Insight Image

القمة الافريقية التاسعة والثلاثون بين الامن المائي واعادة التموضع الدولي … قراءة في مخرجات القمة

25 فبراير 2026

القمة الافريقية التاسعة والثلاثون بين الامن المائي واعادة التموضع الدولي … قراءة في مخرجات القمة

25 فبراير 2026

القمة الافريقية التاسعة والثلاثون بين الامن المائي واعادة التموضع الدولي … قراءة في مخرجات القمة

عُقدت القمة الأفريقية 39 في أديس أبابا يومي 14 و15 فبراير الجاري في وقتٍ مفصلي تمر به القارة السمراء؛ إذ تجد القارة الأفريقية نفسها أمام معادلة صفرية تتأرجح بين طموحات التكامل الاقتصادي والسيادي، وبين واقع جيوسياسي يزداد تعقيدًا مع تصاعد النزاعات المسلحة والضغوط الاقتصادية العالمية، وتأتي هذه القمة وسط تساؤلات ملحة حول قدرة الاتحاد الأفريقي بصفته كيانًا مؤسسيًّا على فرض إرادته في ظل تغيرات دراماتيكية شهدتها خارطة التحالفات الدولية، وتحت شعار يحمل في طياته دلالات البقاء وهو “الأمن المائي والصرف الصحي”؛ في إشارة واضحة إلى وعي القارة بأن معركة المستقبل لن تُخاض في غرف السياسة فقط، بل في تأمين أساسيات الحياة وسط أزمات مناخية عاتية لم تشهدها القارة من قبل.[1]

أعمال القمة عكست إدراكًا متزايدًا بأن القارة لم تعد قادرة على الاكتفاء بردود الأفعال تجاه الأزمات، بل باتت مطالبة ببناء مقاربة مؤسسية أكثر صلابة في ملفات السلم والأمن، والتمويل الذاتي، والإصلاح الهيكلي. انتقال رئاسة الاتحاد من أنغولا إلى بوروندي لم يكن مجرد تداول دوري، بل حمل دلالات تتصل باستمرارية الأجندة الأفريقية، خاصة في ظل إطلاق شعار 2026 المرتبط بالأمن المائي والصرف الصحي، بما يعكس انتقال الاهتمام من الشعارات العامة إلى قضايا وجودية تمس استقرار الدول والمجتمعات.

وناقشت القمة بعمق تحديات السلم والأمن، واضعةً مسألة النزاعات المسلحة والانقلابات وتمدد الجماعات الإرهابية في صدارة الأولويات، مع تجديد الالتزام بمبدأ “صفر تسامح” مع التغييرات غير الدستورية. غير أن أهمية المداولات لا تكمن فقط في التشخيص، بل في الدفع نحو آليات تنفيذية أكثر فاعلية، وعلى رأسها تفعيل قوة الاحتياط الأفريقية وتعزيز التنسيق مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية. كما برز بوضوح مطلب توفير تمويل مستدام ومرن لعمليات دعم السلام، بما يقلل الارتهان للشركاء الخارجيين. هذا التوجه يعكس تحولًا تدريجيًّا من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء قدرة ردع أفريقية ذاتية، وهو اختبار حقيقي لمدى قدرة الاتحاد على تحويل قراراته إلى أدوات تأثير ميداني ملموس. [2]

وعلى المستوى التنموي والمؤسسي، أكدت القمة مركزية أجندة 2063 كإطار جامع للتحول الاقتصادي، مع التركيز على تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية، وتحديث النظم الزراعية ضمن البرنامج الشامل لتنمية الزراعة الأفريقية – كادب (CAADP)، وربط ذلك بأولويات التمويل والبنية التحتية والطاقة والمياه. كما أعادت تأكيد الموقف الأفريقي الموحد بشأن إصلاح مجلس الأمن، في سياق سعي القارة لترسيخ حضورها في الحوكمة العالمية؛ خاصة بعد انخراطها في مجموعة العشرين. اللافت للنظر أن أعمال القمة ربطت بين الإصلاح الداخلي وتعزيز المكانة الدولية، بما يعني أن معركة التمثيل الخارجي تمر أولًا عبر بناء مؤسسات قارية أكثر كفاءة ومساءلة. بذلك بدت القمة محاولة لإعادة صوغ العلاقة بين الطموح السياسي والقدرة التنفيذية داخل المنظومة الأفريقية.[3]

وفي هذا الصدد، يبرز التساؤل الجوهري: هل تمتلك القمة الأفريقية الـ 39 الأدوات التنفيذية والارادة السياسية الكافية لتحويل شعارات الأمن المائي والاستقرار إلى واقع ملموس ينهي صراعات القارة، أم ستظل مجرد محطة دبلوماسية أخرى تصطدم طموحاتها بجمود البيروقراطية المؤسسية وتصاعد التدخلات الدولية العابرة للحدود؟

السياق الأفريقي والدولي للقمة

تُعقد القمة الأفريقية التاسعة والثلاثون في لحظة إقليمية ودولية تتسم بقدر عالٍ من الاضطراب وإعادة التشكل في موازين القوى، وهو ما انعكس بوضوح في الخطابات الافتتاحية التي أشارت إلى تصاعد الاستقطاب العالمي وتراجع فعالية المنظومة المتعددة الأطراف؛ إذ تجد القارة الأفريقية نفسها في قلب تنافس جيوسياسي محتدم، في وقت تتراجع فيه التدفقات المالية الخارجية وتتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالديون والتضخم وتداعيات الأزمات العالمية المتلاحقة. هذا السياق فرض على القمة أجندة تتجاوز البعد التنموي التقليدي لتطرح سؤال الاستقلال الاستراتيجي للقارة، سواء على مستوى التمويل أو على مستوى امتلاك القرار السياسي. الدعوة إلى تسريع التكامل السياسي والاقتصادي تحت مظلة أجندة 2063 لم تكن مجرد شعار، بل جاءت كرد فعل مباشر على بيئة دولية لم تعد تضمن استقرار الشراكات أو استدامة الدعم الخارجي، ما يجعل من تعزيز الاعتماد على الموارد الذاتية والتكامل القاري خيارًا وجوديًّا لا ترفًا سياسيًّا.[4]

أولًا: السياق الأفريقي الداخلي

تعكس القمة واقعًا أمنيًّا معقدًا يتسم بتعدد بؤر النزاع وتنامي هشاشة الدولة في عدد من الأقاليم؛ خاصة في السودان ومنطقة الساحل وشرق الكونغو الديمقراطية والصومال. هذا التحدي الأمني لا يُنظر إليه بمعزل عن السياق الدولي، بل يرتبط بتحولات في طبيعة الصراعات، وصعود فاعلين مسلحين عابرين للحدود، وتراجع أدوار بعض القوى الدولية التقليدية في عمليات حفظ السلام. من هنا جاءت الرسائل الصريحة بشأن رفض الانقلابات غير الدستورية، وضرورة “إسكات البنادق” باعتبار أن أي مشروع تنموي أو تكاملي يظل مرهونًا بتحقيق حد أدنى من الاستقرار السياسي. كما أن إدراج قضايا إصلاح مجلس الأمن الدولي ضمن أجندة القمة يعكس إدراكًا أفريقيًّا بأن معالجة الأزمات الإقليمية تتطلب أيضًا إعادة توازن إلى بنية النظام الدولي بما يمنح القارة تمثيلًا أكثر إنصافًا وقدرة أكبر على التأثير في قرارات السلم والأمن العالميين.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن قراءة توقيت انعقاد القمة الأفريقية التاسعة والثلاثين بمعزل عن حالة السيولة الاستراتيجية التي تعيشها القارة، إذ تتقاطع أزمات الحكم مع هشاشة الأمن، وتتزامن الاستحقاقات الانتخابية مع تصاعد التدخلات والتجاذبات الخارجية، في بيئة دولية تتسم بتراجع اليقين وتنامي الاستقطاب. انعقاد القمة في فبراير 2026، في مستهل عام سياسي مزدحم، يعكس إدراكًا أفريقيًا بضرورة التقاط اللحظة قبل أن تتراكم الضغوط وتتشابك الأزمات بصورة أعقد. كما أن استضافة أديس أبابا للقمة تضيف بُعدًا رمزيًّا في ظل ما يحيط بالقرن الأفريقي من توترات، بما يجعل التوقيت عنصرًا تحليليًّا كاشفًا عن طبيعة المرحلة لا مجرد إطار زمني. ولعل أبرز دلالات الوضع الراهن في أفريقيا ما يأتي:

  1. استمرار الأزمة السودانية؛ حيث تحوّل الصراع الممتد إلى بؤرة عدم استقرار عابرة للحدود، تؤثر في توازنات القرن الأفريقي ومنطقة الساحل وحوض النيل والبحر الأحمر. فإطالة أمد الحرب لا تعني تدهورًا إنسانيًّا داخليًّا فقط، بل تعني أيضًا تدفقات لجوء متزايدة، وانتشارًا للسلاح، وتراجعًا للأنشطة الاقتصادية في نطاق إقليمي أوسع. كما أن تعثر المسارات السياسية يضع الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي لفاعلية أدواته في الوساطة ومنع التصعيد، ويكشف حدود المقاربات التقليدية في إدارة النزاعات. استمرار الأزمة في توقيت انعقاد القمة يفرض أولوية عاجلة على جدول الأعمال، لأن أي مشروع تكامل أو تنمية قارية سيظل مرهونًا بإخماد هذه البؤرة التي تستنزف الموارد وتضعف صورة القارة دوليًّا.
  2. التوترات الإثيوبية؛ تمثل الدولة المضيفة للاتحاد الأفريقي حجر الزاوية في معادلة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهو ما يجعل اضطراباتها الداخلية وتجاذباتها الإقليمية تحديًا مباشرًا للأمن القاري. فداخليًّا، تثير الصراعات المتجددة وتصاعد النبرة العدائية بين أديس أبابا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) مخاوف دولية بشأن قدرة الدولة على إدارة تعدديتها والحفاظ على تماسكها، خاصة مع دعوات الأمم المتحدة المتكررة لخفض التصعيد.[5] أما خارجيًّا، فتبرز التوترات الإثيوبية-الإريترية كبرميل بارود ينذر بعسكرة المنطقة؛ إذ إن اتهامات أسمرة لأديس أبابا بتلفيق تقارير حول تحركات حدودية تعيد إحياء صراعات تاريخية، وتعمق أزمة الثقة بين البلدين. إن هذا المشهد المتأزم لا يهدد بانهيار مشروعات الربط البيني والبنية التحتية فقط، بل يضع الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي لفرض الحلول الدبلوماسية ومنع تحول الخلافات الثنائية في شرق أفريقيا إلى صراع مفتوح قد يعصف بالمصالح الحيوية في البحر الأحمر ويهدد السلم والأمن الجماعيين.[6]
  3. مسألة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال؛ حيث يثير أي تحرك من هذا النوع إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ وحدة الدول الأفريقية واحترام الحدود الموروثة، كما أن فتح باب الاعترافات الثنائية بكيانات غير معترف بها قاريًّا قد يمثّل سابقة تعيد تنشيط مطالب انفصالية في مناطق أخرى، وتدفع نحو تدويل نزاعات محلية. كما أن القرن الأفريقي يمثل مساحة تنافس دولي متزايد نظرًا لأهميته البحرية والاستراتيجية، ما يجعل أي اعتراف خارجي محاطًا بحسابات تتجاوز الإطار القانوني إلى اعتبارات النفوذ والتموضع العسكري والاقتصادي. في هذا التوقيت، يُختبر موقف الاتحاد الأفريقي في الدفاع عن ثوابته المؤسسية، ومنع تحول ملفات الانفصال إلى أوراق ضغط في صراعات إقليمية ودولية أوسع.[7]
  4. التوترات الأمريكية ونيجيريا: تعكس العلاقة بين أكبر اقتصاد أفريقي وإحدى القوى الكبرى مزيجًا من التعاون والاختلاف حول ملفات الأمن والطاقة والحوكمة. أي تصعيد أو توتر في هذه العلاقة يتجاوز طابعه الثنائي ليؤثر في غرب أفريقيا ومنظومة الإيكواس، خاصة في ظل تحديات الإرهاب والانقلابات. كما أن نيجيريا تمثل ركيزة ديمغرافية وسياسية، وأي ضغط خارجي عليها قد يُقرأ كإشارة إلى باقي الدول الأفريقية بشأن حدود الشراكات الدولية. في توقيت القمة، تبرز الحاجة إلى تأكيد مفهوم الشراكة المتكافئة، وتجنب ارتهان السياسات الأفريقية لتحولات المزاج السياسي في العواصم الكبرى، بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية للقارة.[8]
  5. الانتخابات الأفريقية: يشهد مطلع عام 2026 سلسلة استحقاقات مهمة في أوغندا في يناير، والكونغو في مارس، وجيبوتي في أبريل، وإثيوبيا في يونيو، ما يجعل القمة تنعقد في منعطف سياسي حاسم، كما أن الانتخابات في بيئات تعاني ضغوطًا اقتصادية وأمنية قد تتحول إلى بؤر توتر إذا لم تُدَر بشفافية وتوافق، فضلًا عن أن التجارب السابقة في بعض الدول أظهرت أن الطعون والاحتجاجات قد تتفاقم وتصبح أزمات سياسية ممتدة، ويستمد التوقيت دلالته من أن الاتحاد الأفريقي مطالب بتفعيل آليات الإنذار المبكر والمراقبة الانتخابية، وتوجيه رسائل واضحة بشأن التداول السلمي للسلطة ورفض العنف، قبل أن تتحول المنافسة السياسية إلى انقسام مجتمعي حاد.[9]
  6. استمرار التهديدات الإرهابية: تتسع رقعة النشاط المسلح في مناطق الساحل والقرن الأفريقي وأجزاء من وسط وغرب القارة، مستفيدة من هشاشة الحدود وضعف التنمية. الإرهاب لم يعد مجرد تحدٍ أمني، بل أصبح عاملًا يقوض الثقة بالدولة ويغذي موجات النزوح ويعطل الاستثمارات. كما أن تراجع بعض الشراكات الأمنية الدولية أو إعادة تموضعها يضع عبئًا أكبر على القدرات الأفريقية الذاتية. في توقيت القمة، تتعزز الحاجة إلى مقاربة شاملة تربط الأمن بالتنمية، وتدعم بناء المؤسسات المحلية، وتنسق الجهود الاستخباراتية والعسكرية، على نحو يحول دون تحول الإرهاب إلى ظاهرة مزمنة تعرقل مسار التكامل القاري.
  7. التوترات في بوركينا فاسو: يواجه المسار الانتقالي اختبارًا مصيريًّا، فبينما كشفت الهجمات الأخيرة عن قدرة الجماعات المتطرفة على تنفيذ عمليات منسقة وواسعة تتجاوز قدرة الجيش على الردع، جاء قرار حل الأحزاب السياسية ليقضي على ما تبقى من فضاء للمشاركة المدنية، هذا التزامن الخطير بين العجز عن تأمين الحدود وتفكيك المؤسسات السياسية الداخلية يضع بوركينا فاسو أمام مخاطر انهيار الدولة، ويفرض على الاتحاد الأفريقي تحديًا معقدًا في كيفية التعامل مع نظام انقلابي يزداد عزلة سياسية في وقت يواجه فيه تهديدًا إرهابيًّا وجوديًّا.[10]

ثانيًا: السياق الدولي للقمة

يأتي اختيار ملف المياه والأمن المائي كأولوية لعام 2026 في إطار دولي تحكمه تحولات مناخية عميقة أعادت ترتيب مفاهيم الأمن التقليدي، إذ لم يعد الاستقرار يُقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة الدول على تأمين مواردها الحيوية في مواجهة موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة. في هذا السياق، تبدو أفريقيا في قلب معادلة غير عادلة؛ فهي الأقل إسهامًا في الانبعاثات، لكنها من الأكثر عرضة لتداعياتها. وعليه، فإن ربط القمة بين المياه والصحة والأمن الغذائي يعكس إدراكًا بأن التهديدات البيئية قد تتحول إلى محفزات للهجرة والنزاعات، خاصة في الأحواض المائية المشتركة. من هنا، يتجاوز طرح القمة البعد التنموي الضيق ليضع المياه ضمن منظومة الأمن المناخي العالمي، ويؤكد أن إدارة الموارد العابرة للحدود باتت اختبارًا لقدرة النظام الدولي على إنتاج صيغ تعاون أكثر عدالة وفاعلية.

كما تعكس مداولات القمة سعيًا أفريقيًّا لإعادة تموضع القارة داخل بنية النظام الدولي، عبر الانتقال من موقع المتلقي لقرارات الخارج إلى شريك يسعى للتأثير في صوغ الأجندة العالمية. فتأكيد امتلاك السردية الأفريقية، والدفع نحو إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، وتعزيز الشراكة مع الأمم المتحدة، كلها مؤشرات إلى إدراك بأن التحديات العابرة للحدود – من المناخ إلى الديون – لا يمكن معالجتها من دون حضور أفريقي فاعل في دوائر صنع القرار. وفي ظل التحولات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر والثورة الرقمية، تحاول القمة مواءمة أولوياتها الداخلية، كتمكين الشباب والنساء وتعزيز التمويل المحلي، مع اتجاهات الاقتصاد العالمي. بذلك، تصبح القمة منصة لإعادة تعريف علاقة أفريقيا بالعولمة، على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية البنيوية. [11]

هذا وجاءت القمة الأفريقية – الإيطالية على هامش أعمال القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، لتمثل منعطفًا استراتيجيًا في مسار العلاقات الأورومتوسطية؛ حيث تسعى روما من خلال “خطة ماتي” (Mattei Plan) إلى صوغ نموذج شراكة يقوم على مبدأ الربح المتبادل، مع التركيز على قطاع الطاقة كجسر للربط بين القارة وأوروبا، وتناقش القمة ملفات شائكة تتصدرها معالجة جذور الهجرة غير النظامية عبر الاستثمار في التنمية[12]، وتوطين قطاع الصناعات التحويلية، وتعزيز الأمن الغذائي، كما تعكس هذه التحركات رغبة إيطالية في استعادة دورها كبوابة رئيسية للقارة السمراء، في ظل تنافس دولي محتدم، ما يمنح القارة مساحة أوسع للمناورة الاستراتيجية بما يخدم أجندة 2063.[13]

جدول أعمال القمة الأفريقية

شهد جدول أعمال القمة الأفريقية التاسعة والثلاثين تركيزًا واضحًا على البعد المؤسسي وتعزيز آليات تنفيذ الأجندة القارية، حيث تصدّر بند متابعة تنفيذ أجندة 2063 الاجتماعات التحضيرية، بما يعكس أولوية الانتقال من مرحلة تبني الرؤى إلى مرحلة قياس الأداء والمساءلة. كما برزت مناقشات لجنة تقييم الحصص والإسهامات على مستويَّي المندوبين الدائمين والوزراء كمدخل لإصلاح التمويل الذاتي للاتحاد وتقليص الاعتماد على الشركاء الخارجيين. ويؤكد انعقاد الدورة العادية للمجلس التنفيذي ثم الجمعية العامة للاتحاد على تراتبية مؤسسية تهدف إلى بلورة مواقف منسقة قبل رفعها إلى مستوى القادة، بما يعزز التكامل بين الأطر الفنية والسياسية. هذا التنظيم يعكس سعيًا لإضفاء قدر أكبر من الانضباط المؤسسي على عملية صنع القرار داخل الاتحاد الأفريقي وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة.[14]

كما عكس جدول الأعمال أولوية ملف السلم والأمن في السياق القاري، من خلال تعدد الاجتماعات المرتبطة بهياكل السلم والأمن والحوكمة، بما في ذلك منصة الهندسة الأفريقية للحوكمة والسلم والأمن، واجتماعات مجلس السلم والأمن بشأن الأوضاع في السودان والصومال، إضافة إلى لجنة الإصلاح المتعلقة بمجلس الأمن الدولي. هذا الحضور الكثيف للبعد الأمني يدل على إدراك القادة لترابط الاستقرار السياسي مع مسارات التنمية والاندماج الاقتصادي. كما أن مناقشة إصلاح مجلس الأمن ضمن لجنة العشرة تعكس استمرار السعي الأفريقي لتوحيد الموقف التفاوضي دوليًّا وتعزيز تمثيل القارة في بنية الحوكمة العالمية. بذلك يتجاوز البعد الأمني الطابع الإجرائي ليصبح جزءًا من رؤية استراتيجية أشمل لتعزيز الصوت الأفريقي في النظام الدولي.

وفي البعد الاقتصادي والتنموي، برزت موضوعات منطقة التجارة الحرة القارية، والتمويل الطويل الأجل للتنمية، والبنية التحتية، والتكامل المالي، إلى جانب قضايا المناخ والصحة والتغذية والتعليم. ويكشف الاجتماع الافتتاحي للجنة رؤساء الدول المعنية بتنفيذ منطقة التجارة الحرة عن انتقال الاتفاقية إلى مرحلة التركيز على التنفيذ العملي وإزالة العوائق غير الجمركية. كما تعكس الفعاليات الجانبية المتعلقة بالتمويل الكلي وإطلاق تقارير التوقعات الاقتصادية توجهاً نحو بناء أدوات تحليلية تدعم صنع القرار الاقتصادي. ويؤكد إدراج قضايا المناخ وتغيره، إضافة إلى إصلاح المؤسسات المالية العالمية، أن القمة تسعى لبلورة مقاربة تنموية شاملة تربط بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية ضمن إطار أجندة 2063.[15]

رابعًا مخرجات القمة

جاءت مخرجات القمة العادية التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي انعكاسًا مباشرًا لطبيعة اللحظة الإقليمية والدولية التي انعقدت فيها، حيث سعى القادة إلى الجمع بين المعالجات العاجلة للأزمات الراهنة ووضع أطر استراتيجية بعيدة المدى تدعم مسار أجندة 2063. لم تقتصر القرارات على الطابع البروتوكولي أو الإجرائي، بل حملت أبعادًا سياسية وتنموية واضحة، تستهدف إعادة ترتيب أولويات العمل القاري وتعزيز قدرة الاتحاد على الفعل المؤثر. كما أظهرت القمة توجّهًا نحو ترسيخ مفهوم الأمن الشامل الذي يربط بين الاستقرار السياسي والموارد الطبيعية والتنمية الاقتصادية. وفي ظل التحديات المرتبطة بالديون، وتصاعد النزاعات، وتراجع التمويل الخارجي، بدت المخرجات محاولة لإعادة بناء التوازن بين الطموح المؤسسي والقدرة التنفيذية. ولعل أبرز مخرجات القمة ما يأتي:[16]

  • انتقال الرئاسة الدورية وانتخاب بوروندي رئيسًا للاتحاد لعام 2026: أقرت القمة انتخاب الرئيس البوروندي، إيفاريست ندايشيميي، رئيسًا دوريًّا للاتحاد الأفريقي لعام 2026، في خطوة تتجاوز الإطار الإجرائي إلى دلالات سياسية أوسع؛ حيث يعكس هذا الانتقال استمرار الالتزام بآلية التداول الإقليمي المنظم، بما يحافظ على التوازن الجغرافي داخل هياكل الاتحاد، كما يمنح إقليم البحيرات الكبرى حضورًا أكبر في صوغ الأولويات؛ خاصة في ظل استمرار النزاعات في شرق ووسط أفريقيا، ومن المتوقع أن تركز الرئاسة الجديدة على دعم الوساطات الإقليمية وتعزيز الاستقرار الحدودي، إلى جانب متابعة ملفات الشباب والتنمية، فيما يُعد هذا الانتقال اختبارًا لمدى قدرة القيادة الدورية على تحويل الرمزية السياسية إلى مبادرات عملية تسهم في تعزيز فعالية الاتحاد خلال العام المقبل.
  • اعتماد المياه أولوية استراتيجية لعام 2026: اعتمدت القمة شعار العام 2026 تحت عنوان “المياه مورد حيوي للحياة والتنمية والاستدامة”، بما يعكس تحولًا في مقاربة مفهوم الأمن داخل القارة. فالأمن لم يعد يُختزل في البعد العسكري، بل بات يشمل إدارة الموارد الطبيعية الحيوية باعتبارها ركيزة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، هذا القرار يضع ملف الأمن المائي في صدارة العمل القاري، ويعزز الاستثمار في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، مع تطوير آليات التعاون بين الدول المتشاركة في الأحواض المائية العابرة للحدود. كما يؤكد التوجه نحو دمج إدارة الموارد المائية في خطط التنمية الوطنية، وتحويلها إلى أداة وقائية للحد من النزاعات وتعزيز الاستدامة البيئية والتنموية على المدى الطويل.
  • تجديد المطالبة بإصلاح الحوكمة الدولية وتعزيز تمثيل أفريقيا: أكدت القمة مجددًا الموقف الأفريقي الداعي إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي وضمان تمثيل دائم وعادل للقارة، في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي. يعكس هذا المخرج توافقًا قاريًّا على ضرورة الانتقال من الحضور الرمزي إلى المشاركة الفاعلة في صنع القرار الدولي، خاصة في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن العالميين، كما يشير إلى توجه لتعزيز التنسيق الدبلوماسي الجماعي، بما يمنح أفريقيا قوة تفاوضية أكبر في المحافل الدولية، فيما يرتبط هذا المطلب أيضًا بالسعي لترسيخ استقلالية القرار الأفريقي، وتأكيد أن معالجة الأزمات العالمية ذات التأثير المباشر على القارة تستوجب تمثيلًا يعكس وزنها الديمغرافي والجيوسياسي.[17]
  • تعزيز دور مجلس السلم والأمن ومتابعة النزاعات الإقليمية: ناقشت القمة تقارير مجلس السلم والأمن مع تركيز واضح على النزاعات في السودان وجنوب السودان ومنطقة الساحل، مؤكدة مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”. يعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن إدارة النزاعات لا يمكن أن تظل رهينة للتدخلات الخارجية أو المعالجات المؤقتة، كما شددت المداولات على ضرورة تقوية آليات الوساطة والإنذار المبكر، وتفعيل القرارات الصادرة عن المجلس بما يضمن تنفيذها ميدانيًا، كما يُعد هذا المخرج محاولة لإعادة تنشيط الدور الأمني للاتحاد في ظل تعدد بؤر التوتر وتصاعد التهديدات الإرهابية، مع تأكيد أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء لضمان فعالية الاستجابة الجماعية.[18]
  • تسريع التكامل الاقتصادي والإصلاح المؤسسي: أكد القادة التزامهم بتسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، مع إزالة العوائق غير الجمركية وتسهيل حركة السلع والخدمات، بما يعزز السوق الأفريقية الموحدة ويحد من الاعتماد على الخارج. ويرتبط هذا التوجه بمسار الإصلاح المؤسسي والمالي داخل الاتحاد، بهدف تحسين الكفاءة وتعزيز الاستقلالية التمويلية. فالإصلاح الداخلي يُعد شرطًا أساسيًّا لتحويل القرارات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ. كما يعكس هذا المخرج وعيًا بأن مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية تتطلب بنية مؤسسية قوية وسوقًا قارية متكاملة قادرة على خلق فرص العمل ودعم سلاسل القيمة المحلية، بما يعزز الاستقرار والتنمية المستدامة في آن واحد. [19]
  • وفي ختام أعمال القمة، طالب أعضاء الاتحاد الأفريقي بمنح دولة فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، انسجامًا مع ما عدّوه توجّهًا غالبًا داخل المجتمع الدولي نحو الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأكدوا رفضهم القاطع لأي محاولات لتهجيره قسرًا إلى دول الجوار؛ ولاسيما مصر أو الأردن. كما أدان البيان الختامي بشدة التدخلات الخارجية في السودان، داعيًا إلى هدنة إنسانية عاجلة تمهّد لوقف شامل لإطلاق النار وإطلاق حوار سوداني جامع يحفظ وحدة الدولة ومؤسساتها. وحذرت القمة من التدهور الإنساني في غزة نتيجة الحصار ومنع دخول المساعدات، مع تأكيد التضامن الكامل مع الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير. وعلى الصعيد القاري، شددت المداولات على أولوية الأمن المائي، وتسريع منطقة التجارة الحرة، ومعالجة أعباء الديون، إلى جانب احتواء الاضطرابات في الساحل والقرن الأفريقي، في إطار رؤية تربط بين السلم والتنمية والاستدامة.[20]

ختامًا، وفي ضوء ما سبق فإن القمة الأفريقية التاسعة والثلاثين تبدو محطة مفصلية لحدود الفرص وحدّة التحديات التي تواجه المشروع القاري في آنٍ واحد؛ إذ جمعت بين طموح إعادة تموضع أفريقيا في النظام الدولي وبين اختبار قدرتها على إدارة أزماتها الداخلية بأدوات ذاتية وفعّالة؛ فقد حملت القمة رسائل واضحة بشأن أولوية الأمن المائي كمدخل للاستقرار والتنمية، وبشأن ضرورة تسريع التكامل الاقتصادي وتدعيم الإصلاح المؤسسي حتى لا تظل القرارات حبيسة البيانات، كما أبرزت المداولات أن السلم والأمن ما زالا الشرط الحاكم لأي تقدم، في ظل حروب ممتدة وتهديدات إرهابية وتنافس دولي على الموارد، وبينما يعكس الموقف من فلسطين وغزة سعيًا لإظهار تضامن سياسي يتجاوز الحدود، يبقى معيار النجاح الحقيقي مرهونًا بقدرة الاتحاد على تحويل هذه المخرجات إلى مسارات تنفيذية قابلة للقياس، تُحسّن حياة المواطن الأفريقي وتحصّن سيادة دوله.


[1] Opening of 39th African Union Summit, sahara press service. https://www.spsrasd.info/en/2026/02/14/14190.html

[2] Waleed Abdulrahman. African Union Summit Calls for Unified Action to Confront Continent’s Challenges, Asharq Al Awsat. https://english.aawsat.com/world/5241021-african-union-summit-calls-unified-action-confront-continent’s-challenges

[3] African Union Summit Calls for Unified Action to Confront Continent’s Challenges, ibid.

[4] African Union Theme of the Year 2026: A Call to Action for Safe Water and Sanitation to drive Africa’s Development Agenda, African Union. https://au.int/en/pressreleases/20260214/au-theme-year-2026-call-action-safe-water-and-sanitation

[5]Éthiopie: au Tigré, le ton monte entre Addis Abeba et le TPLF, l’ONU appelle à la «désescalade». Radio France Internationale. https://www.rfi.fr/fr/afrique/20260211-éthiopie-au-tigré-le-ton-monte-entre-addis-abeba-et-le-tplf-l-onu-appelle-à-la-désescalade

[6] Damian Zane. Eritrea accuses Ethiopia of fabricating report its troops had crossed the border. BBC. https://www.bbc.com/news/articles/cn87lzrj1l7o

[7] Farouk Hussein Abu Deif, A Sea Change: Israel’s Somaliland Gambit and the New Battle for the Red Sea, african narratives. https://africannarratives.org/a-sea-change-israels-somaliland-gambit-and-the-new-battle-for-the-red-sea

[8] فاروق حسين أبو ضيف، تأثير اليمين الديني المتطرف على توجُّهات أمريكا تجاه القارة الأفريقية، قراءات أفريقية. https://shorturl.at/p5HjQ

[9] فاروق حسين أبو ضيف، المشهد الانتخابي الأفريقي في 2026: بين الاستقرار السلطوي واحتمالات الانفجار السياسي، قراءات أفريقية. https://shorturl.at/KQdk2

[10] متشددون يظهرون “تنسيقًا غير مسبوق” في هجمات في بوركينا فاسو، رويترز. https://www.reuters.com/ar/world/DQV52WXLGZONJPQPVD5N7EI7XQ-2026-02-19/

[11]  قمة الاتحاد الأفريقي بعيدة عن توفير حلول في ظل أزمات متفاقمة ونزاعات، مونت كارو. https://shorturl.at/jBsmV

[12]  Italian PM Meloni Unveils Bold Africa Debt Suspension Plan Amid Climate Crisis. https://www.youtube.com/watch?v=n2ylWlU_Wok

[13] Italian PM Meloni offers climate‑shock debt suspension for African states. Reuters. https://www.reuters.com/sustainability/climate-energy/italian-pm-meloni-offers-climateshock-debt-suspension-african-states-2026-02-14/

[14] STATUTORY MEETINGS, AFRICAN UNION UNION AFRICAINE. https://au.int/sites/default/files/documents/45932-doc-List_of_Statutory_and_Side_Events_06_Feb.pdf

[15] STATUTORY MEETINGS, ibid.

[16] ساجدة السيد، ما مخرجات القمة العادية الـ39 للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا؟، القاهرة الإخبارية. https://shorturl.at/3WfoC

[17] 39th Ordinary Session of the Assembly of the African Union Concludes in Addis Ababa. African Union. https://au.int/en/pressreleases/20260215/39th-ordinary-session-assembly-african-union-concludes

[18] Ibid.

[19] Ibid.

[20] Ibid.

المواضيع ذات الصلة