20 نوفمبر 2022

هل تنجح الولايات المتحدة في تخطّي الدستور لمكافحة حيازة السلاح؟

ريم ابراهيم الحوسني

تنقل لنا الأسطورة الإغريقية التي تروي قصة المحارب أخيل، أنه عندما تم التنبؤ له بأنه سيموت في معركة، قامت أمه ثيتس بتغطيسه في نهر ستيكس الذي كان يمنح قوّة لا تُقهر، وهو ما تم بالفعل. لكن نظراً إلى أن ثيتس كانت قد أمسكت أخيل لحظة تغطيسه من كعبه ولم يصله الماء، تحققت نبوءة مقتله وقُتل أخيل في المعركة، بعدما أُصيب بسهمٍ في كعبه.

هذا الوضع يشابه إلى حد كبير مع ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُثار محاولات من وقت إلى آخر لتقليص امتلاك السلاح. ولكنها تصدم بكعب أخيل؛ “الدستور”، الذي تختلف التفسيرات حول التعديل الثاني منه، والذي يعطي الحق لحيازة السلاح وامتلاكه، مما يُعيق الأمر من وقت إلى آخر. وبالإضافة إلى الدستور، يتجلّى عقب أخيل في الولايات المتحدة في أمور عدة؛ مثل “لوبي السلاح، النفوذ الريفي في مجلس الشيوخ، الاختلافات بين الاقتراع والواقع السياسي فيما يتعلق بسياسات حيازة السلاح”. تُناقش الورقة الجدل القائم في الولايات المتحدة، حول الحق في امتلاك السلاح، وكذلك الاختلاف في تطبيق سياسات من شأنها تقليص العنف الناتج عن حيازة السلاح، مع استعراض أرقام متعلقة بجرائم امتلاك السلاح في الداخل الأمريكي، واستشراف ما ستُسفر عنه السجالات الأخيرة.

التشريعات المقنِّنة لحمل السلاح:

أقر الدستور الأمريكي منذ البداية حق الشعب الأمريكي في امتلاك السلاح؛ حيث نص التعديل الثاني للدستور والصادر في عام 1791 على “حيث إن وجود ميليشيا حسنة التنظيم ضروري لأمن أي ولاية حرة، فلا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء الأسلحة وحملها”. وعلى إثر هذا التشريع، وقعت الكثير من السجالات بين المختصين والمراقبين حول تفسير ما نص عليه التعديل الثاني، فمنهم من رأى أن هذا التعديل يعطي الحق الكامل للأفراد في امتلاك السلاح دون شروط. ومنهم من رأى أنه من المفيد الأخذ في الاعتبار الجزء الأول من التعديل “وجود ميليشيا حسنة التنظيم ضروري”[1].

ووسط هذا النقاش حول تفسير النص الدستوري، ظهرت تأويلات عدة، ولكن تراجع الاهتمام في القرن الثامن عشر بهذا المسألة، وترك الأمر لتفسير الولايات نفسها للتعديل الثاني للدستور. ثم أُثير الأمر بتوسع في قضية دريد سكوت ضد ساندفورد 1857، حول مشروعية تسليح العبيد آنذاك. التي ناقشت حق امتلاك دريد سكوت – وهو من العبيد الأفارقة – للسلاح، وخلصت الآراء القضائية إلى أنه إذا تم اعتبار الأمريكان الأفارقة مواطنين معترفاً بهم في أي ولاية، فإن لهم الحق في حيازة السلاح الناري[2].

واستمرت تلك السجالات القضائية حول تفسير التعديل الثاني من الدستور، ليظهر في قضايا عدة مثل قضية بليس ضد الكومنولث؛ والتي استندت إلى دستور كنتاكي 1799 الذي نص على أن للأفراد الحق في حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، ولا يجوز للدولة التشكيك في ذلك. ولكن ما أُثير في تلك القضية لم يكن الأحقية في حمل السلاح، بل كان الحديث عن الأحقية في حمل سلاح مخفي من عدمه، حيث ينص قانون الولاية على أن هناك حظراً لحمل أسلحة مخفية وأن حدوث ذلك يعد انتهاكاً للتعديل الثاني من الدستور[3].

بخلاف تلك القضية، أُثيرت في تلك الأوقات قضية أخرى في ولاية تينيسي عرفت باسم قضية “أيميت ضد الولاية”، (Aymette v. Stat)، حيث فسرت المحكمة العليا في تينيسي، الضمان الوارد في دستور الولاية لعام 1834، بأن “الرجال البيض الأحرار في هذه الولاية لهم الحق في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها للدفاع المشترك”، موضحة أن الحكم تم تبنّيه لنفس أهداف التعديل الثاني للدستور الفيدرالي، فكتبت المحكمة: “الكلمات ‘حمل السلاح’… لها إشارة إلى استخدامها العسكري، ولم يتم استخدامها لتعني ارتداءها حول الشخص كجزء من الثوب. بما أن الهدف الذي من أجله يُؤمّن الحق في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها ذو طبيعة عامة، فيجب أن يمارسه الناس مجتمعين من أجل دفاعهم المشترك”[4].

وفي جورجيا أيضاً، في العام 1864، قضت محكمة جورجيا العليا في قضية ” Nunn v. Georgia” بأن “قانون الولاية الذي يحظر المسدسات كان انتهاكاً دستورياً للتعديل الثاني”، وجاء في الحكم ” لا يجوز التعدي على حق جميع الناس، كباراً وشباباً، رجالاً ونساءً وفتياناً، وليس للميليشيات فقط، الحق في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها من كل نوع، وليس فقط ما تستخدمه الميليشيات”.

وبخلاف الأفراد وحقهم، فسرت محكمة كانساس العليا، عام 1905 بأن النص الدستوري يرتبط بالحق في حمل السلاح ضمن الميليشيا، حيث جاء في الحكم الصادر في شأن القضية المعروفة باسم “سالينا ضد بلاكسلي”: “أن الحكم المعني ينطبق فقط على الحق في حمل السلاح كعضو في ميليشيا الولاية، أو بعض التنظيمات العسكرية الأخرى المنصوص عليها في القانون، كما يتضح من التعديل الثاني للدستور الاتحادي”.

ومنذ القرن الماضي، ظهرت العديد من التشريعات المنظمة لعملية حيازة السلاح في الولايات المتحدة، فصدر قانون مراقبة امتلاك السلاح في عام 1968. ولكن بعد ذلك بقرابة 18 عاماً، وتحديداً في عام 1986، قام الكونغرس بإصدار قانون حماية مالكي الأسلحة النارية[5].

وفي عام 1994، أصدر الكونغرس الأمريكي قانوناً ينص على حظر التصنيع والاستخدام المدني للأسلحة النارية نصف الآلية والأسلحة الهجومية، وذلك لمدة 10 سنوات. ولكن انتهى الحظر بالفعل في عام 2004 في سبتمبر، وفشلت المحاولات في تجديد هذا الحظر على الأسلحة. وفي عام 2013 قام مجلس الشيوخ برفض مشروع قانون يقوم بتقييد السماح بحمل الأسلحة، وكان ينص أيضاً على الحصول على السجل العدلي لجميع من يرغب في شراء قطع سلاح [6].

وفي 16 يناير سنة 2013، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما تقديم الدعم للتشريع المتعلق بمراقبة الأسلحة، ويتضمن ذلك حظر بعض الأسلحة النارية شبه الآلية الهجومية. وتجدد في الكونغرس الـ 113 (2013-2015)، الاهتمام بقانون مراقبة الأسلحة، وصدر قرار بحظر الأسلحة الهجومية لعام 2013، مع مراعاة بعض الاستثناءات مثل النقل والبيع والتصنيع واستيراد الأسلحة النارية المسماة على وجه التحديد، والتي لها ميزات معينة كذلك[7].

وقبل حوالي 25 عاماً، عندما كان جو بايدن رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي، أقر الكونغرس وقتها قانون حماية السلامة العامة واستخدام الأسلحة النارية الترفيهية، والمعروف باسم حظر الأسلحة الهجومية. ولقد حظرت بيع أو تصنيع بعض أنواع الأسلحة التي تكون شبه آلية للاستخدام المدني، وحظر القانون كذلك المجالات التي يمكنها أن تستوعب 10 جولات أو أكثر.

وتم سَنّ الحكم السابق كقسم فرعي من قانون إنفاذ القانون ومكافحة الجرائم العنيفة للعام 1994، وهي حزمة خاصة بسنة الانتخابات، وتهدف إلى إظهار أن الديمقراطيين صارمون في التعامل مع الجرائم، وقال العديد من الأمريكيين إنهم قلقون بشأن تزايد جرائم العنف والتهديد المرتبط بالمجرمين المُسلحين. ولذلك ومن بين أمور أخرى، وقف الرئيس الأمريكي بايدن والديمقراطيون وراء إرشادات أكثر صرامة للحكم، وبتوسعة فئة الجرائم الفيدرالية التي من المفترض أن يُعاقب عليها بعقوبة الإعدام[8]. 

قراءة كَمّية في جرائم السلاح الناري:

على الرغم من أن معظم الأسلحة النارية ذات ملكية خاصة، مما يصعّب عمليات المسح والحصر لها، إلا أنه عالمياً وفقاً لورقة الإحاطة الصادرة عام 2018، عن برنامج مسح الأسلحة النارية، لوحظ أن المدنيين هم الأكثر امتلاكاً للسلاح عالمياً، ثم جهات إنفاذ القانون، ثم العسكريين، وذلك وفقاً لعام2017 [9]:

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الأعلى بين الدول، من حيث حيازة الأسلحة النارية عالمياً، بنسبة “45.9%” بواقع ” 393,300,000″ قطعة سلاح ناري. ويوضح الجدول التالي ترتيب الدول من حيث حيازة المدنيين للسلاح، وفقاً لعام 2017:

وتقديراً بين كل مئة فرد في الولايات المتحدة جاء المعدل التقديري لامتلاك السلاح “120.5”، بفارق قرابة “56.2%” عن الدولة التالية لها “اليمن” التي جاء المعدل التقديري فيها “52.8”.

 بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، يتزايد الطلب على شراء الأسلحة سنوياً، حيث مثلت التوقعات لمبيعات الأسلحة في 2022 نحو 16.6 مليون وحدة[10]، وفقاً لتقرير شركة “Small Arms Analytics & Forecasting” الاستشارية، ومنذ عام 2000 مثَّل عام 2020 الأعلى بمبيعات “21.9” مليون وحدة سلاح:

المصدر: safe home، Shooting Illustrated

وارتبطت معدلات الزيادة في المبيعات بالارتفاع في عدد الوفيات المرتبطة بسلاح ناري في الولايات المتحدة، فنجد أن العام 2020 الذي مثل العام الأكثر بيعاً للسّلاح، جاء العام التالي له 2021 ليمثل العام الأكثر تسجيلاً لعدد الوفيات الناتجة عن استخدام سلاح ناري.

المصدر: safe home، gun violence archive

وبصورة عامة، في المتوسط لكل عام في الولايات المتحدة منذ عام 2000، يتم بيع نحو ” 11.756.152″ وحدة سلاح، وتسجيل ” 34148.8″ حالة وفاة لكل عام.

وخلال الفترة (2016 – 2020)، بلغ متوسط الإصابات “76385” مصاباً في كل عام، فضلاً عن أن التكلفة الاقتصادية بلغت في المتوسط للفترة ذاتها 557.2 مليار دولار كل عام. وعلى مستوى الأطفال والمراهقين، يأتي متوسط الوفيات 3540 طفلاً ومراهقاً بالبنادق كل عام[11].

وبخلاف الحالات الفردية التي استُخدِم فيها السلاح، سواء تعلق الأمر بقتل شخص ما أو بالانتحار، فوفقاً لإحصائيات عام 2022، فإنه منذ بداية العام وحتى يوم 2 أكتوبر، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية نحو 517 حادثة إطلاق نار جماعي، أسفرت عن مقتل”507″ بمتوسط “0.98” قتيل لكل حادثة، و”2187″ مصاباً بمتوسط “4.2” مصاب لكل حادثة، في 37 ولاية[12]:

وجاءت ولاية إلينوي هي الأعلى خلال الفترة الزمنية ذاتها بنسبة “8.7%”، ثم الولاية الذهبية “كاليفورنيا” بنسبة “7.8%”:

وإذا ما تمت المقارنة مع الفترة الزمنية ذاتها عام 2021، يلاحظ أن هناك تراجعاً طفيفاً[13]، حيث شهدت نحو “535” حادثة، أسفرت عن مقتل”543″بمتوسط قتيل لكل حادثة، و”2209″ مصابين بمتوسط “4.1” مصاباً لكل حادثة، في 43 ولاية:

وظلت ولاية إلينوي هي الأعلى خلال الفترة الزمنية ذاتها بنسبة “13.6%”، ثم ” تكساس” بنسبة “8%”:

الجدل الأمريكي الداخلي:

تتباين الآراء في الداخل الأمريكي حول سياسات حيازة السلاح، فعلى المستوى الحزبي تظهر اختلافات عدّة بين الجمهوريين والديمقراطيين، وعلى مستوى المالكين وغير المالكين تظهر اختلافات عدة أيضاً، ولكن يتفق الجميع في بعض النقاط، يمكن استعراضها على النحو التالي:

  • الديمقراطيون والجمهوريون:

تمثل مسألة امتلاك السلاح أحد ملامح الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين في الداخل الأمريكي، ففي الوقت الذي يرى فيه أغلب الجمهوريين أن امتلاك السلاح يعدّ من الحقوق الدستورية التي تشكل الهوية الأمريكية، رافضين أي قانون من شأنه مصادرة هذا الحق، يرى الديمقراطيون قصر الحق في حيازة السلاح على الولايات المكونة للاتحاد الأمريكي، وأن الآباء المؤسسين كانوا يريدون هذا الحق لأمريكا الفيدرالية، مطالبين بإعادة النظر في الحق المطلق للفرد في امتلاك السلاح، نتيجة للجرائم والحوادث المتكررة[14].

ولكن هناك أرضية مشتركة ما بين الطرفين في التعامل مع حيازة السلاح الناري، حيث يتفق الأغلبية من الطرفين، على منع الأشخاص المصابين بأمراض عقلية والأشخاص الذين هم على قوائم حظر الطيران أو المراقبة الفيدرالية من شراء الأسلحة، بالإضافة إلى إجراء فحوصات خلفية لجميع مشتري الأسلحة. بخلاف ذلك يظهر الاختلاف بين الطرفين في السماح للأشخاص بحمل أسلحة مخفية، والسماح للمدرسين والمسؤولين بحمل الأسلحة في المدارس[15].

ولكن هذه التشابهات تختلف أيضاً في درجة التأييد، ففي استطلاع أُجري من قبل ” Morning Consult and Politico” في مارس 2021، وبسؤال العينة حول “إلى أي مدى تؤيد أو تعارض شرط إجراء فحوصات خلفية لجميع مشتري الأسلحة”، جاءت النتيجة بين الديمقراطيين والجمهوريين بفارق كبير “%14″، حيث يؤيد نسبة 91% من الديمقراطيين “بقوة” أو “إلى حد ما” فحوصات الخلفية العامة مقابل نسبة “77%” من الجمهوريين[16].

على مستوى الموقف من منع المصابين بأمراض عقلية من حيازة السلاح، أظهر استطلاع أُجري من قِبل مركز بيو في أبريل 2021، تقارباً في النتائج حيث يؤيد نسبة 90% من الديمقراطيين “بقوة” أو “إلى حد ما” فحوصات الخلفية العامة مقابل نسبة “85%” من الجمهوريين. ولكن يظهر الاختلاف في تلك النقطة حول تفسير ما المقصود بالأمراض العقلية؟ وهذا ما حاولت “أبحاث APM” الإجابة عنه، من خلال طرح سؤال: ما هي نسبة التأييد للسماح لأحد أفراد الأسرة بالسعي إلى الحصول على أمر من المحكمة، لسحب الأسلحة مؤقتاً، إذا شعروا أن مالك السلاح قد يؤذي نفسه أو الآخرين؟ فكانت النتائج أن ذهب 70% من الجمهوريين و85% من الديمقراطيين أنهم يؤيدون “بقوة” أو “إلى حد ما”. وبمحاولة نقل التخويل بالطلب من أحد أفراد الأسرة إلى الشرطة، انخفضت نسبة النتائج عند الديمقراطيين والجمهوريين، فجاءت النتائج 78% بين الديمقراطيين و66 % بين الجمهوريين[17].

وبسؤال الديمقراطيين والجمهوريين، في استطلاع مركز بيو 2021، حول منع الأسلحة الهجومية، والتي كان صدر في شأنها قانون عام 1994 وتوقف بعد عشر سنوات، ظهر الفارق الكبير بين الطرفين، حيث أظهرت النتائج أن 37% من الجمهوريين في مقابل 83% من الديمقراطيين يفضلون “بشدة” أو “إلى حد ما” حظر الأسلحة الهجومية.

جانب آخر من الاختلاف بين الطرفين يظهر في السماح للمعلمين بحمل السلاح في المدارس في المراحل المختلفة؛ من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر، حيث أظهر مركز بيو 2021، أن 24% من الديمقراطيين و66% من الجمهوريين يفضلون “بقوة” أو “إلى حد ما” الأمر[18].

وعلى الرغم من حرب الديمقراطيين في قضية حيازة السلاح، فإنه بسؤالهم وهم الجمهوريين عن امتلاك السلاح في منازلهم أظهرت النتائج أنّ 28% من الديمقراطيين و48% من الجمهوريين يحوزون بندقية في منزلهم[19].

وأما على مستوى نظرة كل من الطرفين، الديمقراطي والجمهوري، إلى مدى أهمية امتلاك السلاح، فقد طرح استطلاع أجراه The Economist/YouGov Poll في أبريل 2022، سؤالاً: هل تعتقد أن حق الناس في امتلاك الأسلحة أكثر أهمية من حماية الناس من عنف السلاح؟ فجاءت الإجابات بفارق 30% بين الطرفين، حيث يعتقد 9% من الديمقراطيين و39% من الجمهوريين الذين استطلعت آراؤهم أن الحق في امتلاك السلاح يعدّ بالنسبة إليهم أكثر أهمية[20].

الاختلاف الأبرز يظهر في الموقف من قدرة القوانين الصارمة على تقليل حوادث إطلاق النار الجماعي؛ ففي استطلاع أجرته “واشنطن بوست، إي بي سي” في عام 2019، لوحظ أن النتائج جاءت بفارق 53% بين الطرفين، حيث قال 34% من الجمهوريين و87% من الديمقراطيين إنهم واثقون “جداً” أو “نوعاً ما”، من أن قوانين الأسلحة الأكثر صرامة ستقلل من عمليات إطلاق النار الجماعي[21].

وهذا أيضاً ما تؤكده استطلاعات جارية لعام 2022، حيث أظهرت رفض الجمهوريين بنسبة “85%” تطبيق قوانين أكثر صرامة لمراقبة السلاح، مقابل نسبة “93%” تأييد لدى الديمقراطيين، كما يوضح المخطط الآتي[22]:

أيديولوجياً، يختلف الجمهوريون والديمقراطيون أيضاً حول امتلاك السلاح، حيث إن نسبة 49% من الجمهوريين المحافظين يقولون إنهم يمتلكون سلاحاً، مقابل 34% من الجمهوريين المعتدلين والليبراليين. والأمر كذلك بالنسبة إلى الديمقراطيين، حيث يقول 22% من الديمقراطيين المحافظين إنهم يمتلكون سلاحاً، مقابل 17% من الديمقراطيين الليبراليين[23].

  • المالكون وغير المالكين:

على المستوى الشعبي تتشابه توجهات المالكين للأسلحة مع غير المالكين لها، كما أن هناك بعض الاختلافات فيما بينهم. وتختلف الاتجاهات داخل كل فريق على أساس انتمائهم الحزبي من عدمه، وذلك وفقاً لنتائج استطلاع رأي أُجري في أغسطس2021[24]. فبسؤال العينة عن حظر الأسلحة الهجومية، أيد الأمر 37% من مالكي الأسلحة مقابل 74% من غير المالكين، كما فضلت نسبة 77% من غير المالكين إنشاء قاعدة بيانات فيدرالية لتتبع جميع مبيعات الأسلحة، مقابل نسبة 46% لمالكي الأسلحة.

وحول الحمل الخفي للسلاح، وجد الاستطلاع أن معظم الأمريكيين – بغض النظر عما إذا كانوا يمتلكون أسلحة أم لا – يعارضون حملها بصورة خفية دون تصريح، ولكن مالكي الأسلحة (35 %) هم أكثر عرضة من غير المالكين (13%) لدعم ذلك.

ولكن الملاحظ أنه، على مستوى السنوات الماضية، شهد الداخل الأمريكي انخفاضاً في تأييد السياسات التي من شأنها تقليص امتلاك الأسلحة؛ ففي إثر المقارنة بين استطلاعات ثلاث سنوات مختلفة “2017، 2018، 2021″، لوحظ انخفاض في تأييد حظر الأسلحة الهجومية بين مالكي الأسلحة، حيث جاءت النتائج على التوالي “48%، 44%، 37%”، وكذلك الأمر بالنسبة لغير المالكين، حيث جاءت النسب على التوالي “77%، 77%، 74%”.

وحول تفضيل أن تكون فترات انتظار أقصر للأشخاص الذين يرغبون في شراء الأسلحة بشكل قانوني، جاءت النسب بين مالكي الأسلحة على التوالي “53%، 45%، 49%”، وجاءت النسب لغير المالكين على التوالي “29%، 25%، 28%”.

وأظهر التوجه الحزبي بين المالكين وغير المالكين أيضاً اختلافات حول حيازة السلاح. فبداخل الجمهوريين الذين لا يملكون سلاحاً، رأت نسبة 57% أنهم يفضلون إنشاء قاعدة بيانات حكومية فيدرالية، لتتبع جميع مبيعات الأسلحة، مقابل 30% من مالكي الأسلحة الجمهوريين.

كما يؤيد مالِكو الأسلحة من الجمهوريين، بنسبة أكبر من غير المالكين، السياسات التي من شأنها توسيع الوصول إلى السلاح. فبسؤال العينة حول السماح للأشخاص بحمل سلاح خفي، أيدت الغالبية من مالكي الأسلحة الجمهوريين بنسبة 87%، بينما أيدت أغلبية أقل ممن لا يمتلكون سلاحاً بنسبة 57% الأمر ذاته. وبتطبيق السؤال ذاته على الديمقراطيين، أيدت نسبة 39% من الديمقراطيين الذين يملكون أسلحة، مقابل 16% ممن لا يملكون أسلحة.

وعلى مدار فترات زمنية مختلفة “2017، 2018، 2021” اختلفت آراء المستطلعين بين الجمهوريين والديمقراطيين، حول سياسات حيازة السلاح؛ فوجد الاستطلاع أن هناك انخفاضاً في تأييد الجمهوريين من مالكي الأسلحة لحظر الأسلحة الهجومية، حيث جاءت على التوالي “38%، 31%، 23%”، أي إنه منذ عام 2017 حتى 2021 يوجد انخفاض بنسبة 15% في تأييد حظر الأسلحة الهجومية لدى مالكي الأسلحة الجمهوريين، مقابل انخفاض بنسبة مقاربة لدى غير المالكين من الجمهوريين، حيث جاءت درجات التأييد على التوالي “67%، 65%، 51%”.

بالنسبة إلى الديمقراطيين من مالكي السلاح، جاءت النسبة المؤيدة لحظر الأسلحة الهجومية متقاربة خلال الفترة الزمنية ذاتها في الفترة الزمنية ذاتها، حيث جاءت على التوالي ” 66%، 68%، 65%”، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غير المالكين من الديمقراطيين حيث جاءت النسب على التوالي “83%، 84%، 87%”.

التوجه الحزبي أثر أيضاً على الموقف من تفضيل أن تكون فترات الانتظار أقصر للأشخاص الذين يرغبون في شراء الأسلحة بشكل قانوني. فبين الجمهوريين المالكين للسلاح جاءت النسب على التوالي “61%، 53%، 62%” مقابل “43%، 38%، 45%” لغير المالكين من الجمهوريين.

بالنسبة إلى الديمقراطيين، انخفضت نسب التأييد بين المالكين وغير المالكين، حيث جاءت نسب التفضيل لدى مالكي الأسلحة من الديمقراطيين “41%، 29%، 24%” مقابل نسب “21%، 20%، 20%” لغير المالكين.

ديمغرافياً أيضاً، هناك اختلافات واسعة حول السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تشير نسبة 30% من البالغين أنهم يمتلكون سلاحاً شخصياً، مقابل 11% أشاروا إلى أنهم لا يمتلكون سلاحاً شخصياً، ولكنّ شخصاً آخر في منزلهم يملك.

الرجال هم الأكثر امتلاكاً للسلاح في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أظهرت النتائج أن نحو 39% من الرجال يمتلكون سلاحاً شخصياً مقابل 22% من النساء.

على مستوى العِرق، تُظهر النتائج أن البالغين البيض هم الأكثر امتلاكاً للسلاح، بنسبة 36%، في حين جاءت نسبة امتلاك السود (24%) والإسبان (18%) والآسيويين (10%).

وتتوافق تلك النتائج على مستوى العِرق مع رغبات كلّ منهم في تطبيق قوانين أكثر صرامة لمراقبة الأسلحة في استطلاعات 2022 والتي جاءت نتائجها كما يوضح المخطط الآتي[25]:

وتختلف نسب امتلاك السلاح أيضاً، بين الريف والحضر، حيث أظهرت النتائج أن نسبة 41% من الأمريكيين الذين يعيشون في المناطق الريفية يملكون سلاحاً، مقارنة بـ 29% في الضواحي و20% من الأمريكيين الذين يعيشون في المناطق الحضَرية.

كما أن النتائج أظهرت أن الأمريكيين الذين يعيشون في الشمال الشرقي هم الأقل ملكية للسلاح بنسبة 20%، مقابل 35% للأمريكيين الذين يعيشون في الجنوب، ونسبة 31% للغرب الأوسط، و28% لمن يعيشون في الغرب.

ويؤثر المستوى التعليمي أيضاً على النظرة لحيازة السلاح، ففي مسح تجريه مؤسسة “Civiqs”[26]، وبالوقوف على نتائجه حتى يوم 5 أكتوبر 2022، لوحظ أنه كلما زاد المستوى التعليمي زادت نسبة التأييد لتطبيق قوانين أكثر صرامة لمراقبة السلاح:

  • الاختلاف بين الاقتراع والواقع السياسي فيما يتعلق بسياسات حيازة السلاح:

من الأمور اللافتة في الداخل الأمريكي أن هناك اختلافاً ما بين رغبات الناخبين وما يتم تشريعه؛ ما دفع العديد من التحليلات والتقديرات إلى محاولة الإجابة عن سؤال: لماذا هناك تضارب وتناقض ما بين الاقتراع والواقع السياسي؟ وخلصت النتائج التفسيرية إلى مجموعة من الأسباب، على رأسها نفوذ لوبي السلاح الأمريكي وقوته، بالإضافة إلى النفوذ الريفي في مجلس الشيوخ.

ولكن هناك تحليلاً آخر أُجري في صحيفة “نيويورك تايمز”[27]، أظهر أنه بخلاف لوبي السلاح والنفوذ الريفي، هناك مشكلة لدى مؤيدي مكافحة الأسلحة، تتمثل في الناخبين أنفسهم، حيث اختلف دعمهم الفعلي عن المُتوقَع. إذ أتيحت فرصة من قبل للناخبين في أربع ولايات ديمقراطية، هي ” ماين، وواشنطن، ونيفادا، وكاليفورنيا”، لتفعيل عمليات التحقق من خلفية الأسلحة أو الذخيرة في القانون، وأظهرت النتائج اختلافاً كبيراً ولافتاً بين الدعم الواقعي والمتوقع.

خاتمة:

في ضوء الخلافات التاريخية في الداخل الأمريكي، بشأن تفسير التعديل الثاني من الدستور، والتي تم استعراضها في الدراسة، فإنه ليس من المتوقع أن تتجه أمريكا على المديين القريب والمتوسط إلى وضع قوانين وتدابير من شأنها الحظر الكامل لامتلاك السلاح. ولكن في ضوء التشابهات – وإن كانت بنسب متفاوتة – في التوجهات حول تطبيق سياسات وقوانين، من شأنها تقليص العنف الناتج عن الأسلحة النارية، فإنه من المحتمل أن تنجح الولايات المتحدة على المدى القريب في تطبيق مجموعة من القوانين، تقلّل من عمليات امتلاك السلاح، ولكن هذا لا يعني وفقاً للاستطلاعات تقليص العنف الناتج عن حيازة الأسلحة النارية.

وذلك ما شهدناه في توقيع الرئيس بايدن على قانون في يونيو 2022، والذي من شأنه “وضْع ضوابط أشدّ صرامة فيما يتعلق بالمشترين الشُبّان للأسلحة، وتوفير المزيد من التمويل لمصلحة برامج الصحة النفسية وتأمين المدارس، فضلاً عن أن القانون يساعد السلطات في حظر حيازة السلاح على الأشخاص الذين يمكن اعتبار أنهم يمثلون خطراً على أنفسهم أو على الآخرين، بالإضافة إلى أنه يحظر بيع السلاح للمُدانين في حوادث عنف منزلي[28].

ولكن هل تساعد مثل هذه القوانين على تقليل حالات العنف الناتجة عن حيازة السلاح؟ الاستطلاعات السابق استعراضها أظهرت بنسبة كبيرة أن مثل هذه القوانين لا تُجدي بصورة جلية في تقليص أعداد ضحايا العنف المسلح، وتتوافق تلك الآراء مع دراسة أجراها لإلينور كوفمان، الجراح ومحلل سياسة الصحة العامة بجامعة بنسلفانيا عام 2022، تفيد أن هناك ثلاثة قوانين من شأنها تقليص الوفيات الناجمة عن استخدام الأسلحة النارية بأكثر من 10%، وتتمثل تلك القوانين في: “تقييد وصول الأطفال والمراهقين إلى الأسلحة، وتقييد تصاريح الحمل الخفي للسلاح، وتقييد سياسات عقيدة القلعة أو الوقوف على أرض الواقع”[29].

هذا الأمر يفيد في النهاية أن مثل هذه القوانين، والتي لا ترضي طموح الرئيس الأمريكي نفسه، لا تؤثر بشكل كبير في تقليص الوفيات الناتجة عن استخدام السلاح الناري في الداخل الأمريكي.

المراجع

[1]. Randy E. Barnett, Was the Right to Keep and Bear Arms Conditioned on Service in an Organized Militia? Georgetown University Law Center, 2004:

https://scholarship.law.georgetown.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1858&context=facpub

[2]. United States Supreme Court No. 38 Argued: Decided: December 1, 1856, FindLaw:

https://caselaw.findlaw.com/us-supreme-court/60/393.html

[3]. Bliss v. Commonwealth, 2 Litt. (Ky) 90, 13 Am. December 251, guncite, 1822:

https://guncite.com/court/state/12ky90.html

[4]. Aymette v. State, 21 Tenn. 152 (Tenn. 1840): https://casetext.com/case/aymette-v-state

[5]. Congressional research service- Vivian S. Chu-

 (14-2-2013) https://sgp.fas.org/crs/misc/R42957.pdf-

[6]. https://bit.ly/3PDOqHx حق امتلاك السلاح في أمريكا…جرائم بحماية الدستور- سبوتنيك (28-2-2018)

[7]. Congressional research service- Vivian S. Chu- (14-2-2013) https://sgp.fas.org/crs/misc/R42957.pdf-

[8]. npr- The U.S. Once Had A Ban on Assault Weapons — Why Did It Expire? – (13-8- 2019) https://n.pr/3cL1eyK

[9]. آرون كارب، تقدير أعداد الأسلحة النارية التي في حوزة المدنيين عالمياً، برنامج مسح الأسلحة الصغيرة، ورقة إحاطة، الحكومة الأسترالية، يونيو 2017، نسخة إلكترونية متاحة على الرابط التالي:

https://www.smallarmssurvey.org/sites/default/files/resources/SAS-BP-Civilian-Firearms-Numbers-ARA.pdf

[10]. Despite Sales Decline, 2022 on Pace to See the Third-Largest Number of Guns Sold Since Records Began, Shooting Illustrated, August 11, 2022:

https://www.shootingillustrated.com/content/despite-sales-decline-2022-on-pace-to-see-the-third-largest-number-of-guns-sold-since-records-began/#:~:text=If%20the%20pace%20is%20identical,percent%20relative%20to%20July%202021.

[11]. Gun Violence in United States, Everytown for Gun Safety Support Fund:

https://everystat.org/wp-content/uploads/2020/03/Gun-Violence-in-United-States.pdf

[12] MASS SHOOTINGS IN 2022, Gun Violence Archive:

https://www.gunviolencearchive.org/reports/mass-shooting

[13]. MASS SHOOTINGS IN 2021, Gun Violence Archive:

https://www.gunviolencearchive.org/reports/mass-shooting?year=2021

[14] https://bit.ly/3PDOqHx حق امتلاك السلاح في أمريكا…جرائم بحماية الدستور- سبوتنيك (28-2-2018)

[15] J. BAXTER OLIPHANT, Bipartisan support for some gun proposals, stark partisan divisions on many others, Pew Research Center, JUNE 23, 2017:

https://www.pewresearch.org/fact-tank/2017/06/23/bipartisan-support-for-some-gun-proposals-stark-partisan-divisions-on-many-others/

[16] Ryan Best, Mary Radcliffe and Kaleigh Rogers, Just How Far Apart Are the Two Parties on Gun Control? Five Thirty-Eight, JUN. 7, 2022:

https://projects.fivethirtyeight.com/gun-control-polling-2022/

[17]. ibid.

[18]. ibid.

[19]. ibid.

[20]. The Economist/YouGov Poll، yougov، April 16 – 19, 2022:

https://docs.cdn.yougov.com/ml5z8flkh2/econTabReport.pdf

[21]. Sept. 2-5, 2019 Washington Post-ABC News poll، washington post، Sep 11, 2019:

https://www.washingtonpost.com/context/sept-2-5-2019-washington-post-abc-news-poll/d4e18b36-79bf-492d-91e3-d1c7a49d37e2/

[22]. Do you favor or oppose stricter gun control laws? Civiqs, live Poll, January 15, 2015 — October 5, 2022:

https://civiqs.com/results/gun_control?annotations=true&uncertainty=true&zoomIn=true

[23]. TED VAN GREEN, Wide differences on most gun policies between gun owners and non-owners, but also some agreement, PEW RESEARCH CENTER, AUGUST 4, 2021:

https://www.pewresearch.org/fact-tank/2021/08/04/wide-differences-on-most-gun-policies-between-gun-owners-and-non-owners-but-also-some-agreement/

[24]. ibid.

[25] Civiqs, live Poll, Idem.

[26]. Civiqs, live Poll, Idem.

[27]. Nate Cohn, Voters Say They Want Gun Control. Their Votes Say Something Different, NYTimes, June 3, 2022:

https://www.nytimes.com/2022/06/03/upshot/gun-control-polling-votes.html?smid=tw-share

[28]. بايدن يوقع على مشروع قانون يقيد حيازة السلاح في الولايات المتحدة، بي بي سي عربي، 25 يونيو 2022:

https://www.bbc.com/arabic/world-61937239

[29]. MICHAEL PRICE, three types of laws could reduce gun deaths by more than 10%, American Association for the Advancement of Science, 15 JUN 2020:

https://www.science.org/content/article/three-types-laws-could-reduce-gun-deaths-more-10

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.