أولًا: المقدمة
تُعدّ الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا واحدة من أبرز الأزمات السياسية في أمريكا اللاتينية المعاصرة، لما تنطوي عليه من تداخل معقّد بين التحولات السياسية الداخلية في فنزويلا، واستراتيجيات النفوذ الإقليمي والدولي للولايات المتحدة. وتتمحور الإشكالية المركزية لهذه الأزمة حول طبيعة التفاعل بين مشروع سياسي داخلي يسعى لإعادة تعريف مفاهيم الشرعية والسيادة الوطنية، ومنظومة غربية تقودها الولايات المتحدة وتسعى لحماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، بما يشمل النفوذ السياسي، والتحكُّم في موارد الطاقة، وتأمين أسواق اقتصادية حيوية؛ وهو ما أفضى إلى صراع ممتد تجاوز حدود الخلافات الثنائية التقليدية.
وفي مرحلة لاحقة، برزت العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية الأمريكية بوصفها نتيجةً مباشرة لتفاقم الخلاف السياسي، لا سببًا أوليًّا له، إذ بلغت هذه العقوبات ذروتها بعد عام 2017، ثم تعززت بالاعتراف الأمريكي بقيادة سياسية بديلة عام 2019. وأسهم هذا التحول في نقل الأزمة من إطارها الثنائي إلى ساحة تفاعل دولي أوسع، مع انخراط قوى دولية كبرى في دعم فنزويلا سياسيًّا واقتصاديًّا؛ الأمر الذي أضفى على الأزمة أبعادًا جيوسياسية تتجاوز النطاق الإقليمي لأمريكا اللاتينية.
وفي هذا السياق، يتعارض الموقف الأمريكي الذي يركز على حماية مصالحه الاستراتيجية في المنطقة مع خطاب فنزويلي يؤكد على أولوية السيادة الوطنية ورفض الضغوط الخارجية. وبهذا تتشكل الأزمة بوصفها نموذجًا مركبًا لصراع تتداخل فيه العوامل الداخلية مع الحسابات الدولية، وتتعدد فيه السيناريوهات المحتملة بين استمرار حالة الجمود، أو الانخراط في مسار تفاوضي، أو إعادة تشكيل العلاقة في ضوء التحولات المتسارعة في النظام الدولي وأسواق الطاقة العالمية. (Bryngel 2024; Sanctions & Security Research Project 2022).
وتهدف هذه الورقة إلى تحليل جذور الأزمة الأمريكية-الفنزويلية من منظور يربط بين العوامل الداخلية والخارجية، وبيان طبيعة التفاعل بين مصالح الطرفين وأدوات الضغط المستخدمة، ولاسيما العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية. كما تسعى الورقة لتقييم التداعيات الإقليمية والدولية لهذه الأزمة، واستشراف مساراتها المستقبلية في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، بما يسهم في فهم أعمق لديناميات الصراع وحدود التسوية المحتملة بين الطرفين.
ثانيًا: الخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية-الفنزويلية
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وفنزويلا خلال القرن العشرين تطورًا قوي الارتباط بعامل الطاقة، حيث أسهم الاكتشاف المبكر للنفط في فنزويلا وتحولها إلى منتج رئيسي في السوق العالمية في بناء نمط من الاعتماد المتبادل، أصبحت بموجبه الولايات المتحدة المستثمر الأجنبي الأكبر في قطاع النفط الفنزويلي والمستورد الأساسي لإنتاجه لعقود طويلة. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين اتسمت هذه العلاقات بدرجة عالية من الاستقرار، حيث شكلت فنزويلا نموذجًا للديمقراطية التمثيلية في أمريكا اللاتينية، وحليفًا استراتيجيًّا لواشنطن في سياق الحرب الباردة، في مقابل تبنيها سياسة خارجية معتدلة واندماجها في النظام الاقتصادي الليبرالي العالمي. وتبرز خصوصية الحالة الفنزويلية عند مقارنتها بدول نفطية أخرى في أمريكا اللاتينية مثل المكسيك، التي اتسمت علاقتها بالولايات المتحدة بدرجة أعلى من التوتر المؤسسي عقب تأميم النفط عام 1938، أو الإكوادور التي شهدت تقلبات متكررة في سياساتها النفطية وعلاقاتها الخارجية.
ففي حين حافظت هذه الدول على مسافة متباينة من واشنطن، نجحت فنزويلا خلال تلك المرحلة في تحقيق توازن نسبي بين عضويتها الفاعلة في منظمة أوبك، واستمرار اندماجها في النظام الاقتصادي الليبرالي، دون أن يتحول ذلك إلى قطيعة سياسية أو اقتصادية مع الولايات المتحدة؛ وهو ما منح العلاقة طابعًا تفاوضيًّا مستقرًّا مقارنة بنماذج إقليمية أخرى (Bryngel 2024).
غير أن هذا النسق بدأ في التحول تدريجيًّا مع نهاية التسعينيات نتيجة تآكل شرعية النظام السياسي التقليدي وتصاعد الأزمات الاجتماعية واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، الأمر الذي مهد الطريق لصعود هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999 عبر انتخابات ديمقراطية. وقد مثل وصول تشافيز بداية مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ تبنت فنزويلا خطابًا سياسيًّا ناقدًا للسياسات الأمريكية وسعت إلى بناء تحالفات إقليمية بديلة مثل تحالف “ألبا” (ALBA)، وتعزيز علاقاتها مع قوى دولية من خارج الفلك الغربي. ومع ذلك لم تشهد السنوات الأولى قطيعة كاملة، حيث استمرت صادرات النفط إلى الولايات المتحدة، واستمر الاعتماد المتبادل بين الطرفين.
وعلى الرغم من تصاعد الخطاب الأيديولوجي، فإن محاولة الانقلاب الفاشلة ضد تشافيز عام 2002، التي اتهمت كاراكاس واشنطن بدعمها بشكل ضمني، شكلت نقطة انعطاف حاسمة؛ وهو ما أدى إلى تصاعد عدم الثقة المتبادل، وتحول العلاقة تدريجيًّا من شراكة براغماتية إلى مواجهة سياسية متزايدة. ومع انتقال السلطة إلى نيكولاس مادورو عام 2013، في ظل تراجع أسعار النفط وتفاقم الاختلالات الاقتصادية، دخلت العلاقات مرحلةً أكثر توترًا، حيث تبنت الولايات المتحدة سياسةً أكثر تشددًا تمثلت في فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية متصاعدة، بينما ردت فنزويلا بتعزيز خطاب السيادة الوطنية، وتكثيف تعاونها مع روسيا والصين وإيران. وبهذا لم تعد العلاقات الأمريكية-الفنزويلية محكومة فقط بالاعتبارات الثنائية، وإنما أصبحت جزءًا من توازنات إقليمية ودولية أوسع، تعكس تحولات النظام الدولي وتراجع الهيمنة الأحادية في أمريكا اللاتينية. (Weisbrot and Sachs 2019; Downs and Palacios 2026).
ثالثًا: الأسباب السياسية للأزمة
1. الدوافع السياسية المرتبطة بالداخل الفنزويلي:
أ. إعادة تشكيل الشرعية السياسية في فنزويلا بعد عام 1999:
اعتمد المشروع السياسي الذي أطلقه هوغو تشافيز، ولاحقًا نيكولاس مادورو، على إعادة تعريف مفهوم الشرعية السياسية بعيدًا عن النموذج الليبرالي التقليدي المدعوم أمريكيًّا؛ وقد تمحور هذا التوجه حول تعزيز الشرعية الشعبية المباشرة، وتوسيع دور الدولة في إدارة الاقتصاد، إلى جانب إضعاف النخب السياسية التقليدية التي ارتبطت تاريخيًّا بعلاقات وثيقة مع واشنطن.
وأدى هذا التحول إلى صدامٍ مباشرٍ مع التصورات الأمريكية للديمقراطية التمثيلية، إذ رأت الولايات المتحدة في هذا النموذج خروجًا عن المعايير الديمقراطية السائدة. في المقابل، اعتبرت القيادة الفنزويلية هذا المسار تعبيرًا عن سيادة القرار الوطني وإرادة شعبية مستقلة ؛ وهو ما أسس لشرخ سياسي عميق ومستمر بين الطرفين. (Ellner 2019).
ب. استخدام الخطاب المعادي للهيمنة الخارجية كأداة لتماسك النظام السياسي:
كانت المواجهة مع الولايات المتحدة عنصرًا مركزيًّا في الخطاب السياسي الفنزويلي، حيث استُخدمت بوصفها أداة لتوحيد القاعدة الاجتماعية للنظام وصرف الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والتحديات الإدارية الداخلية. وقد أسهم تصوير واشنطن كفاعل خارجي يسعى لزعزعة الاستقرار الداخلي في تعزيز النزعة القومية، وتبرير تشديد السيطرة على مؤسسات الدولة، ولاسيما خلال فترات الاحتجاجات الشعبية أو الانقسامات السياسية.
وفي هذا السياق، كان لمؤسسات محورية دور في ترسيخ هذا الخطاب واستدامته، إذ شكل الجيش أحد أعمدة دعم النظام من خلال ربط الولاء المؤسسي بمفهوم الدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة التدخل الخارجي. كما أسهمت قطاعات من النقابات والتنظيمات الاجتماعية المرتبطة بالدولة في إعادة إنتاج الخطاب المعادي للهيمنة ضمن سردية تربط المطالب الاجتماعية بمقاومة الضغوط الخارجية. إلى جانب ذلك، وفّر توسّع الاقتصاد غير الرسمي قاعدة اجتماعية أكثر قابلية لتلقي هذا الخطاب، في ظل اعتماد شرائح واسعة من المجتمع على شبكات توزيع ورعاية غير رسمية مرتبطة بالدولة. وبهذا أصبحت الأزمة مع الولايات المتحدة جزءًا من معادلة الاستقرار الداخلي للنظام السياسي الفنزويلي (Ellner 2019).
2. الدوافع السياسية المرتبطة بالموقف الأمريكي:
أ. الدفاع عن النموذج الديمقراطي الليبرالي في أمريكا اللاتينية:
تنطلق السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا من اعتبارها حالة تهديد رمزية للنموذج الليبرالي الذي سعت واشنطن إلى ترسيخه في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة، فقد رأت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن استمرار النظام الفنزويلي بصيغته الحالية قد يشجع نماذج حكم بديلة في أمريكا اللاتينية على تحدّي النفوذ الأمريكي، وهو ما يفسر إصرار واشنطن على ربط الأزمة الفنزويلية بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، واستخدام هذه القضايا كإطار شرعي للضغط السياسي والدبلوماسي.
ب. مسألة الشرعية والاعتراف الدولي بالسلطة:
بلغ الصراع السياسي ذروته عام 2019 عندما اعترفت الولايات المتحدة بخوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، بالاستناد إلى تفسيرها للدستور الفنزويلي، في خطوة هدفت إلى نزع الشرعية الدولية عن حكومة مادورو. ودفع المجتمع الدولي إلى تبني موقف مماثل، وقد شكّل هذا الاعتراف سابقة في العلاقات الثنائية، إذ نقل الأزمة من مستوى الضغوط غير المباشرة إلى مواجهة سياسية علنية وأسهم في تعقيد فرص الحوار الداخلي، وأعاد تعريف الصراع بوصفه تنازعًا على الشرعية أكثر من كونه خلافًا حول السياسات (Smilde 2020).
3. الدوافع السياسية الإقليمية والدولية:
أ. تحدي النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي:
تمثل فنزويلا من منظور واشنطن حالة استثنائية في محيط إقليمي يُفترض أنه خاضع للتأثير الأمريكي؛ الأمر الذي جعل الأزمة تتجاوز بعدها الثنائي لتكتسب دلالة رمزية تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها في أمريكا اللاتينية، وفي المقابل سعت فنزويلا إلى استثمار هذا الموقع عبر بناء تحالفات إقليمية بديلة، وتعزيز خطاب الاستقلال الاستراتيجي، وقد عمّق هذا التحدي من حدة التوتر السياسي بين الجانبين (Smilde 2020; Congressional Research Service 2025).
ب. تسييس التحالفات الدولية في الأزمة الفنزويلية:
أدى انخراط قوى دولية مثل روسيا والصين في دعم الحكومة الفنزويلية إلى إعادة صياغة الأزمة ضمن إطار تنافسي دولي أوسع، حيث رأت الولايات المتحدة في هذا الدعم تحديًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية، بينما اعتبرته كاراكاس ضمانة سياسية في مواجهة العزلة الدولية، وقد أسهم هذا التداخل في تدويل الأزمة وإطالة أمدها وتعقيد مسارات تسويتها السياسية (Serbin et al. 2020; Downs and Palacios 2026).
رابعًا: العوامل الاقتصادية ودور النفط
1. الاقتصاد الريعي النفطي وحدود النمو الهيكلي:
كان النفط منذ اكتشافه العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي، حيث اعتمدت الدولة لعقود طويلة على العائدات النفطية بوصفها المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية وتمويل الإنفاق العام ؛ وهو ما أسهم في إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الزراعة والصناعة التحويلية. وقد أدى هذا النمط الريعي إلى جعل الاقتصاد الفنزويلي شديد الحساسية لتقلبات أسعار النفط العالمية؛ إذ تسببت فترات انخفاض الأسعار -وخاصة بعد عام 2014- في تقلص الموارد المالية للدولة بصورة حادة، وتراجع قدرتها على تمويل الدعم الاجتماعي والاستيراد. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن الاختلالات البنيوية المتراكمة في النموذج الاقتصادي التي سبقت العقوبات الخارجية، وأسهمت في تقليص مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية على حد سواء (Corrales and Penfold 2015).
2. تأثير العقوبات الاقتصادية على قطاع النفط والمالية العامة:
مثلت العقوبات الأمريكية -ولاسيما تلك المفروضة على قطاع النفط منذ عام 2017 ثم تشديدها في 2019- عاملًا إضافيًّا؛ وهو ما فاقم من حدة الأزمة الاقتصادية، إذ قيدت قدرة شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) على الوصول إلى الأسواق المالية والتكنولوجية، وقلصت من صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية. وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن هذه العقوبات استهدفت النخبة الحاكمة، تشير دراسات مستقلة إلى أن آثارها امتدت لتشمل مجمل الاقتصاد، وأسهمت في تسريع تراجع الإنتاج النفطي، وتعميق أزمة العُملة والتضخم، وتقليص قدرة الدولة على استيراد السلع الأساسية، ومع ذلك تظل هذه الإجراءات جزءًا من منظومة أوسع من العوامل الاقتصادية البنيوية التي سبقت الأزمة الراهنة، وأسهمت في تقليص قدرة الاقتصاد الفنزويلي على امتصاص الصدمات؛ الأمر الذي جعلها عاملًا مُضاعفًا لا تفسيرًا أحاديًّا لمسار الانهيار (Weisbrot and Sachs 2019).
3. النفط كأداة في الصراع الجيوسياسي وإعادة توجيه الشراكات الاقتصادية:
تحول النفط في سياق الأزمة إلى أداةٍ سياسيةٍ وجيوسياسيةٍ، حيث سعت فنزويلا إلى إعادة توجيه صادراتها وشراكاتها الاقتصادية نحو قوى مثل الصين وروسيا، في محاولة لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية وتجاوز القيود المفروضة عليها، وفي المقابل استخدمت الولايات المتحدة موقعها المؤثر في النظام المالي العالمي وأسواق الطاقة للضغط على الحكومة الفنزويلية، ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تغيير سلوكها السياسي، وقد أدى هذا التسييس المتبادل للطاقة إلى إعادة تشكيل أنماط التبادل التجاري والاستثماري لفنزويلا، دون أن ينجح حتى الآن في توفير بديل مستقر ومستدام عن السوق التقليدية، وهذا يعكس حدود توظيف النفط كأداة للصمود الاقتصادي في ظل بيئة دولية معقدة (Downs and Palacios 2026; Energy Reports 2025).
وعليه لا يمكن فهم العوامل الاقتصادية في الأزمة الفنزويلية بوصفها مجرد خلفية مادية للصراع السياسي، وإنما باعتبارها عنصرًا تفسيريًّا مركزيًّا أسهم في إعادة إنتاج الأزمة وتعقيد مسارات احتوائها، فقد أدى الطابع الريعي للاقتصاد النفطي إلى تآكل قدرة الدولة على التكيّف مع الصدمات الخارجية، وربط الاستقرار الاجتماعي والمالي مباشرة بتقلبات سوق الطاقة العالمية، كما أن تسييس النفط، سواء من قبل الحكومة الفنزويلية أو من قبل الولايات المتحدة، حوّل المورد الاقتصادي الأساسي إلى أداة ضغط متبادلة، ما عمق الطابع الصفري للأزمة، وقلص فرص الفصل بين المسارات الاقتصادية والسياسية. وبهذا يصبح الاقتصاد النفطي ليس مجرد متغير تابع، بل أحد العوامل البنيوية التي أسهمت في إطالة أمد الأزمة وإعادة إنتاجها ضمن سياق دولي شديد التقلب.
خامسًا: البعد الجيوسياسي والتدخلات الدولية
1. موقف الولايات المتحدة الأمريكية:
الولايات المتحدة هي الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا في الأزمة الفنزويلية، إذ تنطلق سياستها من اعتبارات تتعلق بالحفاظ على نفوذها التقليدي في أمريكا اللاتينية، وضمان الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها في قطاع الطاقة، إلى جانب خطاب معلن يركز على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد اعتمدت واشنطن -بدلًا من التدخل العسكري المباشر- استراتيجية تقوم على الضغوط الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية، وبناء تحالفات إقليمية ودولية للضغط على الحكومة الفنزويلية، وهو ما تجسد بوضوح في الاعتراف بخوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا عام 2019، وفي الوقت نفسه حرصت الولايات المتحدة على إبقاء قنوات محدودة للتواصل غير المباشر، مدفوعة باعتبارات براغماتية تتعلق باستقرار أسواق الطاقة والهجرة الإقليمية،. وتعكس هذه المقاربة توازنًا بين المبادئ المعلنة والمصالح الاستراتيجية (Smilde 2020; McCoy and Diez 2021).
2. موقف القوى الدولية الداعمة لفنزويلا (روسيا والصين):
وجدت كل من روسيا والصين في الأزمة فرصة لتعزيز حضورهما في منطقة تعد تاريخيًّا مجال نفوذ أمريكي دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع واشنطن، حيث ركزت روسيا على تقديم دعم سياسي ودبلوماسي للنظام الفنزويلي إلى جانب تعاون عسكري محدود ورمزي يهدف إلى ردع أي تدخل خارجي محتمل ، بينما انصرفت الصين إلى مقاربة أكثر حذرًا تمحورت حول الاستثمارات والقروض طويلة الأجل، خاصة في قطاعَيْ الطاقة والبنية التحتية، وتتعامل بكين مع فنزويلا بوصفها شريكًا اقتصاديًّا ضمن استراتيجية تنويع مصادر الطاقة، مع تجنب التورط العميق في الصراع السياسي الداخلي، وقد أسهم هذا التباين في أدوار موسكو وبكين في إطالة أمد الأزمة، من خلال توفير هامش مناورة دولي للحكومة الفنزويلية، وفي الوقت ذاته تعميق الطابع الجيوسياسي للصراع (Serbin et al. 2020).
3. مواقف الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا اللاتينية والمنظمات الدولية:
اتسم موقف الاتحاد الأوروبي بدرجة من التوازن الحذر، حيث دعم المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تسوية تفاوضية، وفرض عقوبات محدودة تستهدف أفرادًا في القيادة الفنزويلية، دون تبني سياسة العزل الشامل التي انتهجتها الولايات المتحدة، وفي المقابل انقسمت دول أمريكا اللاتينية بين معسكر مؤيد للضغوط الأمريكية، وآخر يدعو إلى مبدأ عدم التدخل وحل الأزمة عبر الحوار، وهو ما عكس تباينًا في الرؤى الإقليمية حيال طبيعة الأزمة وحدود التدخل الخارجي، أما على مستوى المنظمات الدولية، فقد واجهت الأزمة الفنزويلية صعوبات بنيوية، تمثلت في غياب توافق دولي حول شرعية السلطة؛ الأمر الذي حدَّ من قدرة هذه المنظمات على لعب دور حاسم في إدارة الصراع أو التوسط فيه. (Serbin et al. 2020)
سادسًا: آفاق الأزمة وسيناريوهات المستقبل
1. سيناريو الاستمرار في حالة الجمود وإدارة الأزمة:
هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، حيث تستمر الأزمة في إطارها القائم دون تحول جذري في مواقف الأطراف الرئيسية، ففي هذا السياق تواصل الولايات المتحدة سياسة الضغط الانتقائي عبر العقوبات والقيود الدبلوماسية مع الإبقاء على قنوات تواصل غير مباشرة مرتبطة بملفات محددة مثل الطاقة والهجرة، بينما تحافظ الحكومة الفنزويلية على تماسكها السياسي النسبي، مستفيدة من دعم بعض الحلفاء الدوليين، ومن محدودية الخيارات المتاحة أمام خصومها، ويعكس هذا السيناريو منطق (إدارة الصراع) بدلًا من حله، حيث تفضل الأطراف تجنب المخاطر المرتفعة المرتبطة بالتصعيد أو التنازل الشامل، في ظل توازن سلبي لا يسمح بحسم الأزمة لصالح أي طرف.
2. سيناريو التسوية التفاوضية التدريجية:
يفترض هذا السيناريو حدوث اختراقٍ سياسيٍّ محدودٍ يقود إلى مسار تفاوضي تدريجي، قد يكون برعاية دولية أو إقليمية، ويركز على إجراءات بناء الثقة، مثل تخفيف جزئي للعقوبات، مقابل التزامات سياسية وانتخابية داخلية، ويستند هذا المسار إلى إدراك متزايد لدى مختلف الأطراف بأن استمرار الأزمة يحمل كلفة اقتصادية وإنسانية متصاعدة، كما أنه يرتبط بعوامل خارجية مثل تحولات سوق الطاقة العالمية أو تغير أولويات السياسة الأمريكية أو ضغوط إقليمية لتفادي موجات هجرة وعدم استقرار أوسع، ومع أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حلًّا شاملًا للأزمة، فإنه يفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقة بين واشنطن وكاراكاس على أسس أكثر براغماتية، ويخفف من الطابع الصفري للصراع.
3. سيناريو التصعيد المحدود أو إعادة تشكيل الأزمة:
يظل سيناريو التصعيد قائمًا، وإن كان أقل ترجيحًا، ويتمثل في تدهور مفاجئ للأوضاع نتيجة تطورات داخلية حادة أو انهيار مسار الحوار أو تغيرات مفاجئة في موازين القوى الإقليمية والدولية، وقد يتخذ هذا التصعيد شكل تشديد إضافي للعقوبات، أو صدامات سياسية داخلية أكثر حدة، أو توظيف أكبر للأزمة في سياق التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وفي المقابل قد يؤدي هذا السيناريو إلى إعادة تشكيل الأزمة بدل تصعيدها، عبر دفع الأطراف إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية، والبحث عن صيغ جديدة للتعامل خاصة إذا ثبت أن أدوات الضغط التقليدية لم تعد تحقق نتائج ملموسة، ويظل هذا المسار مرتبطًا بدرجة عالية من عدم اليقين، وهذا يجعله الأكثر كلفة والأقل قابلية للتنبؤ.
سابعًا: الآثار الدولية المستقبلية
من المرجح أن تمتد تداعيات الأزمة الأمريكية-الفنزويلية إلى ما هو أبعد من الإطار الثنائي، لتؤثر في طبيعة التفاعلات الدولية في أمريكا اللاتينية بوصفها إقليمًا يشهد إعادة تموضع استراتيجي متسارع؛ فاستمرار الأزمة يعزز من تآكل مفهوم الهيمنة الأحادية في نصف الكرة الغربي، ويفتح المجال أمام أدوارٍ أكثر تنوعًا لقوى دولية غير تقليدية، وهذا قد يؤدي إلى نظامٍ إقليميٍّ أقل خضوعًا لقطب واحد وأكثر قابليةً للتعددية؛ وفي هذا السياق تتحول فنزويلا من كونها دولة تعاني أزمة داخلية إلى حالة اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة نفوذها عبر أدوات غير عسكرية ؛ وهو ما يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي المعاص (Bryngel 2024; Smilde 2020).
وعلى مستوى النظام الاقتصادي العالميِّ، يُتوقع أن تستمر الأزمة في التأثير على ديناميات أسواق الطاقة، ليس فقط من حيث العرض والطلب، إنما من حيث تسييس موارد الطاقة واستخدامها كأداة في العلاقات الدولية؛ فإعادة إدماج فنزويلا المحتمل في الأسواق العالمية أو استمرار عزلها سيظل مرتبطًا بحسابات سياسية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية البحتة ؛ الأمر الذي يعزز من هشاشة استقرار أسواق النفط ، ويدفع الدول المستوردة والمصدّرة على حد سواء إلى إعادة التفكير في استراتيجيات تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مناطق النزاع ، وبذلك تسهم الأزمة في ترسيخ اتجاه عالمي يربط بين أمن الطاقة والأمن الجيوسياسي بصورة أوثق.
أما على صعيد القانون الدولي وأدوار المنظمات متعددة الأطراف، فإن الأزمة تطرح تساؤلات مستمرة حول حدود مبدأ السيادة ومشروعية العقوبات ومعايير الاعتراف الدولي بالسلطات السياسية؛ إذ يعكس العجز النسبي للمؤسسات الدولية عن لعب دور حاسم في تسوية الأزمة فجوةً قائمةً بين القواعد القانونية المعلنة وموازين القوى الفعلية ؛ وهو ما قد يترك أثرًا طويل الأمد على شرعية النظام الدولي نفسه. وفي هذا الإطار، قد تسهم التجربة الفنزويلية في إعادة تقييم أدوات التدخل الدولي، وتغذية نقاشٍ عالميٍّ أوسع حول سبل إدارة الأزمات الداخلية ذات الأبعاد العابرة للحدود، بعيدًا عن منطق الإكراه والصراع الصفري (American Journal of International Law 2018).
الخاتمة
تكشف الأزمة الأمريكية-الفنزويلية في ضوء الإشكالية التي تناولها هذا التحليل، عن نموذج مركّب لصراع لا تحكمه ثنائية الصديق والخصم بقدر ما تصوغه تفاعلات متشابكة بين مشروع سياسي داخلي يسعى إلى إعادة تعريف الشرعية والسيادة الوطنية، ومنظومة دولية تقودها الولايات المتحدة وتستند إلى اعتبارات النفوذ والمعايير الليبرالية. ومن خلال ذلك تتقاطع اعتبارات السيادة مع حسابات القوة، وتختلط القيم المعلنة بالمصالح الواقعية ؛ الأمر الذي يجعل فهم الأزمة مرهونًا بتجاوز التفسيرات الأحادية.
وقد أظهرت هذه الورقة أن الأزمة لم تكن نتيجة عامل منفرد، إنما هي حصيلة تراكم تاريخي من الاختلالات البنيوية والتحولات السياسية والضغوط الاقتصادية والتدخلات الخارجية ؛ وهو ما يجعل أي مقاربة اختزالية عاجزة عن تفسيرها أو احتوائها. وفي ظل استمرار التغيرات في النظام الدولي وأسواق الطاقة، تبدو الأزمة مفتوحة على مسارات متعددة، يتوقف مآلها على قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من منطق الإكراه والمواجهة إلى منطق التفاعل البراغماتي والتسويات المرحلية، بما يحقق قدرًا من الاستقرار دون الإخلال بمبدأ السيادة أو تجاهل المتطلبات السياسية والاقتصادية الداخلية. وبهذا تصبح الحالة الفنزويلية مرآة أوسع لتحولات العلاقات الدولية في عالم يتجه بثبات نحو مزيد من التعقيد وعدم اليقين.
المراجع:
أطروحات الماجستير:
Bryngel, Eskil. 2024. A Contemporary Case Study of U.S.–Venezuela Relations (2017–2023). Master’s Thesis, Linnaeus University.
تقارير ومراكز أبحاث:
Sanctions, Economic Statecraft, and Venezuela’s Crisis. Sanctions & Security Research Project, Fourth Freedom Forum (January 2022).
Downs, Erica, and Luisa Palacios. 2026. “Venezuela–China Oil Ties Severely Impacted by US Action.” Columbia University Center on Global Energy Policy, Jan. 7, 2026.
مقالات أكاديمية:
United States Imposes Broad Economic Sanctions on Venezuela After Constitutional Crisis. American Journal of International Law 112, no. 1 (2018).
The Human Rights Impact of Sanctions Policy in Venezuela. Georgetown Journal of International Affairs (May 14, 2025).
US Sanctions in Venezuela: Help, Hindrance, or Violation of Human Rights? The Lancet (2019).
Energy Sanctions in the Global Economy: Geopolitical Disruptions. Energy Reports (Elsevier/ScienceDirect), 2025.
أوراق بحثية:
Rodríguez, Francisco, and Giancarlo Bravo. 2025. (Why Bahar and Hausmann Tell Us Nothing About Venezuelan Migration Flows to the United States). arXiv.
Rodríguez, Francisco. 2024. (Sanctions and Venezuelan Migration). arXiv (
Rodríguez, Francisco. 2022 .(Sanctions and Imports of Essential Goods: A Closer Look at the Equipo Anova (2021) Results). arXiv.
تقارير حكومية وتشريعية:
Congressional Research Service. 2025. Venezuela: Political Crisis and U.S. Policy. Washington, DC: U.S. Congress.
Congressional Research Service. 2026. Overview of U.S. Sanctions Policy Toward Venezuela. Washington, DC: U.S. Congress.