5 يناير 2021

مأساة الإسلاموية: تضخم سياسي ومأزق معرفي

د. محمد بوشيخي

طورت حركات الإسلام السياسي رؤية أيديولوجية تعبر عن خلفيتها النظرية في معالجة قضايا الدولة والمجتمع، وهي رؤية انطلقت من مقاربة واقع المسلم المعاصر عبر التعامل مع النصوص الدينية، سواء أكانت قرآنية أو حديثية، في إطار من الترجيح والانتقاء وفق إملاءات الظروف الزمنية وتقلباتها، مستندة في ذلك إلى المفهوم الشمولي للدين الذي تختزله عبارة "لا إله إلا الله: عقيدة وشريعة ومنهاج حياة"؛ العبارة التي جعلها محمد قطب، شقيق سيد قطب وزعيم القطبية من بعده، عنواناً لأحد أهم كتبه.

وقد انتعشت هذه الحركات في زمن شهد فيه العالم احتدام الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب – وهو الصراع الذي امتدت ارتداداته إلى بقاع مختلفة من العالم العربي/الإسلامي فنشأت تيارات فكرية وسياسية ذات توجهات يسارية، اشتراكية وشيوعية، وأخرى يمينية ليبرالية – فضلاً عن انبثاق فكرة القومية كرؤية فكرية محلية، أو تدعي المحلية، زاوجت بين الأصالة والمعاصرة ورفعت شعارات التحرر والوحدة فألهمت العواطف بطرد الاحتلال من البلاد العربية واستعادة السيادة الوطنية وانبعاث أمجاد العروبة...، غير أن الهزائم العسكرية لأنظمة تبنت القومية وجعلتها عنوانا لبرامجها من أجل التقدم والتنمية كانت لها انعكاساتها على مستوى امتداداتها الشعبية وقناعات النخبة المثقفة بها.

فقد كان للتراجع المستمر للمد القومي في العالم العربي منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بمختلف تفريعاته الناصرية والبعثية، تأثيراً واضحاً على مستوى تنامي الخطاب السياسي للإسلاموية التي باتت تنظر إلى هزائم الأمة وتخلفها كعقاب إلهي عن الانحراف عن الخط المستقيم، فصدعت بدعوة الشعوب للالتفاف حولها بصفتها مجددة للدين[1] وباعثة للأمل في النهوض كما نهض النبي محمد ﷺ بقومه حين أخرجهم من جور الأديان إلى عدل الإِسلام. وقد كان لابد لهذه الدعوة أن تتأسس على أدبيات توجيهية تربط الفكر بالواقع وفق منطق أيديولوجي يسوغ تدخل الدين في التأطير السياسي والاجتماعي.

هكذا استفادت التيارات الإسلاموية في تشكيل أدبياتها الخاصة من كتابات إصلاحية مستمدة من مصنفات حركة التجديد الديني في صياغة رؤية برغماتية تسترشد بسرديات الفقه التقليدي أحياناً والأدوات المنهجية الغربية المنشأ أحياناً أخرى، ومن هنا ارتباكها في استيعاب مفاهيم الثقافة السياسية الحديثة، من قبيل الدولة المدنية، المجتمع المدني، قضايا المرأة، المواطنة...، وما يرتبط بها من مستلزمات تدبير المجتمع الحديث ونظام الحكم الرشيد.

وبهذا تفاعلت الإسلاموية، التي انطلقت في بدايتها من الاجتهادات الفكرية التوفيقية للشيخ رشيد رضا (1865-1935)، مع الواقع السياسي والثقافي بكل تشعباته وملابساته، لكن ليس من أجل إصلاحه في ضوء عيوبه وثغراته وإنما من أجل أسلمته وفق ما تعتبرها مفاسده وانحرافاته. وبذلك وضعت الإسلاموية مخططات "الأسلمة" على رأس اهتماماتها ثم ما فتئت أن انحرفت في مقاصدها حين جعلتها فيصلاً للدخول في الدين وسلامة الإيمان، وليس فقط مطية لتصحيح التدين وطريقة الاعتقاد.

فالإسلاموية التي كان من أبرز روادها، بعد رشيد رضا، أبو الأعلى المودودي (1903-1979) وحسن البنا (1906-1949)، سعت إلى بناء هوية تستند إلى الدين في التنظير والممارسة، فانساقت نحو المزيد من التشدد والانغلاق فانتهى بها المطاف إلى إنتاج خطاب أيديولوجي، على المستويين السياسي والمعرفي، يصادم الواقع ويرفضه؛ إنها الأيديولوجيا التي أرادت أن تكون حاكمة في السياسة كما في المعرفة، فكانت نتيجتها تضخم سياسي ومأزق معرفي.

  • التضخم السياسي: فشل نموذج الخلافة

تزامنت ولادة الإسلاموية مع التطورات التاريخية التي أفضت إلى انهيار الخلافة الإسلامية، عام 1924، وخضوع معظم البلاد الإسلامية لسيطرة القوى الغربية وتراجع المؤسسة الدينية الرسمية عن وظائفها التأطيرية والقيادية لبلورة خطاب ديني حديث قادر على استيعاب خصوصية المرحلة التاريخية واقتراح مبادرات عملية للخروج من متاهاتها، ما دفع برواد الإسلاموية إلى الانتظام في نسق سياسي مميز له غاياته ومنطقه الخاص في تصور شكل السلطة وطريقة ممارستها.

وبهذا النسق السياسي انتقلت الإسلاموية من مستوى التيار الفكري الهلامي إلى مستوى البناء المؤسسي الهيكلي بمرجعية معلومة وأهداف مرسومة وأدوات محددة، لا سيما بعد أن عبَّرت عن نفسها تنظيمياً، منذ عام 1928، في إطار جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا، تلميذ رشيد رضا والمسؤول عن مجلة المنار من بعده.

غير أن إسلاموية البنا اختلفت عن إسلاموية أستاذه رشيد رضا من حيث نوع ودرجة انغماسها في العمل السياسي؛ إذ حضرت السياسة في تصور البنا بالمفهوم الحزبي التنافسي كنتيجة مباشرة وطبيعية لضيق الأفق المعرفي لصاحبه مقارنة برضا، وبالتالي صار العمل السياسي بمثابة العامل المحرك الأساسي، إن لم يكن الوحيد، لمشروع الإسلاموية الفكري والأداة المنتجة لمفاهيمه، بينما كانت السياسة في فكر رشيد رضا عاملاً محفزاً للتفكير في حقل معرفي أوسع وأعمق يشمل الواقع الكلي للأمة، بمصالحها المادية وحاجياتها الروحية، ويعبر عن تصور شموليتشكيل الفا لعلاقة الحاكم بالمحكوم في سياق امتدادات فكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من قبله.

كما أدى الوعي المتزايد بالتراجع الحضاري للعالم الإسلامي أمام الغرب وتفشي أدوات التنظيم الإداري الأوروبي في دوله وزحف منتجات العقل الغربي في دائرة الثقافة العربية الإسلامية إلى ردَّات فعل نفسية إزاء كل ما يرتبط بالحضارة الغربية، وبهذا تم اختزال الإخفاق الحضاري في المشكلة السياسية ما أدى إلى التركيز في مقاومة التسيُّد الغربي للعالم على استنفار الجانب السياسي دون غيره واعتباره أصل المعضلة وليس تجليًا لها. وهو ما تعزز بانتصار الثورة الخُمينية في إيران عام 1979 التي رفعت شعار نصرة "المستضعفين" ومكافحة "المستكبرين" وعلى رأسهم "الشيطان الأكبر"، الشيء الذي كان له وقعه على مسار الإسلاموية السنية من حيث تعاظم الحضور السياسي في مشروعها.

كل هذا جعل نموذج الخلافة الراشدة، بصفتها نظاماً سياسياً على منهاج النبوة، يحضر بمثابة الـ "براديغم" (النموذج الفكري) الفاعل والمؤثر في نمط تمثل الإسلاموية لطبيعة السلطات وتنظيمها داخل الدولة. ولا يخفى هنا أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تمثل بحق الرد العملي على سقوط الخلافة الإسلامية بالأستانة عام 1924، ومن هذا المنطلق ناهضت كل المبادرات التي تزامنت مع صدور كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ الأزهري علي عبد الرازق عام 1925، والتي استهدفت بلورة فقه سياسي حديث يضع الكيان السياسي وشكلياته التنظيمية في خانته الطبيعية بصفته منتوجاً بشرياً قابلاً للرد والنقد وليس أصلاً دينياً يرتبط بصحة الإيمان ونقاء العقيدة.

ومن خلال موقفها من الخلافة ستتحدد نظرة الإسلاموية إلى كل المقتضيات الشرعية للحكم من مثل "البيعة" و"الحسبة" و"الشورى" و"أهل الحل والعقد"، وذلك عبر إعادة قراءة هذه المقتضيات في سياق برغماتي ينشد مواكبتها لتحديات العصر ومستلزماته؛ حيث صارت البيعة بمقتضى رؤيتها "التجديدية" تشكل الصورة الإسلامية لعملية الانتخاب كما أدرجت الحسبة في إطار مهام الشرطة، في حين باتت الشورى تعكس الديموقراطية، أما أهل الحل والعقد - أو أولوا الأمر - فصاروا يعبرون عن الهيئة النيابية أو البرلمان في الدولة الحديثة.

بل انتقلت الإسلاموية – على مستوى عملها النظري – من إطار الخلافة "المتخيلة" إلى إطار التنظيم "القائم" وأسقطت مفردات الفقه السياسي الذي نشأ في الإسلام أساساً لمعالجة أمور الدولة على قضايا التنظيم فصار زعيم الحركة يتلقب بالإمام ويُعين وفق شروط تنصيب الخليفة وتعقد له البيعة وتفرض له الطاعة، فصار أعضاء التنظيم بمثابة الرعية في دولة الخلافة التي تدين بالولاء للإمام ولا تخرج عن رأيه مخافة شق صف الجماعة و"كسر بيضة الإسلام". فتكرست نزعة القائد الملهم في المخيال الشعبي للإسلاميين، ومن ثمة حرمة مركزه بصفته نائباً عن النبي وقدسية مهامه التي باتت تجمع سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء، مع ما يترتب على كل ذلك من تشوهات في وعي الأتباع من انتماء للتنظيم والولاء لقيادته على حساب الانتماء للوطن والتوحد في بيته.

فمرجع الأزمة في الإسلاموية يعود أساساً إلى التكييف الحديث لشرعية "الخلافة"، أو "الإمامة" بتعبير أدق، حين خالفت ما استقر عليه علم الكلام الإسلامي بجعلها ضمن فروع الدين، أي من الفقهيات التي ليست سوى اجتهادات بشرية وهو ما جاء في حديث الإيجي عن الإمامة بأنها "عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا"[2]، بينما أضحت في تصور الإسلاموية جزءاً من أصول الدين، أي من أمور العقيدة التي يقود الخلاف بشأنها إلى الخروج عن الدين، وهكذا نطق حسن البنا قائلاً "الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه"، وأن "الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع"[3]. وقد صار على هذا النهج سيد قطب حين نظَّر لمفاهيم الجاهلية والحاكمية والمفاصلة؛ فانتصر لخيار التكفير وليس التفكير والتفجير وليس التعمير.

بل زادت الإسلاموية الأمر تعقيداً حين استعارت مفاهيم "أحكام الديار" من الفقه السياسي التقليدي في سياق بناء رؤيتها السياسية للواقع الدولي المعاصر دون اعتبار لتحولات قواعد التحاكم في العلاقات الدولية وتجاهل الثابت والمتغير في الضوابط التي تقرها المواثيق والأعراف الدولية؛ فقسمت العالم إلى دار سلم ودار حرب، وبذلك فتحت على الأمة متاهات جديدة لإعادة تعريف نفسها وعدوها وانتهت إلى طرح حتمية الجهاد لكن ليس بوصفه أداة تحرير، استدعتها الظروف، إنما كـ "فريضة غائبة" وجب إحياؤها ولا يصح الإسلام إلا بها.

هكذا مثلت المشكلة السياسة، متجلية في الخلافة وضرورة استعادتها وتطبيق مقتضياتها، الأصل الأول الذي منه تفرعت كل الطروحات الفكرية للإسلاموية، ما يعكس تضخم الحضور السياسي ومركزيته في رسم تمثلاتها لمشروعها المجتمعي وبناء منظومة القيم التي تسعى لترسيخها كتعاليم شرعية يحرم مخالفتها.

وقد كان جلياً، في هذا السياق، أن تتطور الإسلاموية نحو إنتاج صور أكثر راديكالية وأشد عنفاً في شكلها اللاحق فتناسلت مسميات "التكفير والهجرة"، "الجهاد الإسلامي"، "الجماعة الإسلامية"...، إلى أن ظهرت "السلفية الجهادية" بأشكالها التنظيمية المختلفة من "القاعدة" و"داعش"، و"أنصار الشريعة"...، فاحتل مفهوم "القتال" في الصيغة الحديثة للإسلاموية مكان "السياسة" في صيغتها الأولى.

  • المأزق المعرفي: طوباوية القيادة العالمية

نشأت الإسلاموية كدعوة طهرانية إلى الإسلام من خلال الترويج لخطاب روحاني أخلاقي أساساً يتوجه للفرد كلبنة أولى ممهدة لمخاطبة المجتمع والدولة، وذلك قبل أن تنتظم في نسق أيديولوجي تلبَّس بفكرة الشمولية للدعوة المحمدية.

ومن هذا المنطلق الشمولي لرؤيتها الأيديولوجية تناولت الإسلاموية قضايا العلم أيضاً بدعوتها إلى "أسلمة المعرفة"، فأصبحت إسلامية المعرفة "جانب أساسي في بناء الإسلامية، يختص بالفكر والتصور والمحتوى الإنساني القيمي وكيفية بنائه وتركيبه وعلاقاته في النفس والعقل والضمير"[4]. فالتفت حول مشروعها نخبة من الإسلاميين كان من أهمهم إسماعيل الفاروقي، طه جابر العلواني، محمد قطب، عبد الوهاب المسيري، محمد عمارة، عماد الدين خليل، عرفان عبد الحميد فتاح وغيرهم كثير.

وقد قامت الدعوة إلى أسلمة المعرفة على إعادة النظر في المناهج العلمية[5] ونقد نماذج التعليم الغربية ومراجعة المقررات الدراسية في المؤسسات التعليمية الإسلامية ...، وذلك من خلال عرضها على خصوصيات التجربة الإسلامية "الأصيلة" في تدوين العلوم وتصنيفها وتطوير آليات معرفية جديدة لتأصيل المنجزات الغربية في تربة الثقافة الإسلامية.

وعلى الرغم من صعوبة تحديد تاريخ  معين لانطلاق مشروع أسلمة المعرفة، التي يعدها أصحابها حلقة من حلقات التجديد والإصلاح الثقافي[6]، فإن البواكير الأولى لتأسيسها المنهجي المنظم تعود إلى عام 1981؛ تاريخ تأسيس "المعهد العالمي للفكر الإسلامي"[7] الذي عكف مديره إسماعيل راجي الفاروقي على وضع مبادئ عامة للمشروع وطرح خطة عمل لتحقيقه، وذلك في إطار بحثين شارك بهما في ملتقى علمي بإسلام أباد في يناير 1982، قبل أن يصدرهما المعهد الذي يديره في شكل كتاب مستقل عام 1983 تحت عنوان "أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل"، واعتبره "أنسب هدية يمكن أن تقدم في هذا العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري «لكافة» علماء المسلمين في أنحاء العالم"[8]، وذهب إلى أن الدراسة التي يتضمنها الكتاب "تُعلن بقوة أن «الأمة» تعاني من انحراف خطير يتهددها"، وأنها "تحاول أن تقدم للأمة علاجاً أكيداً يعيد إليها العافية" وتحثها على التقدم إلى الأمام "نحو الدور المقدر لها"؛ أي نحو "تحمل مسؤولية قيادة العالم"[9].

فهل نجحت الإسلاموية فعلاً في تقديم رؤية للمعرفة تنتشل الأمة من أزماتها وتحملها إلى قيادة العالم؟ سؤال ظل يتردد قرابة أربعة عقود على الرغم من حدة النقاش والجدال الذي فجَّره وما رافقه من إصدارات حول أطروحة "الأسلمة" دعماً أو نقداً.

لقد طورت الإسلاموية مفاهيم خاصة في التنظير لـ "إسلامية المعرفة" بما يخدم حلمها بنقل الأمة إلى مركز "قيادة العالم"، ولعل أبرز هذه المفاهيم، مفهوم "التحيز" الذي وُظف في سياق فضح موضوعية المعرفة والكشف في المقابل عن زيفها وارتباطها بالذات الثقافية الغربية؛ فالتحيز يعني حسب عبد الوهاب المسيري تضمن النماذج المعرفية والوسائل والمناهج البحثية لقيم ثقافية مستترة "توجه الباحث دون أن يشعر بها، وإن شعر بها وجدها لصيقة بالمنهج لدرجة يصعب معه التخلص منها"[10]، واعتبر أهم أشكال التحيز وأكثرها شيوعاً في العالم "التحيز للنموذج الحضاري والمعرفي الغربي الحديث وما يتفرع عنه من تحيزات"[11]؛ وهو ما ينطوي على كون المواد والمناهج التي يمارسها الباحثون المسلمون أو تدرس في المؤسسات التعليمية في الدول الإسلامية تؤثر، بشكل لا شعوري، "في الطالب تأثيراً سيئاً معادياً للإسلام"[12].

غير أن أسلمة المعرفة، ظلت في تصور معارضيها مجرد يافطة للأدلجة وفق الرؤية الشمولية للإسلاموية. وذلك انطلاقاً من الطبيعة العالمية والمجردة للمعرفة التي لا يمكننا صبغها بدين أو ثقافة معينة كونها المسؤولة عن إنتاج أدوات التشخيص والتحليل على أساس "مسح الطاولة"؛ أي الأدوات نفسها التي تعين في تشكيل أدوات الفهم  بل أنوالتآويل الخاصة بكل دين وبكل ثقافة.

ولا يخفى في هذا السياق تأثير أجواء التنافس الأيديولوجي في صياغة المنطلقات الفكرية المؤطرة لمشروع "أسلمة المعرفة"؛ وهي منطلقات اتسمت بالتعاطي الإنفعالي في تناول المسألة العلمية إذ هيمنت عليها "بقدر كبير من التحامل" مقاربة "النقد والإبطال" على حساب ضرورة "الاستيعاب ومحاولة الفهم"[13]، وقد تعزز التنافس الأيديولوجي– من الناحية النفسية – بذيوع مشاعر الاغتراب التي تملكت جزءاً ليس باليسير من النخبة المثقفة في العالم الإسلامي فدعت إلى التزام الخصوصية الثقافية واحترام مقومات الهوية التاريخية، نتيجة فشل سياسات التحديث والضغوطات المتولدة من مد العولمة في عالم يُدار بالقوة العسكرية والعلمية[14].

وبالتالي يندرج مشروع "أسلمة المعرفة"، المنبثق من الرؤية الشمولية للإسلاموية، في إطار الضوابط الحاكمة لتصورها بشأن الآخر الغربي ذو الأفق الليبرالي الذي يتحكم في القيادة الفعلية للعالم ويسعى إلى تعميم نموذجه الحضاري والمعرفي على مستوى شعوب الكرة الأرضية قاطبة؛ وهذا ما يعدُه خصوم الإسلاموية مزايدة أيديولوجية أو "خطاب أيديولوجي يقوم على التبسيط والإختزال لعالم الفكر ومساحات المعنى"[15] بحسب المفكر اللبناني علي حرب.

ولهذا يمكن القول إن "أسلمة المعرفة" شكلت تعبيراً أيديولوجياً بامتياز لا يمكن بحال ربطه بالحقيقة الدينية، وصار القول به "أشبه ببدعة" لأننا "لا نجد لدى المسلمين القدامى تصنيفاً للعلوم على أساس ديني"[16]، فالعلم في التصور الإسلامي يطلب بصرف النظر عن منتجه وهذا ما يشير إليه الحديث المنسوب للنبي "اطلبوا العلم ولو في الصين"، ويبقى المهم أن "تُستوفى معاييره من الدقة والإحكام"[17]؛ ومن ثمة فالدعوة إلى أسلمة المعرفة ليست سوى "نوع من التشبيح الأيديولوجي" يروم الإلتفاف "على الحقائق والسطو على المعارف"[18].

وهذا النقد، ومثله كثير مما أطلقه المناوئون لأسلمة المعرفة، شدَّ انتباه المدافعين عنها؛ ولعل من أبرز هؤلاء طه جابر العلواني، الرئيس السابق للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، الذي أرجع "عدم الاهتمام الكافي بقضية مناهج الفكر وإسلامية المعرفة" إلى أسباب تتعلق بـ "محاربة أيديولوجيات محتكرة للفكر؛ لخطابه ودعوته"[19]، متهماً معارضيه بـ "العجز عن التفريق بين العلم من جهة، وبين منطلقاته وهدفه وقيمه وحكمته من جهة أخرى"، وهذا كله يرجع بحسبه إلى "الوهم المنطلق من عالمية المعرفة الذي غرسه وأورثه الاستلاب الثقافي لأمتنا الإسلامية"[20].

غير أن الدعوات المناهضة لمشروع أسلمة المعرفة لم تقف عند حدود "الأيديولوجيات المحتكرة للفكر" حسب توصيف العلواني، والتي يقصد بها الفكر الحداثي أو التقدمي مثل الليبرالية والإشتراكية، وإنما امتدت لتعبر عن قناعات شخصيات علمية متخصصة في العلوم الشرعية ولها وزنها في المؤسسة الدينية التقليدية من أمثال محمد سعيد رمضان البوطي الذي ذكر أن "الإسلام لا يتطلب أكثر من أن تكون المعرفة معرفة صحيحة، صافية من الشوائب، وبعيدة عن التحيز إلى أي جهة قد تبعدها عن ميزاتها العلمية الحيادية"[21].

واليوم، بعد مرور حوالي أربعة عقود من إطلاق تجربة "أسلمة المعرفة" لا يمكن سوى الجزم بتراجع ذلك الزخم الذي شهدته السنوات الأولى من المشروع، بل وانهيار حلم تأسيس نموذج معرفي إسلامي يتسم بصفة "الواقعية" ناهيك عن منافسة  "المركزية الغربية" في قيادة العالم، لا سيما بعد رحيل معظم دعاتها وأبرزهم ممن حملوا لواء النهضة العلمية على سرديات أيديولوجية وليس حقائق كونية.

خاتمة

إن كان لا بد من كلمة تأبين في حق الإسلاموية - تستعرض مآسيها وتستنطق جراحها - فإنها لن تكون أفضل من مساءلة قدرتها على التجدد والانطلاق في ضوء التضخم السياسي الذي استبطنته والمأزق المعرفي الذي آلت إليه.

إذ الواقع أن مأساة الإسلاموية التي عرضنا ملامحها في هذه الورقة عبر مناقشة الوضع التراجيدي الذي اكتنف أيديولوجيتها على مستوى "التضخم السياسي" من جهة و"المأزق المعرفي" من جهة أخرى، تشرح جانباً من أوجه إخفاق الأحزاب والتنظيمات الإسلاموية في إدارة جهاز الحكم في عدد من الدول العربية ومن ثمة مسؤوليتها عن الاضطرابات التي هزت أمنها واستقرارها غداة موجة "الفوضى الخلاقة" أو ما عرف إعلامياً بثورات "الربيع العربي".

وذلك لأن الإسلاموية، انطلاقاً من استطلاع تاريخ تطوراتها وتحولاتها وفي ظل معايشتها لهاجس الموت والانقراض، ستجد نفسها مرغمة على مراجعة ثوابتها الأيديولوجية بما يتيح لها تجديد أدواتها السياسية وآلياتها المعرفية، ولعلها ستجد هذه المرة في المداخل المنهجية لفلسفة طه عبد الرحمن[22]، الغارقة في التصوف والعرفان، ما يعينها على إعادة التأسيس الأيديولوجي والتسويغ الشرعي لمشروعها الطوباوي.


المراجع

[1] بناء على حديث "أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، خالف يوسف القرضاوي اجتهاد الشراح الذين اعتبروا "مَن" في قوله "مَن يجدد" تعود للمفرد، قائلاً "الذي انتهيتُ إليه أن «مَن» تصلح للجمع، كما تصلح للمفرد، بل هي في الحديث أولى أن يراد بها الجمع، فليس بالضرورة أن يكون المجدد فرداً واحداً، بل قد يكون جماعة لها كيانها الواحد". يوسف القرضاوي، الإسلام والعلمانية: وجهاً لوجه، ط 7 (القاهرة: مكتبة وهبة، 1997)، ص 164.

[2] عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، المواقف في علم الكلام (بيروت: عالم الكتب، د. ت) ص 395.

[3]  حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام البنا (القاهرة: دار التوزيع والنشر الاسلامية، ط 2، د. ت)، ص 355.

[4]  طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، ط 5 (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2009)، ص 188.

[5] حول هذا يدعوا الفاروقي إلى إعادة صياغة فنون الغرب وعلومه الإنسانية والاجتماعية برمتها، و"أن تقوم قواعدها الأولية على أساس جديد يتطابق مع عالمية الإسلام. كما ينبغي أن يمدها المفكرون المسلمون بقيم جديدة، أعني بقيم وغايات إسلامية، لتكون بمثابة أهداف عليا لترشيد البحوث الاجتماعية". إسماعيل راجي الفاروقي، "أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل"، ترجمة عبد الوارث سعيد (الكويت: دار البحوث العلمية، 1983)، ص 69.

[6]  طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، مرجع سابق، ص 91.

[7] يقول الفاروقي لا نعرف مسلماً من قبل درس أسلمة المعرفة "بعمق يكفي لإدراك متطلباتها إدراكاً واضحاً وتحديد خطواتها ومقاييسها التنفيذية (...) وقبل أن تبدأ جامعة «إسلام أباد» التعاون مع «المعهد العالمي للفكر الإسلامي»، لم نجد أي معهد تعليمي في العالم الإسلامي قد حرك ساكناً نحو أسلمة المعرفة أو إعداد كتب إسلامية في المواد الدراسية تصلح للاستخدام في الكليات أو حتى إعداد الأدوات الضرورية للبحث من أجل تأليف هذه الكتب (...) وعلى المستوى الرسمي حيث تتوفر قوة اتخاذ القرار، لا يجد المرء أكثر من الكلام الذي يصدر عن الجهلاء أو يستهدف تضليل الجماهير". انظر: إسماعيل راجي الفاروقي، أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل، مرجع سابق، ص 31.

[8]  المصدر نفسه، ص 2.

[9]  المصدر نفسه.

[10] عبد الوهاب المسيري، "فقه التحيز"، في: إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، الجزء الأول، ط 2 (فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996) ص 5-6

[11] المصدر نفسه، ص 70.

[12]  إسماعيل راجي الفاروقي، أسلمة المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل، مصدر سابق، ص 19-20.

[13] بلال التليدي، "هل نجح الإسلاميون في اسلمة المعرفة؟ قراءة في المسار"، 21 أبريل 2020، موقع عربي 21، على الرابط التالي: https://bit.ly/2UEFojw

[14] Zouaoui Beghoura, “L'islamisation de la connaissance. Entre savoir et pouvoir”, Le Télémaque,

 novembre 2008, n° 34, p 138.

[15] علي حرب، الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2010)، ص 170.

[16] المصدر نفسه، ص 161.

[17] المصدر نفسه، ص 161-162.

[18] المصدر نفسه، ص 170.

[19]  طه جابر العلواني، إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، مرجع سابق، ص 79.

[20]  المصدر نفسه، ص 80-81.

[21] مؤلف جماعي، المنهجيَّة الإسلامية والعلوم السُّلوكية والتّربوية، ط 2 (فيرجينيا: المعهد العالَمي للفكر الإسلامي، 1994)، ص 94

[22] نرشح هذا التوجه من منطلق ما عايناه من تقارب نخبة واسعة من الإسلاميين مع طه عبد الرحمن والاهتمام بفكره والاحتفاء بإصداراته التي تتقاطع مع إسلامويتهم في نقد المركزية الغربية وتمجيد الذات الإسلامية في أفق استلهامها وإعادة تمثلها.

الإرهاب الاسلام السياسي التطرف
تقيمك يهمنا

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.