يعود حضور «الإخوان» في نظام الحكم السوداني إلى مراحل مبكرة من تاريخ البلاد؛ إذ تمكّن التنظيم، منذ خمسينيات القرن الماضي، من بناء قاعدة سياسية واجتماعية تَمدّد تأثيرها داخل مؤسسات الدولة، إلى أن بلغ ذروته بالاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989. ومنذ ذلك الحين، سعى إلى ترسيخ نفوذه في مفاصل الحكم، حتى أحكم قبضته على دوائر صنع القرار؛ الأمر الذي أفضى إلى تسييس المؤسسة العسكرية، وجعلها أداة مركزية في تثبيت مشروعه الأيديولوجي.[1]
ومنذ اندلاع الحرب، بدا المشهد السوداني شديد التعقيد: جيشٌ خضع لعملية تأدلج ممتدة طوال ثلاثة عقود في ظل حكم البشير وتحالفه مع «الإخوان»، في مواجهة قوة مسلحة نشأت من رَحِمِه. وقد أسقط هذا الواقع فرضية الحسم العسكري السريع لأي طرف، وهو ما أكدته التطورات الميدانية.[2]
ويُمثّل الصراع في السودان أزمة ذات جذور عميقة أفضت إلى دمار واسع. فقد تفجّر القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في مواجهة مسلحة على السلطة. غير أن اختزال ما يجري في إطار نزاع تقليدي بين طرفين مسلحين يظل قاصرًا عن إدراك أبعاده البنيوية؛ فالحرب الراهنة ليست مجرد تنافس على النفوذ، بل هي تعبير عن تفكّك الدولة وتحولها إلى شبكة مصالح عسكرية-أيديولوجية.
ويكمن الفارق الجوهري بين النزاع العسكري وتفكّك الدولة في طبيعة العنف ووظيفته. ففي الحالة الأولى يدور الصراع بين قوة نظامية وأخرى موازية ضمن إطار دولة قائمة،[3] أما في الثانية فيتجلى العنف بوصفه مؤشرًا على انهيار المؤسسات وغياب السلطة المركزية وتكاثر مراكز القوة. [4] وفي السياق السوداني، لا تُفضي الحرب إلى إنتاج سلطة جديدة بقدر ما تكشف تآكل الأسس الوطنية الجامعة، وتعدُّد الفاعلين الذين يتحركون داخل الدولة وضدها في آنٍ، ليغدو العنف وسيلة لإعادة توزيع السلطة خارج أطرها المؤسسية.
ومن هنا، يطرح المقال سؤالًا محوريًّا: هل يمكن فهم الحرب في السودان بوصفها صراعًا عابرًا على الحكم بين أطراف متنازعة، أم أنها تمثل الذروة الكاشفة لانهيار نموذج الدولة السودانية وتفكّكها البنيوي، بوصفها حصيلة مسار طويل من الأسلمة السياسية والعسكرة المنهجية وما أفرزتاه من اختلالات في بنية الدولة والمجتمع؟
يسعى المقال إلى مقاربة الحرب باعتبارها نتيجة تاريخية لمسار سياسي ممتدّ، تجلّت فيه العلاقة البنيوية بين الإسلاموية الإخوانية وتسييس المؤسسة العسكرية وانفجار العنف، بما يتيح فهمها لا كحدث طارئ، بل كمحصلة لتراكمات أفضت إلى انسداد الأفق الوطني.
ولتحقيق ذلك، ينتظم التحليل في ستة محاور رئيسة:
يتناول الأول الجذور البنيوية للحرب من خلال تفكيك تشكّل دولة العسكرة والتحالفات المؤدلجة التي أعادت صياغة بنية الحكم. ويركّز الثاني على مرحلة ما بعد 2019، بوصفها لحظة سقوط رأس النظام دون تفكيك عميق لبناه، وما نتج عن ذلك من استمرار شبكاته داخل الدولة. أما الثالث، فيبحث في اندلاع الحرب كإعادة تموضع سياسي للإخوان واستثمار للانقسام العسكري لتعطيل المسار الانتقالي. ويحلّل الرابع دور الحرب في تسريع تفكّك المؤسسات وتحويل العنف إلى نمط حكم بديل. ويناقش الخامس اقتصاد الحرب بوصفه آلية لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والمالي في ظل الانهيار. ويختتم السادس برصد أوضاع المجتمع السوداني بين وطأة الحرب والخطاب الأيديولوجي، مع التركيز على التحولات الاجتماعية والرمزية التي أفرزها العنف الممتد.
أولًا: الجذور البنيوية للحرب: دولة العسكرة والتحالفات المؤدلجة
نجح التنظيم في ترسيخ حضوره منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، مستفيدًا من بيئة سياسية واجتماعية مضطربة أعقبت الاستقلال، فتمكّن الإسلاميون، وفي مقدّمتهم الإخوان، من التغلغل المبكر في بنية الحكم السوداني. وعلى مدى عقود، بنى التيار شبكة معقّدة من العلاقات داخل مؤسسات الدولة والجامعات والنقابات والقطاعات المهنية، بما أتاح له توسيع نفوذه تدريجيًّا داخل المجالين السياسي والإداري. وقد بلغ هذا المسار ذروته بوصوله إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، الذي مثّل نقطة تحوّل مفصلية في إعادة تشكيل الدولة السودانية وفق رؤية أيديولوجية محددة.[5]
ومنذ ذلك التاريخ، لم يقتصر المشروع الإسلاموي على الإمساك بالسلطة التنفيذية، بل اتجه إلى إعادة هندسة الدولة ذاتها عبر ما عُرف بسياسات “التمكين”؛ أي إحلال الموالين في المواقع الحساسة وإعادة صياغة البنية المؤسسية بما يضمن استدامة النفوذ. وبهذا المعنى، لم تعُد المؤسسة العسكرية جهازًا مهنيًّا محايدًا، بل تحوّلت تدريجيًّا إلى فاعل سياسي مندمج في المشروع الحاكم، يؤدي دورًا حاسمًا في تحديد خيارات الحكم وصياغة توجهاته الاستراتيجية. [6]
كان الهدف المركزي للتنظيم يتمثل في السيطرة على الدولة ثم تثبيت هذه السيطرة ومنع انتقالها، أكثر من كونه مشروعًا لبناء تجربة ديمقراطية أو إدارة تعددية للحياة السياسية. وقد انعكس ذلك في تصور ضيق لمفهوم الدولة، يقوم على احتكار الشرعية السياسية وإقصاء الخصوم، والنظر إلى الديمقراطية بوصفها أداة مرحلية لا إطارًا دائمًا للتداول السلمي للسلطة. ومن ثمّ، أُعيد تعريف المجال العام بما يخدم استمرارية المشروع الأيديولوجي، لا بما يرسّخ قواعد التعددية أو الفصل بين السلطات.
وفي هذا السياق، برزت تحذيرات من خطورة المسار الذي انزلقت إليه البلاد. فقد نبّه خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني، إلى أن استمرار النزاع المسلح يهدّد بدفع السودان نحو التفكّك إلى كيانات متنازعة تهيمن عليها الميليشيات، وأشار إلى أن تجاهل جذور الأزمة البنيوية سيقود إلى انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة، معتبرًا أن تغلغل الإسلامويين في أجهزة الحكم، منذ الاستقلال، مثّل أحد أبرز معوقات الاستقرار السياسي. ودعا إلى تبنّي مسار بديل يقوم على إنهاء العنف، وفكّ الارتباط بين العسكر والإسلامويين، والالتزام بالتعددية والعدالة والانتقال المدني الديمقراطي بوصفها شروطًا لازمة لاستعادة الدولة وإعادة تأسيس شرعيتها على أسس وطنية جامعة.[7]
ثانيًا: ما بعد 2019: فشل تفكيك الدولة العميقة
أفضى سقوط نظام عمر البشير عام 2019 إلى إنهاء حقبة سياسية امتدت ثلاثة عقود، غير أن إسقاط رأس النظام لم يُستتبع بتفكيك شامل للبنية التي أسّسها داخل أجهزة الدولة. فقد ظلّت الشبكات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي تشكّلت خلال سنوات الحكم الطويلة محتفظة بقدرتها على التأثير، سواء عبر استمرار كوادرها في مواقع حساسة أو عبر إعادة تموضعها داخل مؤسسات الدولة وخارجها. وهكذا بقيت الدولة العميقة حاضرة بوصفها منظومة مصالح مترابطة، لا مجرد أفراد يمكن استبدالهم.[8]
أدى هذا الواقع إلى إضعاف فرص الانتقال المدني، إذ تحوّلت المرحلة الانتقالية إلى ساحة شدّ وجذب بين قوى الثورة وبقايا النظام السابق، في ظل غياب إصلاح مؤسسي جذري يعيد تعريف العلاقة بين السلطة المدنية والعسكرية. ويرى عدد من الباحثين أن المؤسسة العسكرية عملت على تكريس حضورها في المشهد السياسي من خلال تحجيم دور القيادات المدنية ذات المصداقية الشعبية، ودفعها إلى هامش التأثير، بما حوّل الانتقال من مشروع لإعادة بناء الدولة إلى إدارة أزمة ذات طابع أمني وسياسي.
وقد برّر الجيش الإجراءات التي اتخذها في 25 أكتوبر بأنها خطوة تهدف إلى تصحيح مسار المرحلة الانتقالية وتعزيز الاستقرار. [9] غير أن هذا الخطاب أعاد صياغة مفهوم “الاستقرار” بوصفه ضبطًا للتوازنات السياسية وإعادة ترتيب موازين القوى داخل السلطة، بدلًا من اعتباره عملية تأسيس لتحول ديمقراطي قائم على الشفافية والمساءلة وسيادة القانون. ومع غياب توافق وطني جامع، بدا أن الانتقال يُدار بأدوات المرحلة السابقة نفسها؛ ما عمّق الشكوك حول جدية تفكيك منظومة الحكم القديمة.
وفي المحصلة، دخل السودان مرحلة انتقالية مثقلة بالتناقضات: ثورة أسقطت رأس النظام من دون أن تمتلك أدوات إعادة بناء الدولة، وسلطة انتقالية محدودة الصلاحيات ومقيّدة بشبكات نفوذ راسخة، وقوى سياسية وعسكرية تعيد ترتيب أوراقها بانتظار لحظة الحسم. وبين هذه العناصر جميعًا، ظل سؤال الدولة، بمؤسساتها وشرعيتها ووظيفتها، معلّقًا من دون إجابة حاسمة؛ الأمر الذي مهّد لانفجار الصراع في سياق هشّ يفتقر إلى قواعد مستقرة لإدارة الخلاف.
ثالثًا: اندلاع الحرب: التموضع السياسي للإخوان المسلمين
لم يكن اندلاع الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل جاء كجزء من مشروع سياسي طويل الأمد تسعى من خلاله جماعة الإخوان المسلمين لإعادة إنتاج سلطة فقدتها نتيجة ثورة شعبية واسعة. وقد أشار مسؤول بارز في حزب الأمة القومي إلى أن هذه الحرب تمثل أكثر من صراع مسلح؛ فهي نتاج للتغلغل السياسي المنظم للإخوان، الذين أتقنوا العمل من الظل عبر اختراق مؤسسات الدولة وتعطيل كل محاولات التسوية الوطنية.[10]
وفي ظل استمرار حالة الصراع، برزت ميليشيات مرتبطة بالحركة الإسلامية إلى العلن مجدَّدًا، فيما استعاد المؤتمر الوطني، الذراع السياسية للإخوان في السودان، سيطرته الفعلية على مفاصل الدولة. وتمثَّل ذلك في نفوذ واسع داخل المؤسسات النظامية؛ ما جعل الجماعة اللاعب الرئيس في صياغة قرارات الحرب ومسارها. [11]
وتعززت هذه الصورة بتصريحات لقيادات بارزة في الحركة الإسلامية تؤكد تحكمهم في دوائر صنع القرار. ومن أبرز هذه التصريحات تلك التي أدلى بها مفتي الحركة الإسلامية، الشيخ عبدالحي يوسف، الذي أكد وجود الجماعة في كل مفاصل الدولة، بما في ذلك مكتب قائد الجيش. كما أكّد الوالي السابق لولاية سنار، أحمد عباس، هذه السيطرة الفعلية؛ الأمر الذي أكد ما كان كثيرون ينفونه من وجود نفوذ مباشر للإخوان في قيادة الدولة ومَسيرتها العسكرية والسياسية.
رابعًا: الحرب وتسريع تفكّك الدولة
أدّت الحرب الدائرة إلى تسريع وتيرة التفكك المؤسسي، بحيث لم يعُد الانهيار يقتصر على مستوى السلطة المركزية، بل امتدّ إلى البنى الخدمية والاجتماعية التي تشكّل عماد الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، تصاعدت لغة الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع، بما يعكس عمق الانقسام وحِدّة الاستقطاب.
فقد أدانت قوات الدعم السريع، في بيان رسمي، ما وصفتها بجرائم وهجمات ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين ضد المدنيين، معتبرةً أنها تمثِّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ولاسيما القواعد المتعلقة بحماية المدنيين والمنشآت الطبية والأسواق. وأشارت إلى أن الجيش استخدم طائرة مُسيّرة لقصف إحدى المناطق؛ ما أدى، بحسب البيان، إلى تدمير مستشفى الزُرُق، وهو المرفق الطبي الوحيد الذي كان يقدّم الرعاية الصحية لآلاف السكان، مخلّفًا قتلى في صفوف المدنيين والكوادر الطبية. [12]
كما أكدت قوات الدعم السريع احتفاظها بما وصفته بـ”الحق الكامل في الرد”، مطالبةً بفتح تحقيق دولي مستقل وعاجل، ومحاسبة المسؤولين عن إصدار وتنفيذ أوامر القصف. وتعكس هذه التصريحات مستوى التصعيد الخطابي والسياسي الذي بات يرافق العمليات العسكرية، حيث يسعى كل طرف إلى تحميل الآخر مسؤولية الانتهاكات وتوظيفها في معركة الشرعية داخليًّا وخارجيًّا.
غير أن جوهر المسألة يتجاوز تبادل الاتهامات؛ إذ تكشف هذه الوقائع عن تآكل وظيفة الدولة الأساسية في حماية مواطنيها وصون مرافقها الحيوية. فاستهداف البنية الصحية، وتعطّل الأسواق، ونزوح السكان، جميعها مؤشرات على انتقال العنف من كونه أداة ضغط سياسي إلى نمط إدارة قائم بذاته. ومع استمرار القتال، تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على أداء دورها، وتفسح المجال أمام قوى مسلحة وشبكات مصالح لملء الفراغ.
وفي المحصلة، لا تبدو الحرب مجرد مواجهة بين تشكيلين عسكريين، بل هي مسار متسارع نحو تفكّك الدولة وتآكل المجتمع. فالخسارة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار المادي، بل بانهيار الثقة العامة، وتفكّك الروابط الوطنية، وتحوّل العنف إلى أداة يومية لإعادة تشكيل المجال السياسي خارج أي إطار مؤسسي جامع. وفي ظل هذا المشهد، يصبح المجتمع نفسه الضحية الأبرز، وتغدو الدولة إطارًا هشًّا يتآكل تحت وطأة السلاح والاستقطاب.[13]
خامسًا: الإخوان واقتصاد الحرب
مع انهيار مؤسسات الدولة وغياب القانون نتج اقتصاد جديد ظهر فيه وسطاء مرور، أعادوا تشكيل اقتصاد كامل لا ينتعش إلا مع استمرار الفوضى والعنف، من خلال عمليات بيع المعلومات الأمنية، وتجار تصاريح مزيفة.[14]
وفي هذا السياق، لم يعُد العنف مجرد نتيجة للصراع، بل تحوّل إلى شرط بنيوي لازدهار هذا الاقتصاد. فقد نشأت شبكات متخصصة في بيع المعلومات الأمنية، وتنسيق المرور عبر مناطق النزاع، وتوفير تصاريح مزيفة لعبور الأفراد والبضائع، فضلًا عن الاتجار بالحماية والابتزاز. وتعمل هذه الشبكات على الربط بين الفاعلين المسلحين، وبعض القيادات العسكرية، وعناصر مدنية مرتبطة بها؛ ما يجعل اقتصاد الحرب بنية مركّبة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين، بما تمتلكه من خبرة طويلة في العمل الشبكي السرّي، وقدرة على التغلغل داخل مؤسسات الدولة قبل انهيارها، كانت من بين الفاعلين القادرين على التكيّف السريع مع هذا النمط الاقتصادي. فبعد سقوط نظام عمر البشير وتفكُّك «اقتصاد التمكين» الذي اعتمدت عليه الجماعة لعقود، وجدت الإسلاموية الإخوانية في اقتصاد الحرب بديلًا وظيفيًّا يضمن لها مصادر تمويل، ويتيح لها الحفاظ على شبكات النفوذ، ولو في سياق دولة منهارة.
ويمثّل هذا التحول من «اقتصاد التمكين» إلى «اقتصاد البقاء» نقطة مفصلية في فهم سلوك الجماعة خلال الحرب. فاقتصاد التمكين كان يقوم على السيطرة على مؤسسات الدولة، وتوجيه الموارد العامة لخدمة التنظيم، وإضعاف الاقتصاد الاجتماعي المستقل. أما اقتصاد الحرب، فيقوم على استثمار الفوضى، وإدامة حالة اللااستقرار، وتحويل العنف إلى مورد اقتصادي مباشر. وبذلك، تصبح الحرب نفسها أصلًا اقتصاديًّا، لا مجرد وسيلة لتحقيق هدف سياسي.
ويُسهم هذا الاقتصاد في إطالة أمد النزاع، إذ ترتبط مصالح عدد من الفاعلين) ومن بينهم شبكات قريبة من الإسلامويين) باستمرار الحرب، لا بانتهائها. فوقف إطلاق النار أو العودة إلى مسار سياسي مستقر يعني انهيار هذه الشبكات، وانكشاف مصادر تمويلها، وفقدانها قدرتها على المناورة داخل فضاء غير منظم. ومن هنا، يمكن فهم المقاومة التي تُبديها هذه الأطراف تجاه مبادرات السلام، ليس فقط بوصفها موقفًا أيديولوجيًّا، بل أيضًا باعتبارها دفاعًا عن مصالح اقتصادية تشكّلت في قلب الحرب.
وعلى المستوى الاجتماعي، أسهم اقتصاد الحرب في تعميق الفقر، وتوسيع دائرة الهشاشة، وتفكيك الروابط الاقتصادية التقليدية. فقد جرى استبدال أنماط الإنتاج والعمل بأنماط ريعية تقوم على السلب والوساطة والتهريب؛ ما أضعف الطبقات الوسطى، ووسّع الفجوة بين من يملكون القدرة على الاستفادة من الفوضى، وبين غالبية المجتمع التي تدفع كلفة العنف والانهيار. وهكذا، لم يعُد الاقتصاد عامل استقرار، بل أصبح جزءًا من منظومة التفكّك التي تعيد إنتاج الحرب على المستويين المادي والاجتماعي.
وبهذا المعنى، لا يمكن فصل دور جماعة الإخوان المسلمين في الحرب السودانية عن منطق اقتصاد الحرب الذي تشكَّل في ظلّها. فالجماعة، التي فقدت قدرتها على السيطرة المباشرة على الدولة، لم تنسحب من المجال العام، بل أعادت التموضع داخله عبر شبكات غير رسمية تستفيد من انهيار المؤسسات. ويكشف هذا التحول أن الحرب لم تعُد مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل أصبحت بيئة حيوية لإعادة إنتاج الفاعلين الذين لا يمكنهم الاستمرار خارج منطق الفوضى؛ ما يجعل تفكيك اقتصاد الحرب شرطًا أساسيًّا لأي مسار جادّ نحو السلام وإعادة بناء الدولة.
6. المجتمع بين الحرب والخطاب الأيديولوجي
تظل جماعة الإخوان المسلمين قوة مؤثرة وفاعلة في المشهد السوداني، تخوض الصراع من داخل الأجهزة الأمنية وتفرض نفوذًا مباشرًا على دوائر صنع القرار، سعيًا لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصالح الدولة الوطنية. فقد أظهرت الجماعة عزوفًا واضحًا عن الانخراط الجدّي في مبادرات السلام، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي يتحمّلها المدنيون جراء استمرار الصراع. [15]
ويقود حزب المؤتمر الوطني، الذراع السياسية للجماعة، شبكات سياسية وإعلامية معقدة تسهم بشكل فعّال في إطالة أمد الحرب ورفض جميع الجهود الإقليمية والدولية التي تستهدف استئناف المفاوضات. ويبدو أن الحرب باتت الملاذ الأخير للإخوان، حيث تعارض قياداتهم أي تحرك جادّ نحو وقف إطلاق النار، بالتواطؤ المباشر مع شخصيات عسكرية رفيعة المستوى؛ ما يؤكد أن الجماعة لا تعمل خارج النظام الرسمي، بل هي جزء لا يتجزأ من بنيته الأساسية.[16]
وتتقاسم جماعة الإخوان وبعض القيادات العسكرية دوافع مشتركة تجعل إنهاء الحرب تهديدًا وجوديًّا للطرفين. فبالنسبة للإخوان، تتجلى الأولوية في ضمان استمرار حضورهم السياسي وتجنّب الإقصاء من السلطة، خصوصًا في ظل توجّه إقليمي ودولي متصاعد نحو رفض الحركات المتطرفة التي تعمل تحت غطاء ديني. وباتت الجماعة، بدلًا من السعي إلى حكم مباشر، تخشى الزوال السياسي إذا ما اتجه السودان نحو استبعاد مثل هذه التنظيمات من المجال العام بشكل حاسم.[17]
وفي المقابل، أعاد انهيار مؤسسات الدولة، إثر الحرب، إحياء الدور القبَلي، ليبرز باعتباره سلطة موازية وأداة مؤقتة لملء فراغ الدولة المنهارة. ولم يعُد الانتماء القبَلي مجرد رابطة اجتماعية أو ثقافية، بل أصبح مقياسًا حاسمًا لتحديد فرص النجاة، والحصول على الخدمات، وفرض الحماية، والتمثيل السياسي؛ إذ صار تعريف هوية الفرد مرتبطًا بشكل متزايد بأسئلة الانتماء والانحياز السياسي والمناطقي.
وهذا التحول يمثّل استجابة ضرورية لواقع عنف ممتد، حيث لجأت المجتمعات للاحتكام إلى انتماءاتها الأولية بحثًا عن الأمن والاستقرار. غير أن هذا الخيار، رغم منطقته في سياق الصراع، يحمل تداعيات خطيرة على إمكانية تحقيق السلام المستدام. فحين تُحصر الهوية في بندقية والانتماء في خندق، تصبح مهمة بناء السلام عسيرة، ما لم يُنزَع السلاح من الأجسام القبَلية، ويُعاد تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة على أسس مدنية قائمة على المواطنة والمساواة وسيادة القانون. [18]
الخاتمة
تُبرز الحرب المستمرة في السودان أن الأزمة ليست مجرد حدث عرضي أو انفجار ظرفي لمشكلة سياسية، بل نتيجة تراكمات تاريخية لدولة جرى إخضاعها، في آنٍ واحد، لمنطق التأدلج والأيديولوجيا والعسكرة. فقد أدّى هذا المسار الممتد لعقود إلى تفكيك تدريجي لبنية الدولة ومؤسساتها، وإفراغها من وظائفها السيادية، بحيث لم تعُد قادرة على احتكار العنف، أو إدارة التعدّدية، أو إنتاج شرعية جامعة. وفي هذا الإطار، لم يعُد اهتمام جماعة الإخوان المسلمين منصبًّا على مشروع الدولة أو إعادة بنائها، بل على ضمان وجودها داخل دولة متفكّكة، وعلى البقاء السياسي أكثر من السعي إلى السيطرة، في ظل تآكل قاعدتها الاجتماعية التقليدية داخل المجتمع.
وتتراوح السيناريوهات المحتملة لمستقبل السودان بين استمرار حالة التفكّك الشامل وانهيار المؤسسات، أو الوصول إلى تسوية أمنية هشّة لا تعالج جذور الأزمة، أو الشروع في عملية إعادة بناء محدودة قد تتم في إطار هدنة إنسانية أو تسوية جزئية. غير أن أي مخرج حقيقي من الأزمة يظل مرهونًا بتجاوز الثنائية البنيوية التي سيطرت على المجال السياسي لعقود؛ أي ثنائية العسكر والإسلامويين، وبالانتقال نحو بناء دولة مدنية شاملة، تستعيد حياد المؤسسات، وتفصل بين المجالين السياسي والعسكري، وتُعيد تعريف الشرعية خارج منطق الغلبة والعنف.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن يظل بقاء جماعة الإخوان في السودان مرتبطًا أكثر بـ”اقتصاد الحرب” منه بأي مشروع سياسي قابل للاستدامة. فقد أدّى انهيار مؤسسات الدولة وغياب القانون إلى نشوء اقتصاد قائم على الفوضى والعنف، ازدهرت فيه أنشطة النهب والتهريب وتجارة السلاح؛ ما حوّل البلاد من مرحلة “اقتصاد التمكين”، الذي أضعف النسيج الاجتماعي والاقتصادي إلى مرحلة “اقتصاد البقاء”، الذي وسّع دائرة الفقر والهشاشة وربط استمرار الحرب بمصالح فاعلين يرون في إنهائها تهديدًا مباشرًا لمواقعهم.
ويُقدّم المثال السوداني نموذجًا مكتملًا ودالًّا على مآلات الدولة بعد تجربة حكم الإسلامويين. فالسودان لا يمثِّل مجرد حالة فشل سياسي أو تعثّر انتقالي، بل مختبرًا تاريخيًّا يُظهر النتائج البنيوية الطويلة الأمد لإخضاع الدولة لمنطق أيديولوجي مغلق. وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، لم يُفضِ حكم الإسلامويين إلى بناء مؤسسات مستقرة أو عقد اجتماعي جامع، بل إلى إعادة تشكيل الدولة بوصفها أداة تنظيمية تُدار بمنطق الولاء والتمكين، وتُفرغ تدريجيًّا من وظائفها السيادية.
ويكتسب المثال السوداني خصوصية كبرى من عمق تغلغل الإسلامويين داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية؛ ما حوّل الدولة من إطار وطني جامع إلى بنية هشّة قابلة للاختطاف والانهيار. وعليه، لا يمكن فصل الحرب الراهنة عن هذا الإرث البنيوي؛ فهي ليست انحرافًا عن مسار الدولة، بل التعبير الأقصى عنه. لقد أنتج هذا المسار دولة عاجزة عن احتكار العنف، وغير قادرة على إدارة التعدّد الاجتماعي والسياسي، وسهلة الانهيار عند أول اختبار وجودي.
وبهذا المعنى، لا يُعتبر السودان استثناءً في مآلات الحكم الإسلاموي، بل نموذجًا مكتملًا لما يمكن أن يفضي إليه الجمع بين العسكرة والخطاب الأيديولوجي. فهو يظهر بوضوح أن إخضاع الدولة للتأدلج لا يؤدي إلى “أسلمة الحكم” بقدر ما يُفضي إلى تفكيك الدولة نفسها، وأن الجمع بين العسكرة والخطاب الديني لا يولّد استقرارًا، بل عنفًا ممتدًا يتجاوز لحظة سقوط النظام. ومن ثم، يقدّم المثال السوداني برهانًا عمليًّا على أن ما ينهار بعد حكم الإسلامويين ليس النظام السياسي فحسب، بل البنية الدولتية برمّتها، بما في ذلك مؤسساتها ومجتمعها وأفقها الوطني.
المراجع:
- د. أنور محمد قرقاش، الإمارات والسودان: قراءة هادئة خارج ضجيج الحملات، مركز الاتحاد للأخبار، 23 ديسمبر 2025، https://www.aletihad.ae/opinion/4632202/%
- الموسوعة العربية، النزاعات المسلحة (قانون)، https://mail.arab-ency.com.sy/details/159655
- المركز الديمقراطي العربي، الدولة وتجلياتها: الأشكال التي ظهرت بها والأبعاد التي ذهبت إليها، 5 مايو2017، https://democraticac.de/?p=46259
- منير أديب، الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، 17مايو 2023 ، TRENDS Research & Advisory – الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط
- موقع حفريات، تحذير من “سيناريو الدويلات”.. كيف يَدفع الإخوانُ السودانَ نحو التفتيت؟ 5 يناير2026، تحذير من “سيناريو الدويلات”..كيف يَدفع الإخوانُ السودانَ نحو التفتيت؟ | حفريات
- المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، دور الإخوان في حرب السودان وتدمير الدولة وتشريد شعبه، 14أبريل2025، دور الإخوان في حرب السودان وتدمير الدولة وتشريد شعبه | مقالات | AR
- مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ترتيبات هشة: لماذا يتعثر الاستقرار السياسي في السودان؟، 2 فبراير 2022، https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/7055/%
- العين الإخبارية، سياسي لـ«العين الإخبارية»: سلام السودان رهينة مشروع إخواني مسلح وهذه روشتة الخلاص، 13ديسمبر 2025، https://al-ain.com/article/sudan-muslim-brotherhood-peace-terrorism
- العين الإخبارية، قصف مستشفى وسوق بشمال دارفور.. جريمة جديدة للجيش السوداني، 4/1/2026، https://al-ain.com/article/sudan-army-new-crime
- Independent عربية، سماسرة حرب السودان.. مهن وُلِدت من العدم، 4 يناير 2026، https://www.independentarabia.com/node/639640/%
- سودانيون، أسئلة اليوم التالي ومستقبل السودان: معطى القبيلة وفخ القبلية، 8 ديسمبر2025، https://sudantribune.net/article/307923
- Khalid Al Fazari, Why Sudan’s war cannot end without confronting the Muslim Brotherhood, Gulf News, January 02, 2026, Sudan Conflict: Muslim Brotherhood’s Role in Prolonging War
[1] منير أديب، الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، 17مايو2023 ، TRENDS Research & Advisory – الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط
[2] د. أنور محمد قرقاش، الإمارات والسودان: قراءة هادئة خارج ضجيج الحملات، مركز الاتحاد للأخبار، 23 ديسمبر 2025، https://www.aletihad.ae/opinion/4632202/%
[3] الموسوعة العربية، النزاعات المسلحة (قانون)، https://mail.arab-ency.com.sy/details/159655
[4] المركز الديمقراطي العربي، الدولة وتجلياتها: الأشكال التي ظهرت بها والأبعاد التي ذهبت إليها، 5 مايو2017، https://democraticac.de/?p=46259
[5] منير أديب، الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، 17مايو2023 ، TRENDS Research & Advisory – الإخوان في السودان من التنظيم إلى التنظير إلى هاوية السقوط
[6] المرجع السابق.
[7] موقع حفريات، تحذير من “سيناريو الدويلات”.. كيف يَدفع الإخوانُ السودانَ نحو التفتيت؟ 5 يناير2026، تحذير من “سيناريو الدويلات”.. كيف يَدفع الإخوانُ السودانَ نحو التفتيت؟ | حفريات
[8] المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، دور الإخوان في حرب السودان وتدمير الدولة وتشريد شعبه، 14 أبريل2025، دور الإخوان في حرب السودان وتدمير الدولة وتشريد شعبه | مقالات | AR
[9] المرجع السابق.
[10] العين الإخبارية، سياسي لـ«العين الإخبارية»: سلام السودان رهينة مشروع إخواني مسلح وهذه روشتة الخلاص، 13ديسمبر2025، https://al-ain.com/article/sudan-muslim-brotherhood-peace-terrorism
[11] المرجع السابق.
[12] العين الإخبارية، قصف مستشفى وسوق بشمال دارفور.. جريمة جديدة للجيش السوداني، 4/1/2026، https://al-ain.com/article/sudan-army-new-crime
[13] المرجع السابق
[14] Independent عربية، سماسرة حرب السودان… مهن ولدت من العدم، 4 يناير 2026، https://www.independentarabia.com/node/639640/%
[15]Khalid Al Fazari, Why Sudan’s war cannot end without confronting the Muslim Brotherhood, Gulf News, January 02, 2026, Sudan Conflict: Muslim Brotherhood’s Role in Prolonging War
[16] المرجع السابق.
[17] Khalid Al Fazari, Why Sudan’s war cannot end without confronting the Muslim Brotherhood, Gulf News, January 02, 2026, Sudan Conflict: Muslim Brotherhood’s Role in Prolonging War
[18]سودانيون، أسئلة اليوم التالي ومستقبل السودان: معطى القبيلة وفخ القبلية، 8ديسمبر2025، https://sudantribune.net/article/307923