في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تواجه أوروبا تحديات غير مسبوقة تتطلب استجابة حاسمة لتعزيز أمنها. وقد تصاعدت الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في استراتيجيته الدفاعية؛ ما دفع أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إلى رسم ملامح المسار الجديد للدفاع الأوروبي، خلال خطابها أمام البرلمان الأوروبي، في 11مارس 2025.
وفي خطابها، أكدت فون دير لاين أن “زمن الأوهام قد انتهى”، مشددةً على ضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، خصوصًا مع تراجع الضمانات الأمنية الأمريكية، حيث أوضحت أن “الحماية الأمريكية الكاملة لم تعُد مضمونة”.
ولم تكن هذه التصريحات مجرد خطاب سياسي، بل تعكس تحوّلًا جذريًّا في التفكير الاستراتيجي الأوروبي، جاء استجابةً لجملة من التحديات الكبرى، أبرزها استمرار وتنامي ما يعتبرونه “التهديد” الروسي، وتفاقم الحرب في أوكرانيا، والنهج السياسي الذي يتبنّاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ بداية ولايته الثانية، في 20 يناير 2025. ويهدف البرنامج إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وتقوية الصناعة العسكرية، وتوسيع نطاق المشتريات العسكرية المشتركة؛ وذلك للحد من الاعتماد على الولايات المتحدة، وتعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على التصرف بشكل مستقل في القضايا الأمنية.
ويستعرض هذا التحليل التطورات الأخيرة في السياسة الدفاعية الأوروبية في سياق سياسات ترامب والأزمة الأوكرانية، مع تسليط الضوء على خطة تحقيق الاستقلال الدفاعي، والآليات المالية والسياسية الداعمة لهذا التحوّل، والتحديات التي قد تُعيق تحقيق الأهداف الأوروبية في هذا المجال.
أولًا، إعادة تسلُّح أوروبا: ثورة دفاعية أوروبية[1]
يمثّل البرنامج الدفاعي الجديد للاتحاد الأوروبي، “إعادة تسلُّح أوروبا” (ReArm Europe) الذي تبلغ قيمته 800 مليار يورو، نقطة تحوّل في نهج أوروبا للأمن.[2] ويركز هذا البرنامج على ثلاثة أهداف رئيسية، وهي:
- تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية: الاستثمار في الصناعات الدفاعية الأوروبية، وضمان عقود طويلة الأجل للإنتاج العسكري.
- تقليل الاعتماد الاستراتيجي: الابتعاد عن الاعتماد على المورّدين الأمريكيين، وغير الأوروبيين.
- ضمان قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها: الحفاظ على المساعدات العسكرية لكييف وتوسيعها؛ حتى في غياب الدعم الأمريكي.
وتقوم الخطة على خمس ركائز أساسية، وهي:
1. تخفيف القواعد المالية لتعزيز الإنفاق العسكري
تسعى الخطة إلى تعديل قواعد الاتحاد الأوروبي الصارمة، التي تُلزم الدول الحفاظ على عجز الميزانية دون 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن خلال هذا التعديل، سيُتاح للدول الأعضاء زيادة إنفاقها الدفاعي بنسبة تصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى أربع سنوات؛ ما قد يوفر 650 مليار يورو إضافية للقطاع الدفاعي الأوروبي.
2. إنشاء آلية قروض بقيمة 150 مليار يورو للاستثمار في الدفاع
يتضمن البرنامج أيضًا تقديم قروض تصل إلى 150 مليار يورو؛ لدعم عمليات الشراء العسكرية واسعة النطاق، ولكن بشرط أن تكون من شركات تصنيع أوروبية؛ لضمان تعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية. وستوفر هذه القروض تمويلًا مباشرًا للدول الأعضاء الراغبة في الاستثمار في مجالات محددة مثل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والمدفعية، والصواريخ، والذخائر، والطائرات بدون طيار، وأنظمة مكافحة الطائرات بدون طيار. وتهدف هذه الاستثمارات إلى تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأوروبية، إضافةً إلى ضمان وصول المعدات العسكرية إلى أوكرانيا بسرعة.
3. إعادة تخصيص أموال “التماسك الأوروبي” نحو الدفاع
بدلًا من استخدام أموال التماسك لدعم تنمية الدول الأوروبية الأفقر، ستتم إعادة توجيه جزء منها إلى برامج دفاعية. وسيمكّن هذا التعديل الدولَ الأعضاء من توجيه ميزانيات تنموية إلى تطوير البنية التحتية العسكرية، بما في ذلك توسيع قدرات الإنتاج الدفاعي المحلي.
4. إنشاء اتحاد للادخار والاستثمارات لدعم الصناعات الدفاعية
تهدف هذه المبادرة إلى تسهيل وصول الشركات الدفاعية إلى رؤوس الأموال، من خلال إنشاء إطار مالي يسمح بزيادة الاستثمارات في الصناعات العسكرية؛ ما يعزز قدرة أوروبا على إنتاج المعدات الدفاعية بقدرات ذاتية دون الحاجة إلى مورّدين خارجيين.
5. توسيع نطاق تمويل بنك الاستثمار الأوروبي للقطاعات العسكرية
تتضمن الخطة تخفيف القيود المالية على الإنفاق العسكري، ورفع القيود التي تمنع بنك الاستثمار الأوروبي من تمويل المشاريع العسكرية؛ ما يسهل على الحكومات تمويل مشاريع عسكرية كبيرة، وتصبح قادرة على دعم الصناعات الدفاعية، بما في ذلك معدات الجيش والشرطة، بالرغم من أنه لن يموّل الأسلحة والذخائر بشكل مباشر.
علاوة على ذلك، وضعت المفوضية الأوروبية خريطة طريق دفاعية تتضمن آليات شراء مشتركة، وحوافز للتعاون الدفاعي عبر الحدود، وتسريع البحث والتطوير في مجال الأسلحة المتقدمة؛ حيث أعلنت فون دير لاين إنشاء مركز الدفاع الصناعي الأوروبي، الذي سيعمل على تنسيق مشاريع التصنيع الدفاعي واسعة النطاق؛ لضمان تلبية الإنتاج للاحتياجات الاستراتيجية، وتعزيز جاهزية الدفاع الأوروبي.
ثانيًا، الإرهاصات التي سبقت الخطة
لم تكن خطة “إعادة تسلُّح أوروبا” مجرد استجابة طارئة، بل جاءت نتيجة طبيعية لتحوّلات سياسية وأمنية فرضت نفسها على القارة. فقد دفعت التهديدات المتزايدة، وتراجع التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا، خصوصًا خلال رئاسة دونالد ترامب، إلى إعادة النظر في الاستراتيجية الدفاعية الأوروبية. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في يناير 2025، بات واضحًا أن الاعتماد على الحماية الأمريكية لم يعُد خيارًا كما كان في العقود الماضية؛ ما أجبر الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوات حاسمة لتعزيز أمنه. وفيما يلي أبرز العوامل التي تدفع أوروبا نحو استراتيجية دفاعية جديدة:
1. وصول ترامب إلى الرئاسة وتغيّر الحسابات الأمنية الأوروبية
مثّل فوز ترامب بولاية رئاسية جديدة، في الانتخابات الأمريكية لعام 2024، نقطةَ تحوّل حاسمة في الاستراتيجية الدفاعية الأوروبية. فمنذ أيامِ حملتِه الانتخابية، كان واضحًا أن ترامب سيعود إلى نهجه الانعزالي، وهو ما تُرجم سريعًا بعد تنصيبه في يناير 2025 عندما قرّر تعليق المساعدات العسكرية لأوكرانيا.[3] وشكّل هذا القرار ضربة قاسية لأوكرانيا، وأثار قلقًا واسعًا في العواصم الأوروبية، حيث بدا أن الدعم الأمريكي الذي كان يُعتبر “الضامن الأساسي” للأمن الأوروبي بدأ يتلاشى تدريجيًّا.
علاوة على ذلك، كرّر ترامب تصريحاته حول ضرورة أن تتحمّل الدول الأوروبية تكاليف أمنها بالكامل، مشدّدًا على أنه لن يسمح للولايات المتحدة بأن “تدفع الفاتورة عن الآخرين”. ومع مطالبته دول الناتو برفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي،[4] بات واضحًا أن أوروبا أصبحت أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن تأخذ أمنها بيدها، أو أن تصبح عرضة للضغوط الجيوسياسية دون دعم أمريكي مضمون. ومن هنا، بدأ الاتحاد الأوروبي في البحث عن حلول جادّة؛ ما أدى إلى بلورة خطة أورسولا فون دير لاين لإعادة تسلُّح أوروبا.
2. الحرب في أوكرانيا واستنزاف المخزونات العسكرية الأوروبية
منذ بداية الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، اعتمدت أوكرانيا بشكل شبه كامل على الدعم العسكري الغربي، خصوصًا من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. ومع تصاعد المواجهات، استنزفت الدول الأوروبية جزءًا كبيرًا من ترساناتها العسكرية، حيث أرسلت كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر إلى أوكرانيا. وبرغم أن الدول الأوروبية كانت تأمل استمرار الدعم الأمريكي، إلا أن قرار ترامب بوقف المساعدات[5] جعلها تدرك أن عليها الاعتماد على قدراتها الذاتية في تعزيز أمنها القومي.
وهذا القرار كان له تداعيات مباشرة على أوروبا، إذ أصبحت الحكومات الأوروبية في سباق مع الزمن لإعادة بناء مخزوناتها العسكرية. إلا أن المشكلة الأساسية كانت أن ميزانيات الدفاع الأوروبية لم تكن مهيّأة لمثل هذا التوسع السريع، خصوصًا في ظل القوانين المالية الصارمة للاتحاد الأوروبي. وهذا ما دفع فون دير لاين إلى تقديم اقتراح “تعديل القواعد المالية للسماح للدول الأعضاء بزيادة إنفاقها الدفاعي دون خرق ميثاق الاستقرار والنمو”، وهو عنصر أساسي في خطة إعادة تسلُّح أوروبا.
3. ضَعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي والتردّد في مواجهة التهديدات
لطالما كانت أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في تأمين الحماية العسكرية عبر حلف الناتو، وهو ما جعل الإنفاق الدفاعي الأوروبي ضعيفًا مقارنةً بحجم التهديدات التي تواجهها القارة. وبرغم أن بعض الدول، مثل بولندا ودول البلطيق، رفعت ميزانياتها الدفاعية بشكل كبير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن دولًا كبرى مثل ألمانيا وفرنسا كانت متردّدة في تخصيص أموال ضخمة للجيش.
لكن مع وقف الدعم الأمريكي، أدركت الدول الأوروبية أن عليها تحمّل المسؤولية الكاملة عن أمنها. ومع ذلك، ظهرت مشكلة جديدة: من أين ستحصل أوروبا على التمويل اللازم لتعزيز قدراتها الدفاعية؟ وهنا جاء الحل عبر خطة أورسولا، التي تضمّنت السماح للدول الأعضاء بتجاوز سقف العجز المالي وزيادة نفقاتها الدفاعية، إضافةً إلى إنشاء صندوق دفاعي أوروبي جديد بقيمة 150 مليار يورو؛ لمساعدة الدول الأعضاء في تمويل مشتريات الأسلحة.
4. تصاعد الضغوط من دول أوروبا الشرقية
لطالما كانت دول شرق أوروبا، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، الأكثر قلقًا من التهديد الروسي، خصوصًا بعد الحرب في أوكرانيا.[6] ومع وصول ترامب إلى السلطة وتخلّيه عن دعم أوكرانيا، شعرت هذه الدول بأنها أصبحت في “الخط الأمامي” لمواجهة روسيا دون دعم أمريكي مضمون؛ لذا، تصاعدت الضغوط على بروكسل لاتخاذ إجراءات سريعة لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.
وهذه الضغوط دفعت الاتحاد الأوروبي إلى التفكير في حلول عملية مثل توسيع قدرات التصنيع العسكري داخل أوروبا لتقليل الاعتماد على المورّدين الأمريكيين، وإنشاء آلية تمويل جديدة لشراء الأسلحة بشكل مشترك بين الدول الأعضاء، وهي من بين العناصر الأساسية في خطة “إعادة تسلُّح أوروبا.”
5. الحاجة إلى استقلالية عسكرية وتقليل الاعتماد على واشنطن
كانت فكرة تعزيز الاستقلال العسكري الأوروبي مطروحة منذ سنوات، لكنها لم تتحوّل إلى أولوية إلا بعد وصول ترامب إلى الرئاسة مجددًا. فقد أصبح واضحًا أن الولايات المتحدة قد لا تكون حليفًا يمكن الاعتماد عليه دائمًا؛ ما دفع أوروبا إلى إعادة التفكير في مستقبلها الأمني.
لكن هذا الطموح لم يكن سهل التحقيق بسبب الانقسامات بين الدول الأعضاء، حيث كانت بعض الدول تفضّل البقاء تحت المظلة الأمنية الأمريكية، بينما دفعت دول أخرى، مثل فرنسا، باتجاه إنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة. ومع ذلك، فإن الضغط الذي فرضه ترامب أجبر الدول الأوروبية على تجاوز خلافاتها؛ ما جعل فكرة “إعادة تسلُّح أوروبا” مقبولة لدى الجميع تقريبًا، حتى لدى تلك الدول التي كانت متردّدة في السابق.
6. الحاجة إلى تطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية
إحدى المشكلات التي واجهت أوروبا في سعيها لتعزيز قدراتها العسكرية كانت اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة في شراء الأسلحة. فبرغم أن أوروبا تمتلك صناعات عسكرية متقدمة، إلا أن الكثير من أنظمتها الدفاعية كانت تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية؛ ما جعل استقلالها العسكري أمرًا صعبًا. ولكن، مع تغير الموقف الأمريكي، يصبح من الضروري بناء مجمع صناعي عسكري أوروبي متكامل. ولهذا، تضمنت خطة أورسولا دعم الاستثمارات في الصناعات الدفاعية، وتشجيع الدول الأوروبية على شراء الأسلحة من الشركات الأوروبية بدلًا من الاعتماد على المورّدين الأمريكيين، أو غيرهم.
ثالثًا، التحديات التي تواجه “إعادة تسلُّح أوروبا”
على الرغم من الزخم المتزايد نحو تحقيق الاستقلال الدفاعي الأوروبي، لا تزال هناك عقبات جوهرية تعترض هذه المساعي؛ ما يجعل تحقيق الهدف أكثر تعقيدًا ممّا يبدو على السطح. فبينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدراته العسكرية وتقليل اعتماده على الولايات المتحدة، تبرز تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية وبيروقراطية يمكن أن تعرقل هذا المسار، منها:
1. التحديات المالية
تعتمد مبادرة “إعادة تسلُّح أوروبا” على زيادة الإنفاق الدفاعي من خلال السماح للدول الأعضاء برفع ميزانياتها العسكرية دون خرق قواعد الاتحاد الأوروبي المالية. ويتم ذلك عبر تفعيل “الشرط الوطني الاستثنائي” ضمن ميثاق الاستقرار والنمو؛ ما يتيح للدول تجاوز قيود العجز المالي بهدف تمويل مشاريعها الدفاعية. وبرغم أن هذا الإجراء قد يوفر ما يقرب من 650 مليار يورو على مدى أربع سنوات، إلا أن نجاحه غير مضمون.[7] فمجرد منحه الضوء الأخضر لإنفاق إضافي لا يضمن بالضرورة أن الحكومات ستوجّه هذه الأموال بالفعل نحو التعزيزات العسكرية، خصوصًا أن العديد من الدول الأوروبية تعاني عجزًا ماليًّا مزمنًا، وتسعى إلى ضبط إنفاقها العام.
وفي ظل استمرار ارتفاع معدلات التضخم وصعوبات التعافي الاقتصادي، بعد جائحة كورونا، قد تجِد الحكومات صعوبة في تبرير زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب القطاعات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم. إضافةً إلى ذلك، فإن المبادرة لا تقدّم مصادر تمويل جديدة بقدر ما تعتمد على إعادة توزيع الموارد المالية المتاحة؛ ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة الخطة دون خلق أعباء مالية جديدة على الدول الأعضاء التي تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية.
2. التحديات السياسية
من أبرز العقبات التي تواجه “إعادة تسلُّح أوروبا” هي الحاجة إلى توافق سياسي واسع بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهو أمر صعب التحقيق؛ في ظل اختلاف الأولويات الأمنية بين العواصم الأوروبية. فمن جهة، ترى دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا ودول البلطيق، أن روسيا تمثّل تهديدًا وجوديًّا لها؛ ما يدفعها إلى المطالبة بإجراءات عاجلة لتعزيز القدرات الدفاعية وتسريع دعم أوكرانيا بالسلاح والعتاد. ومن جهة أخرى، تنظر دول أوروبا الغربية، مثل فرنسا وألمانيا، إلى الأمن القومي من منظور استراتيجي طويل الأمد، حيث تفضّل التركيز على بناء قدرات دفاعية مستقلة وتقوية القاعدة الصناعية العسكرية الأوروبية، بدلًا من الانخراط المباشر في الصراعات الحالية. وهذه التباينات في وجهات النظر قد تُعيق تنفيذ المبادرة بسلاسة، خصوصًا أن تخصيص التمويل والتخطيط العسكري يتطلبان موافقة جماعية من الدول الأعضاء.
علاوة على ذلك، يبرز تحدٍّ إضافي يتمثل في التوافق بين رؤية الاتحاد الأوروبي للدفاع الذاتي وأولويات حلف الناتو، خصوصًا بعد دعوة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دول الحلف إلى رفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو مستوى غير واقعي بالنسبة لمعظم الدول الأوروبية، فيما يقترح الأمين العام الجديد للناتو، مارك روتي، هدفًا أقل عند 3%. وهذه الفجوة في التوقعات قد تخلق ارتباكًا بشأن مدى ملاءمة “إعادة تسلُّح أوروبا” مع التوجهات الدفاعية العامة للحلف.
3. التحديات البيروقراطية والإدارية
من بين العقبات التي تُعيق تنفيذ المبادرة بشكل فعال هو التعقيد البيروقراطي الذي يميز عمليات صنع القرار داخل الاتحاد الأوروبي. فمن المعروف أن بروكسل تعتمد على آليات إدارية معقدة تتطلب إجماع الدول الأعضاء قبل تمرير أي سياسة جديدة، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير عمليات التمويل والمشتريات الدفاعية، التي تعتبر جزءًا أساسيًّا من خطة “إعادة تسلُّح أوروبا”. كما أن التاريخ الإداري للاتحاد الأوروبي مليء بالتجارب التي أظهرت ضعف التنسيق بين المؤسسات المختلفة؛ ما قد يؤثر سلبًا على سرعة تنفيذ المبادرة.
ويضاف إلى ذلك أن عملية توزيع العقود الدفاعية بين الدول الأعضاء قد تتحول إلى ساحة صراع بين الحكومات التي تسعى لدعم صناعاتها العسكرية المحلية. وهذا الأمر قد يهدّد بفشل الخطة في تحقيق أحد أهدافها الرئيسية، وهو تعزيز تكامل الصناعات الدفاعية الأوروبية، وتوحيد معايير الإنتاج العسكري. وفي حال عدم وجود شفافية كافية في عمليات تخصيص التمويل، قد تواجه الخطة اتهامات بالتحيّز لصالح بعض الدول أو الشركات؛ ما يؤدي إلى زيادة الانقسامات بين الدول الأعضاء، وتقليل فعالية المشروع ككل.
4. التحديات الاستراتيجية والجيوسياسية
على المستوى الجيوسياسي، يواجه مشروع “إعادة تسلُّح أوروبا” معضلة تحقيق التوازن بين تعزيز الاستقلال العسكري الأوروبي والحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو. فبينما تسعى بروكسل إلى تقليل اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي، هناك مخاوف من أن يؤدي هذا المسار إلى توتر العلاقات عبر الأطلسي، خصوصًا في ظل تصاعد النزعة الانعزالية في واشنطن. وإذا استمر ترامب في تقليص التزامات الولايات المتحدة تجاه أوروبا، فإن الاتحاد الأوروبي قد يجِد نفسه مضطرًا إلى تسريع مبادراته الدفاعية دون ضمانات بديلة للحماية.
ومن ناحية أخرى، يمكن أن تؤدي زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي إلى تأجيج سباق تسلُّح جديد مع روسيا، حيث قد تَعتبر موسكو هذا التحوّل تهديدًا مباشرًا يدفعها إلى تعزيز قوّتها العسكرية بشكل أكبر. وفي حال لم يتم التنسيق بفاعلية بين أوروبا والناتو، فقد يصبح هناك ازدواجية في الاستراتيجيات الدفاعية؛ ما قد يُضعف من الجاهزية العسكرية لكلا الطرفين بدلًا من تعزيزها.
5. الاعتماد المستمر على الولايات المتحدة وحلف الناتو
لا تزال العديد من الدول الأوروبية تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، سواء من حيث الأسلحة أو البنية التحتية العسكرية. فجزء كبير من القوات الأوروبية يستخدم أنظمة تسلُّح أمريكية؛ ما يفرض قيودًا على قدرتها في تحقيق استقلالية كاملة. علاوة على ذلك، ترتبط العديد من الدول الأوروبية بعقود طويلة الأجل لشراء الأسلحة الأمريكية، مثل طائرات F-35 المتقدمة، والتي سيتم تسليمها على مدى السنوات المقبلة.[8] وهذا يعني أن الدول الأوروبية ستظل بحاجة إلى الدعم اللوجستي والتقني من الولايات المتحدة لصيانة وتشغيل هذه الأنظمة؛ ما يعقّد جهود إنشاء صناعة دفاعية أوروبية مستقلة. إضافةً إلى ذلك، يبقى حلف الناتو الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، حيث لا تزال معظم الدول الأعضاء ترى في المظلّة الأمنية الأمريكية ضمانة حيوية. ومع استمرار التهديدات الأمنية، مثل الحرب في أوكرانيا، تجِد الدول الأوروبية صعوبة في تقليل اعتمادها على الحلف؛ ما يبطئ خطوات إعادة التسلُّح الأوروبي.
هذه التعقيدات تجعل من الضروري أن يتم تنفيذ المبادرة بحذر، مع الحفاظ على قنوات حوار مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو؛ لضمان عدم وقوع صِدامات في الأولويات الدفاعية.
6. التأثيرات المحتملة على الأمن العالمي
تمتدّ تداعيات مشروع “إعادة تسلُّح أوروبا” إلى ما هو أبعد من القارة الأوروبية، حيث يمكن أن يُعيد تشكيل مشهد الأمن العالمي بطرق متعدّدة. فمن جهة، إذا نجحت المبادرة، فإنها قد تمنح أوروبا استقلالية عسكرية أكبر؛ ما يقلّل من اعتمادها على الدعم الأمريكي، ويساعد في خلق نظام أمني أوروبي أكثر استقرارًا. وهذا السيناريو قد يغير بشكل جذري طبيعة العلاقات الأمنية بين ضفّتَي الأطلسي، حيث قد تصبح أوروبا أقل ارتباطًا بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية؛ ما قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية على المدى الطويل. ومن جهة أخرى، فإن فشل المبادرة قد يضرّ بمصداقية الاتحاد الأوروبي كقوة عسكرية ناشئة؛ ما يعزز الشكوك الأمريكية بشأن قدرة أوروبا على حماية نفسها دون تدخّل مباشر من الناتو أو واشنطن.
أما فيما يتعلق بروسيا، فإن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية قد يردع موسكو عن تصعيد سياساتها العدوانية تجاه دول الجوار، لكنه في الوقت نفسه قد يدفعها إلى اتخاذ خطوات تصعيدية لمواجهة القوة العسكرية المتزايدة في القارة.
وعلى الصعيد الصناعي، قد يؤدي نجاح المبادرة إلى ازدهار قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبية؛ ما يقلّل من اعتماد أوروبا على الأسلحة الأمريكية أو المورّدين غير المنتمين للناتو. ولكن إذا لم يتم تنفيذها بالشكل الصحيح، فقد يؤدي سوء التخطيط والتمويل إلى تراجع القدرة التنافسية للصناعات الدفاعية الأوروبية؛ ما يُبقي الاتحاد الأوروبي معتمدًا على الشركاء الخارجيّين للحصول على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
الخاتمة
تقف أوروبا اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تواجه تحدّيًا وجوديًّا يتمثل في ضرورة إعادة تشكيل بنيَتها الأمنية، بما يضمن قدرتها على مواجهة التهديدات المتزايدة والاستجابة للمتغيرات الجيوسياسية. ومع تصاعد التوترات العالمية وتراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، أصبح الدفع نحو الاستقلال الدفاعي الأوروبي خيارًا لا مفرّ منه، وليس مجرد طموح بعيد المدى.
وتُعدّ هذه الجهود، بقيادة أورسولا فون دير لاين، خطوة كبيرة نحو تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، مستندةً إلى دعم غير مسبوق من الاستثمارات العسكرية، وتوسيع التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء، وتطوير مشاريع صناعية عسكرية مستقلة. ومع ذلك، فإن الطريق نحو تحقيق هذه الغاية لا يزال مليئًا بالتحديات. فعلى الرغم من الزخم السياسي والاقتصادي الداعم لإعادة التسلُّح الأوروبي، لا تزال هناك عقبات كبرى، مثل الانقسامات السياسية الداخلية بين دول الاتحاد، والمعوقات الصناعية والمالية، إضافةً إلى استمرار الارتباط العسكري الوثيق بالولايات المتحدة عبر حلف الناتو وصفقات التسلُّح الكبرى، التي تجعل الانفصال التدريجي عن واشنطن أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، سيكون نجاح أوروبا في تحقيق التوازن بين الاستقلال الدفاعي والتعاون عبر الأطلسي عاملًا حاسمًا في رسم ملامح الأمن الأوروبي خلال العقود المقبلة.
فإذا تمكّن الاتحاد الأوروبي من تجاوز العقبات الداخلية وتعزيز قدرته على الردع الذاتي، فقد يشهد العالم ولادة قطب أمني أوروبي مستقلٍّ قادرٍ على حماية مصالحه بعيدًا عن التقلّبات السياسية الأمريكية. أما إذا فشلت هذه الجهود، فستظل أوروبا رهينة للأوضاع الجيوسياسية المتغيّرة، مع استمرار التبَعية العسكرية للولايات المتحدة؛ ما قد يُضعف موقفها الاستراتيجي في المستقبل.
[1] Speech by President von der Leyen at the European Parliament Plenary joint debate on European Council meetings and European Security, Official EU Website, March 11, 2025: https://ec.europa.eu/commission/presscorner/detail/en/speech_25_739
[2] Vikram Mittal, ReArm Europe Plan Will Help Address Shortages In Europe’s Militaries, March 11, 2025: https://tinyurl.com/4mdaej3e
[3] التحركات الأوروبية تعكس الحذر المتزايد من سياسات الإدارة الأمريكية، الشرق الأوسط، 7 مارس 2025: https://tinyurl.com/2ba5nwem
[4] ترامب يعتزم مطالبة دول “الناتو” بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5%، الشرق (بلومبيرغ)، 21 ديسمبر 2025: https://tinyurl.com/4yvv6va2
[5] سكاي نيوز عربية، بين المقايضة والسياسة.. كيف يغيّر ترامب قواعد اللعبة؟ 12 مارس 2025:
[6] محمد يوسف، المنظومة “إسكندر-1000”.. كيف تتهيأ أوروبا للخطر الباليستي الروسي؟ الجزيرة، 5 مارس 2025:
[7] Anand Sharma, Europe’s rearmament plan faces financial and political challenges, Weekly BLiTZ, March 12, 2015:
https://weeklyblitz.net/2025/03/12/europes-rearmament-plan-faces-financial-and-political-challenges/
[8] قطاع الدفاع في أوروبا.. خيارات معقدة ومساعٍ للاستقلال الذاتي، سكاي نيوز عربية، 11 مارس 2025: https://tinyurl.com/3kuxd9jm