Insight Image

لعبة الطاقة الكبرى: آفاق وحدود تحول صادرات الطاقة الروسية شرقاً

14 مارس 2026

لعبة الطاقة الكبرى: آفاق وحدود تحول صادرات الطاقة الروسية شرقاً

14 مارس 2026

لعبة الطاقة الكبرى: آفاق وحدود تحول صادرات الطاقة الروسية شرقاً

يكاد لا يمر يوم منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران دون أن يحمل معه تطورات إعلامية جديدة ومفترقات سياسية حاسمة، لا تقتصر آثارها على أطراف العمليات العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل دول الخليج وروسيا. ففي ظل الأزمة العالمية للطاقة التي اندلعت نتيجة الضربات التي شنتها قوات التحالف على إيران، رفعت روسيا بدورها رهاناتها الاستراتيجية. ففي 4 مارس، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إمكانية أن يكون من الأكثر فائدة لروسيا وقف إمدادات الغاز إلى السوق الأوروبية قبل دخول القيود الأوروبية الجديدة حيز التنفيذ في أبريل، مع التركيز على أسواق “أكثر وعداً”. وفي 6 مارس، أوضح نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، المسؤول عن الطاقة والتعاون الدولي ، أن الشركات الروسية مستعدة دون انتظار الحظر الأوروبي الجديد لإعادة توجيه جزء من صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG) إلى الهند وتايلاند والفلبين والصين.

هذه التصريحات أثارت اضطراباً إضافياً في أسواق الطاقة، فعلى الرغم من العقوبات المفروضة منذ 2022. فقد استمر الغاز الروسي في الوجود الملحوظ في أوروبا حتى عام 2025، حيث شكل 16% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال في الربع الأول و12.7% في الربع الثالث. كما لا تزال هناك إمكانية لاستمرار إمدادات النفط عبر خطوط الأنابيب ليس فقط إلى المجر وسلوفاكيا، بل إلى دول أوروبية أخرى.

ومن ثم فأي زيادة محتملة في إمدادات الطاقة الروسية إلى آسيا ستعزز المنافسة مع موردي الشرق الأوسط في هذه الأسواق. وفي المجمل، يبدو أن روسيا تسعى لاستغلال أزمة الطاقة دون انتظار القيود الأوروبية الجديدة، كمحاولة استباقية لعملية تفكك نموذج الطاقة التقليدي بين روسيا وأوروبا.

أولاً: مدى قابلية المبادرة الروسية للتنفيذ

النفط: يبدو أن خطة إعادة توجيه النفط هي الأكثر قابلية للتنفيذ. وفقاً لوكالة رويترز، تستعد روسيا لإرسال نحو 9.5 ملايين برميل إلى الهند لتعويض اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط، حيث تقوم المصافي الهندية بتكرير نحو 5.6 ملايين برميل يومياً، وتستطيع روسيا تغطية نحو 40% من هذه الحاجة. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب الهندي بمقدار 0.3 مليون برميل يومياً في 2026. إلا أن المنافسة في السوق الهندية ستتصاعد من جانب الولايات المتحدة وقطر ومشروعات LNG الجديدة.

الغاز الطبيعي المسال (LNG): تشير التقديرات إلى أن تنفيذ الخطة الحكومية ليس سهلاً. فبحلول 2030، من المتوقع إضافة نحو 300 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز المسال للتصدير LNG ، معظمها من الولايات المتحدة وقطر، ما يجعل السوق الآسيوي مستقبلاً سوق فائض عرض يحتاج إلى التنافس على الجودة والموثوقية والالتزام التعاقدي واللوجستيات.

غاز خطوط الأنابيب: إعادة توجيه الغاز عبر خطوط الأنابيب تبقى الأقل قابلية للتنفيذ على المدى القصير. فمشروع “قوة سيبيريا” يوفر 38 مليار متر مكعب سنوياً إلى الصين، ووصلت الإمدادات في 2025 إلى 38.8 مليار متر مكعب، متجاوزةً أوروبا لأول مرة. المسار الشرق أقصى يضيف 10 مليارات أخرى، لكن دمجه الكامل في الشبكة الفيدرالية لا يزال قيد التطوير. بالتالي، لا يمثل هذا بديلاً سريعاً لغاز غرب سيبيريا الموجه إلى أوروبا.

ثانياً: تأثير انسحاب الغاز الروسي على منتجي الشرق الأوسط

في المدى القصير، قد يخسر بعض المصدرين العرب جزء من حصتهم السوقية  أمام إعادة توجيه روسيا للغاز إلى آسيا. بسبب الاضطرابات الجيوسياسية و مخاطر العبور من مضيق هرمز، والذي تمر عبره غالبية صادرات الغاز والنفط من المنطقة. فاستمرار التوترات الإقليمية يعني أن دول الخليج ستنصب جهودها على استقرار صادراتها وتقليل المخاطر اللوجستية. على المدى القصير أيضا ، يُعوض الغاز الروسي في أوروبا غالباً بإمدادات أمريكية أكثر من دول الخليج. وفق بيانات الاتحاد الأوروبي، حيث شكلت الولايات المتحدة في الربع الأول من 2025 نحو 24% من إمدادات الغاز و53% من واردات الغاز المسال، وارتفعت إلى 59.9% في الربع الثالث.

أما على المدى المتوسط، يفتح تقليص الاعتماد الأوروبي على روسيا فرصاً جديدة لبعض الموردين العرب، ولا سيما قطر، الجزائر والإمارات، لتعزيز وجودهم في السوق الأوروبية.

ثالثاً: المنافسة والتكامل في الأسواق الآسيوية

في سوق النفط، تتقاطع مصالح روسيا مع كبار المنتجين العرب، إلا إنه مع التنسيق المستمر للحفاظ على استقرار السوق العالمي لا يوجد مخاطر مرتفعة لهذا التقاطع.

أما في سوق الغاز المسال، فتبدو المنافسة أكثر تعقيداً، إذ أبرمت قطر اتفاقيات طويلة الأجل مع مشترين آسيويين، في حين تسعى روسيا لتوسيع صادراتها إلى الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا. إلا ان المنافسة هنا لن تتحول إلى صدام مباشر بفضل حجم الطلب الكبير وإمكانية تقسيم الأسواق وفق مسارات النقل وصيغ التسعير.

رابعاً: مستقبل سوق الطاقة الأوروبي

حتى في حال توقف الإمدادات الروسية بالكامل، من غير المتوقع انهيار السوق الأوروبي، نظراً لاعتماد الاتحاد الأوروبي على سياسات التكيف مثل تعزيز واردات الغاز المسال وتنويع مصادر الطاقة. ومع ذلك، سيترتب على التحول كلفة أعلى وزيادة تقلب الأسعار، وتعزيز أهمية المخازن واحتياطيات الطوارئ.

خامساً: المكاسب السياسية والاقتصادية لروسيا

تصريحات القيادة الروسية يمكن قراءتها كجزء من استراتيجية سياسية واقتصادية متكاملة. فهي تمنح موسكو أدوات ضغط إضافية في مواجهة أوروبا، مع إمكانية تعويض فقدان السوق الأوروبية من خلال توسيع حضورها في الأسواق الآسيوية النامية. إلا أن نجاح تلك الإستراتيجية يعتمد على بناء تحالفات مستدامة، بنية تحتية لوجستية فعالة ونماذج تعاون مرنة مع الشركاء العرب.

الخاتمة

التصريحات الروسية لإعادة توجيه تدفقات الطاقة من أوروبا إلى آسيا ليست مجرد رد فعل على أزمة حالية فقط، بل تعكس تحولاً عميقاً في النظام العالمي للطاقة. فالعلاقة التقليدية بين روسيا وأوروبا في مرحلة التفكك، بينما تتحول روسيا تدريجياً نحو آسيا كمركز للطلب العالمي الجديد على الطاقة. ودول الشرق الأوسط تحصل على فرص جديدة في السوق الأوروبية، لكنها تواجه منافسة ومخاطر مستمرة. النجاح في النظام الطاقوي الجديد مرتبط بالقدرة على ضمان موثوقية الإمدادات، كفاءة البنية التحتية والمرونة السياسية في عالم يتسم بعدم الاستقرار الجيوسياسي.

المصادر:

  1. International Energy Agency. Gas Market Report, Q1-2026. Paris: IEA. https://www.iea.org/reports/gas-market-report-q1-2026
  2. European Commission. Energy Data and Market Analysis. https://energy.ec.europa.eu/data-and-analysis
  3. Energy Statistics Explained. https://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/index.php/Energy_statistics
  4. Energy Market Analysis. https://www.reuters.com/business/energy

المواضيع ذات الصلة