في 28 فبراير 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق، بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية منسقة استهدفت مواقع حكومية وعسكرية وتقليدية ونووية رئيسية داخل إيران. العملية، التي وُصفت بأنها واحدة من أخطر التحولات العسكرية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لم تكن مجرد ضربة تكتيكية، بل لحظة مفصلية أعادت رسم معادلات الردع والاصطفاف الإقليمي.
سرعان ما تردد صدى الضربات خارج الحدود الإيرانية، إذ سارعت طهران الى تنفيذ هجمات مضادة لم تقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، بل امتدت لتطال دول الخليج العربية والأردن، رغم أن هذه الدول أعلنت رفضها الحرب وسعت لتجنب الانخراط فيها. هذا التوسع في نطاق الرد الإيراني أثار مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباك المباشر نحو حرب إقليمية شاملة، بما تحمله من تداعيات على أمن الملاحة والطاقة والاستقرار السياسي. وتزامن ذلك مع موجة ردود فعل دولية حادة، تراوحت بين الدعم والتحفظ والدعوات إلى ضبط النفس، وسط قلق متصاعد بشأن انعكاسات الأزمة على النظام الدولي ككل.
في هذا السياق المضطرب، جاء الموقف الألماني سريعًا لكنه محسوب بدقة. فبين تأكيد التضامن مع الحلفاء الغربيين والحفاظ على خطاب يدعو إلى احترام القانون الدولي وتجنب التصعيد، عكست برلين توازنًا دقيقًا تحكمه اعتبارات استراتيجية وقانونية وسياسية عميقة، سواء على المستوى الداخلي أو ضمن إطار الاتحاد الأوروبي.
تتناول هذه الورقة البحثية طبيعة الاستجابة الألمانية للأزمة، والعوامل المحلية والدولية التي تشكل ملامح موقفها، كما تستشرف ما يمكن أن تعنيه هذه التطورات المتسارعة لمستقبل السياسة الخارجية الألمانية في بيئة دولية تزداد اضطرابًا وتعقيدًا.
1. الضربات الأمريكية-الإسرائيلية والصدمة العالمية الفورية
شكّل الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، الذي وصفته إسرائيل بأنه ضربة استباقية ضد القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، تصعيدًا غير مسبوق في الصراع الخفي الطويل الأمد بين الطرفين. ووفقًا لمسؤولين إسرائيليين، استهدفت العملية بنى تحتية نووية رئيسية، ومنشآت لإنتاج الصواريخ، ومراكز قيادة وتحكم يُعتقد أنها مركزية لمنظومة الردع الاستراتيجي الإيراني. ومن منظور واشنطن، مثلت المشاركة إجراءً ضروريًّا لصد ما وصفته بـ”تهديد استراتيجي وشيك”. غير أن العديد من المراقبين اعتبروا الضربات تحولًا جذريًّا من المواجهة السرية إلى صراع دولي علني، متجاوزةً خطوطًا حمراء لطالما سعت الجهات الفاعلة الإقليمية لتجنبها؛ ما يعكس مستوى تصعيد نوعيًّا في الديناميات الإقليمية.
ردّت طهران بسرعة، وأطلقت موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المسلحة، غير مستهدفة إسرائيل والمواقع الأمريكية فحسب، بل امتدت الهجمات لتشمل دول الخليج العربية؛ ما أثار مخاوف جدية من اندلاع حرب إقليمية شاملة، خاصة مع إعلان بعض الفصائل غير الحكومية المتحالفة مع إيران استعدادها لتوسيع رقعة الاشتباكات. وقد انعكس هذا التصعيد مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وخطوط الشحن البحرية، في حين بادرت دول الخليج إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي لديها لمواجهة التهديد المتزايد.
على الصعيد الدبلوماسي، واجهت القنوات الدولية صعوبة كبيرة في مجاراة سرعة الأحداث، وعُقدت جلسات طارئة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ناقشت خلالها القوى الكبرى دعوات ضبط النفس وآليات وقف إطلاق النار واحترام القانون الدولي[1]. وبرزت انقسامات بين الدول الغربية التي دعمت المبررات الأمنية لإسرائيل، وأخرى حذّرت من أن الضربات تقوّض الاستقرار الإقليمي ومعايير عدم الانتشار النووي؛ ما أظهر محدودية قدرة النظام الدولي على التوصل إلى توافق في لحظات التوتر الجيوسياسي القصوى.
في هذا السياق، برزت ألمانيا كمركز دبلوماسي محوري، باعتبارها أكبر اقتصاد في أوروبا وعضوًا بارزًا في الناتو والاتحاد الأوروبي، واجهت برلين ضغوطًا متضاربة بين التضامن مع الحلفاء عبر الأطلسي، والالتزام بأمن إسرائيل، والسعي إلى خفض التصعيد عبر الحلول التفاوضية. وقد اضطر القادة الألمان إلى موازنة هذه الاعتبارات بعناية؛ ما جعل من ألمانيا صوتًا وسيطًا حاسمًا في صياغة الاستجابة الأوروبية للأزمة المتفاقمة، في محاولة للحفاظ على تماسك التحالف مع الالتزام بمبادئ ضبط النفس واحترام القانون الدولي.
2. استجابة الحكومة الألمانية الفورية
الحذر المتوازن مع التحالف الاستراتيجي
أكد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، موقف ألمانيا الحازم إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عقب الضربة العسكرية التي شنتها الأخيرة على إيران في 28 فبراير 2026. ففي بيانه الصادر في الأول من مارس من مقر المستشارية في برلين، أعرب ميرتس عن دعمه السياسي الكامل للعملية، رافضًا الانتقادات الموجهة للهجوم، وممتنعًا عن توجيه أي انتقادات لحلفاء ألمانيا. ودعا طهران إلى “إنهاء التصعيد”، واصفًا إيران بأنها قوة مزعزعة للاستقرار الإقليمي.
ورغم اعترافه بأن ألمانيا ليست في وضع يسمح لها بتنفيذ مثل هذه العمليات بشكل مستقل، أكد ميرتس أن برلين تتشارك مع حلفائها “العديد من الأهداف”، في إشارة إلى تحالف استراتيجي متين مع واشنطن وتل أبيب[2]. كما أبدى دعمًا صريحًا للتغيير السياسي في إيران، مشيرًا إلى أن الحكومة الألمانية تتقاسم شعور الإيرانيين بالارتياح لاقتراب نهاية النظام الحالي. وأشار إلى أن الأدوات الدبلوماسية التقليدية -بما في ذلك النداءات، العقوبات، والمفاوضات- فشلت في كبح جماح طهران، وأن النقاشات القانونية حول القانون الدولي ستكون ذات “تأثير ضئيل نسبيًّا” في الظروف الراهنة؛ ما يعكس تحولًا ملحوظًا في لهجة الخطاب لصالح الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية على الالتزام الصارم بالمعايير القانونية.
وربط المستشار الصراع الإيراني أيضًا بالتوترات العالمية الأوسع، مستشهدًا بأوجه الشبه مع الحرب الروسية في أوكرانيا، ومؤكدًا دعم ألمانيا القوي لكييف. وشدد على اندماج برلين في التخطيط الاستراتيجي عبر الأطلسي، بما يشمل المشاورات مع واشنطن والتنسيق الوثيق مع إسرائيل.
في هذا السياق، قام ميرتس بزيارة واشنطن في 3 مارس 2026، حيث التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض. ومثّل هذا الاجتماع مؤشرًا على تعزيز التنسيق الاستراتيجي عبر الأطلسي في لحظة توتر دولية غير مسبوقة، إذ أشاد ترامب بدور ألمانيا في دعم العمليات، بما في ذلك السماح باستخدام بعض القواعد اللوجستية، رغم عدم مشاركة برلين مباشرة في الهجوم. من جانبها، ركزت برلين على التخطيط لما بعد الأزمة، ومناقشة السيناريوهات السياسية والأمنية، بالإضافة إلى تداعياتها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، في محاولة للربط بين الاستجابة للأزمة الإيرانية وأولوياتها الاستراتيجية الأوسع في السياسة الأوروبية والأطلسية.
في جوهر الموقف، يعكس خطاب ميرتس تضامنًا سياسيًّا راسخًا مع الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، ودعمًا لمنع التوسع النووي الإيراني، وقبولًا للمخاطر الجيوسياسية المحتملة، مع إدراك واضح لإمكانية زعزعة الاستقرار الإقليمي وعواقب وخيمة على أوروبا؛ ما يضع ألمانيا في موقع وسيط استراتيجي حاسم بين التطلعات الأمريكية والأولويات الأوروبية.
في موازاة موقف ميرتس، دعا وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، بقوة إلى العودة إلى الدبلوماسية التفاوضية مع طهران، حتى مع تصاعد حدة الصراع، مؤكدًا في مقابلات صحفية أن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية لا تشكل تهديدًا لإسرائيل فحسب، بل قد تمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمنية الأوروبية، وهو طرح نادر يربط بين التطورات الأمنية في الشرق الأوسط والمخاوف الاستراتيجية الأوروبية بشكل واضح ومباشر[3].
وانتقد فاديفول بشدة الضربات الإيرانية الانتقامية، وخاصة تلك التي تستهدف المناطق المدنية أو جهات فاعلة غير ذات صلة، واصفًا إياها بالخطيرة وغير المتناسبة، ومشدّدًا على ضرورة الحفاظ على التوازن بين الردع والالتزام بالقانون الدولي. ودعا طهران إلى العودة إلى المفاوضات، مؤكدًا مجددًا تفضيل ألمانيا للحلول الدبلوماسية على المواجهة العسكرية، في محاولة للحفاظ على السلم الإقليمي وتقليل المخاطر على أوروبا وعمليات التحالف الأطلسي.
3. موقف ألمانيا في السياقات الأوروبية والدولية الأوسع
دعوة الاتحاد الأوروبي المشتركة إلى ضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي
يجب النظر إلى رد ألمانيا في سياق الموقف الجماعي للاتحاد الأوروبي؛ ففي الأول من مارس 2026، أصدرت الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي بيانًا مشتركًا يحث على “ضبط النفس إلى أقصى حد” في أعقاب النزاع. وشدد البيان على أهمية احترام القانون الدولي وحماية المدنيين، مع إدانة الأعمال الإيرانية التي تهدد السيادة الإقليمية. ومع ذلك، أقر البيان أيضًا بمحدودية نفوذ أوروبا على السياسة العسكرية الأمريكية.[4]
يعكس هذا الإعلان المشترك للاتحاد الأوروبي عملية توازن دبلوماسي أوروبي أوسع نطاقًا؛ إذ يعرب عن القلق بشأن طموحات إيران النووية، وينتقد العنف المفرط، ويسعى للحفاظ على الاستقرار من دون تأييد كامل للعمل العسكري الأحادي الجانب.
البيانات المشتركة مع فرنسا والمملكة المتحدة
أصدرت ألمانيا أيضًا، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة – وهي ما يُعرف بـ”مجموعة الدول الثلاث” (E3) – بيانات مشتركة تدين الهجمات الصاروخية الإيرانية “العشوائية وغير المتناسبة” في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية. وأكد هؤلاء القادة استعدادهم للدفاع عن مصالحهم ومواطنيهم، بما في ذلك إمكانية اتخاذ إجراءات دفاعية لتحييد التهديدات[5].
وحث بيان مشترك آخر صادرٌ عن مجموعة الدول الأوروبية الثلاث إيرانَ على السعي إلى حل تفاوضي، وأكد مجددًا الدعم الأوروبي للاستقرار الإقليمي والدفاع عن المدنيين[6].
وتكشف هذه التصريحات المنسقة أن برلين تسعى للحفاظ على التعاون عبر الأطلسي والوحدة الأوروبية، مع وضع أوروبا في الوقت نفسه كوسيط محتمل، وليس مجرد تابع للسياسة الأمريكية.
المواقف البحرية والدفاعية للاتحاد الأوروبي
أبدت ألمانيا، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة، استعدادها لاتخاذ تدابير دفاعية عسكرية في حال هددت الهجمات الإيرانية المصالح الأوروبية في المنطقة، بما في ذلك القواعد والقوات المتحالفة. وتعكس هذه التدابير قلقًا أوسع نطاقًا في الاتحاد الأوروبي من أن يؤثر النزاع بشكل مباشر على الانتشار العسكري الأوروبي وعمليات إجلاء المدنيين.
4. المناقشات السياسية الداخلية في ألمانيا
الطيف السياسي والرأي العام
شهد المشهد السياسي الداخلي في ألمانيا تباينًا واضحًا في وجهات النظر حيال الحرب الراهنة في الشرق الأوسط وتداعيات الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. فقد أيدت الأصوات المحافظة داخل الائتلاف الحاكم عمومًا الأهداف الاستراتيجية المعلنة المتمثلة في وقف طموحات البرنامج النووي الإيراني، معتبرة أن الأمر يتصل بأمن حلف شمال الأطلسي والمصالح الأوروبية الأوسع، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة الحوار الدبلوماسي وضبط النفس. ويمثل هذا الموقف جُزءًا من محاولة حكومية للتوازن بين التضامن مع الحلفاء الغربيين والتحفظ القانوني والسياسي على التصعيد العسكري[7].
على الجانب المقابل، عبّرت أصوات من أحزاب اليسار ومنظمات المجتمع المدني عن قلق بالغ إزاء التداعيات القانونية والأخلاقية للهجمات العسكرية الأحادية، وخاصة فيما يتعلق بمخاطر إلحاق الأذى بالمدنيين، واحتمالية انتهاك القانون الدولي بموجب ميثاق الأمم المتحدة، الذي لا يجيز استخدام القوة إلا في حالات الدفاع الشرعي أو بتفويض من مجلس الأمن. ولم يتردد بعض النقاد في تشديدهم على أن الولايات المتحدة وإسرائيل اتخذتا إجراءات من شأنها أن تقوّض معايير عدم الانتشار النووي وتضعف أسس القانون الدولي، وهو طرح حظي بتعليقات واسعة في المنتديات السياسية ووسائل الإعلام الألمانية[8].
وعلى الرغم من أن الائتلاف الحاكم لم يتبنَّ الانتقادات الأكثر تطرفًا، فإن النقاشات حول المعايير القانونية الدولية، بما في ذلك ما إذا كان العمل العسكري ضد إيران يشكل إجراءً دفاعيًّا مشروعًا أو استخدامًا غير قانوني للقوة، قد اشتدت في البرلمان وفضاءات الإعلام. وقد عبّر معارضون مثل قيادات في حزب الخضر عن استيائهم من موقف الحكومة الذي رأوه ينطوي على انتهاك لمبادئ القانون الدولي ويمس بأمن ألمانيا الاستراتيجي.
على مستوى الرأي العام، أسهمت هذه الخلافات في تعزيز جدل أوسع حول دور ألمانيا ضمن التحالف الغربي، وما إذا كان ينبغي أن تتبنى موقفًا أكثر استقلالية أو أن تظل منسجمة مع السياسات الأمريكية-الإسرائيلية، وسط مخاوف من التورّط في نزاع عسكري بعيد عن الحدود الأوروبية[9].
5. الأبعاد القانونية والأخلاقية
القانون الدولي واستخدام القوة
لطالما أولت السياسة الخارجية الألمانية اهتمامًا بالغًا بالالتزام بالقانون الدولي والتعددية المؤسساتية كركيزتين أساسيتين لتنظيم العلاقات الدولية. تنص المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة على أن جميع الدول الأعضاء “يمتنعون في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة” إلا في حالات الدفاع المشروع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن[10].
ويرى منتقدو الضربات الأمريكية-الإسرائيلية أنها قد تنتهك هذا المبدأ القانوني الأساسي، إذ إن غياب تفويض صريح من مجلس الأمن وغياب دليل قاطع على تهديد وشيك يجعل استخدامَها مشكوكًا في مشروعيته تحت القانون الدولي. وتحذر جمعيات قانونية دولية من أن مثل هذه العمليات، إذا لم تستوفِ شروط الحق في الدفاع عن النفس، فهي تقوّض بنية السلم والأمن الدوليين وتضعف الالتزام المشترك بالميثاق[11].
في مواجهة هذه التساؤلات، تبنّت السلطات الألمانية موقفًا حذرًا، مع تجنب الدخول في انتقاد مباشر للعمليات العسكرية لحلفائها. وبدلًا من ذلك، شددت برلين على أهمية الدبلوماسية كآلية لحل النزاعات، وعلى ضرورة احترام مبادئ القانون الدولي الإنساني، ولاسيما حماية المدنيين. كما برزت في بيانات الاتحاد الأوروبي دعواتٌ إلى “ضبط النفس واحترام القانون الدولي” وسط تصعيد الأزمة.[12]
إلى جانب الأبعاد القانونية، أكد الجانبان الألماني والأوروبي الحاجة إلى مراعاة الاعتبارات الأخلاقية وحماية أرواح المدنيين، في استجابة تشترك فيها مجموعة من الدول الأوروبية. وقد دعت هذه الدول مرارًا إلى ضبط النفس وتقليل الأذى الناتج عن النزاع، مع التأكيد على أن أي عمل عسكري يجب أن يواكب احترام معايير القانون الدولي الإنساني.
ويُعزى هذا التأكيد على حماية المدنيين إلى عوامل متعددة، من بينها الذاكرة التاريخية الألمانية المرتبطة بتجارب الحروب الماضية، وما تركته من أثر عميق على الوعي العام تجاه قضايا النزاع والحرب. وهذا الإطار الأخلاقي ينعكس في النقاشات السياسية والرأي العام، حيث يُنظر إلى الحد من الخسائر الإنسانية كشرط أساسي لأي سياسات خارجية أو عسكرية متوازنة.
6. الآثار الاستراتيجية على السياسة الخارجية الألمانية
ديناميات التحالف والعلاقات عبر الأطلسي
يُجسّد الموقفُ الألماني المُتأني -وخاصة في بداية الحرب- التوترَ المستمر بين التضامن مع الحلفاء والسعي نحو استقلالية استراتيجية في صياغة السياسة الخارجية. وبصفتها عضوً رئيسيًّا في حلف شمال الأطلسي، ترتبط ألمانيا بالتزامات أمنية مع الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، وهو ما يؤكد استمرار هامش التعاون عبر الأطلسي، رغم الضغوط الداخلية والخارجية. ومع ذلك، تعمل برلين على تعزيز دور أوروبي مستقل في القرارات الدبلوماسية، بما يتجاوز مجرد “تكرار” مواقف واشنطن إلى رغبة في المشاركة الفاعلة في صياغة الحلول الدبلوماسية الناجعة. هذا المنحى جزء من توجُّه أوسع داخل أوروبا نحو الاستقلالية الاستراتيجية، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في المجالات الأمنية والعسكرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكات ضرورية.
وأصبح التصعيد مع إيران عنصرًا مركزيًّا في النقاشات الجيوسياسية الدولية حول استقرار المنطقة وأمن الطاقة، وهو ما يضع ألمانيا أمام مسؤوليات متجددة. فاستقرار أسواق الطاقة وشبكات الشحن الدولي يؤثران مباشرة على الاقتصاد الأوروبي والألماني، وقد أشار ميرتس خلال لقائه الرئيس دونالد ترامب إلى تأثير النزاع على أسعار النفط والغاز، معربًا عن الحاجة إلى إنهائه سريعًا.[13] وهذا ما يزيد من إلحاح الدور الدبلوماسي الألماني في معالجة نتائج الأزمة. ومن المرجح أن تقوم ألمانيا بتكثيف جهودها في المنتديات المتعددة الأطراف، بما في ذلك الأمم المتحدة وآليات الاتحاد الأوروبي، للحد من التوترات، وفتح قنوات تفاوضية مع الجهات الفاعلة الإقليمية، بهدف عودة الاستقرار وإعادة بناء الثقة على أساس دبلوماسي.
وستكون الأزمة محفزًا لتكثيف النقاشات الطويلة الأمد داخل ألمانيا حول دورها في الأمن الدولي وكيفية تحقيق توازن بين التزاماتها تجاه الحلفاء في الناتو، والامتثال للقانون الدولي، والحدود الأخلاقية لاستخدام القوة العسكرية، وتعزيز استقلاليتها السياسية والأمنية.
وتتجاوز هذه المناقشات الانتماءات الحزبية لتشمل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وهو ما يشير إلى أن السياسة الخارجية الألمانية في السنوات القادمة قد تشهد تحولات هيكلية في كيفية تعاملها مع الصراعات الدولية، وتحقيق دور قيادي داخل الاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على الشراكات التقليدية عبر الأطلسي.
والخلاصة أن رد ألمانيا على الهجمات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران اتسم بموازنة دقيقة بين مصالحها الوطنية وولائها للتحالف عبر الأطلسي، حيث سعى المستشار فريدريش ميرتس إلى تأكيد الدعم الألماني للولايات المتحدة وإسرائيل، مع الإشارة إلى أن الضربات قد تمثل فرصة للتغيير السياسي في إيران بما يخدم الأمن الإقليمي، وفي الوقت نفسه حرصت برلين على حماية مصالحها السياسية والاقتصادية ودعت إلى ضبط النفس والانخراط الدبلوماسي المكثف، مع متابعة المخاطر على المدنيين، فيما استمرت المناقشات الداخلية حول الشرعية القانونية والآثار الأخلاقية لأي تصعيد؛ ما يعكس استراتيجية ألمانيا المزدوجة في دعم التحالفات الرئيسية مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي والأمني بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
[1]Lederer, E. M., & Amiri, F. (2026, March 1). US and Israel clash with Iran at emergency Security Council meeting; UN chief condemns attacks. Associated Press. https://apnews.com/article/iran-israel-us-un-security-council-airstrikes-9140bca9241fb99be8cb3cff2c650741
[2] Daily Sabah. (2026, March 1). Germany backs US-Israeli attacks on Iran. Daily Sabah. https://www.dailysabah.com/world/europe/germany-backs-us-israeli-attacks-on-iran/amp?utm
[3] Wadephul: Iranisches Regime Gefahr „auch für Europa“. (2026, February 28). ZDFheute. https://www.zdfheute.de/politik/wadephul-usa-iran-israel-angriff-100.html?utm
[4]Bayer, L., & Gray, A. (2026, March 1). EU nations call for “maximum restraint”, respect for international law in Iran conflict. Reuters. https://www.reuters.com/world/middle‑east/eu‑nations‑call‑maximum‑restraint‑respect‑international‑law‑iran‑conflict‑2026‑03‑01/
[5]Lee, M., Chason, R., Alfaro, M., & Westfall, S. (2026, March 2). U.S. military says 1,000 targets hit in Iran; Israel and Hezbollah exchange strikes. The Washington Post. https://www.washingtonpost.com/world/2026/03/01/trump-iran-israel-khamenei-strikes-live-updates/?utm
[6] Donna Ferguson, France, Germany and UK urge Iran to ‘negotiate solution’ after attack, the Guardain, February 28, 2026,
[7] أمل برلين، “ردود الأفعال الدولية والألمانية على الحرب ضد إيران: بين الإدانة والتحفظ والدعوة للدبلوماسية”، 2 مارس 2026،
[8] ينس توراو، حرب إيران: لماذا لا يريد ميرتس توجيه اللوم لإسرائيل وأمريكا؟، دويتشه فيله، 3 مارس 2026، https://tinyurl.com/2eup24tk
[9] Donna Ferguson, France, Germany and UK urge Iran to ‘negotiate solution’ after attack, the Guardian, 28 February 2026, https://www.theguardian.com/world/2026/feb/28/uk-france-germany-urge-iran-negotiate-solution-us-israel-attack-europe
[10] ميثاق الأمم المتحدة، النص الكامل، موقع الأمم المتحدة، https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text
[11] European Lawyers for Democracy and Human Rights (ELDH), “Statement on the Unlawful Use of Force Against Iran and on the Defence of the International Legal Order,” March 1, 2026,
[12] Lili Bayer and Andrew Gray, “EU nations call for ‘maximum restraint’, respect for international law in Iran conflict,” Reuters, March 2, 2026, https://www.reuters.com/world/middle-east/eu-nations-call-maximum-restraint-respect-international-law-iran-conflict-2026-03-01/
[13] المستشار الألماني: حرب إيران تضرّ باقتصاداتنا.. ونأمل بنهاية سريعة لها، الخليج، 3 مارس 2026، https://tinyurl.com/22fdneew