Insight Image

أزمات التجارة وعواصف الحمائية: التداعيات العالمية لسياسات ترامب الجمركية

03 أبريل 2025

أزمات التجارة وعواصف الحمائية: التداعيات العالمية لسياسات ترامب الجمركية

03 أبريل 2025

1. مقدمة:

في عالم يعاني بالفعل أزمات تجارية مستعصية ومتتابعة، تصبح سياسات ترامب الجمركية كمن يضيف الزيت للنار. فمنذ ما يزيد على الخمس سنوات، ومنذ اندلاع تأثيرات جائحة كوفيد-19، والعالم يواجه أزمات تركت تداعياتها على حركتي التجارة والاستثمار، وأوصلت بعض المؤشرات الاقتصادية لمستويات قياسية غير مسبوقة. ولم يكن ذلك هو نهاية مطاف أزمات الاقتصاد العالمي؛ فالعالم حاليًا أمام عاصفة هوجاء من الحمائية ونذر حروبا تجارية مكتملة الأركان مع دخول تعريفات ترامب الجمركية حيز التنفيذ في الثاني من أبريل الجاري.

والدراسة الحالية تحاول بناء صورة متكاملة عن وقائع سياسات ترامب الجمركية على مجريات الاقتصاد العالمي؛ فهي تبدأ بدراسة ما وراء هذه العاصفة الحمائية، ولاسيما في ظل معاناة دول العالم، سواء المتقدمة منها أو النامية، من أزمة ديون سيادية دولية مستفحلة، واستمرار الضغوط التضخمية عالمية المستعصية، والبيئة التجارية الدولية المضطربة، ناهيك عن الاقتصاد الأمريكي المتأزم. يلي ذلك متابعة الدراسة لمضامين سياسات ترامب الجمركية، ثم تنتقل بعد ذلك لكيفية استقبال العالم هذه العاصفة الحمائية، لتنتهي بتحليل أهم وأبرز التداعيات المحتملة لعاصفة الحمائية وسيناريوهات المستقبل.

2. ما وراء العاصفة:

في قلب أزمة التعريفات الجمركية لترامب، لا يجوز إغفال الصورة الأوسع للاقتصاد العالمي المأزوم. فهناك أزمة ديون سيادية دولية مستفحلة، جنبًا إلى جنب مع ضغوط تضخمية عالمية مستعصية وبيئة تجارية دولية مضطربة، واقتصاد أمريكي متأزم لأسباب داخلية وخارجية. والانطلاق من هذه الصورة ومن ذلك الواقع هو المنهج الصحيح لفهم تداعيات حروب التعريفات الجمركية ومداها، وهو الأنسب لاستشراف تداعياتها وسيناريوهاتها المتوقعة.

1.2 -أزمة ديون سيادية دولية مستفحلة:

يعاني العالم من أزمة دوين سيادية خانقة ومتعددة الأبعاد. فالدول المتقدمة تعاني من ارتفاع الانفاق العام الجاري والاستثماري مع تنامي الحاجة لتدخل الحكومة، وتتسبب المنافسة المحتدمة بين الشركات الدولية في زيادة أعباء الاستدانة لمواكبة وملاحقة التطورات التكنولوجية التي تفرض على هذه الشركات تحديات استثمارية استباقية. وفي نفس الاتجاه، وإن كانت بمعدلات أعمق وأسرع، تعاني الدول ذات الدخل المنخفض من ثقل أعباء المديونية.

وبينما تفرض خريطة المديونية العالمية نفسها على صنع السياسات الاقتصادية، فإن الاتحاد الأوروبي بات يتجه نحو أزمة مالية لأن الحكومات أفرطت في الاستدانة، ما يجعل أزمة ديون سيادة تطل برأسها وقادمة لا محالة وفق لبعض التقديرات الأوروبية[1]. كما أن ستة بلدان في الاتحاد الأوروبي (فرنسا، وإيطاليا، واليونان، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال) تعاني من حجم ديون أكبر من حجم ناتجها الاقتصادي السنوي[2]. والحال نفسه في السوق الصينية، وخصوصًا مع احتدام أزمة العقارات الصينية ودخولها مرحلة الخطر[3] ما اضطر صانعي السياسة المالية الصينية لتنفيذ أول عملية إنقاذ في مواجهة انهيار أسعار سندات شركات العقارات الكبرى.

وليس الحال في الدول النامية ثقيلة المديونية بأحسن حالًا منها في الصين؛ إذ مع تراجع تدفقات الائتمان الجديد من القطاع الخاص والصين، تواجه الدول الأكثر فقرًا أزمة ديون متصاعدة[4]. كما أن العبء المنهك للديون الخارجية في الدول الأفريقية، على أشده. ففي عام 2024 وحده، دفعت البلدان الأفريقية ذات الدخل المنخفض مبلغًا قدره 60 مليار دولار لسداد الديون.[5]

2.2- ضغوط تضخمية عالمية مستعصية

رغم انتهاء عام 2024 بتراجع في وتيرة التضخم العالمي ونجاح سياسة التشديد النقدي من دون التسبب في ركود وبدء دورة جديدة من التيسير النقدي، وفق تقارير صندوق النقد الدولي[6]، فإن أزمات التجارة، ناهيك عن التوترات الجيوسياسية في أقاليم دولية متعددة وصدمات العرض المتجددة والصدمات المرتبطة بالمناخ، تهدد بعودة الضغوط التضخمية مع توقعات بأن يصل التضخم العالمي إلى 3.4% في عام 2025 وفق تقديرات الأمم المتحدة[7] على النحو الموضح في الشكل التالي:

Source : https://www.un.org/development/desa/dpad/wp-content/uploads/sites/45/MB187_fig2.png

ولقد عاود التضخم للارتفاع في منطقة اليورو[8] إلى مستوى 2.5% في مطلع العام 2025، ما يعني أنه أعلى من المستهدف البالغ 2%، كما ارتفع التضخم بالجملة في اليابان[9]؛ ما دفع بنك اليابان لرفع أسعار الفائدة من نحو 0.25% إلى 0.5%. والحال نفسه في الدول النامية ثقيلة المديونية، فمعدلات التضخم القياسية التي تعاني منها اقتصادات عديدة، بما في ذلك تركيا والأرجنتين وعدة دولة في أفريقيا، لاتزال تراوح مكانها مع عودة التهديدات التجارية ومخاوف صدمات العرض والتوترات الجيوسياسية العالمية.

3.2- بيئة تجارية دولية مضطربة

في خضم أزمات الديون السيادية العالمية وتباين النجاح الدولي في مواجهة التضخم، تشهد التجارة الدولية اضطرابات حتى قبل دخول تعريفات ترامب حيز التنفيذ في الثاني من أبريل الجاري 2025. ووفقًا لأحدث تحديث صادر عن منظمة أونكتاد، وصلت التجارة العالمية لقيمة 33 تريليون دولار في عام 2024، مدفوعة بنمو قطاع الخدمات (ارتفع بنسبة 9% خلال 2024، أي ما يقارب 60% من إجمالي النمو) وجهود الاقتصادات النامية لتعزيز تجارتها الخارجية. وقد نمت التجارة العالمية بمعدل 3.7% خلال العام 2024. ورغم توسع التجارة السلعية في العديد من القطاعات، فإن بعض التقديرات تؤكد أن العالم قد وصل بالفعل ذروة تجارة النفط في عام 2017 ثم أخذت التجارة النفطية بالانخفاض التدريجي بنسبة 5% مع قيام الدول التي تسعى إلى تحقيق أمن الطاقة بتسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة والنووية[10]. كما تعاني التجارة الدولية في النفط من سبب إضافي يدفع بمزيد من اضطراب بيئة التجارة. فالعقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي مثلًا قد تفاقمت منذ العام 2022، كما شددت الولايات المتحدة عقوباتها على تجارة النفط لعدد من الدول، بالإضافة للنفط الروسي[11].

ورغم النمو المحقق في التجارة الدولية خلال العام 2024، فقد تسببت هذه الاضطرابات في تعامل الدول والشركات الكبرى عالميًّا مع مستويات عالية من عدم اليقين بآفاق التجارة. وإذا ما أضفنا لمشهد التجارة العالمية ما تواجهه سلاسل التوريد العالمية في القطاعات التجارية كافة -ولاسيما في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والغذاء- من اضطرابات، فإن ارتفاع الأسعار العالمية، وتهديد حركة الشحن وأساطيل التجارة عبر الممرات الدولية، وتراجع ربحية شركات التجارة العالمية – كلها ستكون هي المحصلة المنطقية لبيئة تجارية دولية شديدة الاضطراب.

4.2- اقتصاد أمريكي متأزم

إن نظرة لما وراء العاصفة الأمريكية على شركاء التجارة يؤكد أن الاقتصاد الأمريكي لديه من التحديات والمبررات ما دفعه للقيام بهذه السياسات النوعية وغير المسبوقة. فالاقتصاد الأمريكي يواجه أزمة ديون مستعصية ولديه موجة تضخمية ناشئة مع عودة ترامب والبيئة الجيوسياسية الدولية المضطربة كما تشهد تجارته الخارجية عجوزات قياسية في العديد من السلع ومع العديد من شركاء التجارة.

فعلى صعيد الديون السيادية، وما لم يتم إدخال أي تعديلات على قوانين الضرائب والإنفاق، لاتزال الولايات المتحدة تواجه أزمة ديون[12] في ظل عجز ميزانية الحكومة الأمريكية نحو 1.8 تريليون دولار في عام 2024، مما رفع إجمالي الدين العام الأمريكي إلى نحو 36 تريليون دولار[13] ليتجاوز ذروة الدين في حقبة الحرب العالمية الثانية[14]. وفي ظل الحاجة لتجاوز سقف الدين مرة أخرى، حيث لن يدر قانون الضرائب الحالي ما يكفي من الإيرادات لتغطية التكاليف المتوقعة المتزايدة، قد يخلق ذلك أزمة متجددة لسقف الدين الأمريكي في منتصف يوليو 2025 ويزيد من مخاطر التخلف عن السداد[15] ما لم يرفع الكونجرس الأمريكي سقف الاقتراض[16].

أما على صعيد عودة الضغوط التضخمية وتوجهات الفائدة في الاقتصاد الأمريكي، ورغم وصول معدل التضخم[17] إلى 2.8% في فبراير مقارنة بنحو 3% في يناير، فلقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة القياسية ثابتة للاجتماع الثاني على التوالي خلال العام الجاري 2025 عند 4.25-4.5%، ويتوقع تباطؤ النمو وارتفاع التضخم[18] ومسارًا أبطأ في تخفيض أسعار الفائدة خلال العام الجاري[19] في ظل عدم اليقين المهيمن على مشهد الاقتصاد الأمريكي حاليًا. ويوضح الشكل التالي المخاوف من عودة الضغوط التضخمية للاتجاه الصعودي خلال العام 2025.

3. مضامين سياسات ترامب الجمركية:

وقبل التأمل في مضامين سياسات ترامب الجمركية التي دشنها في الثاني من أبريل الجاري، يتعين مراجعة خريطة شركاء التجارة الأمريكية إقليميًّا وقطاعيًّا، مع النظر في تطورات العجز في ميزان التجارة الأمريكية.

جدول خريطة شركاء التجارة وميزان التجارة السلعية الأمريكي في العام 2024*

أهم شركاء التجارة قيمة العجز التجاري الأمريكي (بالمليار دولار) أهم السلع قيمة العجز التجاري الأمريكي (بالمليار دولار)
الصين 319 الآلات والأجهزة الميكانيكية -278
المكسيك -175 الآلات والمعدات الكهربائية -271
فيتنام -129 المركبات -247
ألمانيا -87 المنتجات الصيدلانية -118
أيرلندا -87 الأثاث -63
تايوان -76 الملابس الجاهزة -44
كندا -73 منتجات الألعاب -36
اليابان -72 ملابس غير جاهزة -33
كوريا الجنوبية -69 منتجات الحديد والصلب -29
الهند -49 الأحذية -26

Source: https://www.trademap.org/Country_SelProductCountry_TS.aspx?nvpm=1%7c842%7c%7c%7c%7cTOTAL%7c%7c%7c2%7c1%7c1%7c3%7c2%7c1%7c2%7c1%7c1%7c1

وبينما يوضح الجدول السابق قائمة الشركاء والسلع محل التهديد التجاري لترامب، فإنه يوضح المنهجية التي تسير عليها سياسة ترامب للدفاع عن ميزان المدفوعات الأمريكي، ضمن محاولاته الأوسع لتقليل العجز المزمن جغرافيًّا وقطاعيًّا وإعادة صياغة العلاقات التجارية العالمية من خلال فرض تعريفات جمركية متبادلة على شركاء التجارة[20]، حيث يلاحظ أن نسبة التعريفات الجمركية المتوسطة في الولايات المتحدة تبلغ 3.4%، مقارنة بمتوسط ​​5% في أوروبا.

ولعله من الواضح جليًّا أن كلًّا من تحفيز الصناعة الأمريكية، وحماية الوظائف، وتمويل تمديد التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب لعام 2017 هو الأساس الذي استندت إليه سياسات ترامب الجمركية. وقد أوضحت إدارة ترامب منهجيتها للرسوم الجمركية الجديدة بناءً على الموازين التجارية القائمة على نحو ما أوضحه الجدول السابق، حيث واجهت الدول التي تحقق فائضًا تجاريًّا مع الولايات المتحدة معدلًا ثابتًا بنسبة 10%، وكذلك الدول التي كانت تجارتها متعادلة تقريبًا. كما أن ما أعلن عنه الرئيس ترامب مؤخرًا يضاف إلى حزم التعريفات الجمركية التي أقرها منذ عودته للسلطة، وشملت الآتي[21]:

  • تعريفات بنسبة 25% على تجارة المكسيك وكندا، و10% تعريفات إضافية على الصين.
  • فرض تعريفات جمركية متبادلة على شركاء الولايات المتحدة التجاريين لمضاهاة التعريفات الأعلى من جانب هؤلاء الشركاء، وفق ما يوضحه الشكل التالي:

  • تعريفات جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب والألمنيوم، بغض النظر عن بلد المنشأ[22]، حيث تستورد الولايات المتحدة بنحو 23% من الصلب المستهلك ونحو نصف الألومنيوم المستهلك (انظر الشكل التالي).

  • إلغاء الإعفاء الجمركي على الطرود الصغيرة والسلع المنخفضة القيمة المستوردة من الصين.
  • فرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على السيارات، ودراسة فرض تعريفات جمركية لمواجهة اتفاقية الحد الأدنى العالمي للضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية[23]، مع تهديد دول تكتل “بريكس” بمعدلات جمركية 100% حال الاستمرار في مساعي التخلص من الدولرة.
  • أعلن في الثاني من أبريل فرض رسوم جمركية لا تقل عن 10% على جميع المُصدّرين إلى الولايات المتحدة[24]، مع فرض رسوم أعلى على نحو 60 دولة، مع مواجهة الصين رسومًا جمركية تتجاوز 50% على العديد من السلع، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي واليابان وفيتنام[25]. ويوضح الجدول التالي التعريفات الجديدة على أهم شركاء التجارة[26]:
شركاء التجارة التعريفات الجمركية الجديدة
الصين 34%
الاتحاد الأوروبي 20%
فيتنام 46%
تايوان 32%
اليابان 24%
الهند 26%
كوريا الجنوبية 25%

 ويمكن القول إن أهم ما تشير إليه سياسات ترامب الجمركية أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد يستطيع السير على ذات النهج والمسار في تعاملاته مع أزماته المزمنة. فالديون المتفاقمة بفعل العجز المالي الفيدرالي سيتم مواجهتها بتصدير جزء من هذه المشكلة لشركاء التجارة عبر تحفيزهم على أمرين؛ أحدهما هو الاضطرار لتخفيض التعريفات الجمركية أمام الصادرات الأمريكية، والآخر هو التحول من التجارة للاستثمار في السوق الأمريكية، ما يقلل من تأثير عجز الميزان التجاري على الموازنة الفيدرالية الأمريكية. كما تظل مراهنة سياسة ترامب الجمركية على التأثير المحدود لهذه السياسات التجارية على الأسعار، ولاسيما أسعار النفط العالمية. فكيف استقبل العالم هذه السياسة؟

4. كيف استقبل العالم العاصفة الحمائية لترامب؟

تشير المستجدات الاقتصادية المتسارعة أن التباين في درجة الاستجابة لسياسات ترامب الجمركية هو سيد الموقف؛ فهناك استجابة متباينة تعكسها ردود الفعل الدولية، كما أن المؤشرات الاقتصادية العالمية تباينت هي الأخرى في درجات الاستجابة وسرعتها. فعلى صعيد استجابة مؤشرات الاقتصاد العالمي[27]، فقد تأثرت الأسواق المالية العالمية بموجة بيع واسعة النطاق، حيث انخفضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بنسبة 4%. وتحملت الأسهم المرتبطة بالتجارة العالمية، ولاسيما أسهم التكنولوجيا، العبء الأكبر، حيث انخفض سهم شركة آبل بنحو 7%. كما بلغ الذهب أعلى مستوى له على الإطلاق، وارتفع الين الياباني، الذي يُعدّ ملاذًا آمنًا تقليديًّا، كما انخفض مؤشر بلومبرج لقيمة الدولار بأكثر من 1%. وكان قد أدى الإعلان الأول عن التعريفات الجمركية خلال فبراير الماضي 2025 إلى ارتفاع أسعار المعادن وانخفاض أسعار أسهم منتجي الصلب والألمنيوم غير الأمريكيين.

وعلى صعيد الاقتصاد الأمريكي، فقد واجعت تعريفات ترامب بالفعل ردود فعل عنيفة من قطاع الأعمال[28]، كما حذرت غرفة التجارة الأمريكية من أن التعريفات الجمركية تهدد بتقويض سلاسل التوريد ورفع الأسعار على الأسر الأمريكية في الغذاء والطاقة والسيارات والأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية والإسكان[29].

أما على صعيد ردود الفعل الدولي، فقد اتخذت العديد من الدول مواقف مناهضة لهذه الحمائية المفرطة من جانب الإدارة الأمريكية. وفيما يلي أهم وأبرز ردود الفعل الدولية منذ الإعلان عن سياسات ترامب الجمركية:

  • مساعي الاستثناء لم تؤتِ أُكُلَها: سعت بعض الدول للحصول على استثناءات من تعريفات ترامب، حيث لجأ الاتحاد الأوروبي إلى التحالف مع الولايات المتحدة ضد الطاقات الزائدة الصينية، في محاولة أخيرة لتجاوز تعريفات ترامب[30]. كما طلبت الهند وكوريا الجنوبية الاستثناء من دون جدوى، حيث أكد ترامب من أنه لن تكون هناك إعفاءات للدول أو استثناءات للمنتجات.
  • الاتحاد الأوروبي في قلب العاصفة: بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإنه قد حذر من رد حاسم على الرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضها ترامب[31]، مع تعهده بتطبيق القواعد الرقمية والدفاع عن قوانينه بحزم في ظل تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول التي تفرض ضرائب رقمية على شركات التكنولوجيا الأمريكية[32]. وفي المقابل، كانت المملكة المتحدة الأكثر تصالحًا مع تعريفات ترامب الجمركية.
  • الصين تتمسك بالفرص الدبلوماسية: وبالنسبة للصين، فلقد لجأت للرد المحدود[33]، كما ردتبفرض تعريفات جمركية[34] بنسبة 15% على الفحم والغاز الطبيعي المسال، و10% على النفط الخام والمعدات الزراعية والمركبات ذات السعة الكبيرة والشاحنات الصغيرة من الولايات المتحدة[35]. كما فتحت حكومة الصين تحقيقات لمكافحة المنافسة مع بعض شركات التكنولوجيا الأمريكية، حيث تستهدف “جوجل” و”إنفيديا” و”إنتل” بعد فرض تعريفات ترامب الجمركية. كما أفادت تقارير دولية بأن المصدّرين الصينيين يكثفون عمليات نقل الإنتاج إلى الخارج؛ للتغلب على تأثير التعريفات الجمركية، وأن الشركات الصينية تعتزم تسريع خططها للاستثمار في بلدان أخرى، في محاولة لإنتاج السلع للتصدير إلى الولايات المتحدة[36].
  • كندا والمكسيك معفيتان: برغم أن كندا والمكسيك قد أُعفيتا من التعريفات الجمركية الأخيرة، لكنهما لاتزالان تواجهان تعريفات جمركية، حيث تواجه كندا تعريفات بنسبة 25% على الصلب والألمنيوم، وكذلك على السيارات، وأكدت المكسيك أنها ستكافح بإجراءات مضادة.
  • احتدام معاناة آسيا: وبينما أعلنت اليابان استياءها ومساعيها لإقناع إدارة ترامب بإعادة النظر في قرارها من رسوم تعريفات ترامب، في ظل كونها صاحبة أكبر قدر من الاستثمارات في الولايات المتحدة، وتوقعت تأثر صناعة السيارات اليابانية[37]، فإن كوريا الجنوبية تعهدت بتنفيذ ردٍّ شاملٍ على تبعات فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، كما ترى الهند أن تعريفات ترامب تمثل آثار مختلطة ولكنها ليست انتكاسة لتجارتها الخارجية مع فشل محاولات التفاوض.
  • الدول النامية الأكثر تضررًا: رغم أن الدول النامية عرضة لعواصف التجارة المأزومة، فقد فرضت إدارة ترامب تعريفات جمركية ضمن سياساتها للتعريفات المتبادلة على العديد من الدول النامية والدول الثقيلة المديونية؛ ما يمكن أن يتسبب في متاعب إضافية لهذه الدول وفي اتساع نطاق عجزها التجاري والضغوط المتفاقمة على صرف عملاتها رغم تراجع الدولار.

5. التداعيات المحتملة لعاصفة الحمائية وسيناريوهات المستقبل:

بالإضافة للتداعيات الجيوستراتيجية المتوقعة، هناك سيناريو دولي تكثر الإشارة إليه في ظل ما اعتادت عليه إدارة ترامب من فرض الحد الأقصى من الاشتراطات أثناء التفاوض، مع احتمال التراجع عن هذا الحد عند الوصول لمكاسب مستهدفة من شركاء التفاوض. وبينما يترك هذا السيناريو المتفائل تداعيات دولية محدودة، فإن السيناريو الذي يمثل استمرار السياسة التجارية الأمريكية فيما فرضته من تعريفات سيترك العديد من التداعيات على الاقتصاد الأمريكي والعالمي وعلى هياكل وخرائط التجارة والاستثمار عالميًّا، إلى جانب التداعيات غير المباشرة على مستويات الاستقرار المالي والنقدي العالمي. والنقاط التالية تبرز أهم التداعيات التي يتوقع أن تتركها تعريفات ترامب على مجريات الاقتصاد العالمي:

  • التحولات المتوقعة في السياسة التجارية من خلال تعزيز التعاون التجاري بعيدًا عن الولايات المتحدة في ظل:
    • إمكانية تعزيز اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي مع الاتحاد الأوروبي وكندا لتوسيع التجارة مع أسواق جديدة، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا، مع تعزيز التجارة إقليميًّا في قارة أفريقيا.
    • تسريع توقيع اتفاقيات تجارية جديدة، بما في ذلك اتفاقية الاتحاد الأوروبي والهند، حيث ستؤدي تعريفات ترامب إلى دفع دول جنوب شرق آسيا إلى البحث عن شركاء تجاريين بدلاء؛ ما قد يعزز نفوذ الصين في المنطقة.
    • اتجاهات لتخفيض الضرائب الجمركية لشركاء التجارة مع الولايات المتحدة؛ تجنبًا للتعريفات المتبادلة لترامب، ولاسيما الهند والبرازيل وفيتنام.
    • احتمالات تأثر التجارة الإلكترونية سلبيًّا، وتأثر انتظام حركة الشحن عبر الموانئ الشديدة التعرض للتجارة للسوق الأمريكية.
    • ستسهم الحواجز الجمركية الأمريكية بتعزيز الابتكار والتحديث الصناعي الصيني مع مساعيها لاستقطاب الشركات المتعددة الجنسيات
  • التأثير على سلاسل الإمداد العالمية وحركة التجارة الدولية، في ظل تعثر مؤقت في صفقات التصدير والاستيراد مع تغير جدوى عمليات التجارة الدولية، مع ضغوط محتملة على استقرار سوق الطاقة الأحفورية عالميًّا، وتراجع محتمل في أسعار النفط العالمية، مع توقفت صادرات النفط الفنزويلي إلى الصين عقب تهديد الرئيس الأمريكي بفرض رسوم 25% على السلع القادمة من الدول التي تواصل استيراد النفط.
  • التأثير على أسواق المال الدولية، حيث شهد العالم موجة بيع في الأسواق المالية؛ ما قد يؤثر على أرباح الشركات الكبرى، وتراجع جاذبية أسواق المال لصفقات رأس المال الدولي، وإمكانية هروب الاستثمارات الأجنبية من الدول المهددة بالتعريفات. مع زيادة الطلب على أسواق رأس المال البديلة للولايات المتحدة من قبل المستثمرين الذين يسعون إلى تجنب عدم استقرار السياسات التجارية والاستثمارية الأمريكية.
  • تهديد أزمة الديون السيادية ولاسيما أن تعريفات ترامب تنذر بأزمة ديون في منطقة اليورو، في ظل انكماش الاقتصاد الألماني ومشاكل الدين العام في عدة اقتصادات أوروبية سبق ذكرها، مع تزايد الإنفاق الدفاعي بقيمة 800 مليار يورو. كما قد تتسبب هذه التعريفات في أزمة عالمية مع انخفاض قيمة العديد من العملات وعدم قدرة البلدان على تمويل خدمة ديونها الخارجية.
  • تهديد مكانة منظمة التجارة العالمية ولاسيما أن المنظمة باتت في مهب الريح مع تجاهل قواعد التجارة الحرة الدولية المعمول. كما أن رئيسة المنظمة أكدت أن المخاوف الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية بحاجة إلى الاستماع إليها، وحثت شركاء التجارة على الاستماع إلى المخاوف الأمريكية والتحول لحوار بدلًا من تبني تدابير جمركية متبادلة.
  • تنشيط جهود الدبلوماسية التجارية للحصول على إعفاءات للدول أو استثناءات لمنتجات للسوق الأمريكية، حيث إن الصين والولايات المتحدة تبقيان على التواصل. لكن التقطع والتشرذم والانكفاء على الذات يتوقع أن يهيمن على الاقتصاد العالمي.
  • التأثير على إمكانات النمو الاقتصادي العالمي، ولاسيما في ضوء الآتي:
    • عودة الضغوط التضخمية لأسواق الولايات المتحدة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الأسرة الأمريكية النموذجية ستتكلف أكثر من 1200 دولار سنويًّا، وأن الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض سيشعرون بالقدر الأكبر من وطأة التعريفات الجمركية. ومع عودة الضغوط التضخمية، ستهدد دورة التيسير النقدي العالمية وتنذر بالركود في الولايات المتحدة وتعرقل آفاق النمو العالمي ولاسيما النمو في أوروبا، حيث تواجه قطاعات السيارات والأدوية عوائق مرتفعة.
    • أن النمو في الاقتصادات النامية مهدَّد بالتعريفات الجمركية، حيث إن هذه التعريفات تزيد أعباء الديون الخارجية وتقلل قدرات قطاعات التصدير، كما باتت هذه التعريفات تعيق أنشطة الإنتاج والتصنيع في ضوء تركيزها على المنتجات النهائية وليست المواد الخام.

[1] https://www.politico.eu/article/europe-friedrich-merz-germany-eu-debt-dinances-france-italy/

[2] https://ec.europa.eu/eurostat/web/products-euro-indicators/w/2-22102024-bp

[3] https://www.bloomberg.com/news/features/2025-02-11/china-s-real-estate-crisis-property-sector-debt-is-getting-worse?sref=BtkSCofS

[4] https://asia.nikkei.com/Spotlight/Comment/As-China-pulls-back-poorest-nations-face-slow-burning-debt-crisis

[5] https://africanarguments.org/2025/02/why-2025-could-be-a-turning-point-in-africa-debt-emergency/

[6] https://citinewsroom.com/2025/02/inflation-curbed-with-interest-rate-hikes-no-recession-triggered-imf-boss/

[7] https://www.un.org/development/desa/dpad/wp-content/uploads/sites/45/MB187_fig2.png

[8] https://www.ft.com/content/664f5a36-67e9-40f1-88ac-f60c997a0c0d

[9] https://www.reuters.com/markets/asia/japans-wholesale-inflation-accelerates-42-january-2025-02-13/

[10] https://www.bnnbloomberg.ca/markets/oil/2025/03/10/the-world-has-reached-peak-oil-trade-carlyles-jeff-currie-says/

[11] https://www.gtreview.com/news/americas/us-tightens-sanctions-on-russian-energy-trade/

[12] https://www.brookings.edu/articles/what-are-the-risks-of-a-rising-federal-debt/

[13] https://foreignpolicy.com/2025/03/12/us-budget-deficit-debt-crisis-trump/

[14] https://www.bloomberg.com/news/newsletters/2025-02-16/could-the-us-have-a-sovereign-debt-crisis?sref=BtkSCofS

[15] تشير بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قد تقرر أن التخلف عن سداد الديون هو الخيار الأفضل لها، لكن ذلك غير مرجح بشدة لأنه سيلحق الضرر بالمستثمرين الأمريكيين، الذين يمتلكون 70% من الدين الفيدرالي الأمريكي، وسيجعل الاقتراض الجديد مستحيلًا.

[16] https://www.devdiscourse.com/article/business/3320077-finance-ministrys-baanknet-revolutionizes-bank-asset-auctions

[17] https://www.ft.com/content/6d7c6915-4ceb-43fc-9896-590036b12a87

[18] https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-03-19/fed-holds-rates-sees-slower-growth-and-higher-inflation?sref=BtkSCofS

[19] https://www.reuters.com/markets/wealth/rising-inflation-expectations-could-put-fed-shallower-rate-cut-path-2025-03-14/

[20] https://www.weforum.org/stories/2025/02/trump-tariffs-visualising-new-us-trade-restrictions/

[21] لقد لجأ الرئيس الأمريكي لاحقًا إلى تعليق التعريفات الجمركية على كندا والمكسيك بعد تعهدهما بتعزيز إنفاذ الحدود. انظر: https://apnews.com/article/trump-tariffs-canada-mexico-china-sheinbaum-trudeau-017efa8c3343b8d2a9444f7e65356ae9

[22] https://www.ft.com/content/467e6c73-e673-442b-8296-5592a1afdfaf

[23] https://news.bloomberglaw.com/international-trade/trump-widens-trade-fight-to-include-global-taxes-and-regulation

[24] لا تشمل الإجراءات الجديدة كندا والمكسيك، اللتين تخوضان نزاعًا منفصلًا بشأن الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة. كما أنها لن تُطبق على بعض المنتجات الخاضعة لرسوم جمركية منفصلة، مثل السيارات وأشباه الموصلات والأخشاب. راجع في ذلك: https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-04-02/trump-says-he-s-signing-executive-order-on-reciprocal-tariffs?srnd=homepage-middle-east&sref=BtkSCofS

[25] https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-04-02/trump-says-he-s-signing-executive-order-on-reciprocal-tariffs?srnd=homepage-middle-east&sref=BtkSCofS

[26] لمراجعة القائمة كاملة انظر الرابط التالي: https://www.theguardian.com/business/2025/apr/03/trumps-tariffs-the-full-list

[27] https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-04-02/trump-says-he-s-signing-executive-order-on-reciprocal-tariffs?srnd=homepage-middle-east&sref=BtkSCofS

[28] https://www.ft.com/content/3cc26cc1-57e7-44d0-8c09-6c5dec30cc75

[29] https://edition.cnn.com/2025/02/01/economy/trump-tariffs-mexico-canada-china-increased-costs/index.html

[30] https://www.euractiv.com/section/economy-jobs/news/eu-seeks-alliance-with-us-against-chinese-overcapacities-to-avoid-trump-tariffs/

[31] https://www.politico.eu/article/eu-warns-of-immediate-retaliation-against-trumps-reciprocal-tariffs/

[32] https://www.france24.com/en/live-news/20250224-eu-vows-to-enforce-digital-rules-despite-trump-tariff-warning

[33] https://www.ft.com/content/5653e2d6-2316-4316-9a7c-72cf4f7d86e5

[34] تؤكد العديد من التقارير أن الاستجابة المنضبطة نسبيًّا من جانب الصين للتعريفات الجمركية الأمريكية تؤكد أن الصين تأمل في التوصل إلى تسوية تجارية شاملة مع الولايات المتحدة.

[35] https://www.theguardian.com/us-news/2025/feb/04/trump-china-tariffs

[36] https://www.ft.com/content/71950f26-8272-4710-b3cc-72ad1007d77f

[37] تُمثل المركبات أكثر من 30% من صادرات اليابان إلى الولايات المتحدة.

المواضيع ذات الصلة