30 أغسطس 2022

ملاحظات حول المشهد العراقي المتأزم

د. هدى النعيمي

اتخذ الوضع في العراق منحى عنيفاً بعد أشهر من الخلافات السياسية التي أعقبت الانتخابات وحالت دون التوصل إلى تشكيل الحكومة، والتي حصل الاختلاف بشأنها ما بين حكومة أغلبية كما أرادها الصدر، أو حكومة توافقية قائمة على المحاصصة بحسب ما دعت إليه جماعة الإطار التنسيقي الموالي لإيران، لينتهي الحال باقتحام التيار الصدري المنطقة الخضراء والاعتصام داخلها؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع منحى العنف والاحتراب الداخلي، بما في ذلك وقوع هجمات مسلحة على منشآت تستخدمها الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في جميع أنحاء البلاد، واغلاق حقول نفطية في البصرة، وسقوط عدد من الضحايا.

وقد أعادت المشاهد التي انتشرت في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من فوضى وأعمال عنف إلى الأذهان الفترات الصعبة التي شهدها العراق في السنوات الماضية، ولاسيما تلك التي انزلقت فيها الفصائل والقوى العراقية إلى الصراع الأهلي. فمنذ الغزو الأمريكي قبل ما يقرب من عقدين من الزمن، والعراق يشهد أوضاعاً صعبة تَرسَّخ فيها نظام طائفي، ودولة فاشلة عجزت عن تأمين أبسط حاجات المواطن، فضلاً عن اتساع الصراعات على المناصب والنفوذ، سواء داخل الطائفة الواحدة أو في إطار العملية السياسية، وانتشار ثقافة الفساد التي أضحت تُمارَس علناً سواء من قبل الطبقة الحاكمة أو من يعمل معها، ليصل الوضع بالكثير من العراقيين إلى حد دعم الاقتتال والعنف كوسيلة للخروج من هذا الوضع السيئ.

ورغم كثير من المحاولات التي حاول فيها الشعب العراقي التعبير عن عدم رضاه عن الطبقة السياسية، تارة بالتظاهر والاحتجاج، وتارة بالتصويت في الانتخابات لقوى داعمة للتغيير، فإنه كان يصطدم دائماً بحقيقة أنه لا تغيير للوضع القائم نتيجة سيطرة الميليشيات والقوى المدعومة من طهران على الوضع. وعندما صوت العراقيون لمصلحة التيار الصدري في الانتخابات الأخيرة أملاً في التغيير والخروج من التبعية الخارجية، شهدت الساحة العراقية صراعات سياسية كبيرة انتهت إلى تجميد المشهد السياسي، قبل أن ينتقل الفرقاء العراقيون من دائرة الفعل السياسي إلى الاحتكام إلى قوة الشارع والفعل العنيف لحسم الخلافات السياسية التي لم تعالج على طاولة المفاوضات والمساومات السياسية. وكانت النتيجة الطبيعية التي ترتبت على اللجوء إلى قوة الشارع هو اقتحام أنصار التيار الصدري المنطقة الخضراء والاعتصام داخلها، ثم تطور الأمر إلى البرلمان والقصر الجمهوري ومقرات المكاتب حكومية والبعثات الدبلوماسية.

وفي الوقت الذي يعكس فيه الوضع الجاري المنافسة المحتدمة بين نوري المالكي وأتباعه من الإطار التنسيقي المدعوم من إيران، والصدر الذي يتخذ مواقف ملتبسة ما بين الاقتراب من طهران والامتثال لما تريد أو الابتعاد عنها والتصريح برفض التدخلات الخارجية، ولاسيما الإيرانية منها. فإن الأمر وصل بالأغلبية الساحقة من الشعب العراقي بالرغبة في التخلص من الطبقة السياسية الحاكمة، والتي لم تنجح في القيام بوظائفها الطبيعية من تحقيق توافق مجتمعي، ومحاربة الفساد، ودمج الميليشيات في الجيش العراقي، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وإدارة عملية تحول ديمقراطي حقيقي ينهي حالة التشرذم والانقسام والطائفية التي وقعت فيها البلاد منذ الغزو الأمريكي للعراق.

المواقف تجاه التصعيد الحالي:

وتختلف الآراء حول أهداف الصدر من التصعيد، حيث يرى فريق أنه في ظل فشل كل دعوات التهدئة وجهود الوساطة التي تمت خلال الفترة الماضية عمد التيار الصدري للتصعيد على أمل إيجاد حلول دائمة للأوضاع المعقدة والملتبسة في العراق. بينما يرى فريق آخر، أن أهداف الصدر من التصعيد تتمثل في الضغط من أجل تشكيله للحكومة حتى ولو تم ذلك على حساب إسقاط مؤسسات الدولة، وشل الحياة اليومية للمواطنين، واستهداف المنشآت الاقتصادية النفطية، لاستخدامها كورقة ضغط لابتزاز المجتمع الدولي سياسياً.

أما الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة مصطفى الكاظمي فقد دعت زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وقوى سياسية أخرى إلى وقف العنف في البلاد، وذلك بالتزامن مع تواصل أحداث العنف في العاصمة العراقية. وقد أعلنت الحكومة حظر التجوال، ومع ذلك لم يستطع الجيش فرضه بشكل كامل، كما أنه لم يحل المشكلة، فالوضع لا يمكن تطويقه بقرار من أيّ جهة كانت، وخاصة أن الخصوم مشحونون سياسياً ومذهبياً ومستعدون لمواجهة مفتوحة. وفي هذا الإطار، قال الكاظمي عبر حسابه على تويتر إنه يثمن دعوة رئيس تحالف الفتح هادي العامري وكل المساهمين في التهدئة ومنع المزيد من العنف. كما دعا الجميع إلى تحمل المسؤولية الوطنية لحفظ الدم العراقي. وقد بدا واضحاً أن الكاظمي يعلم عدم قدرة الجيش على التصدي لهذه الميليشيات؛ لذلك برغم إعلان الحكومة الحظر الشامل، فإنها لم تعترض طريق أرتال سرايا السلام والمجاميع الصدرية المسلحة التي ظلت تجوب الشوارع وتدخل وتخرج من المنطقة الخضراء بحرُّية.

وفي ظل تصاعد الأحداث نجد أن السنّة والأكراد بقوا على الهامش منتظرين انتهاء الأزمة؛ للجلوس مع الطرف المنتصر لتقاسم الحصص، حسبما جرت عليه عملية المحاصُصة السياسية. وترى بعض القوى السنية أنه طالما لم يحدث تغيير جذري في هيكل النظام القائم، ويزيل أركانه، فإن الحال سيكون مجرد انتقال من سلطة ميليشيات إلى أخرى.

وعلى صعيد المواقف الإقليمية، تحاول إيران التوصل إلى حل وسط بين الفرقاء الشيعة، وقد التقت خصوم السيد الصدر وشجعتهم على التفاوض معه، برغم اتخاذه موقفاً مناهضاً لها خلال السنوات الأخيرة، لأن آخر ما تريده إيران هو أن يقاتل الشيعة بعضهم بعضاً، ويخاطرون بإضعاف قبضتهم على السلطة؛ الأمر الذي قد يقوض نفوذ طهران في العراق، ومن ثم فمن غير المرجح أن تنخرط إيران في قتال معلن ضد أتباع الصدر وسوف تبذل جهوداً حثيثة لحل الإشكالات القائمة وتقديم تنازلات له، خصوصاً وأنها تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة كما تشهد البلاد حراكاً سياسياً معارضاً يزداد اتساعاً. وفي المقابل أكدت مواقف غالبية الدول العربية على ضرورة وقف أعمال العنف والعودة لطاولة المفاوضات حقناً لدماء العراقيين دون وجود تأثير واضح لأي دور عربي في تحقيق التهدئة المطلوبة.

حقيقة اعتزال الصدر للسياسة:

يتخذ الصدر من إضرابه عن الطعام وسيلة سلمية غير عنيفة لكنها فعّالة؛ لوقف العنف واستعمال السلاح، متأسياً في ذلك بنهج الزعيم الهندي المهاتما غاندي احتجاجاً على الاستعمار البريطاني للهند. وبرغم انسحاب الصدر من العمل السياسي، فإنه سيظل يتابع ويوجّه من طرف خفي أتباعه، عبر رسائل يبعثها المقربون منه إلى الحشود التي تتبعه وتمتثل لأمره.

وبالمعنى نفسه، فإن انسحاب الصدر من العملية السياسية لن يؤثر على مكانته الدينية والسياسية، فهو الأقوى في الشارع، ويستطيع فرض إرادته على الآخرين، ويطيعه من يتبع مرجعية آل الصدر. وليس من الغريب انسحاب الصدر من الحياة السياسية وإغلاق مكاتبه في أرجاء العراق، فلطالما تراجع عن العمل السياسي أو اعتكف في منزله أو غادر إلى مدينة قُم للدراسة، وهو ما يعكس تذبذباً أو محاولة للتهرب من الضغط الإيراني عليه، أو إشعار الشارع العراقي ودول الجوار العربية بأنه يعتمد نهجاً وطنياً مغايراً لما ينتهجه الإسلام السياسي الشيعي.

وفي المجمل، لطالما أبدى الصدر، أكثر من مرة، رغبته في الانسحاب من الحياة السياسية، وأنه لن يكون جزءاً من السياسة، ثم لا يلبث أن يعود إليها مرة أخرى. وربما يكون سلوكه هذا بمنزلة التقاط الأنفاس وترتيب الأوضاع، وملاعبة الطرف الآخر ليعود ثانية وبصوت أقوى.

الخلاصة

 يحتاج الوضع في العراق الآن إلى دعم كل جهود التهدئة وعودة الجلوس على طاولة المفاوضات من أجل العودة إلى المسار السياسي والدستوري، والتوافق بين الفرقاء لتشكيل الحكومة أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وتوقف التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي، وذلك ليس فقط من أجل حلحلة المشكلات السياسية القائمة ولكن أيضاً للبدء في عملية تنمية شاملة، وتحسين الخدمات، وتوفير الوظائف في ظل ارتفاع معدلات البطالة في بلد هو من أكبر منتجي النفط في العالم. ورغم أن موقف الصدر الذي أعلن عنه مؤخراً حين دعا أتباعه إلى الانسحاب وإنهاء التظاهرات يدعم هذا الاتجاه، فإن السؤال الأهم  يبقى هو: كيف سيخرج العراق من هذه الازمة بأقل الخسائر؟

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.