13 سبتمبر 2022

تزايد التهديدات الأمنية لمخيمات الإرهاب: “مخيم الهول نموذجاً”

علي بكر

مقدمة

تنتشر مخيمات النازحين واللاجئين في المنطقة، في كل من سوريا والعراق وتركيا والأردن، ففي الأردن توجد مخيمات تضم أكثر من 120 ألف لاجئ سوري، أهمها مخيم الزعتري والأزرق. وفي تركيا يعيش قرابة 260 ألف لاجئ سوري في 22 مخيماً وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أهمها مخيمات أقجة قلعة وحران والإصلاحية [1]”. كما يوجد في العراق قرابة 40 مخيماً منتشرة في بغداد وكربلاء وديالى والسليمانية والأنبار وكركوك ونينوى، وهي مخصصة للنازحين العراقيين، الذين فروا من ديارهم خلال الحرب على تنظيم داعش، في حين يوجد بها مخيمات أخرى مخصصة للاجئين السوريين، حيث يستضيف العراق ما يقرب من 260 ألف لاجئ سوري، يعيش الغالبية العظمى منهم في إقليم كردستان، منهم ما يزيد على 95 ألف شخص يعيشون في المخيمات، ويتلقى 72 ألفاً منهم مساعدات غذائية ونقدية منقذة للحياة من برنامج الأغذية العالمي، بينما تقدم مفوضية اللاجئين مجموعة من الخدمات، بما في ذلك الدعم القانوني وخدمات التسجيل والمساعدة النقدية ودعم التعليم وخدمات أخرى[2].

ويعد مخيم الهول، الواقع في أقصى جنوب شرقي محافظة الحسكة في شمال شرق سوريا، أحد أهم هذه المخيمات التي تثير القلق والمخاوف في ظل تزايد نفوذ تنظيم داعش داخله وانتشار أفكاره به، حتى إن المخيم أصبح يوصف بـ “دويلة داعش الجديدة”، بالنظر لاتخاذه معقلاً يحافظ التنظيم من خلاله على أفكاره، ويعيد من داخله ترتيب صفوفه، بواسطة خلاياه المنتشرة داخل المخيم، والتي أصبحت تشكل تحدياً كبيراً أمام قوات سوريا الديمقراطية الكردية في إحكام قبضتها على المخيم، وهو ما كشف عنه إعلان “قوى الأمن الداخلي” (آسايش) التابعة لـ”الإدارة الذاتية” مطلع شهر أغسطس 2022، عن العثور على شبكة من الخنادق تستخدمها خلايا داعش في تهريب البشر وتنفيذ جرائم قتل ومحاولات اغتيال[3].

وقد أضحى المخيم عبارة عن بؤر للتطرف والإرهاب تمثل تهديداً كامناً لأمن واستقرار المنطقة بأسرها في ظل كثافة الأعداد التي تقطنه وسيطرة الأفكار المتطرفة عليه، على نحو يجعله أشبه بقنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت لحظة خلال المرحلة القادمة، وهو ما يفرض ضرورة تناول الأوضاع داخل المخيم وأهم آليات تنظيم داعش للسيطرة عليه وأبرز التهديدات الأمنية المحتملة لتلك السيطرة على أمن واستقرار المنطقة والعالم.

أولاً: مخيم الهول.. النموذج الأبرز والأخطر

على الرغم من أن سوريا الدولة تضم أكبر عدد من مخيمات اللاجئين، من أبرزها الركبان وروج وعين عيسى وبروكة والعريشة، فإن مخيم “الهول” الواقع قرب الحدود السورية العراقية، الذي تم إنشاؤه من قبل الأمم المتحدة ليضم اللاجئين العراقيين في عام 1991، قبل أن تعيد قوات سوريا الديمقراطية فتحه مرة أخرى في عام 2016، يعد أشهر وأخطر تلك المخيمات، بالنظر إلى أنه يضم الى جانب النازحين السوريين، العديد من مقاتلي تنظيم داعش وعوائلهم من النساء والأطفال الذين تم أسرهم؛ لذا يتميز المخيم عن مخيمات النازحين الأخرى الواقعة في شمال شرق سوريا بأن سكانه أكثر ارتباطاً بتنظيم “داعش” وأكثر تطرفاً من أولئك المحتجزين في المخيمات الأخرى.

وطبقاً لتقرير المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا، السيد عمران رضا، الصادر في يونيو 2022، يضم مخيم الهول نحو 56 ألف شخص، من 51 جنسية حول العالم، يمثل العراقيون منهم الجزء الأكبر بواقع 28 ألف شخص، كما أن 50% من نزلاء المخيم من الأطفال دون سن 12 عاماً[4]. ومن قبل أشار تقرير لمجلس الأمن صدر في 21 يناير2021 إلى أن المخيم يضم ما يقرب من (11000) من مقاتلي داعش الذكور المحتجزين فيه، منهم (1700) مقاتل إرهابي أجنبي، و(1600) عراقي، و(5000) سوري وحوالي (2500) مجهولي الجنسية[5].

ومن الجدير بالذكر في هذا الإطار، أنه منذ بداية عام 2019، تم تقسيم المخيم إلى قسمين؛ القسم الأول خاص بالسوريين والعراقيين، ويمثل القسم الأكبر في المخيم. والقسم الثاني المعروف باسم “الملحق”، والذي يتألف في الغالب من الأجانب. ويُسمح للمحتجزين في القسم الأول بمزيد من حرية الحركة رغم أنهم لا يستطيعون مغادرة المخيم. كذلك يسمح لهم بالتواصل مع العالم الخارجي عبر استخدام نظام الحوالة لتحويل الأموال، وعبر استخدام الهاتف المحمول. وفي السياق ذاته، يوجد تدفق مستمر للأموال إلى عائلات “داعش” داخله من خلال الحوالات المالية الصادرة من داخل وخارج سوريا، حيث تأتي تلك الأموال من حوالي 40 دولة مختلفة. وتُستخدم تلك الموارد المالية في رشوة المسؤولين، وشراء الوثائق المزورة، ودفع المال للمهربين لنقل عائلات التنظيم خارج المخيم[6].

ثانياً: طبيعة الأوضاع داخل مخيم الهول

يعاني مخيم الهول من تردي الأوضاع الإنسانية بشكل عام، حيث يواجه قاطنوه سوء الأوضاع الصحية والاجتماعية، في ظل كثافة أعداد نزلائه وشغله بأكثر من طاقته الاستيعابية القصوى، وتؤكد التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية أن الأوضاع في المخيم “صعبة بكل المقاييس”، حيث يعاني نقصاً في الرعاية الصحية والمستلزمات الطبية والأدوية، وهو ما أدى إلى انتشار العديد من الأمراض بين النزلاء، ولاسيما الأطفال منهم؛ ما جعل منظمة “هيومن رايتس ووتش” تطلق تحذيراً من مخاطر سوء الرعاية الصحية والخيام الممزقة والمياه الملوثة، والخطر الأكبر المتمثل في الأمراض المنتشرة بين الأطفال مثل الجرب والإسهال والإنفلونزا[7]، هذا إلى جانب انتشار بعض الأمراض الأخرى المعدية، مثل داء اللشمانيا، الذي انتشر بين أطفال المخيم إضافة إلى الملاريا والحصبة.

وتسببت هذه الأوضاع في حدوث حالة من السخط والغضب العارم من قبل نزلاء المخيم ليس تجاه “الإدارة الذاتية” التي تسيطر على المخيم وتنظم الأوضاع داخله، وإنما ضد العالم أجمع، للاعتقاد السائد بينهم أن العالم، ومن قبله دولهم، قد تخلى عنهم، وهو ما يستغله تنظيم داعش في تعزيز حضوره ونفوذه داخل المخيم، عبر استغلال حالة الغضب في جذب عناصر جديدة إلى صفوفه، لاسيما وأنه يعمل على تقديم بعض الخدمات الاجتماعية والمساعدات المالية إلى النزلاء الموالين أو المؤيدين له، الأمر الذي يشجع العديد من النزلاء الآخرين على الانضمام إليه للاستفادة من تلك المساعدات برغم ضآلتها، وهو ما أثار المخاوف من التزايد المطرد لنفوذ التنظيم داخل المخيم، وقد عبر رئيس مكتب شؤون المنظمات واللاجئين والنازحين بالإدارة الذاتية، “شيخموس أحمد” عن ذلك قائلاً “إن تنظيم داعش يرى في مخيم الهول صورة مصغرة لخلافته المزعومة”، ولذلك ناشد المجتمع الدولي وحكومات التحالف الدولي، “إلى التدخل السريع والعاجل لمساعدة الإدارة والسلطات الأمنية لإعادة هيكلية هذا المخيم ومساعدة قاطنيه، والضغط على الدول التي ينتمي اليها المقاتلون الأجانب لإعادتهم إلى بلادهم”[8].

ومن الأزمات الخطيرة التي يعانيها مخيم الهول، وجود أعداد كبيرة من معدومي الجنسية من عوائل مقاتلي داعش، المتمثلين في الداعشيات اللاتي سحبت دولهن الأصلية الجنسية منهن، إضافة إلى أطفالهن الذين تم ولادتهم داخل المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم إبان خلافته المزعومة. ويشير مصطلح “عديم الجنسية” إلى شخص غير مصنف كمواطن من قبل أي دولة، وهو ما يعد مخالفاً للقانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي ينص على أنه يجب أن يكون لكل طفل الحق في هوية قانونية وجنسية وتسجيل فوري للمواليد[9]، وهو ما يعني أننا بصدد أزمة كبيرة ستواجه المنطقة والعالم في المستقبل، بالنظر للمستقبل المجهول الذي يواجه عديمي الجنسية، في ظل تخلي دولهم عنهم؛ لأن ذلك يعني وجود مجموعات من الشباب في المستقبل ناقمين على العالم أجمع، وهو ما قد يدفعهم الى ممارسة أقصى أنواع العنف والإرهاب بلا هوادة.

ثالثاً: آليات داعش للسيطرة على المخيم

منذ سقوط الخلافة الداعشية المزعومة عقب انهيار آخر معاقل التنظيم في الباغوز في مارس 2019، ونقل من تبقى من مقاتلي التنظيم وعوائلهم إلى مخيم الهول، وداعش ينظر إلى المخيم على أنه أحد معاقله غير الرسمية، وفى هذا الإطار اتخذ التنظيم مجموعة من الآليات للسيطرة عليه، وتحويله إلى ظهير أمن له يمكن اللجوء إليه في وقت الأزمات، ومن أبرزها:

  1. فرض السيطرة التنظيمية على المخيم: حرصت العناصر الداعشية منذ أن وطئت أقدامُها مخيم الهول على إعادة ترتيب صفوفها من جديد، على نحو يشبه وضعها في المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم قبل سقوط خلافته المزعومة، خاصة داخل الأقسام المخصصة للنساء والأطفال، معتمداً في ذلك على وجود العديد من العناصر الذين لا يزالون على ولائهم له وتمسكهم بأفكاره، وخاصة من الأجانب، حيث تم إنشاء مجموعات مخصصة للحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وأخرى مهمتها الأنشطة التربوية الدعوية، سواء للأطفال أو من يمكن استقطابهم من نزلاء المخيم، كما أن هناك مجموعات مهمتها التعاون والتنسيق مع المجموعات الداعشية من خارج المخيم، ومجموعات أخرى دورها القيام بتهريب اللاجئين من المخيم، مقابل مبالغ مالية قد تصل في بعض الأحيان إلى 16 ألف دولار[10]؛ وذلك لتعزيز موارد التنظيم الاقتصادية، للإنفاق على أنشطته وعناصره داخل المخيم.

 كما أن هناك خلايا تابعة للتنظيم مهمتها التصفية الجسدية وحرق الخيام، ومحاولة إحداث فوضي داخل المخيم، عبر استهداف العاملين فيه، حتى من الذين يعملون ضمن المؤسسات الإنسانية، على غرار قتل خلايا داعش لمسعف تابع للهلال الأحمر الكردي بإطلاق النار عليه مطلع يناير 2022؛ ما دفع المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا إلى التصريح بأن المنظمة لا يمكنها القيام بجهودها الإنسانية بشكل فعال إلا عندما يتم اتخاذ خطوات لمعالجة قضايا السلامة المستمرة[11].

  1. نشر الأفكار الداعشية: لم يكتفِ تنظيم داعش بفرض سيطرته داخل مخيم الهول وحسب، بل حرص على نشر أفكاره بين نزلاء المخيم، وذلك من خلال مستويين:

الأول، هو عقد الدورات الفكرية للنزلاء في الأقسام التي يسيطر عليها التنظيم بشكل كبير، خاصة في أقسام الداعشيات الأجنبيات، وإلزام الجميع بحضور تلك الدورات، وخاصة الأطفال والمراهقين، وذلك بالتزامن مع تلقين النزيلات الداعشيات أفكار التنظيم لأبنائهن وأطفالهن، وهو ما جعل البعض يصف المخيم بأنه أصبح أكاديمية لتدريس الفكر الـ “داعشي”.

والثاني، هو منع النزلاء من المجاهرة بالاعتراض على الفكر الداعشي، ومن يعترض على ذلك يعاقب بالتهديد والعنف الجسدي الذي قد يصل إلى حد القتل، على غرار إقدام خلايا تنظيم داعش في المخيم على إعدام امرأة رمياً بالرصاص في وضح النهار بإحدى ساحات القسم الرابع من المخيم، لاعتراضها على أفكار التنظيم والمجاهرة بمخالفة معتقداته[12].

  1. إرهاب سكان المخيم: من أهم الآليات، التي يعتمدها تنظيم داعش لتكريس نفوذه وسيطرته داخل المخيم، إرهاب النزلاء وتهديدهم، من خلال الاستمرار في عمليات القتل بأشكالها المرعبة، بداية من حرق الخيام والاعتداء بالضرب المبرح ومروراً بإطلاق الرصاص وانتهاء بقطع الرؤوس وعمليات النحر، وذلك لقطع الطريق على وجود أي معارضة له داخل المخيم قد تحد من قدرته على ممارسة أنشطته المختلفة أو تقلل من نفوذه. ولم يكتف داعش بذلك وحسب، بل عمد إلى اغتيال النزلاء الذين يعتقد أنهم يتعاونون مع الجهات الأمنية للمخيم، وذلك لقطع الطريق على أي تعاون أمني لاحق بين نزلاء المخيم والجهات الأمنية قد يؤدي إلى كشف عناصره أو خلاياه، في رسالة مفادها أن التنظيم لديه القدرة على قتل أي شخص داخل المخيم حتى لو كان متعاوناً مع الأمن، وهو ما كشف عنه نحره أحد النزلاء النازحين من أبناء محافظة دير الزور في القسم الثالث من المخيم في 10 يوليو 2022، بدعوى تعاونه مع أمن المخيم وتقديم معلومات عن عناصر التنظيم. وقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن جرائم القتل داخل مخيم الهول قد بلغت 26 عملية منذ يناير حتى منتصف يوليو 2022، أسفرت عن مقتل 6 من الجنسية العراقية بينهم سيدتان، و11 من الجنسية السورية بينهم 8 سيدات، و8 سيدات مجهولات الهوية، بالإضافة إلى مسعف ضمن نقطة خدمية بالمخيم، ورجل مجهول الهوية[13].
  2. تكريس نمط الحياة الداعشية: حرص التنظيم على فرض نمط الحياة الداعشية على سكان المخيم، على نحو يجعلها أشبه بالحياة في المناطق التي كان يسيطر عليها قبل سقوط دولته المزعومة، حيث فرض ضرورة الالتزام بارتداء النقاب وحتى الحجاب للأطفال الصغيرات، وضرورة تأدية الصلاة في جماعة خلف إمام من عناصر التنظيم، ومنع الاختلاط نهائياً، إضافة إلى مراقبة الأسواق وعمليات البيع والشراء. وفي هذا الصدد، شكلت نساء “داعش” لجاناً سرية داخل المخيم لمتابعة الحياة الشخصية لسكان المخيم لمعرفة مدى تمسكهم بأفكار التنظيم[14]، ووصل الأمر إلى حد إطلاق مجموعات من النسوة أطلِقَ عليهن “نساءُ الحسبة” بهدف الدعوة لفكر التنظيم والدفاع عنه، ومراقبة تطبيق قوانين التنظيم وأحكامه، هذا إلى جانب مجموعات أخرى مهمتهن إنشاء حلقات تعليمية موزعة على قطاعات المخيم، بهدف تدريس الأطفال مبادئ الفكر المتطرف، وهو ما يسمح للتنظيم – بمرور الوقت – باستقطاب عناصر جديدة، خاصة من النساء والأطفال من دون عناء؛ لكونهم اعتادوا الفكر الداعشي وتعايشوا معه لفترة طويلة من الوقت. لذا، فليس من الصعب عليهم تقبّله والاقتناع به، وهو ما يشير إليه استمرار استخدام الموالين لداعش والمؤيدين له داخل المخيم العديد من المصطلحات المستخدمة لدى التنظيم مثل (أمير المؤمنين، دولة الإسلام باقية، دار الخلافة) حيث لا تزال دارجة بشدة في الحياة والنقاشات اليومية بين عوائل التنظيم.

رابعاً: المخاطر المحتملة لسيطرة داعش على مخيم الهول

تشير سيطرة تنظيم داعش على مخيم الهول إلى وجود العديد من التهديدات المستقبلية لأمن المنطقة والعالم، والتي يمكن أن تقوِّض الجهود الدولية والإقليمية المبذولة للقضاء على الوجود الداعشي في المنطقة، ويمكن تحديد أبرز تلك التهديدات في النقاط التالية:

  1. إمكانية تكرار سيناريو سجن “غويران”: من أخطر التداعيات المحتملة لسيطرة داعش على المخيمات بشكل عام، والهول بشكل خاص، هو تزايد النشاط التنظيمي للتنظيم داخل المخيم، وهو ما سيؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف القبضة الأمنية لقوات سوريا الديمقراطية على المخيم، وهو ما أثار المخاوف خلال الأشهر الماضية من تكرار سيناريو سجن غويران داخل مخيم الهول، عندما هاجمت مجموعات تابعة لـ”داعش”، سجن الصناعة (غويران) في مدينة الحسكة أقصى شمال شرق سوريا؛ ما أدى إلى فرار العشرات من مقاتلي داعش من السجن، ومقتل قرابة 140 عنصراً من قوات سوريا الديمقراطية وحامية السجن التابعة لها. وقد عبر عدد من المسؤولين في قوات سوريا الديمقراطية، ومنهم “علي حجو” المسؤول الأمني في شمال شرق سوريا، عن مخاوفه من تكرار ما حدث بسجن غويران، حين قال في 28 مارس 2022، إن هناك معلومات استخباراتية تفيد بمحاولة تكرار سيناريو سجن الحسكة في مخيم الهول، لافتاً إلى أن المعلومات الاستخباراتية تُنبئ بمخطط لتفجير الأوضاع في مخيم الهول، حيث إن المخيم يشهد تحركات لخلايا تنظيم داعش لإحداث اختراق أمني، تشبه التخطيطات التي جرت قبل عدة أشهر من أحداث سجن غويران[15]. ومن الجدير بالذكر أن المتحدث باسم التحالف الدولي “واين ماروتو” كان قد حذر في 7 يوليو2021، من تحول مخيم الهول السوري إلى حاضنة للمتطرفين المساندين للتنظيم الإرهابي قائلاً “إذا لم يتدخل المجتمع الدولي، فسيصبح مخيم الهول حاضنة للمتطرفين المساندين لداعش”[16]، خاصة وأن هناك تواصلاً قوياً بين من يقودون التنظيم ويديرونه داخل المخيم والدواعش في الخارج، بهدف التنسيق المستمر والإعداد لتنفيذ عمليات تهريب جزئية، بل وحتى جماعية، لدواعش الهول، على غرار ما حصل في سجن الغويران بمدينة الحسكة قبل أشهر”[17].
  1. استمرار نشر الأفكار الداعشية: دائماً ما تمثل الأماكن المغلقة تربة خصبة للحفاظ على الأفكار المتطرفة، بالنظر لحرص المتطرفين داخلها على التظاهر بالتمسك بأفكارهم المتطرفة لكونها إحدى سمات الثبات والقدرة على التحمل والاستعلاء بالإيمان على الآخرين، وهو النمط المسيطر على معظم العناصر الداعشية داخل مخيم الهول، في ظل الاعتقاد السائد بينهم بأن الفكر أو النهج الداعشي مرادف للإسلام والعكس صحيح، وبالتالي فإن التخلي عنه بمثابة التخلي عن الإسلام؛ ما يجعلهم حريصين على التمسك بتلك الأفكار حتى النهاية، حتى لا يكونوا قد خسروا الدنيا والآخرة – على حد اعتقادهم – ولاسيما بعد كل التضحيات التي قدموها لنصرة الخلافة المزعومة. ومن ناحية أخرى، فإن التمسك بالأفكار الداعشية بالنسبة لعناصر التنظيم أو اعتناقها بالنسبة للعناصر الجديدة من نزلاء مخيم الهول يعد بمثابة هروب من الواقع المأزوم الذي يعيشون فيه داخل المخيم. كما أن التمسك بهذا الفكر قد يكون نوعاً من الانتقام أو العقاب للدول التي تخلت عنهم وتركتهم في تلك الأوضاع المتردية التي يعيشون فيها، وليس هناك أمل قريب في انتهائها أو الخروج منها، وهو ما يعني إطالة أمد الأفكار الداعشية على الساحة.
  2. ظهور نسخ فكرية أكثر تطرفاً: يمكن القول إن سيطرة تنظيم داعش على مخيم الهول قد يحوله إلى معسكرات أو معاهد لتدريس الأفكار الداعشية، على نحو قد يكون أشد تطرفاً من تدريسها في المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم؛ ما قد يخلق نسخة من الأفكار الداعشية تفوق في تطرفها الأفكار الحالية، وسيجعل من الصعوبة بمكان معالجتها أو مواجهتها فكرياً، وهو ما تشير اليه العديد من التجارب في المنطقة، والتي تكشف أن السجون على سبيل المثال في العديد من الدول كانت سبباً في ظهور الأفكار التكفيرية بشتى صورها وأشكالها، وهذا ما تؤكده تصريحات الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، جينين هينيس بلاسخارت، خلال مؤتمر استضافته الحكومة العراقية في العاصمة بغداد في إبريل 2022، والتي حذرت فيه من تحول المخيم الى بؤرة إرهابية أشبه بقنبلة موقوتة، إذا انفجرت، فلن يقتصر تأثيرها على العراق والمنطقة فقط، بل سيمتد إلى أبعد من ذلك[18]؛ وذلك بسبب تصاعد انتشار الأفكار المتطرفة داخله، وبالتالي فإن تصاعد معدل التشدد للأفكار الداعشية داخل مخيم الهول، قد يؤدي إلى إعاقة الجهود التي تبذلها المؤسسات الدينية الرسمية والمراكز الفكرية والمؤسسات التربوية المختلفة لمواجهة الأفكار المتطرفة، ولاسيما أن المؤشرات تكشف عن ارتفاع حدة الأفكار المتطرفة داخل المخيم، فبمجرد الاقتراب منه تجد الداعشيات يرددن في وجه الزائرين أو الغرباء شعارات التنظيم على غرار “دولة الخلافة باقية” و”الموت للكفار”، و”باقون على العهد”، في إشارة إلى محافظتهن على بيعتهن للتنظيم[19].

وقد كشفت العديد من اللقاءات التلفزيونية والصحفية التي أجريت داخل المخيمات والمعسكرات التي تؤوي عائلات مقاتلي تنظيم داعش عن حجم التطرف داخل تلك الأسر، والذي صار يأخذ منحنى تصاعدياً مع مرور الوقت، بعد أن تحول من مجرد الحفاظ على أفكار التنظيم، الى محاولة تطبيقها كنهج وأسلوب حياة باعتبارها الممثل الوحيد للإسلام الصحيح[20].

  1. تزايد مخاطر الامتداد التنظيمي : برغم وجود قطاعات عريضة من قاطني “الهول” من غير أنصار تنظيم داعش، حيث تشير بعض التقارير إلى أن الموالين للتنظيم 30% فقط من سكان المخيم، فإن هناك مؤيدين ومناصرين للتنظيم ويحرصون على المجاهرة بذلك، حتى يتجنبوا الترحيل إلى بلادهم الأصلية، على غرار “الأويغور” من المسلمين الصينيين، الذين يؤكدون ولاءهم لداعش، وهو ما يوفر للتنظيم موارد بشرية تمكنه من التوسع في إنشاء خلايا تابعة له تمكنه مع مرور القوت من إحكام سيطرته على المخيم أو على الأقل تعزيز وجوده فيه، وهو ما يعني تحول المخيم مع مرور الوقت إلى جزء من الكيان التنظيمي لداعش، وهو ما دفع قوى الأمن الداخلي «الآسايش»، الى شن حملة مداهمات داخل المخيم في مارس 2022 ألقت خلالها القبض على مطلوبين ومشتبهين بتنفيذ عمليات إرهابية، وعثرت على أسلحة وذخائر وأنفاق وشبكات سرية، استخدمتها عناصر وخلايا نائمة موالية لتنظيم «داعش»[21].
  2. ظهور جيل جديد من “أشبال الخلافة”: يوجد داخل المخيم العديد من أطفال وأيتام مقاتلي داعش الذين يعيشون فيه منذ سنوات، حيث كشف تصريح رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، باولو بينيرو، أمام مجلس حقوق الإنسان في يونيو 2022، بأن 40 ألف طفل لا يزالون محتجزين في ظروف مروعة بمخيّمي الهول والروج بشمال شرق سوريا، إلى جانب 20 ألف بالغ، معظمهم من النساء.”[22] وتم تنشئة هؤلاء الأطفال منذ ولادتهم على أفكار التنظيم، لذا فإنهم مهيؤون للقيام بالثأر لآبائهم ليس فقط من عناصر قوات سوريا الديمقراطية وإنما من العالم الخارجي الذي تخلى عنهم وتركهم في بيئة قاسية، فسوء الأوضاع الإنسانية في المخيمات تزيد من حالة الاحتقان والغضب عند هؤلاء الأطفال، وخاصة الواعين منهم لسطوة داعش وقوته، ويجعل منهم متطرفين وإرهابيين، وهو ما يعني أننا بصدد جيل جديد من الإرهابين ربما لم يشهد العالم مثيلاً له من قبل، حيث من المتوقع أن يفوق عنفه وتطرفه النموذج القاعدي والداعشي، وهو ما دفع جماعات حقوق الإنسان لأن تدق ناقوس الخطر بشأن مخاطر ترك الأطفال المحتجزين من أعضاء داعش يقبعون في الصحراء، فبالإضافة إلى كونها قاسية عليهم، فإن الظروف البائسة تهدد بتحويلهم إلى شبكة من المتطرفين المعتادين على العنف والغاضبين من العالم[23].

خاتمة:

 أصبحت المخيمات التي تضم النازحين وعناصر داعش في الشرق الأوسط وفي سوريا على وجه الخصوص، وفي مقدمتها مخيم الهول، والتي يُفترض أن تكون تأميناً للمجتمعات من التطرف الإرهاب – أصبحت هي ذاتها بؤراً إرهابية تهدد أمن المنطقة واستقرارها، كما أنها مرشحة وبقوة لتشكل تهديداً عابراً للحدود بين دول المنطقة، وهو ما يتطلب تصفية تلك المخيمات من خلال عدة خطوات؛ أهمها: حث الدول المختلفة على تحمّل مسؤولياتها تجاه مواطنيها الموجودين في المخيمات، والسماح لهم بالعودة، وإعداد برامج تأهيل فكرية واجتماعية لهم، وذلك بالتزامن مع الإسراع في محاكمة من ثبت ضلوعه من نزلاء المخيمات في ممارسة العنف والإرهاب، ويجب أن يسبق تلك الخطوات وضع برامج وقاية فكرية لنزلاء المخيمات الذين لا يعتنقون الأفكار الداعشية، لقطع الطريق على داعش لتجنيد عناصر جديدة.

المراجع

[1]. دلال محمود السيد، تهديدات جديدة بالشرق الأوسط: المخيمات الإنسانية والتطرف، مجلة السياسة الدولية، العدد (224) إبريل 2021، ص: 184.

[2]. العراق: اللاجئون السوريون سيفقدون إمكانية الحصول على الأغذية الأساسية ما لم يوفَّر تمويل عاجل، موقع أخبار الأمم المتحدة، بتاريخ 17 مايو 2022، على الرابط، https://2u.pw/Nxbg8

[3] قوى الأمن الداخلي تعثر على خندق يتوارى فيه عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” في دويلة الهول، موقع المرصد السوري لحقوق الإنسان، بتاريخ 3. أغسطس 2022، على الرابط، https://2u.pw/WpaAL

[4] . خبير حقوقي: احتياجات سوريا في أعلى مستوياتها على الإطلاق، موقع أخبار الأمم المتحدة، بتاريخ 29 يونيو 2022، على الرابط،

https://2u.pw/esUyC

[5] . تقرير مجلس الأمن حول تنظيم داعش، بتاريخ 3 فبراير 2021، على الرابط، https://2u.pw/uMsRj

[6] . دلال محمود السيد، تهديدات جديدة بالشرق الأوسط: المخيمات الإنسانية والتطرف، مرجع سابق.

[7] . جوان سوز، “تهديد أمني تثيره جهاديات مخيم الهول السوري”، موقع صدى، بتاريخ 14 يوليو 2022، على الرابط.

https://carnegieendowment.org/sada/87507

[8] . خلايا “داعش” تسعى للسيطرة على مخيم الهول شمال شرقي سوريا، موقع جريدة الشرق الأوسط، بتاريخ 4 مارس 2022، على الرابط.

 https://2u.pw/HLlRQ

[9] . الإندبندنت أونلاين: أطفال داعش بلا جنسية، موقع العالم اليوم، بتاريخ 4 يونيو 2022، على الرابط، https://2u.pw/CalaE

[10] . مخيم “الهول”.. مركز “خلافة صغير” يعيد بناء تنظيم “داعش” في إدلب، موقع الحرة، بتاريخ 10 يونيو 2021، على الرابط،

https://2u.pw/PPKUn

[11] تهديد المنظمات الإنسانية في مخيم الهول في سوريا “سابقة خطيرة، موقع فرانس 24، بتاريخ 16 يناير 2022، على الرابط،

https://2u.pw/Og7RY

[12] . خلايا داعش تقدم على إعدام امرأة بمخيم الهول بعد نحر زوجها قبل أيام، موقع رووداو، بتاريخ 14 يوليو 2022، على الرابط.

https://2u.pw/8rlPF

[13] . جريمة جديدة ضمن “دويلة” الهول.. العثور على جثة امرأة مقتولة في القسم الخاص بالسوريين، موقع المرصد السوري لحقوق الإنسان، بتاريخ 17 يوليو 2022، على الرابط، https://2u.pw/0bAea

[14] . مخيم الهول واحتمال إعادة إحياء لتنظيم “داعش”، موقع Washington Institute for Near East Policy، بتاريخ 29 يونيو 2020، على الرابط، https://2u.pw/jRR6W

[15] . هل يتكرر سيناريو سجن الحسكة في مخيم الهول؟، موقع جريدة عكاظ، بتاريخ 29 مارس 2022، على الرابط، https://2u.pw/tYysA

[16] . إكرام زيادة، داعش يُعيد تنظيمه من جديد داخل مخيمات شمال سوريا، المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بتاريخ 16 فبراير 2022، على الرابط، https://2u.pw/TLAdX

[17] . بعد اكتشاف شبكة أنفاق.. تحذيرات من “قنبلة داعش” الموقوتة، موقع سكاي نيوز عربية، بتاريخ 7 أغسطس 2022، على الرابط،

https://2u.pw/jaf4B

[18] . تحذيرات من خطر عودة تنظيم داعش، صحيفة الاتحاد، بتاريخ 10 إبريل 2022، على الرابط، https://2u.pw/BmzER

[19] . جون صالح، نساء “داعش” ومخيم “الهول”، على موقع Washington Institute for Near East Policy، بتاريخ 29 يوليو 2021، على الرابط،  https://2u.pw/Yfu6p

[20] . داعشيات مصريات يتحدثن من داخل السجن في شمال سوريا، موقع يوتيوب، بتاريخ 14 يناير 2020، على الرابط، https://2u.pw/m0ZL0

[21] . حملة دهم واعتقالات واسعة في مخيم «الهول، موقع جريد الشرق الأوسط، بتاريخ 14 مارس 2022، على الرابط، https://2u.pw/qq4Gm

[22] . خبير حقوقي: احتياجات سوريا في أعلى مستوياتها على الإطلاق، موقع أخبار الأمم المتحدة، 29 يونيو 2022، https://2u.pw/esUyC

[23] . محاصرون في دوامة العنف.. مصير مجهول ينتظر أطفال مخيم الهول، موقع الحرة، 20 يوليو 2022، https://2u.pw/WtRT5

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 1

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.