بالأبوية الإخوانية

كما هو واضح، لم تقم المرأة الإخوانية بمراجعة نقدية للمصادر الإسلامية ذات الصلة بموضوع المرأة، أو تتبنّى الدعوة إلى إقامة التوازن والعدالة في إطار العمل التنظيمي أو تتولى تقديم تفسيرات تستند إلى النوع الاجتماعي في التصدي للثقافة الاجتماعية والسياسية والدينية حول تهميش أدوار المرأة. أضف إلى ذلك تقاعسها عن الدعوة بفتح باب التفكير الشرعي المستقل والدعوة إلى الاجتهاد والتجديد لمواجهة تراث يتبنّى أبوية مفرطة، لا مكان فيه للمرأة وتتجسد سلوكيات هذا التراث بفكرة تقديسه والتعامل معه كمجموعة من الحقائق الإلهية المطلقة.

وبالمعنى نفسه، يبدو إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الأبوي وإدامته، أمر تبنّته المرأة في جماعة الإخوان المسلمين، التي تغاضت عن تنحيتها من المشهد السياسي والتنظيمي، لتقبل بدور تابع يتم تفعيله عندما تتطلب الضرورة ذلك. ولا يمكننا القول إن ثمة "نسوية إخوانية" تعبر عن المرأة داخل الجماعة، إذ يفتقر الحراك النسوي الإخواني إلى مشروع فكري ومعرفي يتولى نقد الإشكاليات المتعلقة بالمرأة في التراث الإسلامي، بقصد بناء بديل آخر أكثر عدالة. ولم تتقدم نساء الإخوان بمشروع حداثي للتعريف بالإسلام باعتباره الأداة الأكثر فعالية لتحدي التمييز النوعي داخل المجتمعات المسلمة.

ولهذا، أبدت الأخوات المسلمات ازدراءً لمفهوم النسوية الغربية، ورفضن الاعتراف به نضالاً من أجل ضمان حقوق النساء، إنما اعتبرنه حركة منفلتة لرفع جميع القيود الاجتماعية والالتزامات تجاه الأسرة والمجتمع عن المرأة، ما يؤدي إلى الفردية المفرطة وحتى الفجور[14]. وتشير أميمة أبو بكر الباحثة في تاريخ المشاركة النسائية في الحضارة الإسلامية إلى "دونية" وضع النساء في تنظيمات الحركة الإسلامية، بالإضافة إلى الموقف الفقهي لهذه الجماعات من تولي المرأة مناصب قيادية، وصولاً إلى خطابها الإعلامي (خاصة النسخة السلفية) "المحقر للمرأة"[15].

وبرغم ما تقدم، نجد ثمة ازدواجية في مسار الحراك الإخواني بين النساء والرجال الأعضاء، فالمرأة في الجماعة كانت في انتخابات عام 2011 تروّج لتبنّي حزب الحرية والعدالة مفهوم تمكين النساء والعدالة بين الجنسين، فيما خصص أحد القيادات الإخوانية مجموعة مقالات للهجوم على القوانين التي أعطت حقوقاً للمرأة، مثل قوانين الخلع وحق الرؤية والحضانة واعتبر إسقاطها هدفاً من أهداف الثورة، على اعتبار أنها كانت قوانين "المدام" (نسبة إلى دور سوزان مبارك زوجة الرئيس الأسبق حسني مبارك في إصدارها)[16].

وما كانت تدعو له المرأة الإخوانية في نقدها للأنظمة السياسية من ضرورة تطبيق للديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، قد أوقعها في تناقض صارخ، إذ ما تزال الثقافة السائدة في جماعة الإخوان المسلمين تمنع النساء من اعتلاء المناصب العليا في الجماعة أو على مستوى المناصب الحكومية، وهو ما يقوض مبادئ العدالة وحقوق الإنسان التي يدعون إلى احترامها!؟

وبالمقابل لم تفلح المرأة الإخوانية في تعزيز المساواة النوعية التي تتطلب تغييراً في رؤية قادة الجماعة، التي ظلت تعكس قيماً ذكورية لا تسمح بتوفير المناخ المناسب للمشاركة الفعالة للمرأة في الحياة السياسية والعامة.

وفي 14 مارس 2013، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر بياناً يدين مشروع إعلان أممي بشأن حقوق المرأة، لأنه يتكون من "مقالات تتعارض مع المبادئ الراسخة للإسلام، وتقوّض الأخلاق الإسلامية وتدمر الأسرة.. وستؤدي إلى تفكك المجتمع بالكامل، وستكون بالتأكيد الخطوة الأخيرة في الغزو الفكري والثقافي للبلدان الإسلامية".

ولذلك، فإن حجة الخصوصية الثقافية المعبر عنها بعبارة "نسائنا مختلفات" ومقولة "يجب علينا حماية قيمنا" إنما تعبر عن خطاب طالما استخدمته جماعات الإسلام السياسي، يتم من خلاله التأكيد على تفردها واختلافها، ولهذا عارض صقور الإخوان ومكتب الإرشاد تقدم المرأة في التسلسل الهرمي للجماعة أو حتى ترقيتها سياسياً، رافضين أي إجراءات من شأنها أن تمكنّ المرأة من المطالبة بدور فعال وشغل مناصب عليا.

ووفق تقرير صحفي نُشر قبل ثورة 25 يناير 2011 في مصر عن حياة بعض القياديات في تنظيم الأخوات، وكن في الغالب زوجات قياديين في التنظيم، فإن "عملهن التنظيمي، وأدوارهن داخل الإخوان المسلمين، كان بمنزلة الصندوق الأسود لا نعرف عنه شيئاً". ويضيف التقرير نقلاً عن إحدى هؤلاء السيدات: "لقد اكتشف أن تلك السيدات، رغم ما حصّلنه من علم وشهرة في صفوف التنظيم، يملكن عقولاً مكبّلة، لا تعمل بصورة مستقلة أبداً، ولا يتحركن إلا بتعليمات وأوامر محددة. أتذكر أنني سمعت إحداهن تخطب في جمع من القياديات النسائية بقسم الأخوات المسلمات، عن ضرورة تربية أبنائهن على أنهن سوف يصبحن أمراء للمؤمنين"[17].

المرأة بعد سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين

شكلت ثورة 25 يناير 2011 في مصر مرحلة جديدة لأدوار المرأة الإخوانية، انضمت خلالها إلى حركة الاحتجاج في ميدان التحرير مطالبة بإسقاط نظام مبارك، لتشارك مع رجال ونساء من خلفيات مختلفة: منهم الإسلاميون واليساريون والليبراليون وغيرهم في الثورة كمصريين بهدف واحد: إجبار نظام مبارك على ترك السلطة.

ولكن كان من الواضح أن هذه المشاركة النسوية أُريد بها، دعم الرجل الإخواني، وتعزيز فرص القيادات الإخوانية من الذكور في الوصول إلى السلطة بدعم المرأة، التي لم يكن لها أي دور أو تمثيل فعال يذكر بالرغم من الخطاب الرسمي للجماعة في هذه الفترة والذي كان يشجع على مشاركة المرأة في الانتخابات، وهو خطاب ينم عن انتهازية مفرطة[18]، لأنه كان يقوم على استغلال قضية المرأة شكلياً لتعزيز قبضة الإخوان على السلطة دون اهتمام حقيقي بمنحها حقوقها ومساواتها بالرجل.

وفي هذا السياق، وأثناء تولي الإخوان السلطة في مصر عقب الانتخابات الرئاسية في يونيو 2012، عُينت أميمة كامل عضواً في الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع الدستور، وعملت مساعداً للرئيس محمد مرسي. وعلاوة على ذلك، عينت دينا زكريا المتحدثة باسم حزب الحرية والعدالة.

واعتباراً من عام 2012، سمح الإخوان بانتخاب النساء رؤساء للجان النسائية الإقليمية داخل تنظيمات الجماعة، والتواصل مباشرة مع مكتب الإرشاد، وهي أعلى هيئة لاتخاذ القرار داخل الجماعة، بعد أن كان ذلك محظوراً في السابق.

ومع ذلك، لم تشغل النساء مناصب عليا في حزب الحرية والعدالة، أو جماعة الإخوان. كما لم تتمكن عضوة في أمانة الحزب من الحصول على العدد المطلوب من التوقيعات للترشح لانتخابات رئاسة حزب الحرية والعدالة في عام 2012.

وبعد سقوط حكم الإخوان أنشأ "قسم الأخوات"، عدد كبير من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، بمسميات مختلفة عن "أحوال سجناء الإخوان" داخل السجون، إضافة إلى صفحات بلغات أجنبية متخصصة في الاختفاء القسري الوهمي، لتعبئة الرأي العام الدولي الخارجي. بالإضافة إلى مهام توصيل الرسائل والأموال، وتجهيز الاجتماعات واللقاءات السرية، والتواصل مع العناصر الخارجية لعدم الشك فيهن.

ولما تم تعطيل عمل الكثير من اللجان الداخلية نتيجة القبض على العناصر الفاعلة داخله، قام قسم "الأخوات" بعقد لقاءات عدة شاركت فيها قيادات "الأخوات" في الجامعات لوضع استراتيجية محددة في إدارة الأزمة، وركزن فيها على إبراز دور "الأخوات" وزيادة نشاطهن ودورهن من أجل الحفاظ على الجماعة.

خلاصة القول، لا تشكل المرأة الإخوانية حركة "نسوية" بالمعنى الحقيقي للكلمة، والتي ترتكز فكراً وسلوكاً على تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، فنساء الإخوان هن فواعل حركية مسخرة لخدمة النخبة من رجال الجماعة، ويرتكز نشاطهن على حشد التصويت لمرشحي الإخوان المسلمين، واستغلال مهاراتهن التنظيمية في إدارة الحملات السياسية والانتخابية وتنظيمها، ولكسب عضوات جدد وتجنيدهن للعمل الإخواني.

ولكنهن لا يعملن جدياً على تحقيق المساواة أو محاولة تغيير الثقافة السائدة داخل الجماعة التي تنظر إلى المرأة نظرة دونية.. فالمرأة الإخوانية، منذ انخراطها في الجماعة تتبع سلطة الرجل والثقافة الأبوية في العمل السياسي، ولن يكون بمقدورها أن تكون مؤمنة بقيم المجتمع المدني الذي يوجد فيه الجميع ضمن دستور علماني يؤسس للمساواة والمواطنة والحريات والعدالة الاجتماعية، لأنها قبلت بالتبعية والتنفيذ دون نقاش.


المراجع:

[1] .  Feminist Philosophy, Stanford Encyclopedia of Philosophy, Jun 28, 2018, https://plato.stanford.edu/entries/feminist-philosophy/

[2] .Ibid

[3] . Ibid

[4] .  Exploring Islamic Feminism, Wilson Center, https://www.wilsoncenter.org/event/exploring-islamic-feminism

[5] . اميمة أبو بكر (تحرير)، النسوية والمنظور الإسلامي...آفاق جديدة للمعرفة والإصلاح، (القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2013)، ص10.

[6] . Ambar Ahmad, Islamic Feminism – A contradiction in terms?, Friedrich Ebert Stiftung, New Delhi, May, 2015,p. 4, https://library.fes.de/pdf-files/bueros/indien/11388.pdf

[7] . Mona Kamal Farag, Evolving Female Participation in Egypt’s Muslim Brotherhood, as a thesis for the degree of Doctor of Philosophy in Arab and Islamic Studies, University of Exeter, April 2013.P,41, https://ore.exeter.ac.uk/repository/bitstream/handle/10871/14681/FaragM.pdf?isAllowed=y&sequence=1

[8] . د. مكارم الديري، المرأة في فكر الإمام البنّا، نافذة مصر، 11 مارس 2018، متاح على الرابط: https://egyptwindow.net/Articles/50970/default.aspx

[9] . Omayma Abdel-Latif, In the Shadow of the Brothers…The Women of the Egyptian Muslim Brotherhood, Carnegie Middle East Center, Number 13 October 2008, p. 3, https://carnegieendowment.org/files/women_egypt_muslim_brotherhood.pdf

[10] Hanan Haggag, “The Muslim Brotherhood's exploitation of women”, Ahram onlin, 29 Jun 201:  http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/305807/Egypt/Politics-/The-Muslim-Brotherhoods-exploitation-of-women-.aspx

[11] . أحمد بان، " قواعد الفكر الإخواني (15): انتهازية التعامل مع المرأة"، موقع حفريات، 4 مارس 2018، على الرابط: https://cutt.us/V1vxp

[12] “القوانين واللوائح الإدارية لجماعة الإخوان المسلمين (عام 1944)، على الرابط التالي: https://bit.ly/35ECHFz

[13]  أشرف عبد الحميد، " نساء الإخوان.. تفاصيل خلايا المرأة والمصاهرة في الجماعة"، موقع العربية نت، 5 ديسمبر 2019، على الرابط: https://ara.tv/juehj

[14] . Omayma Abdellatif , Marina Ottaway,  Women in Islamist Movements: Toward an Islamist Model of Women’s Activism, Carnegie Middle East Center, Number 2 , June 2007, https://carnegieendowment.org/files/cmec2_women_in_islam_final1.pdf, p.7

[15] . هاني درويش، مراجعة هبة الله إسماعيل، المرشحات الإسلاميات في مصر...إكسسوار لابد منه أم نسوية جديدة؟، متاح على الرابط: https://bit.ly/2FTyDpY

[16] . المصدر نفسه.

[17] . ياسر خليل، نساء "الإخوان المسلمين" بمصر... "طبيعة شرسة" و"عقول مكبّلة"، صحيفة النهار، 29-08-2019، متاح على الرابط: https://bit.ly/337ojnG

[18] أحمد بان، مرجع سابق.

الإخوان المسلمين

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.