من نحن

البرامج البحثية

الإصدارات

الفعاليات

الخبراء

المركز الإعلامي

الخدمات الإلكترونية

البارومتر العالمي

اتصل بنا

English

5 يوليو 2022

“ما بعد النِّسْوِيّة”… هل تشكل باباً خلفياً للإسلاموية؟

د. زينب التوجاني

تشكلت الحركات النِّسْويّة منذ القرن التاسع عشر للدفاع عن حقوق النساء، ثم أمست تيارات فكرية نقدية فرضت وجودها في الفكر العالمي والعربي المعاصر، فقد تطورت تاريخياً وبرزت لها شبكة من المفاهيم والرؤى التي صاحبتها تشكلات معرفية تأثرت بتطور العلوم والمعارف والتقنيات الإنسانية وأثرت فيها. ولعل “ما بعد النسوية” تمثل مرحلة من مراحل هذا التطور التاريخي الذي يفرض نفسه اليوم في ساحة المفاهيم والتيارات الفكرية المعاصرة. وإذا كان مصطلح “النسوية” حمّال أوجه عديدة يختلف معناه باختلاف الأطر والسياقات والفضاء والفاعلين فإن “ما بعد النسوية” لا يقل عنه تعدداً من حيث التعريفات والمرجعيات والأوجه المحتملة للمعنى المقصود به. أما في الفضاء العربي/ الإسلامي فإن النسوية قضية معقدة وتزيدها تقيداً “ما بعد النسوية”. فإذا كانت بدايات النسوية العربية ارتبطت بالعلمانية فإن “ما بعد النسوية” أصبحت في أحيان كثيرة باباً خلفياً للإسلاموية.

  • في مصطلح “ما بعد النسوية”

ظهر المصطلح لأول مرة في سياق الإعلام الأمريكي في سنة 1982 في مقال بصحيفة “نيويورك تايمز” عنوانه “أصوات الأجيال ما بعد النسوية”[1]، وانتشر منذ ذلك الوقت باستخدامات متعددة في سياقات متنوعة[2]. وقد تتالت المقالات الصحفية في اتجاه ترسيخ هذه الصفة الجديدة لتسمية أجيال النساء المراهقات والشابات الجديدة. فكتبت بولوتين، «آراء من جيل ما بعد النسوية» بمجلة نيويورك تايمز في1989، وكتبت نانسي وايتر “الأجيال النسوية: استمرار الحركة النسائية الراديكالية”، في 1989[3]، وقد بينت وايتر في عملها الأكاديمي كيف تحولت الحركات النسوية على مدى العقود الأربعة من العمل المباشر في الستينيات والسبعينيات إلى رد فعل عكسي ضد النسوية في الثمانينيات والتسعينيات. وقد حاولت أن تثبت أن النسوية الكلاسيكية الراديكالية لاتزال فاعلة، وذلك من خلال شهادات ومقابلات مع فاعلات نسويات ومن خلال الاعتماد على الوثائق التنظيمية والمقابلات مع قدماء في الحركة النسائية والنسويات الشابات في كولومبوس وأوهايو. فوثقت الاختلافات الدقيقة في الهوية النسوية وحللت الاختلافات الصارخة بينهن والصراعات والتحالفات بين القديمات منهن والأجيال الجديدة.

ويمكن أن نلاحظ من خلال دراسات عديدة حول هذه الموجة الجديدة من النسوية أو “ما بعد النسوية” أنها تتميز بنبذ الشابات العمل السياسي وميلهن للحلول الفردية وللاعتماد على الذات وعدم تقديم أنفسهن بكونهن نسويات[4]. وتفسر ذلك سارة جامبل فتشير إلى اتساع مصطلح النسوية إلى الإحالة على الثقافة الشعبية وإلى أنه أقرب إلى تسمية فرضت على الشابات المتحررات من قيود كانت النساء يخضعن لها، ولكنهن لم يخترن حمل هذه التسمية بأنفسهن بل ألصقها بهن الإعلام، الذي رأى أنهن أقل راديكالية والتزاماً بمطالب النسويات السابقات. وتضرب مثلاً على ذلك فريق “سبايس جيرلز”، والمغنية مادونا، وفتيات الإغراء اللواتي يدّعين التمتع بمميزات الرجال من الحريات والمساواة، دون أن يكنَّ ملتزمات بالمطالبة بحقوقهن، أو بالالتزام سياسياً[5].

لقد كان لتيارات ما بعد البنيوية تأثير بالغ على نقد مضامين النسوية، وخاصة الموجة الثانية وقيمها، فلم تسمح هذه الرؤى المابعدية إلا بنقد السابق والحث على تصورات جديدة. لقد اعتبر البعض ذلك نكوصاً ورِدّة إلى ما قبل النسوية، ورأى فيها آخرون آفاقاً لإصلاح ما في النسوية من المركزية الثقافية والعنصرية ضمن نقد ما بعدي؛ أي ما بعد حداثي، وما بعد بنيوي، وما بعد كولونيالي، أدى إلى ما يسمى “ما بعد نسوي”. وفي هذا السياق المابعد بنيوي برزت كتابات مستندة إلى منظّرين ذكور، أبرزهم فوكو ودريدا ولاكان وأقلام نسائية، منهن غايتري سبيفاك وجوديث باتلر.

لقد أثرت هذه الخلفيات المعرفية في توجيه النسوية إلى قيم الاختلاف والنسبية بديلاً عن قيم النوع والجنس. فتشير جوديث باتلر مثلاً إلى أنه لا توجد فئة اسمها “نساء” بل داخل هذه الفئة توجد فئات مختلفة؛ حسب الطبقة، والسن، واللون، واللغة، والدين[6]، مواصلة بذلك تفكيك ما سيُسمى “النسوية السوداء” ومتوسعة في نقد الأسس التي بنيت عليها نسوية سيمون ديبوفوار وكتابها “الجنس الثاني” إلى مفاهيم؛ مثل: الجندر، والجنس السائل، أو مجتمع الكوير.

إن النقد الذي ستسهم التفكيكيات في توجيهه للفكر النسوي الراديكالي ولمفهوم الجنس سيؤسس تقاطعية جديدة تدعو إلى الأخذ بعين الاعتبار لعوامل أخرى غير عامل الجنس: مؤنث/ مذكر، وتنبه إلى باريدغمات[7] جديدة تتخطى الثنائيات الضدية. تقول جامبل مجملة ذلك “إذا قبلنا أن مشروع ما بعد النسوية ذو طبيعة نظرية بالأساس فلعله أكثر الطرق إقناعاً لاستخدام هذا المصطلح، وفي هذا السياق تصبح ما بعد النسوية نسقاً معرفياً تعددياً مكرساً لإبطال طرق التفكير التي ترمي إلى العمومية”[8]، ومع ذلك فإنها تؤكد في سياق لاحق أن ميزتين لما بعد النسوية تجعلانها شعبية ومنتشرة على نطاق واسع؛ أولاها، رفضها التعميم والمطلقات التي في النسوية السابقة؛ وثانيتها رفضها ما في الفكر النسوي من تصوير للمرأة بكونها ضحية.

لقد انتشر الاعتقاد في البداية أن ما بعد النسوية متطابق مع/ضد النسوية، لكن بعض الباحثات أظهرن بالحجج كيف تم إعادة تعريف النسوية والاستفادة من هذه البَعديات جميعها بالتأثر بالمعارف الجديدة والدراسات الثقافية المهتمة بالسينما والإعلام والجنس والهوية والسياسة والثقافات الشعبية من منظور ما بعد استعماري وما بعد بنيوي[9].

  • “الأخوات” واختراق حركة ما بعد النسوية

 سعت الإسلاموية عبر ما يعرفن بـ “الأخوات” إلى اختراق ما بعد النسوية، وذلك في محاولة لتصبح الأخيرة باباً خلفياً لنشر فكر الأخوات، وقد جاء ذلك من خلال ثلاث أدوات رئيسية نستعرضها على النحو التالي:

  • طمس الفروق الأيديولوجية بين العلمانية والإسلاموية

“ألست امرأة؟” هو عنوان الكتاب الصرخة التي أطلقتها بيل هوكس[10]، والتي أعلنت بها سقوط النسوية الراديكالية في التعميم وإقصاء الاختلاف، واعتبار النساء كتلة واحدة متجانسة. إن المتأمل في الخلفيات المعرفية المصاحبة لهذه الموجات من النسوية وما يعقبها من ردود فعل أو دورات جديدة على حد عبارة بعض الباحثات الأمريكيات، فإنه يلاحظ أن مجيء سياق معرفي جديد فرض نمطاً مختلفاً من مقاربة الذات والأشياء والعالم، فقد فرضت اكتشافات العلوم الإنسانية النقدية زوايا نظر جديدة للعالم سمحت ببناء عوالم نظر جديدة للذات وللآخر، ومن ذلك دراسات ما بعد البنيوية التي توسعت، خصوصاً مع النقد ما بعد الكولونيالي الذي أكسب وعياً للنساء الملونات داخل مجموع النساء، فطفقن يعترضن على دونية وضعهن داخل الحركة النسائية، كما انتقل ذلك إلى دوائر أخرى فصار للنساء الحاملات للحجاب صوت يطالبن به بالانضمام إلى نسوية قادرة على الاعتراف بهن وعدم إقصائهن بعلة كونهن حاملات لرمز من رموز “الأبوية”؛ أي الحجاب. لقد صارت أصوات عديدة قادرة على التعبير عن نسويتها أو احتجاجها على النسوية القديمة المسماة راديكالية في الغرب أو تلك النسوية التي نمت في البلدان العربية لتكون وجهاً من وجوه سلطة الدولة.

تنتقد أسماء المرابط[11] بشدة نقد النسوية العلمانية الغربية لها وتقول: “النسويات الغربيات العلمانيات قمن بانتقادي بشدة في البداية، ولم يرغبن في أن تتحدث امرأة مسلمة، كانت لاتزال محجبة في ذلك الوقت، حول حقوق المرأة، ولكن هذا يعتبر أيضاً شكلاً من أشكال النظام التسلطيّ (الأبويّ) – أبوية تسلطية أنثوية؛ إذ ليس لديهن أيُّ حق في إملاء ما يمكنني أو لا يمكنني المطالبة به. بالنسبة لي يوجد العديد من النسويات، إذ توجد على سبيل المثال الحركة النسوية للتحرير في أمريكا اللاتينية، والحركة النسوية السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فلماذا لا توجد حركة نسوية إسلامية؟”[12].

وهكذا نجد نوعاً من التضامن بين أصوات النساء السود داخل البلاد الغربية مع النساء غير المنتميات للغرب من مسلمات ومن آسيويات وهنديات، وقد عبّر هذا التضامن عن دلالة جديدة للفظ “ما بعد النسوية”. هذا التضامن هو الذي ستعبر عنه نسويات عربيات تحت مسمى توحيد الأهداف بين المحجبات وغير المحجبات أو العلمانيات وغير العلمانيات. تقول فاطمة صديقي نسوية مغربية: “تكافح اليوم النساء المحجبات وغير المحجبات سوية من أجل المزيد من الحقوق. وفي المغرب بشكل خاص، يفقد الحجاب حدته كعلامة مميزة. وتبرز في المقدمة موضوعات أخرى؛ مثلاً المطالبة بقانون إرث عادل. وهذا يمثل تحدياً للحرس الديني القديم. ولكن حتى الفقهاء تغيروا أيضاً، وبات يوجد اليوم فقهاء إسلاميون منفتحون بمعنى الكلمة، يشاركون في النقاشات وتتم مهاجمتهم من قِبَل الأوساط المحافظة، وهذه التطورات تجمع بين نساء من مختلف التوجهات. وهذا لا يعني أن النساء العلمانيات والإسلاميات رأيهن متطابق في جميع القضايا. ولكنهن أقل عداوة وأكثر براغماتية فيما بينهن: دَعُونَا نتشارك في معالجة المشكلات. نحن أصبحنا أكثر نضجاً. العواطف والأيديولوجيات أصبحت أقل، وهذا جيد”[13]

هذه التصريحات من نسويات عربيات علمانيات تضعنا أمام المشهد التالي من طمس الفروق الأيديولوجية في الخلفيات التي تنطلق منها النسويات المحجبات الآتيات في الأغلب من خلفية إخوانية أو مشتقاتها. وعدم الانتباه إلى قضايا متعلقة بالعنف الموجّه ضد النساء اللواتي لا يزلن غير مستقلات في مبدأ ارتداء أو عدم ارتداء الحجاب مثلاً. والدليل على ذلك الهجمة التي واجهت فاطمة المرابط النسوية الإسلامية المغربية التي نزعت حجابها فتلقت سيلاً من التنمر والكراهية، مع أنها كانت تحمل الحجاب لمدة طويلة وتدعو إلى حرية حمل أو ترك الحجاب، وإلى التضامن النسوي بين المسلمات المحجبات وغيرهن.

2- التوسل بـ “ما بعد الحداثة” و” ما بعد الكولونيالية ”

نشأت النسوية العربية في كل قُطر من العالم العربي في سياق فكر النهضة والإصلاح، وقد فندت مرفت حاتم، الباحثة بجامعة هاورد الأمريكية، ما سمته أساطير مؤسِّسة للنسوية العربية، كأن يكون أول دعاتها من الرجال، وما شابه ذلك من السرديات الأبوية[14]. وهكذا فإنه بإمكاننا أن نقول إن تاريخ النسوية العربية الجماعية لم يكتب بعد؛ ولذلك يصعب الحديث عن ما بعد نسوية عربية في ظل غياب تاريخ مشترك مكتوب لنسوية عربية، ويصعب الحديث عن تيارات ما بعدية ولم تتحقق إلى اليوم مجتمعات مواطنة وحقوق ومساواة في كثير من الفضاءات العربية. ولكن، لنفترض أنه يجوز لنا الحديث عن “ما بعد نسوية عربية” فسنجد أنها بدورها تأثرت أشد التأثر بدراسات ما بعد استعمارية نقدية تأثر بها نظيراتهن الغربيات والهنديات والآسيويات، ككتاب إدوار سعيد عن الاستشراق المنشور سنة 1978 وكتابات ميشال فوكو، وإن بصفة انتقائية.

لقد أثرت كتابات فوكو، على نحو خاص، في إعادة النظر لمسألة الحجاب باعتبار أنها لا تشير فقط إلى قمع تمارسه الثقافة الذكورية على المرأة كما كانت الموجة النسوية الأولى تفسر ذلك، بل تنظر إليه على أنه قد يكون رمزاً من رموز تمكين المرأة وقوتها وتحديها الثقافة الأبوية، فالحجاب في نظر هؤلاء يمكّن المرأة من العمل خارج البيت ومن الاحتجاج على السياسات التحديثية الفاشلة التي صاحبتها موجة من الصحوة الإسلامية الحاملة معها في تحليل هذه الدراسات ما بعد بنيوية المحتوى الاحتجاجي الاعتراضي على بنية استبدادية. وتصرح بذلك نسويات عديدات من بينهن أسماء المرابط[15].

إن دراسات عديدة تصنف النسوية المسماة إسلامية (وهي إسلاموية) على أساس كونها “ما بعد نسوية” أي ضمن هذه الأصوات النقدية لهيمنة نسوية مركزية بيضاء وأحادية ومطلقة. وهي نسوية تتنوع بدورها إلى نسويات بعضها ينطلق من المعرفة الدينية ليعيد تفكيكها في ضوء المناهج الحديثة بحثاً عن تأويل يتماشى مع المساواة والحقوق الحديثة، كقراءات أسماء المرابط وأميمة أبو بكر وآمنة ودود ومروة شرف الدين وسعدية شيخ ولين ويلشمان، … وغيرهن كثيرات، حاولن مواجهة التراث الفقهي الإسلامي وصياغة قيم جديدة متلائمة مع العصر الحديث. وداخل هذه النسوية نسوية لها علاقة بتيارات سياسية سلفية أو إخوانية، وهي فاعلة أيضاً ولها حضور إعلامي وفي الفضاء السياسي العام كنساء حركة النهضة التونسية الفاعلات في الفضاء العام الحاملات لخطاب الحقوق والحريات والمساواة، والمدافعات عن حقوقهن في الانتماء للحزب الذي يرينه نافعاً، بغض النظر عن المواقف السياسية، فهن من وجهة نظر ما بعد نسوية يُعتبَرن أصواتاً “ما بعد نسوية” ما دمن يثبتن حضورهن وحقهن في اعتناق الأيديولوجية واللباس والقيم المناسبة لهن. ولعل النقد الدقيق لملابسات تلك الخطابات يبرز التباسها وازدواجها. ولكن ثمة دراسات عديدة لا تميز بين نسوية الباحثات في التراث الإسلامي لصياغة المعنى الديني الجديد ونسوية الحركيات المنتميات لتنظيمات دينية جعلت منهن حاملات لمشاريع تلك التنظيمات، حتى ولو عبرن في شعاراتهن عن تبني مفاهيم كحقوق النساء والعدالة والمساواة.

في تونس، مثلاً، تُقَدَّم الناشطات الجديدات لحركة النهضة التونسية على أساس أنهن تونسيات قبل أن يكنَّ “أخوات”؛ أي إنهن يشتركن مع النساء التونسيات في القواسم الوطنية قبل أن يكون الارتباط على أساس ديني أو أيديولوجي لتنظيم الإخوان العالمي؛ فتقول محرزية العبيدي: “النمط التونسي طاغ على نساء النهضة، كما أن مسألة الحجاب أيضاً لم تعد تعني حزباً معيناً…نحن تونسيات في طريقة ارتدائنا للحجاب، وسنبقى دوماً تونسيات منفتحات على الآخَر، في طموحنا وعملنا وحرصنا على الحضور في الحياة العامة.. لدينا عدد لا بأس به من المنخرطات في الحركة من غير المحجبات، لكننا نلتقي معهن في الفكرة والمشروع”، وأكدت أن “الحركة تتوسع في قاعدتها النسائية؛ لأنها حزب في دولة مدنية.. نشتغل حسب مشروع ورؤية ولا نمثل فئة معينة؛ لذلك هناك انفتاح على المجتمع بفئاته النسوية”. وتؤكد يمينة الزغلامي، ناشطة بارزة في الحزب، أن “نساء النهضة يمثلن النمط التونسي الزيتوني المعتدل والمنفتح على الآخَر…الحركة تطورت وهي ملتزمة بالدفاع عن المرأة الكادحة. نحن كقيادات نسوية دافعن عن حقوق النساء في مؤتمر الحركة الأخير…الثورة سمحت لنساء النهضة بالمشاركة أكثر بالشأن العام”.[16]

هذه التصريحات في الظاهر تؤكد أقوال الناشطات النسويات العلمانيات اللواتي يرحبن بهذه الأقوال ويعتبرن أنها يمكن أن تكون نقاط التقاء مع النسويات من داخل الحركات الإخوانية. غير أن الواقع يثبت عجز هؤلاء النساء عن التمرد على قرارات الحزب، حين يتعلق الأمر بالتصويت على قانون لا يخدم مصالح الحزب أو قوانين لا تستجيب لتوجهاته الكبرى، كما كان الشأن في أداء التونسيات النهضاويات قبل تعليق البرلمان في 25 يوليو 2021. ويؤكد الواقع حين نقارنه بالأقوال ازدواجية خطاب النساء المنتميات للحركات الاسلامية عموماً وهشاشة آليات العمل النسائية العلمانية التي تستجيب لهذه الأقوال على خلفية التقارب بين النساء وعدم التمييز بينهن، في حين أن الذي يضع الحواجز بينهن ليس رغبتهن الداخلية في الحرية والمساواة، بل قروناً من التجهيل ومصالح أيديولوجية تقف وراءها حركات وتنظيمات تقوم بالتلاعب الدائم بعقول النساء والشباب لتضمن ديمومة مصالحها.

إن ما بعد النسوية العربية لا تضاهي، بلا شك، ما بعد النسوية الأمريكية أو الفرنسية، فإذا كانت الغربيات قد حصدن ثمار نضالاتهن النسوية وحصلن على حقوق عديدة واعتراف قانوني بالمساواة في مجالات عديدة، ولا يزلن غير راضيات ويعملن على نقد بِنَى الأبوية العميقة المتجسدة في التصنيفات والأدوار الاجتماعية والتمثلات واللغة وفرص الشغل والوصم وغير ذلك من مجالات تظهر فيها بنى الثقافة التمييزية الذكورية، فإن الوضع الحقوقي والاجتماعي والاقتصادي للنساء العربيات والمسلمات وبلدان الجنوب عموماً ليس شبيهاً بوضع نساء بلدان الشمال، ولذلك فإذا كانت الموجة الثانية من النسوية قد آتت أُكُلها وثمارها في قوانين الغرب ورسخت حقوق النساء وأفرزت ردود فعل تصرح بموت الراديكالية لأن النساء قد حققن المساواة، فإن النساء العربيات لم يستطعن الحصول على أبسط الحقوق في بعض البلدان؛ ومن ذلك حق التعليم، وحق السفر، وحق الزواج، وحق الطلاق، وحقوق عديدة، فضلاً عن قوانين تميز بوضوح على أساس الجنس والنوع.

إن بإمكاننا استخلاص أهم سمات هذه المرحلة الجديدة المسماة عند بعض الكُتّاب موجة نسوية جديدة وعند آخرين “ما بعد نسوية”؛ ومنها أنها تقوم أساساً على النقد، وتستثمر كل العلوم الإنسانية وخاصة علم تحليل الخطاب بمعناه الواسع ما بعد كولونيالي، وهذه الانتقادات الموجهة للنسوية القديمة تختلف في غاياتها بكل تأكيد، ولكنها تركز على هدم ما بنيت عليه من مطلقات ومن مثالية وإبراز وجه التنوع في الواقع وفي الممكنات التي يفتحها الفعل في الواقع، فالـ “ما بعد نسوية” لا ترى النساء ضحايا بالضرورة، ويجب التجنيد للدفاع عنهن، بل تقوم على مفهوم فاعلية كل فرد وقدرته على الفعل وتحرير نفسه، وتبرز هذه الفلسفة الـ “ما بعد حداثية” أهمية العمل الفردي والتركيز على تغيير واقع الذات، موضحة أن ثمة إمكانيات عديدة مفتوحة أمام فاعل يريد تغيير الواقع إلى الأفضل، غير أن عودتنا للواقع قد تصدمنا بكون معوقات الفاعلية كثيرة، ومن بينها التفاوت الطبقي الشاسع، والخطاب الإعلامي القائم على التلاعب، والثقافة الاستهلاكية، ونشر السطحية، وبناء عقل استهلاكي لا يرى منافذ الفعل ولا يفكر إلا فيما يبرمَج له أن يفكر فيه، وفضلاً عن ذلك هناك الحروب والصراعات الإقليمية والدولية ومخاطر البيئة والعنف المستشري؛ بسبب التحولات العالمية والبيئية والأوبئة والحروب.

إن الإسلام السياسي لا يزال عاملاً أساسياً من عوامل إعاقة تطور وعي النساء العربيات. إن النساء قد يتحررن بفضل التقنيات الحديثة وقد يبدو أنهن فاعلات ولكن كيف يمكن أن نعتبر اللواتي لا يزلن يناضلن للاعتراف بهن في ثقافة لا تزال قوى التجهيل فيها قوية وصامدة ولها تنظيم دولي فاعل؟ كيف نعتبرهن مواطنات قد تجاوزن مطالب المساواة والموجة النسوية الثانية عموماً؟ وكيف نضعهن في نفس السلة مع النسويات الـ “ما بعد حداثيات”؟

3- “تنعيم” الإسلاموية

إن النسوية في العالم الغربي في تطور متسارع، غير أنها في العالم العربي والإسلامي لاتزال في بدايتها، بل لا يمكن الحديث عن نسوية عربية واحدة أو نسوية إسلامية واحدة، وإن تشابهت الصعوبات والرهانات والمعوقات الثقافية، فما بالك بالحديث عن مابعد نسوية واحدة. إن المابعد نسوية العربية هي بالضرورة مابعد نسويات، وهي في رأينا بديات متجددة لنسوية لم تحقق أهدافها بعد، فهي محاولة لتحقيق بعض المكاسب التي تجاوزتها النساء في أقطاب أخرى من الأرض، وهي جمع لثوابت المطالب النسائية القديمة؛ كالحق في التعلم والعمل والمشاركة السياسية والمساواة. وإلى جانب ذلك تمثل هذه النسويات الجديدة حركات احتجاجية تقاطعية بالضرورة تجمع بين الفئات التي وعت أنها لا يمكنها تحقيق المساواة؛ إما بسبب لونها أو نوعها أو دينها أو جنسها، وهي تضم إلى كل هؤلاء “الكوير” “Queer” وكل الذين يميزهم المجتمع ويضعهم على هامش السلطة والنفوذ والحقوق.

إننا نفهم ما بعد النسوية في سياقنا العربي على أنها نقد إيجابي للنسوية التقليدية التي نشأت في حضن الدول الوطنية العربية واستقلت عنها تدريجياً في التسعينيات، والتي أسهمت في تحقيق بعض المكاسب للنساء في كل الأقطار العربية بتفاوت، ولكنها لم تحقق الحد الأدنى الذي تطالب به كل النساء ويطالب به البشر الأحرار؛ أي المواطنة التامة والكرامة والحقوق الإنسانية.

إن ما بعد نسوية عربية بوصفها تيارات نقدية وحركات احتجاجية يمكنها أن تكون انبعاثاً لأصوات المهمشين والمهمشات الذين يعانون التمييز؛ بسبب أنساق ثقافية مضمرة تختزن الاستبداد وتؤصل التفاوت بين البشر على أسس اللون والعرق واللغة والدين والجنس والنوع والسن وغير ذلك. كما يمكنها أن تمثل فرصاً لإعادة التشكل والتنظيم في أطر فكرية واجتماعية حقيقية. ولقد أسهم النقد النسوي بكل تلويناته في خلق فضاء حقيقي لكشف هذه الأنساق والتعبير عن الرفض والشروع في تعديل الواقع وخلق موازين قوى جديدة لبناء الدول على قيم المواطنة والمساواة واحترام الاختلاف. وهذه المشاريع تتطلب تعاون كل القوى الفاعلة، بما في ذلك النساء بكل طبقاتهن ومواقعهن وأجيالهن المتعاقبة. لهذا السبب الواقعي المتمثل في كون المطالب النسوية لم تتحقق بعد في أرض الواقع؛ فإن ما بعد النسوية العربية لا يمكن حالياً أن تكون موتاً للنسوية بل روحاً جديدة أكثر انتباهاً للتفاصيل وإدراكاً للغة الواقع وتحدياته.

إن خطاب الـ “ما بعد نسوية” هذا يمثل بوابة خلفية لتسرب الأسلمة الناعمة التي لا تُرى بالعين المجردة، وحتى يمكن تفكيكها علينا العودة إلى أمثلة محسوسة وخطابات بعينها لنرى ما يكمن خلف الخطاب من آليات دعاية وهيمنة ضد مصالح النساء، تحركها مفاهيم إسلاموية حرباوية تلبس لبوس ما بعد الحداثة لتعود من حيث تم طردها.

المراجع

[1] Susan Bolotin, Voix de la génération post-féministe, Magazine du New York Times,

17 octobre 1982.

[2] P. Somerville Robinson, ‘I’m Not a Feminist, But…”, A Comparative Analysis of the Women’s Movement in the United States and France, September 2010, https://www.bakerinstitute.org/files/281

[3] Whittier (N.), Feminist Generations: The Persistence of the Radical Women’s Movement, Philadelphia, Temple University Press, 1989

[4] Henderson-King (D.), Stewart (A.), « Women or Feminists? Assessing Women’s Group Consciousness » Sex Roles, 31 (9-10), 1994

[5] سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، ترجمة أحمد الشامي (القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002) ص 77.

[6] Judith Butler, Gender Trouble: Feminism and the Subversion of {dentin- (New York: ”’

Routledge, 1990), p. 15.

[7]  يرجع مفهوم براديغم إلى الأصل اليوناني paradeigma أي مثال أو نموذج، وكان توماس كون أول من استخدم هذا المفهوم في كتابه “بنية الثورات العلمية” الذي نشره عام 1962م، وأوضح أنه يدل على مجموع متماسك من نماذج ومفاهيم ومعارف وفرضيات وقيم مترابطة بدقة.

[8]. سارة جامبل، مصدر سابق، ص88

[9]. انظر مثلاً :

-Whittier (N.), Feminist Generations: The Persistence of the Radical Women’s Movement, Philadelphia, Temple University Press, 1989

-Ann Brooks, Postféminismes Féminisme, théorie culturelle et formes culturelles, Routledge, 1997.

[10]. “ألستُ أنا امرأة؟: النساء السود والنسوية”، هو كتاب صدر عام 1981 لبيل هوكس، وتم عنونته على أساس عنوان خطاب سوجورنري تروث «ألستُ أنا امرأة؟».

[11] تعتبر أسماء المرابط المولودة عام 1961 في الرباط أحد أهم أصوات الحركة النسوية الإسلامية في شمال أفريقيا، وفي كتابها (الإسلام والمرأة.. أسئلة غاضبة) الصادر في عام 2016، تُعري أسماء المرابط القواعد والأحكام المعادية للمرأة في العالم الإسلامي كنتيجة للتفسير الذكوري للقرآن. كانت ترتدي الحجاب لفترة طويلة ولكنها خلعته مؤخراً.

[12] “على نسويات الغرب عدم الحديث باسم النساء المسلمات”، موقع قنطرة، https://cutt.ly/tKUXJN9

[13] نسويات علمانيات وإسلاميات: معاً من أجل حقوق المرأة، موقع قنطرة:

https://cutt.ly/vKUXZ2R

[14] Mervat F. Hatem, Literature, Gender, and Nation-Building in Nineteenth-Century Egypt: The Life and Works of `A’sha Taymur. New York: Palgrave Macmillan, 2011

[15] “على نسويات الغرب عدم الحديث باسم النساء المسلمات”، مصدر سابق.

[16] آمنة جبران، نساء النهضة الجدد يحملن لواء الدين والمدنية معاً، صحيفة العرب اللندنية، 24 فبراير 2019، https://cutt.ly/KKUCwBR

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 0 / 5. Vote count: 0

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.