أصدر “مركز كندا للتواصل المجتمعي ومنع العنف“، عام 2018، الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التطرف المؤدي إلى العنف، في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى معالجة التهديدات الناجمة عن التطرف العنيف، عبر نهج شامل يدمج بين الوقاية المبكرة، والتدخل المُوَجَّه، وفك الارتباط بالأيديولوجيات المتطرفة. وتعكس هذه الوثيقة إدراك الحكومة الكندية للطبيعة المتغيرة للتطرف، سواءً كان ذا دوافع دينية، أو سياسية، أو قومية، أو أيديولوجية، وحرصها على صياغة مقاربة لا تربط الظاهرة بديانة أو ثقافة أو فئة بعينها. كما تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة والمجتمعات المحلية والمنظمات المدنية، مع الانفتاح على أفضل الممارسات الدولية، من أجل بناء مجتمع أكثر مرونة وقدرة على مواجهة خطاب الكراهية والعنف.
تهدف هذه الدراسة إلى عرض وتحليل مكونات هذه الاستراتيجية، وذلك من خلال تناول الإطار العام للاستراتيجية الوطنية الكندية، والمحاور الثلاثة التي تقوم عليها، وتحليل نقاط القوة ونقاط الضعف، إضافة إلى مقارنة منهجية مع الاستراتيجيات الدولية المماثلة، بُغْيَة الوقوف على أهم الدروس المستفادة وتقديم قراءة نقدية شاملة.
1. الإطار العام للاستراتيجية الوطنية الكندية
1.1 السياق العام
شهدت كندا خلال العقود الأخيرة بروز تهديدات متنامية من مختلف أشكال التطرف العنيف، سواءً المستوحاة من الجماعات الجهادية الإسلاموية -كتنظيم داعش والقاعدة- أو الحركات اليمينية المتطرفة، إضافة إلى حالات أقل انتشارًا مثل التطرف البيئي أو الانفصالي. وقد اتضح للحكومة الكندية أن المقاربة الأمنية التقليدية، القائمة على التحقيقات والملاحقات القضائية، غير كافية بمفردها لاحتواء الظاهرة، خاصة مع ازدياد النشاط في الفضاء الرقمي وتطور آليات التجنيد والتحريض.
2.1 إنشاء مركز كندا للتواصل المجتمعي ومنع العنف
في عام 2017، تم تأسيس مركز كندا للتواصل المجتمعي ومنع العنف بتمويل حكومي بلغ 35 مليون دولار على خمس سنوات، و10 ملايين دولار سنويًّا بشكل مستمر، ليكون هيئة قيادية متخصصة في تطوير السياسات، وتنسيق الجهود، وتمويل المشاريع الموجهة لمكافحة التطرف المؤدي إلى العنف. يقع المركز في أوتاوا ضمن هيكلية وزارة السلامة العامة، ويضم خبراء من مجالات متعددة: الأمن، وعلم الاجتماع، والتربية، والصحة النفسية، والتواصل المجتمعي.
3.1 المبادئ المُوَجِّهَة
تعتمد هذه الاستراتيجية[1] على عدة مبادئ حاكمة:
- الحياد الأيديولوجي: عدم ربط التطرف العنيف بدين أو ثقافة أو قومية محددة.
- حماية الحقوق والحريات: التزام تام بميثاق الحقوق والحريات الكندي، بما في ذلك حرية التعبير والمعتقد.
- الشمولية والمشاركة المجتمعية: إشراك جميع الفاعلين –حكوميين وغير حكوميين– في صياغة وتنفيذ السياسات.
- التكيُّف مع التغيرات: تصميم الاستراتيجية لتكون مرنة وقابلة للتعديل وفق المستجدات المحلية والعالمية.
2. المحاور الثلاثة للاستراتيجية
1.2 بناء وتبادل واستخدام المعرفة
ترى الحكومة الكندية أن فهم ظاهرة التطرف العنيف يتطلب قاعدة معرفية قوية، تشمل:
- تحديد المؤشرات الموثوقة: مثل أنماط الخطاب المتطرف، والسلوكيات الرقمية، أو الانعزال الاجتماعي.
- تقييم البرامج: إدماج أدوات تقييم كمية ونوعية لقياس فعالية التدخلات.
- نشر المعرفة: عبر المؤتمرات، والشراكات البحثية، والدعم المالي لمشاريع المجتمع المدني.
2.2 التعامل مع التطرف في الفضاء الإلكتروني
الفضاء الرقمي يمثل اليوم أحد أهم ساحات التجنيد والتحريض. لذا، تعمل الاستراتيجية على:
- تعزيز الثقافة الرقمية: لتطوير مهارات التفكير النقدي لدى المواطنين، وخاصة الشباب.
- إنتاج سرديات بديلة: من خلال أصوات موثوقة تعزز قيم التعددية والانخراط الإيجابي.
- التعاون مع شركات التكنولوجيا: لإزالة المحتوى المتطرف بسرعة، وتطوير أدوات كشف مبكر.
3.2 دعم التدخلات العملية
تعتمد كندا على البرامج متعددة الوكالات التي تجمع بين الشرطة، والخدمات الاجتماعية، والصحة النفسية، والمؤسسات التعليمية. وتركز هذه البرامج على:
- التدخل المبكر مع الأفراد المعرّضين للخطر.
- إعادة تأهيل المقاتلين الأجانب العائدين.
- بناء قدرات العاملين الميدانيين على التقييم والتعامل مع حالات التطرف.
1.3 شمولية المقاربة
من أبرز نقاط القوة أن الاستراتيجية الكندية لا تقتصر على بُعْد أمني ضيق، بل تجمع بين الوقاية المبكرة، والتدخل عند وجود مؤشرات خطر، وبرامج فك الارتباط للأشخاص الذين انخرطوا بالفعل في العنف. هذا النهج الثلاثي يضمن تغطية كامل دورة حياة الظاهرة، من بداياتها إلى مراحلها الأكثر خطورة.
2.3 البنية المؤسسية المخصصة
تأسيس مركز كندا للتواصل المجتمعي ومنع العنف يوفر بنية مؤسسية مستقلة نسبيًّا عن الأجهزة الأمنية التقليدية، ما يمنح العمل الوقائي طابعًا أكثر قبولًا لدى المجتمعات المحلية، ويعزز الثقة، خاصة في الأوساط التي تخشى المراقبة الأمنية المباشرة.
3.3 التعاون الدولي الفعّال
تتعاون كندا مع أُطُر دولية مثل العيون الخمس (Five Eyes) والتحالف الدولي ضد داعش، إضافة إلى الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. هذه الشبكات توفر فرص تبادل الخبرات، والوصول إلى أفضل الممارسات العالمية، وتعزز قدرة كندا على مواكبة التهديدات العابرة للحدود.
4.3 تركيز خاص على الشباب والمجتمعات
الاستراتيجية تمنح أولوية لبرامج تستهدف الشباب، إدراكًا لأن هذه الفئة تمثل أكثر الشرائح عرضة للتأثير الرقمي ولخطاب الكراهية. كما تسعى لإشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ البرامج، ما يزيد من فعاليتها وشرعيتها.
5.3 مرونة التكيُّف
النصوص التنظيمية في الاستراتيجية مصممة لتكون قابلة للتعديل مع تغيُّر طبيعة التهديدات، سواء من حيث الأساليب أو الجهات الفاعلة، وهو عنصر أساسي في بيئة أمنية متغيرة باستمرار.
4. تحليل نقاط الضعف في الاستراتيجية الوطنية الكندية1.4 غياب مؤشرات قياس دقيقة
رغم الحديث عن تقييم فعالية البرامج، فإن الاستراتيجية لم تقدم -بَعْدُ- منظومة واضحة من المؤشرات الكمية والنوعية لقياس النجاح أو الإخفاق. وغياب هذه المؤشرات يُعَقِّد عملية المحاسبة، ويَحُدُّ من قدرة صانعي القرار على تعديل السياسات بناءً على أدلة.
2.4 تحديات الفضاء الإلكتروني
الاستراتيجية تعترف بصعوبة مواجهة التطرف على المنصات المغلقة أو المشفرة، حيث تكون قدرة الحكومة على التدخل محدودة بسبب اعتبارات الخصوصية والقوانين الوطنية والدولية. كما أن سرعة ظهور منصات جديدة يُصَعِّب ملاحقة المحتوى المتطرف.
4.3 الموازنة بين الأمن وحقوق الإنسان
على الرغم من التزامها المعلن بحماية الحقوق والحريات، تواجه الحكومة خطر الإفراط في الإجراءات الأمنية، أو تبني سياسات قد تؤدي إلى وصم مجتمعات معينة، ما قد يأتي بنتائج عكسية ويزيد من حدة التهميش.
4.4 فجوات في إشراك المجتمعات المحلية
رغم الحديث عن الشراكة المجتمعية، تبقى هناك فجوات في إشراك جميع الفئات على نحو متساوٍ. فبعض المجتمعات تشعر بأن صوتها أقل تمثيلًا في صياغة السياسات، ما قد يضعف الثقة ويقلل من فعالية التدخلات.
5.4 محدودية الشفافية في التعاون مع شركات التكنولوجيا
التعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى يتم أحيانًا في بيئة غير شفافة، حيث لا تتضح دائمًا آليات الإشراف والمساءلة عن عمليات إزالة المحتوى أو جمع البيانات، ما قد يثير مخاوف بشأن الرقابة والانتهاكات المحتملة للخصوصية.
5. مقارنة مع الاستراتيجيات الدولية1.5 المملكة المتحدة – برنامج “بريفنت ” (Prevent)
برنامج بريفنت هو أحد أركان الاستراتيجية البريطانية لمكافحة الإرهاب، وهو يركز على منع الأفراد من الانجراف نحو التطرف. أوجه التشابه مع كندا:
- كلا النهجين يعطي أهمية للوقاية المبكرة والتدخل المجتمعي.
- إشراك المدارس والمؤسسات التعليمية عنصر أساسي في العمل الوقائي.
- التركيز على التعاون متعدد الوكالات بين الشرطة والخدمات الاجتماعية والتعليمية.
أوجه الاختلاف:
- بريفنت يواجه انتقادات شديدة في بريطانيا بسبب اتهامات بـ”استهداف غير متوازن” للمجتمعات المسلمة، بينما تحاول الاستراتيجية الكندية أن تبقى حيادية أيديولوجيًّا.
- الإطار القانوني البريطاني يمنح سلطات أوسع للشرطة في التدخل المبكر، وهذا قد لا يكون مقبولًا بالدرجة نفسها في السياق الكندي.
2.5 فرنسا – خطط الوقاية من التطرف
تعتمد فرنسا على خطة وطنية للوقاية من التطرف، ترتبط بوزارة الداخلية وتشمل إجراءات أمنية قوية، إلى جانب جهود تربوية واجتماعية.
أوجه التشابه مع كندا:
- التركيز على التدريب وبناء القدرات للعاملين في الصفوف الأمامية.
- العمل مع المجتمعات المحلية لمواجهة خطاب الكراهية.
أوجه الاختلاف:
- المقاربة الفرنسية أكثر مركزية وأمنية، فيما يميل النهج الكندي إلى توزيع المسؤوليات على مستويات مختلفة من الحكومة والمجتمع المدني.
3.5 أستراليا – المبادرات المجتمعية
أستراليا تطبق برامج المشاركة المجتمعية لمكافحة التطرف العنيف، مع اهتمام كبير بالعمل في المدارس وبرامج الشباب. أوجه التشابه مع كندا:
- التركيز على التعليم والتدريب وبناء المرونة لدى المجتمعات.
- استخدام تمويل حكومي لدعم مشاريع محلية.
أوجه الاختلاف:
- كندا تضع أولوية للتعاون الدولي في أُطُر مثل “العيون الخمس” أكثر مما تفعله أستراليا، التي تركز على البيئة الإقليمية في المحيط الهادي وآسيا.
4.5 خلاصة المقارنة
الاستراتيجية الكندية تتميز بمرونة أكبر وحياد أيديولوجي مُعْلَن، بينما تميل بعض النماذج الأوروبية إلى أسلوب أمني صارم، فيما تُظهر نماذج أخرى -مثل الأسترالية- تركيزًا أكبر على الإقليمية. غير أن جميع هذه النماذج تواجه تحديًا مشتركًا يتمثل في موازنة الأمن مع الحقوق وقياس فعالية البرامج.
6. دراسات حالة كندية1.6 قضية آرون درايفر
في عام 2016، كان آرون درايفر أحد أبرز الأمثلة على التطرف عبر الإنترنت في كندا؛ إذ أعلن ولاءه لتنظيم داعش عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخطط لتنفيذ هجوم انتحاري. صحيحٌ أن الشرطة تمكنت من إحباط الهجوم، لكنه فجّر عبوة ناسفة أثناء المواجهة.
الدروس المستفادة:
- أهمية الرصد المبكر للنشاط الرقمي.
- ضرورة التعاون بين الأجهزة الأمنية وشركات التكنولوجيا.
- الحاجة لآليات تدخل أسرع قبل وصول الفرد إلى مرحلة التنفيذ.
2.6 هجوم مسجد كيبيك (2017)
نفذ ألكسندر بيسونيت هجومًا مسلحًا على مسجد في مدينة كيبيك، أسفر عن مقتل ستة أشخاص. تبين لاحقًا أنه تأثر بخطاب يميني متطرف على الإنترنت.
الدروس المستفادة:
- التطرف اليميني يمثل تهديدًا واقعيًّا داخل كندا، وليس فقط التطرف الإسلاموي.
- الحاجة لتوسيع برامج الوقاية لتشمل جميع أشكال التطرف العنيف.
- أهمية مواجهة خطاب الكراهية قبل أن يتحول إلى فعل عنيف.
3.6 نشاطات اليمين المتطرف على الإنترنت
شهدت السنوات الأخيرة تزايد نشاط جماعات يمينية متطرفة كندية في منصات مشفرة مثل Telegram وGab، إضافة إلى استقطاب عناصر من منتديات دولية.
الدروس المستفادة:
- تحديات مراقبة الفضاء الإلكتروني المشفر.
- الحاجة لتعاون دولي أكبر لتتبع الشبكات العابرة للحدود.
- ضرورة تطوير خطاب بديل قادر على مواجهة الدعاية الرقمية.
الخاتمة
تشكل الاستراتيجية الوطنية الكندية لمكافحة “التطرف المؤدي إلى العنف” خطوة متقدمة نحو ترسيخ نهج شامل ومتعدد الأبعاد، يُدمج بين البنية المؤسسية، والبحث العلمي، والعمل الميداني، والتعاون الدولي. وقد أوضحت الفصول السابقة أن قوة هذه الاستراتيجية تكمن في حيادها الأيديولوجي المعلن، واعتمادها على التعاون متعدد المستويات، ومرونتها في مواجهة التهديدات المتغيرة.
بَيْدَ أن نجاحها المستدام يتوقف على وجود عدة شروط أساسية:
- تطوير منظومة قياس دقيقة للأداء والنتائج، بما يضمن قدرة الحكومة والمجتمع على تقييم فاعلية البرامج وإجراء التصحيحات اللازمة.
- التوازن بين الأمن وحقوق الإنسان، لتفادي أي انطباع بالاستهداف غير العادل أو التهميش لمجتمعات بعينها، الأمر الذي قد يُغذي عوامل التطرف بدلًا من احتوائها.
- مواكبة التطورات التكنولوجية التي غيرت جذريًّا من طرق التجنيد والتحريض، وضمان أن التعاون مع شركات التكنولوجيا يتم في إطار شفاف وخاضع للمساءلة.
- توسيع نطاق المشاركة المجتمعية بحيث تشمل فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب والمناطق المهمشة، باعتبارهم عناصر رئيسية في بناء المرونة الاجتماعية.
- من خلال المقارنة مع تجارب دولية، مثل بريطانيا وفرنسا وأستراليا، يتضح أن كندا اختارت مسارًا أقل عسكرة وأكثر شمولية، لكنه يظل مُعَرَّضًا للتحديات نفسها التي تواجهها هذه الدول، وعلى رأسها إمكانية قياس النجاح الفعلي وضبط العمل الرقمي في بيئة تحترم الحريات.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن الاستراتيجية الكندية توفر أساسًا قويًّا يمكن البناء عليه، لكنها بحاجة إلى تحسينات منهجية على مستوى التقييم، والتواصل، والتكيُّف مع التغيرات السريعة في بيئة التهديد. وإذا ما تم الالتزام بهذه التحسينات، فإن كندا ستكون في موقع متقدم عالميًّا في مجال الوقاية من التطرف العنيف وحماية تماسكها الاجتماعي، ليس فقط من خلال الأمن التقليدي، بل عبر منظومة وقائية شاملة تعالج جذور الظاهرة قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر.
[1] CANADA CENTRE FOR COMMUNITY ENGAGEMENT AND PREVENTION OF VIOLENCE, National Strategy on Countering Radicalization to Violence, 2018, https://www.publicsafety.gc.ca/cnt/rsrcs/pblctns/ntnl-strtg-cntrng-rdclztn-vlnc/ntnl-strtg-cntrng-rdclztn-vlnc-en.pdf