3 أغسطس 2022

مقتل الظواهري وتداعياته المستقبلية

إدارة دراسات الإسلام السياسي

استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تحقيق نجاح مهم في حربها ضد الإرهاب، حيث خرج الرئيس الأمريكي مساء الإثنين الموافق الأول من أغسطس 2022، ليوجه كلمة إلى الشعب الأمريكي تناقلتها كافة وسائل الإعلام الدولية، أعلن خلالها عن نجاح بلاده في توجيه ضربة قوية إلى تنظيم القاعدة، بعدما تمكنت يوم السبت الموافق 31 يوليو 2022 من قتل أيمن الظواهري زعيم التنظيم، وهو في مسكنه في العاصمة الأفغانية كابول، عبر استهدافه بصواريخ هيلفاير.

وتحمل عملية قتل أيمن الظواهري مجموعة من التساؤلات المهمة التي تدور حول توقيت تنفيذ العملية وطريقة الإعلان عنها، وحول ما تحمله من رسائل وما ستخلفه من تداعيات سواء على بنية تنظيم القاعدة ذاته، أو على فروعه التي باتت أكثر قوة في الآونة الأخيرة، أو على حركة طالبان في أفغانستان.

وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة على هذه التساؤلات من خلال ثلاثة محاور رئيسية، حيث يركز المحور الأول على تحليل توقيت تنفيذ العملية والرسائل العديدة التي تحملها، فيما يسلط المحور الثاني الضوء على تداعيات العملية على تنظيم القاعدة وفروعه مع محاولة استشراف مستقبل التنظيم، وأخيراً يرصد المحور الثالث التداعيات التي يمكن أن تترتب على العملية على حركة طالبان في أفغانستان.

أولاً: عملية استهداف الظواهري.. رسائل داخلية وخارجية:

شكل إعلان الرئيس بايدن عن مقتل الظواهري، واثنين من مساعديه، في غارة صاروخية بكابول[1]، بمثابة ضربة استراتيجية لتنظيم القاعدة، ربما تعد هي الأعنف والأقوى منذ نجاح الولايات المتحدة في قتل أسامة بن لادن قبل نحو 11 عاماً. وقد جاء هذا الإعلان في توقيت في غاية الأهمية، وتمكنت الإدارة الأمريكية من خلاله توجيه مجموعة من الرسائل سواء إلى الداخل الأمريكي أو إلى الخارج.

1- رسائل موجهة إلى الداخل الأمريكي:

حملت عملية استهداف الظواهري مجموعة من الرسائل التي نجحت إدارة الرئيس بايدن في توجيهها إلى الشعب الأمريكي، والتي تمحورت حول قدرة الإدارة على توجيه ضربات قاصمة ضد تنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري وذلك في إطار حربها ضد الإرهاب، وإثبات انها لم تتخل عن هذه الحرب وإنما ستواصلها لتحقيق العدالة لضحايا التنظيم وللدفاع أيضاً عن أمن المواطن الأمريكي وهو ما حرص على تأكيده بادين خلال كلمته التي أعلن خلالها عن قتل الظواهري. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى رسالتين مهمتين وذلك على النحو التالي: –

  • تأكيد قدرة إدارة بايدن على تحقيق العدالة لضحايا تنظيم القاعدة: تستطيع إدارة بايدن بعد هذه العملية التأكيد على قدرتها على تحقيق العدالة، حيث ترغب الإدارة الديمقراطية في أن تحل ذكرى 11 سبتمبر، وهي تحمل في جعبتها انتصاراً للضحايا وأسرهم، وهو ما أكده الرئيس بايدن حين قال في كلمته إن “العدالة تحققت وأخذت مجراها”، الأمر الذي جعل الرئيس الأسبق باراك أوباما، يعلق على استهداف الظواهري معتبراً أن العملية “تكريم لقيادة الرئيس جو بايدن، وأعضاء مجتمع الاستخبارات الذين عملوا لعقود من الزمن لأجل هذه اللحظة، ومحترفي مكافحة الإرهاب الذين تمكنوا من تحييد الظواهري من دون أي إصابة مدنية”[2].
  • تأكيد القدرة على الانتقام من الظواهري: وهي نقطة مرتبطة بسابقتها، حيث ترى الولايات المتحدة أن الظواهري تورط في العديد من العمليات الإرهابية التي استهدفت مصالح أمريكية طيلة نحو ثلاثة عقود ماضية وخلفت العديد من الضحايا الأمريكيين، خاصة وأنه صاحب نظرية “قتال العدو البعيد” وهو الولايات المتحدة، وقد اتهمت واشنطن الظواهري بالضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وفي تفجير المدمرة كول في عام 2000، وفي التخطيط لهجمات 11 سبتمبر 2001، وكلها هجمات أوقعت ضحايا أمريكيين قدروا بالآلاف[3]. وفي دلالة على مدى أهمية الظواهري لدى الولايات المتحدة، رصد مكتب التحقيقات الاتحادي (إف. بي. آي) 25 مليون دولار مكافأة لمن يدلي بمعلومات تقود إليه[4].

ولا شك أن تنفيذ هذه العملية والإعلان عنها يساعد الإدارة الأمريكية في تحقيق هدف مهم جداً في هذه الفترة، وهو استعادة شعبية الرئيس الديمقراطي جو بايدن، خاصة وأن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات التجديد النصفي لانتخابات للكونجرس في منتصف نوفمبر القادم، ويدخلها الحزب الديمقراطي وهو محمل بأعباء الكثير من الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها إدارة بايدن، والتي تسببت في حالة غير مسبوقة من ارتفاع الأسعار في البلاد، والتي أدت بدورها إلى موجة من التضخم، دفعت الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع سعر الفائدة أكثر من مرة، وذلك في محاولة لكبح جماح ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية[5]. هذا فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب الروسية في أوكرانيا وتحمُّل المواطن الأمريكي أعباءً معيشية كبيرة نتيجة هذا الارتفاع.

2- رسائل موجّهة إلى الخارج:

يحمل استهداف الظواهري العديد من الرسائل الموجهة إلى الخارج، ومن أهمها ما يلي: –

  • التفرد بالقيادة: سعت الولايات المتحدة من خلال عملية قتل الظواهري إلى أن تثبت للكثيرين في العالم، وللذين تحدثوا في الفترة الأخيرة عن تراجع دورها القيادي، خاصة بعد المشهد الهزيل لانسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان، ونجاح روسيا في ايجاد موطئ قدم لها في البحر المتوسط عبر إقامة قاعدة عسكرية لها في سوريا، وشنها الحرب على أوكرانيا – تثبت أنها لا تزال قادرة على تحمل مسؤوليتها الدولية، وأن يدها لا تزال قادرة على أن تصل لكل من يهدد مصالحها الاستراتيجية في أية بقعة على ظهر الكرة الأرضية. وأنها لا تزال قادرة على تحمل عبء قيادة النظام الدولي منفردة في ظل التشكيك الذي صاحب عملية الصعود الاقتصادي للصين.
  • التأكيد على استمرارية الحرب على الإرهاب: تستطيع الولايات المتحدة عبر هذه العملية النوعية أن تؤكد للعالم عامة، ولدول منطقة الشرق الأوسط خاصة، أنها مستمرة في حربها على الإرهاب، أينما وجد، وأنها لن تتوقف عن هذه الحرب العادلة لتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين. الأمر الذي أكد عليه الرئيس بايدن خلال مشاركته في قمة “الأمن والتنمية” في جدة، والتي عقدت في منتصف شهر يوليو 2022، حيث أكد على مواصلة جهود الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب، والعمل على إعادة الاستقرار في أفغانستان، وهو هنا يحاول أن يثبت أنه جاد في إنجاز ما قطعه على نفسه أمام قادة المنطقة، وأن الحرب على الإرهاب لن تتوقف من قبل إدارته الديمقراطية.
  • التأكيد على جدوى استراتيجية “اصطياد الرؤوس الكبيرة” في الحرب على الإرهاب وأنه يمكن مواصلة هذه الحرب من دون وجود قوات على الأرض، فعملية قتل الظواهري، ليست الأولى من نوعها، وإنما سبقتها العديد من العمليات المشابهة، حيث نجحت الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس بارك أوباما وبالتحديد في 2 مايو 2011، في قتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، كما نجحت في أكتوبر عام 2019 خلال عهد الرئيس دونالد ترامب في قتل زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي. وقد جاء تنفيذ هذه العمليات في ظل تبلور توجه جديد في حرب الولايات المتحدة على الإرهاب، يقوم على استهداف قيادات التنظيمات الإرهابية بدون الحاجة إلى وجود قوات أمريكية على الأرض، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “عمليات اصطياد الرؤوس الكبيرة” للتنظيمات الإرهابية، الأمر الذي اتضح أكثر من خلال استهداف القوات الأمنية الأمريكية عدداً من قيادات التنظيمات الفرعية لداعش والقاعدة في سوريا وعدد من الدول الأفريقية.
  • التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تسمح بتحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للإرهاب، وهو ما أكده الرئيس بايدن في أكثر من مناسبة، حين شدد أن بلاده ستواصل ملاحقة الإرهابيين ومراقبة تنظيم القاعدة في أفغانستان[6]. ولا شك أن عملية استهداف الظواهري التي بدا أنها خُططت بدقة على مدى شهور طويلة، وأنها نُفذت بعناية لتقليل الأضرار الجانبية ولعدم سقوط ضحايا مدنيين، تثبت أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً كبيراً في أفغانستان يجعلها قادرة رغم انسحاب قواتها من البلاد على ملاحقة التنظيمات الإرهابية هناك[7].
  • التأكيد لحركة طالبان على ضرورة الالتزام باتفاق الدوحة: فقد جاء استهداف الظواهري قبل أسبوع من الذكرى السنوية الأولى لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان وتركها البلاد تحت سيطرة حركة طالبان[8]، ومن ثم ترغب الولايات المتحدة أن تؤكد للحركة أنها لاتزال قادرة على مواجهتها، وأن عليها أن تلتزم ببنود اتفاق الدوحة. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية أنتوني بلينكن إن حركة طالبان انتهكت “على نحو صارخ” اتفاق الدوحة من خلال استضافة أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة وإيوائه، وأضاف في بيان: “في مواجهة عدم رغبة طالبان أو عدم قدرتها على التقيد بالتزاماتها، سنواصل دعم الشعب الأفغاني بمساعدات إنسانية قوية والدعوة لحماية حقوق الإنسان، وخاصة حقوق النساء والفتيات”[9]. وفي هذا الإطار، اعتمدت استراتيجية الانسحاب الأمريكي بالدرجة الأولى على أن انسحاب قواتها سيمكنها من الاحتفاظ بالقدرة على شن هجمات “عبر الأفق” من أماكن أخرى على العناصر الإرهابية داخل أفغانستان.

ثانياً: تداعيات قتل الظواهري على تنظيم القاعدة

تثير عملية قتل الظواهري عدة تساؤلات حول مستقبل تنظيم القاعدة، ومدى قدرة التنظيم في الحفاظ على وحدته وتماسكه، لاسيما وأنه لم يكن المنظر الفكري الأول فحسب، وإنما كان بمثابة حجر الزاوية في ارتباط الفروع بالتنظيم المركزي، بالنظر لما كان يتمتع به من ثقل تنظيمي وفكري؛ ما جعله محل إجماع قيادات هذه الفروع.

1- مستقبل التنظيم الأم بعد مقتل الظواهري:

جاء مقتل الظواهري في وقت يعاني فيه تنظيم القاعدة الأم من التراجع والانحسار الشديد، نتيجة مجموعة من العوامل الهامة، ما قد يزيد من مشاكله ويدخله في دوامة من الأزمات قد لا يستطيع الخروج منها، ويمكن تحديد أهم تلك العوامل في النقاط التالية:

أ- فقدان التنظيم معظم قياداته التاريخية التي قامت بالمساهمة في تأسيسه وتوسيع نفوذه على مدار السنوات الماضية، وذلك جراء المطاردات التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية، والتي أسفرت عن مقتل العديد منهم، على غرار “أبو محمد المصري” الذي كان يوصف بالرجل الثاني في التنظيم، وتم اغتياله في قلب طهران في 7 أغسطس 2020، والذي اتهمته واشنطن بلعب دور بارز في استهداف سفارتي أمريكا في نيروبي بكينيا ودار السلام بتنزانيا العام 1998[10].

ب- عدم وجود جناح مسلح للتنظيم، يخضع لسيطرة القيادة بشكل مباشر، ولديه القدرة على تنفيذ الهجمات المسلحة، وذلك نظراً إلى الضربات المتلاحقة التي تعرضت لها المجموعات التابعة للتنظيم منذ 11 سبتمبر 2001 وحتى الآن، والتي قضت على معظم عناصره، وحتى من تبقى منهم لم يعد لديه القدرة على حمل السلاح وتنفيذ الهجمات في ظل تقدم أعمارهم بشكل كبير، وهو ما جعل البعض يصف القاعدة بالتنظيم الذي أصابته الشيخوخة[11]، ولاسيما في ظل عدم وجود جيل جديد من الشباب يمكنه إكمال المسيرة التنظيمية، حيث فرضت الرقابة الصارمة على قادة التنظيم الفرار والاختباء بشكل مستمر، خشية استهدافهم، وهو ما جعلهم يركزون فقط على الحفاظ على سلامتهم الشخصية، وعدم الاهتمام بتريبة جيل جديد يكون بمثابة امتداد تنظيميي لهم.

ت- اختفاء قواعد التدريب، التي يمكن للتنظيم من خلالها الانطلاق لشن الهجمات الإرهابية، في ظل الترصد الأمريكي والدولي لنشاط التنظيم حتى في معقله الرئيسي أفغانستان، هذا إلى جانب رفض حركة طالبان التي تولت زمام الأمور في البلاد أن تقيم القاعدة معسكرات على أراضيها أو استخدامها في شن الهجمات الخارجية، كما ينص على ذلك اتفاق الدوحة 2020، واكتفت فقط بإيواء الظواهري[12]. وهو ما يجعل التنظيم فاقد القدرة على تطوير قدراته أو حتى ما تبقى من عناصره.

على ضوء هذا الوضع، فإن مقتل الظواهري سيزيد من أزمات التنظيم الأم، الذي أصبح أشبه بالجسد المريض لكونه لم يتبق منه سوى الرمزية التنظيمية والفكرية، حتى أصبح أشبه بالماركة العالمية (brand) التي يجمع حولها الفروع، لكن دون وجود سيطرة تنظيمية مباشرة، حتى إنه طوال سنوات لم يجد وسيلة يؤكد من خلالها وجوده على قيد الحياة سوى إصدار بعض البيانات أو بث بعض الفيديوهات لزعيمه الظواهري، والتي كانت غالباً ما تتسم بالعمومية والسطحية دون تناول قضايا حقيقية، على غرار الفيديو الذي بثته مؤسسة السحاب، الذراع الدعائية للتنظيم ضمن سلسلة “صفقة القرن أم حملات القرون”، في 15 يوليو 2022، التي خصصها الظواهري للحديث عن مشروع القاعدة ورؤيته للمعركة مع أعداء التنظيم.

ويبدو أن التنظيم الأم على موعد مع مجموعة أخرى من الأزمات التي سيواجهها عقب مقتل الظواهري، أهمها ما يلي:

أزمة الخلافة: على الرغم من وجود عدد من قيادات القاعدة البارزين على قيد الحياة، الذين يمكن أن تؤول اليهم خلافة الظواهري، وعلى رأسهم القيادي “سيف العدل” الذى يصفه البعض بأنه المرشح الأبرز لخلافة الظواهري والأمل الوحيد لإعادة التنظيم الأم إلى الحياة[13]، فإن هناك عقبات كبيرة تقف أمام تولي أحد القادة الفاعلين خلافة الظواهري؛ أولها، إمكانية عدم حدوث إجماع من قبل قادة الفروع على القائد الجديد، بالنظر إلى أنه لا يوجد من بين القادة من يتمتع بنفس مؤهلات الظواهري التنظيمية والفكرية والتاريخ الطويل في العمل الجهادي، وثانيها، إمكانية رفض بعض هؤلاء القادة تولي المنصب، بالنظر إلى أن ذلك سيزيد من احتمالية استهدافه بشكل كبير، خاصة وأن الدول التي تقبل بإيواء قادة التنظيم مثل إيران[14] سيكون من الصعب عليها القبول بفكرة إيواء زعيم القاعدة، وحتى في حالة تجاوز تلك العقبات وتولي أحد هؤلاء القادة المنصب، فإنه لن يتمكن من ملء الفراغ الذى خلّفه مقتل الظواهري، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من الضعف والانهيار للتنظيم.

تشتت بقية القيادات: قد تدفع عملية قتل الظواهري من تبقى من قادة التنظيم إلى الاختباء بشكل أكبر من السابق، ومحاولتهم اللجوء إلى المناطق التي فيها وجود قوي لفروع القاعدة مثل الصومال أو اليمن، على غرار القيادي إبراهيم القوسي، الذي تمكن من الفرار الأعوام الماضية الى اليمن للاحتماء بالتنظيم هناك[15]؛ ما يعني تفتت ما تبقى من التماسك بين هؤلاء القادة، خاصة مع إدراكهم خطورة الاتصالات فيما بينهم لكونها قد تؤدي إلى تحديد أوكارهم، ومن ثم استهدافهم.

انهيار المعقل الأخير: من الواضح أن استهداف الولايات المتحدة لأيمن الظواهري في العاصمة الأفغانية كابول، كان بمثابة رسالة قوية لحركة طالبان بأنها لن تتسامح مع من يدعمون تنظيم القاعدة أو يُؤون قادته، خاصة بعد تصريح مسؤولة في البيت الأبيض بأن استهداف الظواهري في أفغانستان ليس خرقاً للقانون الدولي[16]، وهو ما سيجعل طالبان تحرص خلال الفترة القادمة على التخلص من بقايا التنظيم، وهو ما يعني انهيار المعقل الأخير الآمن المتبقي لقادة التنظيم الأم، لتبدأ بعده رحلة الشتات، والتي غالباً ما يمكن أن تنتهي بهم إلى إيران، ليصبح التنظيم تحت رحمة طهران بشكل كبير، وهو ما قد يؤدي إلى إغضاب قادة الفروع، بسبب الخلافات العقائدية مع الشيعة.

2- التداعيات المحتملة لمقتل الظواهري على فروع تنظيم القاعدة

على الرغم من عدم وجود هيراركية تنظيمية مباشرة بين التنظيم الأم وفروعه، فإنه من المرجح أن يكون لمقتل الظواهري بعض التداعيات على هذه الفروع، يمكن تحديد أبرزها في النقاط التالية:

أ- التنافس على خلافة التنظيم الأم: على الرغم من أن الظواهري لم تكن له سيطرة فعلية على أي من فروع التنظيم، حيث لم يكون سوى واجهة تجتمع حولها هذه الفروع، فإنه كان يعد السبب الرئيسي في استمرار ارتباط تلك الفروع بالتنظيم، واستمرار ولائها له، على أن بعض الفروع قد أصبح عابراً للحدود، على غرار “القاعدة في المغرب الإسلامي”، الذي ينشط في دول الساحل الإفريقي، وبالتالي فإن مصرع الظواهري قد يدفع بعض الفروع القوية (القاعدة في المغرب- القاعدة في اليمن-الشباب الصومالية) الى محاولة الاستقلال وتصدير نفسها بأنها وريث تنظيم القاعدة، وهو ما قد يخلق منافسة بين هذه الفروع، وربما يؤدي إلى انفراط عقد القاعدة التنظيمي.

ب-احتمالية حدوث انقسامات داخلية: شهدت السنوات الماضية توسعاً في تحالفات تنظيم القاعدة القبلية والعرقية على غرار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تعبر عن أكبر تحالف للقاعدة في العالم، والتي ضمت إلى جوار تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي كلاً من جبهة تحرير ماسينا التي تمثل عرقية الفولاني، وجماعة أنصار الدين التي تعبر عن الطوارق في مالي، إضافة إلى تنظيم المرابطون الذي يمثل العرقية العربية؛ ما قد يجعل رحيل الظواهري سبباً في انهيار هذه التحالفات. فقد بايعت هذه الحركات- برغم ما بينها من تباينات فكرية وعرقية- الظواهري لاقتناعها بشخصيته ولما يتمتع به من شهرة جهادية كبيرة وقدرة تنظريه عالية، وتجنباً أيضاً لحدوث صراعات عرقية داخل الحركة[17].

ت-ارتفاع مستوى التهديدات القاعدية: على الرغم من حالة الضعف التي أصابت تنظيم القاعدة الأم منذ سنوات والتي تجعله عاجزاً عن الرد على عملية قتل زعيمه الظواهري، فإن فروع التنظيم القوية – خاصة في الساحل الافريقي والصومال- قد ترد على هذه العملية، ليس فقط من باب الثأر لزعيمها وقائدها الروحي، وإنما للحفاظ على هيبتها في مناطق نفوذها، وعدم تكرار استهداف قادتها، وهو ما سيدفعها الى محاولة تكثيف هجماتها الإرهابية في الفترة القادمة، والتي ستكون الأولوية فيها لمهاجمة المصالح الأمريكية ثم مصالح الدول الغربية، وخاصة فرنسا[18]، هذا إلى جانب استمرارها في استهداف القوات الدولية والأممية الموجودة في مناطق نفوذها.

أخيراً، يمكن القول أن مقتل الظواهري سيمثل هزة عنيفة لتنظيم القاعدة وفروعه المختلفة، لكنهم سيكونون على الأرجح قادرين على استيعابها، ولاسيما أنه لا يزال موجوداً في التنظيم بعض القادة الذين يمتلكون خبرات تنظيمية كبيرة قد تجعلهم في موقع القبول من قبل الفروع وقادتها، وهو ما يعني استمرار السيناريو الحالي بالنسبة للتنظيم الأم وفروعه، حيث سيبقى الأول مثل المظلة الفكرية التي ترتبط بها الفروع دون وجود سيطرة تنظيمية، أما في حالة حدوث سيناريو آخر، وهو عدم التوافق على القيادة الجديدة التي ستخلف الظواهري، فإن ذلك قد يدفع بعض فروع القاعدة للاستقلال، خاصة في ظل رغبة بعض قادتها في تولي القيادة بشكل موسع ومستقل بعدما أصحبت تنظيمات عابرة للحدود.

ثالثاً: مقتل الظواهري وتداعياته على حركة طالبان في أفغانستان:

تفتح عملية استهداف الظواهري في العاصمة الأفغانية كابول الحديث عن إمكانية التأثير على تماسك حركة طالبان، خاصة في ظل وجود خلافات داخل الحركة بشأن العلاقة مع تنظيم القاعدة، إذ إن المكون الخاص بشبكة حقاني له علاقات قوية مع التنظيم، وربما قد يكون هو الذي وفر المأوى للظواهري.

وتعود علاقة الشبكة بتنظيم القاعدة إلى عقد التسعينيات حين تأسست رسمياً عام 1996على يد جلال الدين حقاني، عقب مشاركته في القتال ضد القوات السوفيتية بأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، وقد ساهمت محاربته للسوفييت في تكوينه شبكات علاقات خارجية توفر التمويل لعملياته، والأهم تكوين علاقات بينه وبين “المجاهدين العرب” وعلى رأسهم مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الأمر الذي على أثره توفر لقيادات التنظيم ملاذ آمن في أفغانستان عقب تنفيذ هجمات 11 سبتمبر[19]. وبعد مرض جلال الدين حقاني، تولى نجله “سراج الدين” قيادة الشبكة[20]، وقد اتصف بأنه أكثر عنفاً وتطرفاً من والده بسبب اختلاطه بصورة كبيرة بالجهاديين القادمين إلى أفغانستان وما حملوه من أفكار[21]. وبوفاة جلال الدين في عام 2018 تولى سراج الدين قيادة الشبكة رسمياً.

وتعد شبكة حقاني الفصيل الأكثر عنفاً وتشدداً داخل حركة طالبان، والأكثر تماسكاً بين مكوناتها، ووفقاً للتقديرات يبلغ عدد مقاتليها نحو 10 آلاف مقاتل، يمثلون 20% تقريباً من عدد مقاتلي الحركة[22]. وينسب لعناصر الشبكة أنهم أول من اتبع أسلوب التفجيرات الانتحارية في الداخل الأفغاني[23]؛ الأمر الذي دفع التقديرات الغربية إلى وصف هجمات حقاني بكونها الأكثر عنفاً وهمجية في أفغانستان[24]. وقد ضمنت هذه القدرات لشبكة حقاني تمثيلاً في حكومة طالبان التي تشكلت عقب الانسحاب الأمريكي من البلاد حيث تولى سراج الدين حقاني حقيبة الداخلية.

ومع تنامي قوة حركة طالبان وبسط سيطرتها على البلاد عقب الانسحاب الأمريكي والانشغال بالمناصب السياسية بدأت تظهر العديد من الخلافات الداخلية الناتجة عن اختلاف مكونات الحركة وتباين أفكارها، فقد أظهرت بعض التقارير أن هناك على الأقل ثلاثة مكونات: الأول، هو الفريق الذي أجرى مفاوضات السلام مع الولايات المتحدة، بقيادة الملا عبد الغني بردار، والثاني، هو الجناح العسكري بقيادة مولوي يعقوب، نجل الملا عمر، والثالث: هو شبكة حقاني بزعامة سراج الدين حقاني، وقد أخذت الخلافات بين هذه المكونات ملامح عدة، من بينها تصريح مولوي يعقوب بأن “أولئك الذين يعيشون في رفاهية في الدوحة لا يمكنهم إملاء شروطهم على المتورطين في الجهاد العسكري ضد قوات الاحتلال بقيادة الولايات المتحدة”، وتحجيم دور الملا بردار، فضلاً عن التنافس بين حقاني ومولوي يعقوب[25].

وفي ظل ضعف مكون فريق السلام، فإن الخلافات الأبرز والأكبر والتي يمكن أن تؤثر على الحركة وتماسكها هي الخلافات بين حقاني ويعقوب، والتي أشارت بعض التقارير إلى أنها وصلت حد الاقتتال بين الطرفين.[26].وفي ظل ما تردد حول أن إقامة الظواهري في العاصمة كابول كانت بعلم شبكة حقاني، فإنه من المرجح تصاعد الخلاف بين هذين المكونين الرئيسيين داخل حركة طالبان.

ويزداد هذا الأمر في ظل احتمالية اتجاه شبكة حقاني إلى الرد على عملية قتل الظواهري من خلال محاولة إلحاق الضرر برهينة أمريكي يدعى مارك فريريتش، اختطف في يناير 2020 وتعتقد الأوساط الأمريكية أنه لدى الشبكة[27] ، وهو أمر سترفضه بقية مكونات طالبان التي لن ترغب في استفزاز الولايات المتحدة، وتسعى في الوقت ذاته إلى اكتساب ثقة المجتمع الدولي.

وفي هذه الحالة نكون أمام سيناريو ينذر بانفصال شبكة حقاني عن حركة طالبان، خاصة مع اقتناع الطرفين بأن التحالف بينهما لم يعد ذا جدوى، لاسيما وأن مقومات هذا التحالف-إخراج القوات الأمريكية من البلاد- قد انتهت. وهناك بعض العوامل التي قد تعجل من الانفصال بين الجانبين من بينها ما يلي:

حدود التنظيمين: تختلف شبكة حقاني عن حركة طالبان في كون الأولى تتبنى الجهاد بمفهومه العالمي ويعود ذلك إلى احتكاكها واختلاطها بعناصر تنظيم القاعدة فضلاً عن وجود مركزها من قبل في وزيرستان ونسجها علاقات مع التنظيم ومجموعات أخرى شبيهة.

استمرار الربط الأمريكي بين القاعدة وحقاني: تبدى حركة طالبان قلقاً من العلاقات التي تربط بين شبكة حقاني وتنظيم القاعدة، خاصة وأن الولايات المتحدة دائماً ما تربط بين الجانبين، وحال ثبوت تستر شبكة حقاني على القاعدة وزعيمها الراحل الظواهري، فإن الولايات المتحدة قد توجه ضربات عسكرية للشبكة قد تعجل بالانفصال بينها وبين طالبان.

استقلالية قيادة الشبكة: تحافظ حقاني على شيء من الاستقلالية في إدارتها مالياً وتنظيمياً، حيث تحتفظ بهيكل واضح لقياداتها[28]؛ ما يعبر عن عدم اندماجها الكامل في حركة طالبان، ومن ثم سيسهم أي تصعيد أمريكي ضد الشبكة في تسريع انفصالها عن الحركة.

خاتمة:

لا شك أن إدارة الرئيس جو بايدن قد تمكنت من تحقيق بعض المكاسب الداخلية والخارجية بعد نجاحها في استهداف وقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، أهمها رفع شعبية الرئيس الأمريكي وحزبه الديمقراطي والتأكيد على أن الولايات المتحدة ما زالت مستمرة في حربها ضد الإرهاب وأنها قادرة على ملاحقة التنظيمات الإرهابية في أي مكان بما في ذلك أفغانستان. وفي المقابل، يبدو تنظيم القاعدة مقبلاً على عدة أزمات تتعلق ببنيته التنظيمية، إذ قد يزداد التنظيم الأم في أفغانستان ضعفاً، وقد يواجه أزمة خلافة، وتتشتت قياداته التاريخية المتبقية، فيما قد تتنافس الفروع فيما بينها على تولي قيادة التنظيم، لكنها قد تحاول الرد على عملية الاستهداف عبر ضرب المصالح الأمريكية والغربية عموماً في أماكن وجودها. وبرغم ذلك فإنه ليس من المرجح اختفاء التنظيم الأم أو تلاشيه وإنما قد يستمر على وضعه الحالي كمظلة فكرية ترتبط بين الفروع دون وجود سيطرة تنظيمية، غير أن مجيء زعيم جديد يملك من القدرات ما يؤهله للعمل من أجل استعادة “القاعدة” لقدراتها قد يكون عاملاً مهماً في استمرارية التنظيم وتعظيم قدراته.

 

[1] – “بايدن: قتلنا الظواهري وسنواصل ملاحقة القاعدة”، العربية نت، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3ScVdKS

[2] – “مقتل أيمن الظواهري.. القصة الكاملة لاصطياد زعيم القاعدة (ملف)”، بوابة العين، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3bpbprW

[3] – “مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في غارة أمريكية بأفغانستان”، فرنس 24، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3cZGQcR

[4] – “أيمن الظواهري.. مراهقة في الإخوان ومشيب بالقاعدة”، بوابة العين، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3Jmqib0

[5] – “اجتماع الفيدرالي الأمريكي: أكبر رفع لسعر الفائدة في الولايات المتحدة خلال 30 عاماً”، بي بي سي عربية، 15 يونيو 2022، https://bbc.in/3QcboXc

[6] – “بايدن: قتلنا الظواهري وسنواصل ملاحقة القاعدة”، العربية نت، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3ScVdKS

[7] – “السعودية ترحب بإعلان بايدن مقتل أيمن الظواهري زعيم القاعدة”، بوابة العين، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3QeGsp0

[8] – “مقتل أيمن الظواهري.. القصة الكاملة لاصطياد زعيم القاعدة (ملف)”، مرجع سبق ذكره.

[9] – “بلينكن: طالبان انتهكت اتفاق الدوحة “على نحو صارخ” بإيوائها الظواهري”، العربية نت، 2 أغسطس 2022، https://bit.ly/3OSUhIE

[10] ما حيثيات مقتل أبو محمد المصري الرجل الثاني في تنظيم القاعدة على الأراضي الإيرانية؟، موقع فرانس 24، 17 نوفمبر 2020، على الرابط، https://2u.pw/De0VS

[11] بن لادن في آخر أيامه قلق من “شيخوخة القاعدة”، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 21 يناير 2017، على الرابط https://2u.pw/7v3yn

[12] الخارجية الأميركية: طالبان انتهكت اتفاق الدوحة بإيوائها الظواهري، موقع الحرة، بتاريخ 2 أغسطس 2022، على الرابط، https://2u.pw/aH82u

[13] سيف العدل أم صهر الظواهري.. من الزعيم القادم لتنظيم “القاعدة”؟، موقع روسيا اليوم، 2 أغسطس 2022، على الرابط، https://2u.pw/7eiuL

[14] ما سر إصرار طهران على بقاء قادة القاعدة على أراضيها؟، موقع العربية نت، بتاريخ 17 فبراير 2021، على الرابط، https://2u.pw/E9j4X

[15] القوسي.. من هو الإرهابي الذي تساوي رأسه 4 ملايين دولار؟، موقع سكاي نيوز عربية، بتاريخ 3 يوليو 2021، على الرابط. https://2u.pw/hI6Vw

[16] تفاصيل مثيرة عن مقتل الظواهري.. مفاجأة المكان والصاروخ الدقيق، موقع الحرة، بتاريخ 2 أغسطس 2022، على الرابط،

https://2u.pw/P68m4

[17] اليزابيث كيندال، مقتل زعيم «القاعدة في جزيرة العرب» يظهر انقسام التنظيم وقدرته على الاستمرار، موقع معهد واشنطن، 14 فبراير 202، على الرابط، https://2u.pw/sIWCa

[18] صراع “القاعدة” وواشنطن بعد مقتل الظواهري… ما خيارات التنظيم والأسماء المرشحة للقيادة؟، موقع سبوتنك عربي، بتاريخ 2 أغسطس 2022، على الرابط، https://2u.pw/qsXQw

[19] Devin Lurie, The Haqqani Network the Shadow Group Supporting the Taliban’s Operations, AMERICAN SECURITY PROJECT, September 2020, p.3

[20] Ibid, p.3

[21] Jeffrey A. Dressler, ThE Haqqani network From Pakistan to Afghanistan, The Institute for the Study of War, October 2010, P.10

[22] Devin Lurie, The Haqqani Network The Shadow Group Supporting the Taliban’s Operations, AMERICAN SECURITY PROJECT, September 2020, p.6

[23] Ibid, p.6

[24] Animesh Roul, SHIFTING SHADOW OF HAQQANI NETWORK IN AFGHANISTAN, ResearchGate, p. (3-4), link: https://www.researchgate.net/publication/308310564_SHIFTING_SHADOW_OF_HAQQANI_NETWORK_IN_AFGHANISTAN

[25] Manish Rai, Taliban a Divided House, times of israel, SEP 9, 2021, URl:

https://blogs.timesofisrael.com/taliban-a-divided-house/

[26] Shishir Gupta, Yaqoob and Haqqani factions fight over Taliban government, hindustan times, Sep 01, 2021, URL

https://www.hindustantimes.com/world-news/yaqoob-and-haqqani-factions-fight-over-taliban-government-101630474732128.html

[27] Shane Harris, Dan Lamothe, Karen DeYoung, Souad Mekhennet and Pamela Constable، U.S. kills al-Qaeda leader Ayman al-Zawahiri in drone strike in Kabul, The Washington post, August 2, 2022, Url:

https://www.washingtonpost.com/national-security/2022/08/01/zawahiri-al-qaeda-killed/

[28] Marvin G. Weinbaum, Meher Babbar, The Tenacious, Toxic Haqqani Network, Middle East Institute, September 2016, p.2

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 1

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.