25 سبتمبر 2022

العلاقة بين تحسين بيئة الأعمال وتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر.. دروس تقدمها سنغافورة ونيوزيلندا للدول الأفريقية

موزة المرزوقي

مقدمة:

تحاول هذه الدراسة فهم أثر التحسينات في بيئة الأعمال التي تلجأ إليها أي دولة في زيادة فرصها لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إليها. ذلك أن معظم دول العالم تهدف إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية جنباً إلى جنب مع حفز الاستثمار المحلي، لكونهما من الروافع الرئيسية للنمو الاقتصادي. ولكي تنجح أي دولة في ذلك عليها أن ترفع جاهزية الإطار التنظيمي لبيئة الأعمال وتزيد كفاءة الخدمات التي تُقدم للمستثمرين، بما يجعل اجتذابهم أمراً سهلاً خصوصاً في حالة وجود مقارنات في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال.

ونظراً لأن المنظمات الاقتصادية الدولية قد شهدت تطوراً مهماً في الأدوار التي تؤديها في الاقتصاد العالمي، وإلى أنها تلجأ إلى تقييم البيئة الاستثمارية في دول العالم المختلفة عبر تطوير مؤشرات راصدة لتلك البيئة لمساعدة الشركات متعددة الجنسيات في أنشطتها الدولية؛ فقد كان الهدف الأخير هو تحقيق المزيد من العولمة المالية وفتح الأسواق أمام تلك الشركات وزيادة فرصها في رفع متوسط العائد على استثماراتها الدولية.

وفي الواقع الدولي، ورغم تشابه اقتصادَيْ سنغافورة ونيوزيلندا[1] فيما حققتاه من إنجازات ملموسة في تهيئة بيئة ممارسة أنشطة الأعمال ووصولهما إلى مكانة دولية رائدة وفق مؤشر البنك الدولي لسهولة ممارسة أنشطة الأعمال، فقد اختلفتا في قدرة كل منهما على جذب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. واعتماداً على هذا التباين في الأداء أمام هذه التدفقات الاستثمارية، يمكن الخروج بدروس دولية مهمة من هاتين التجربتين وبما يلائم رسم سياسات كفؤة وفاعلة في تطوير البيئة الجاذبة للمستثمرين في دول القارة الأفريقية؛ وهذا هو الهدف النهائي للفقرات التالية.

وتبدأ محاور الدراسة في رسم إطار نظري لفهم بيئة الاستثمار المحلية ثم استعراض أهم ملامح تجربتي سنغافورة ونيوزيلندا في بيئة الأعمال وفي الجاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر؛ يلي ذلك اقتراح الدراسة للكيفية التي يمكن أن تعزز وتهيئ بها الدول الأفريقية بيئتها المحلية أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأهم المداخل الضرورية لذلك.

  1. مدخل نظري لفهم بيئة الاستثمار المحلية:

من المعلوم أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تتدفق بين أسواق العالم إما بحثاً عن الموارد الطبيعية وإما قرباً للأسواق وإما سعياً وراء الكفاءة الإنتاجية. وفي سعي الشركات الدولية وراء الأسواق التي تتسم بالكفاءة، تظهر أهمية تطوير بيئة الأعمال المحلية في سياق دولي مقارن. للوقوف على هذه الأهمية، يتناول هذا الجزء أهم سمات منظومة الاستثمار الوطنية، ثم يتصدى بعد ذلك لمعرفة أثر التحسينات التي تدخلها الحكومات في بيئة الأعمال في الجاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر.

  • حول منظومة الاستثمار الوطنية:

إن الخدمات المقدمة للمستثمرين دائماً ما تأتي على رأس قائمة الأنشطة التي تقدمها الحكومة في بيئة الأعمال، سواء خدمات المستثمرين المحليين أم المستثمرين الأجانب. ولما كانت هذه الخدمات الاستثمارية تظهر مدى فائدتها من أهمية الاستثمار ودوره في الاقتصاد، باعتباره المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي، فغالباً ما تتولى جهة متخصصة تابعة للحكومة توفير تلك النوعية من الخدمات حتى تتمكن من توفير المناخ الملائم لتحفيز الاستثمار بشقيه المحلي والأجنبي. وتتولى هذه الجهة تطوير التشريعات المنظمة له وترويج الفرص الاستثمارية، وتطوير الإجراءات والحوافز التنظيمية التي تلبي حاجات هذا النوع المتخصص من عملاء الحكومة.

ومن المعلوم أن الخدمات التي تُقدم للاستثمار ترتبط بدورة حياة المشروع الاستثماري، فهي تبدأ من ظهور فكرة المشروع وتنتهي بانتهاء المشروع وخروجه من السوق. وتتمثل الخدمات التي يطلبها المستثمر المحلي والأجنبي بعد اجتذابه بالإجراءات الترويجية المختلفة، في خدمات التأسيس وما بعد التأسيس، فضلاً عن بعض الخدمات المتخصصة الأخرى التي تختلف حسب حالة الاقتصاد ومستوى تطوره ودرجة انفتاحه الاستثماري، وطبيعة القوانين والتشريعات الاقتصادية والمالية المرتبطة بمناخ الاستثمار.

ويمكن توضيح مكونات منظومة الاستثمار الوطنية من خلال الشكل التالي رقم (1):

شكل رقم (1): عناصر منظومة الاستثمار الوطنية

ويظهر الشكل السابق رقم (1) أن هناك أربعة أطراف فاعلة في بيئة الاستثمار الوطنية، وهي:

  • المنظمات الحكومية التي تقوم بدور المسهل لبيئة الأعمال والمطبق للقوانين والتشريعات.
  • البيئة التشريعية والقوانين والتنظيمات والضوابط المعمول بها، سواء تعلَّقت بضبط عناصر منظومة الاستثمار أم بالحوافز والتيسيرات المالية وغير المالية المقدمة لوحدات الاستثمار المحلي والأجنبي.
  • القطاع الخاص الوطني والمتمثل في الشركات والوحدات الإنتاجية كافة التي يملكها رأس المال الوطني.
  • وحدات الاستثمار الأجنبي المباشر وهي تلك الوحدات الإنتاجية التي يمتلك فيها الاستثمار الأجنبي المباشر نسبة من رأس المال تبلغ 10% أو أكثر[2].
    • الآثار الاقتصادية لتهيئة بيئة الاستثمار:

ولأن الاستثمار على هذا القدر من الأهمية في رفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في أي دولة، فإنه بالقدر الذي يتحسن به مناخ الاستثمار، من خلال تطوير التنظيمات الخاصة به، وعلى رأسها تنظيمات بيئة الاستثمار، تزيد كذلك مساهمة الاستثمار الخاص الإجمالي (المحلي والأجنبي) في توليد القيمة المضافة في الاقتصاد وسد فجوة الموارد المحلية وتوفير موارد اقتصادية إضافية للمجتمع وخصوصاً في بلدان العالم النامي التي تعاني العجزَ المالي المزمن، ومن ثم الأثر التنموي النهائي في الأجلين القصير والطويل وإنجاز التنمية الاقتصادية المنشودة.

وبالتالي، يمكن تلخيص أبرز الآثار الاقتصادية لتهيئة بيئة الأعمال لزيادة تنافسيتها إقليمياً ودولياً أمام الشركات دولية النشاط في[3]:

  • زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة للاقتصاد المحلي.
  • ارتقاء مكانة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هيكل الناتج المحلي الإجمالي.
  • تحسن مؤشرات أداء ميزان المدفوعات للاقتصاد، وخصوصاً في حالة الاقتصادات التي تعاني عجزاً مزمناً في ميزانها التجاري.
  • زيادة الطلب على العمالة الماهرة وتراجع مؤشرات البطالة في الاقتصاد.
  • تطور تكنولوجيا الإنتاج المحلي حال قيام الاستثمارات الأجنبية بنقل التكنولوجيا.

وإزاء هذه الأهمية الفائقة لتطور بيئة الأعمال المحلية، واعتماداً على بيانات وتقارير ومؤشرات البنك الدولي، نتناول في الجزء التالي من الدراسة تجربتي سنغافورة ونيوزيلندا في التطبيقات المختلفة لتهيئة بيئتيهما المحليتين أمام الاستثمارات الأجنبية، ثم عقد مقارنة بين نتائج كلتا التجربتين لاستخلاص الدروس المستفادة لحالة اقتصادات القارة الأفريقية.

  1. تجارب دولية في تهيئة بيئة الأعمال الوطنية للاستثمار الأجنبي المباشر:

كما سبقت الإشارة إليه، تعد كل من سنغافورة ونيوزيلندا من الاقتصادات الرائدة عالمياً في بيئة تهيئة الأعمال. والنقاط التالية تبرز تجربتيهما في تهيئة مناخ الأعمال لتكونا محفزاً للاستثمارات المحلية وجاذباً للاستثمارات الأجنبية المباشرة.

  • تجربة سنغافورة في تهيئة بيئة الأعمال للاستثمارات الأجنبية المباشرة:

تتناول الفقرات التالية أبرز التحسينات التي أُدخلت على مناخ الاستثمار في اقتصاد سنغافورة، سواء تلك المتعلقة بالجانب التشريعي أم تلك المتخصصة بالجوانب التنظيمية المختلفة. ويحاول هذا الجزء تسليط الضوء على أثر تلك التحسينات في الجاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر أيضاً، من خلال استقراء بيانات ومؤشر تدفق هذا النوع من الاستثمار الأجنبي لاقتصاد سنغافورة خلال الفترة ما بين الأعوام 2003-2021 المناظرة للفترة المتاح عنها مؤشرات لبيئة الأعمال في تقارير البنك الدولي.

  • ملامح عامة حول الاقتصاد السنغافوري:

وفق تقرير التنافسية العالمي[4] لعام 2019، فإن المؤشرات الآتية توضح أبرز ملامح الاقتصاد السنغافوري:

  • حقق النمو الاقتصادي السنغافوري معدلاً سنوياً بنسبة 4.6% في المتوسط خلال السنوات العشر ما بين 2010 و2019. ويمثل الناتج المحلي الإجمالي السنغافوري نحو 0.42% من الناتج العالمي.
  • يبلغ عدد سكان سنغافورة نحو 5.6 مليون نسمة.
  • يبلغ نصيب الفرد من الناتج نحو 64 ألف دولار.
  • يبلغ متوسط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منسوباً للناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات ما بين 2015 و2019 نحو 22.5%.
  • يصل معدل البطالة في الاقتصاد السنغافوري إلى نحو 3.8%.

ووفق أحدث بياناتٍ للبنك الدولي[5]، فإن الناتج المحلي الإجمالي السنغافوري عام 2021 كان يمثل نحو 379 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية، كما تبلغ جملة صادراتها من السلع والخدمات والدخل الأساسي نحو 859 مليار دولار أمريكي في العام نفسه 2021.

  • التحسينات التي طرأت على الإطار التنظيمي لبيئة الأعمال في سنغافورة:

هناك مؤشرات عدة يمكن الاعتماد عليها لمتابعة التحسينات التي طرأت على الإطار التنظيمي لبيئة الأعمال في أي اقتصاد. إذ إن التحسينات كافة التي يتم إدخالها على بيئة الأعمال تستهدف الارتقاء بالمؤشرات التالية:

  • المؤشر الأول: الاقتراب من المستثمر جغرافياً وتكنولوجياً بهدف تقليل التكلفة والوقت وتسريع بدء النشاط التجاري الخاص به.
  • المؤشر الثاني: وجود إطار قانوني كفء وواضح.
  • المؤشر الثالث: تسهيل خطوات التعامل وإجراءاتها مع الجهات التنظيمية ذات الصلة باحتياجات المستثمر، مثل: إصدار رخص البناء والكهرباء والتسجيل الخاص بالملكية.

وبالنظر إلى بيئة الأعمال في سنغافورة وفق بيانات البنك الدولي[6] وتقاريره الراصدة لسهولة ممارسة أنشطة الأعمال، فقد تحسنت مؤشرات هذه البيئة في اقتصاد سنغافورة على النحو التالي[7]:

  • فيما يخص الاقتراب من المستثمر، فقد تطور مؤشر عدد الأيام المطلوبة لتنفيذ الأعمال تطوراً سريعاً. ففي عام 2019 كان الوقت المطلوب لبدء الأعمال التجارية في سنغافورة هو يوم ونصف اليوم مقارنة بما كان عليه عام 2003، حيث كان هذا الوقت 8 أيام. وفيما يتعلق بإجراءات البدء المطلوبة للنشاط التجاري، بما فيها الحصول على التصاريح والتراخيص اللازمة، فقد تقلصت 7 إجراءات عام 2003 إلى إجراءين فقط في عام 2019. كما تراجعت تكلفة بداية النشاط كنسبة من متوسط نصيب الفرد من الدخل من 1% في عام 2003 إلى 0.4% في عام 2019. وقلل من هذه التكلفة أن البنية التكنولوجية لبيئة الأعمال في سنغافورة تطورت حتى أصبح التعامل الرقمي عبر منصات الإنترنت وتطبيقاته هو الوسيلة الوحيدة في هذه البيئة أيضاً. وفضلاً عن خفض التكلفة، فإن للتحول الرقمي ميزة واضحة في الاقتراب جغرافياً من المستثمرين كافة على مستوى العالم والمساعدة في ترويج الفرص الاستثمارية المتاحة.
  • ظل عدد الضرائب التي يتعين على المستثمر دفعها 5 أنواع ضريبية خلال الفترة ما بين الأعوام 2003 و2019، لكنها زادت في منتصف الفترة إلى 6 أنواع ثم تراجعت لتصل إلى 5 فقط في عام 2019. لذلك، ومن اللافت للنظر أنه فيما يخص السياسات المالية المتصلة بالاستثمار يلاحَظ أن الضرائب على الأرباح قد تراجعت من معدل 26.2% في عام 2005 لتصبح نحو 2.1% فقط في عام 2019. وهذا يدل على اتجاه السياسة النقدية نحو رفع الأعباء الضريبية عن الاستثمار المنفذ في الاقتصاد السنغافوري.
  • وفيما يخص الإطار القانوني في سنغافورة، فإن مؤشر قوة الحقوق القانونية للبنك الدولي يوضح أن سنغافورة حازت مقدارَ 8/12 درجة في هذا المؤشر في السنوات كافة التي تم فيها رصد هذا المؤشر؛ أي الفترة ما بين الأعوام 2003 و2019. وتراجع عدد الأيام اللازمة لتسجيل العقار من 20 يوماً عام 2004 ليصبح نحو 4.5 أيام عام 2019. لكن في المقابل، زاد عدد الأيام المطلوبة لإنفاذ العقود من 120 يوماً عام 2003 ليصبح 164 يوماً عام 2019. ويعد ذلك خصماً من كفاءة البيئة القانونية في سنغافورة. وفيما يخص حالات الإعسار، يحتاج المستثمر وفق الإطار القانوني السنغافوري إلى 0.8 سنة لكي يُتِمَّ عملية التسوية. وقد ظلت هذه المدة التنافسية ثابتة على امتداد فترة البحث.
  • وبصدد تسهيل خطوات التعامل وإجراءاتها مع الجهات التنظيمية ذات الصلة باحتياجات المستثمر، فقد تراجع عدد الأيام المطلوبة للحصول على رخصة الكهرباء لتصبح 26 يوماً عام 2019 بدلاً من 31 يوماً عام 2009. وعلى العكس من ذلك، بلغ عدد الساعات المطلوبة لإعداد الضرائب المستحقة ودفعها نحو 64 ساعة في عام 2019 بعدما كانت 49 ساعة فقط في عام 2005. كما تراجع عدد الأيام المطلوبة لبناء المستودعات من 62 يوماً عام 2005 لتصبح نحو 35.5 يوماً عام 2019، ويبلغ عدد الإجراءات اللازمة لذلك نحو 9 إجراءات في العام نفسه 2019 بعدما كانت تصل إلى 13 إجراءً في عام 2005.
  • وبخصوص فاعلية أدوات السياسة المالية، فإن ما يؤكد فعالية السياسات النقدية المطبقة في اقتصاد سنغافورة لبيئة الأعمال وصول مؤشر عمق المعلومات الائتمانية إلى 7/8 درجة في عام 2019، كما أن الأنشطة الائتمانية زاد مستوى تغطيتها من 33.5% من جملة البالغين المقيمين في سنغافورة في عام 2004 لتصبح نحو 64.2% في عام 2019.

وإجمالاً، فقد انعكست التحسينات السابقة في بيئة الأعمال السنغافورية على حلول سنغافورة في المرتبة الثانية عالمياً في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال عام 2019 بنسبة أداء تصل إلى نحو 86.1% من الأداء المثالي. وكان معدل الإفصاح في بيئة الأعمال السنغافورية في أعلى معدلاته العالمية عند مستوى 10/10 درجة. وإزاء كل ذلك زاد إجمالي عدد الشركات الجديدة المسجلة سنوياً من نحو 19.5 ألف شركة عام 2006 لتصبح 42.2 ألف شركة تقريباً في عام 2020.

  • تطور جاذبية سنغافورة للاستثمارات الأجنبية المباشرة:

ولاختبار أثر التحسينات التي أدخلت في بيئة الأعمال السنغافورية على الجاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن الشكل التالي رقم (2) يوضح التطورات الكمية لقِيَم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة للاقتصاد السنغافوري خلال الفترة ما بين الأعوام 2003 و2020  وفق ما يلي[8]:

شكل رقم (2): تطور تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة لسنغافورة ونسبتها من الناتج المحلي الإجمالي*

* تم إعداد هذا الشكل بالاعتماد على بيانات البنك الدولي في الرابط التالي: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

واعتماداً على الشكل السابق نفسه رقم (2) يمكن الخروج بالملاحظات التالية:

  • استطاع الاقتصاد السنغافوري أن يجذب في عام 2003 حجم استثمارات أجنبية مباشرة سنوياً تقترب من حاجز 20 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية للدولار. وقد حدث تقلب في قيمة هذه التدفقات بعد ذلك حتى عام 2005.
  • بين الأعوام 2005 و2007 حدثت طفرة في قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتضاعف قيمتها بما يقترب من حاجز 50 مليار دولار في عام 2006.
  • سبَّبت الأزمة المالية العالمية تراجعاً كبيراً في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة للاقتصاد السنغافوري إلى أدنى مستوى له عندما اقترب من حاجز 10 مليارات دولار عام 2008.
  • استمرت جاذبية الاقتصاد السنغافوري للاستثمارات الأجنبية المباشرة في الزيادة السريعة حتى وصلت إلى مداها عام 2019 عندما تمكنت من جذب نحو 111 مليار دولار. لكن هذه الجاذبية تراجعت في عام 2020 بفعل تداعيات جائحة كورونا العالمية.
  • رغم التزايد الكمي الكبير لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة لاقتصاد سنغافورة، فإن نسبة هذه التدفقات للناتج المحلي الإجمالي لم تزدد بالوتيرة نفسها. فقد كانت هذه النسبة عام 2003 نحو 17.5% ثم وصلت إلى نحو 21.6% عام 2020. ووصلت إلى أعلى معدل لها عام 2019 عندما مثلت نحو 29% من الناتج المحلي الإجمالي في سنغافورة.
    • تجربة نيوزيلندا في تهيئة بيئة الأعمال للاستثمارات الأجنبية المباشرة:

ستنتهج الدراسةُ في هذا الجزء المتعلق بتقييم تجربة نيوزيلندا في تهيئة بيئة ممارسة أنشطة الأعمال المنهج نفسه الذي اتُّبِع في التقييم العام لتجربة سنغافورة. وتتناول النقاط التالية التحسينات المدخلة على الإطار التنظيمي لبيئة الأعمال في نيوزيلندا، ثم تتبع أثر هذه التحسينات في تدفقات الاستثمارات الأجنبية خلال الفترة ما بين الأعوام 2003-2019.

  • ملامح عامة حول الاقتصاد النيوزيلندي:

وفق تقرير التنافسية العالمي[9] لعام 2019، فإن المؤشرات الآتية توضح أبرز ملامح الاقتصاد النيوزيلندي:

  • حقق النمو الاقتصادي النيوزيلندي معدلاً سنوياً بلغ 2.5% في المتوسط خلال الأعوام العشرة ما بين 2010 و2019، كما يمثل الناتج المحلي الإجمالي النيوزيلندي نحو 0.15% من الناتج العالمي.
  • يبلغ عدد سكان نيوزيلندا نحو 4.9 مليون نسمة.
  • يبلغ نصيب الفرد من الناتج نحو 41 ألف دولار.
  • يبلغ متوسط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منسوباً إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام 2015-2019 نحو 0.9%.
  • يصل معدل البطالة في الاقتصاد النيوزيلندي إلى نحو 4.5%.

ووفق أحدث بيانات البنك الدولي[10]، فإن الناتج المحلي الإجمالي النيوزيلندي لعام 2021 كان يمثل نحو 250 مليار دولار أمريكي بالأسعار الجارية، وبلغت جملة صادراتها من السلع والخدمات والدخل الأساسي نحو 62 مليار دولار أمريكي في العام نفسه (2021).

  • الإطار التنظيمي لبيئة الأعمال في نيوزيلندا:

اعتماداً على المؤشرات نفسها الخاصة بالاقتراب من المستثمر جغرافياً وتكنولوجياً بهدف تقليل التكلفة والوقت وتسريع بدء النشاط التجاري الخاص به، ومدى وجود إطار قانوني كفء وواضح وسهولة إجراءات التعامل مع الجهات التنظيمية ذات الصلة باحتياجات المستثمر، فإن بيانات البنك الدولي المتعلقة ببيئة الأعمال في نيوزيلندا توضح الحقائق العامة التالية:

  • في محاولةٍ للاقتراب من المستثمرين، اختُصر الوقت المطلوب لبدء الأعمال التجارية في نيوزيلندا من 12 يوماً عام 2003 ليصبح البدء في النشاط عام 2019 يأخذ نصف يوم فقط. بالإضافة إلى أن تكلفة إجراءات بداية النشاط ظلت على مستوى تنافسي؛ إذ إنها كانت تبلغ نحو 0.2% من نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في عام 2003 وعام 2019. وكان متوسط عدد الأيام اللازمة لبدء النشاط نحو 12 يوماً في عام 2003، ووصل إلى مستوى نصف يوم فقط في عام 2019.
  • وفيما يخص السياسات المالية المتصلة بالاستثمار في بيئة الأعمال في نيوزيلندا، يلاحظ أن الضرائب على الأرباح قد تراجعت من معدل 36.6% في عام 2005 لتصبح نحو 34.6% في عام 2019. كما تراجع عدد الضرائب الواجب سدادها من المستثمر من 8 أنواع لتصبح 7 أنواع، وتراجع عدد الساعات التي يقضيها المستثمر لإعداد الضرائب المستحقة وتسديدها من 172 ساعة إلى 140 ساعة بين أول الفترة وآخرها.
  • أما بالنسبة إلى كفاءة الإطار القانوني المنظم لبيئة الأعمال في نيوزيلندا، فإن مؤشر قوة الحقوق القانونية كان في أعلى درجاته الدولية منذ عام 2003 حتى عام 2019 عند مستوى 12/12 درجة. ولم يتغير الوقت المطلوب لإنفاذ العقود القانونية في نيوزيلندا؛ حيث ظل عند مستوى 216 يوماً على امتداد الفترة ما بين الأعوام 2003 و2019. وبالنسبة إلى عدد الأيام المطلوبة لتسجيل الملكية العقارية، فرغم تراجعها من يوم واحد في عام 2004 إلى 3.5 أيام في عام 2019، فإنها تظل تنافسية في المقارنة الدولية. وتحتاج حالات الإعسار إلى مدة 1.3 عام لكي تتم تسويتها وفق النظام القانوني المتبع في نيوزيلندا على امتداد فترة البحث.
  • وعند تحليل الإطار التنظيمي للتعامل مع الجهات ذات الصلة بالاستثمار، سجلت نيوزيلندا في عام 2019 أن الوقت المطلوب للحصول على الكهرباء هو 58 يوماً؛ أي إنه تراجع من 69 يوماً في عام 2009. أما عدد الإجراءات المطلوبة لبناء مستودعات تجارية، فقد ظلت 11 إجراءً على امتداد فترة الدراسة، وهي تستغرق 93 يوماً على مرور الأعوام حتى عام 2019.
  • بالإضافة إلى فاعلية أدوات السياسة المالية، فإن ما يؤكد فعالية السياسات النقدية المطبقة في اقتصاد نيوزيلندا لبيئة الأعمال هو وصول مؤشر عمق المعلومات الائتمانية إلى أعلى مستوى عالمي؛ أي 8/8 درجة في عام 2019، كما زادت تغطية الأنشطة الائتمانية من 97.8% من جملة البالغين المقيمين في نيوزيلندا في عام 2004 لتصبح 100% منهم في عام 2019.

ولقد انعكست التحسينات السابقة كافة في وصول الاقتصاد النيوزيلندي إلى المرتبة الأولى عالمياً في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال في عام 2019. حيث وصل مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال نحو 86.7%، وهو أعلى معدل في العام نفسه. كما كان مؤشر الإفصاح في نيوزيلندا عند أعلى مستوى عالمي له عندما حقق 10/10 درجة. ويلاحظ تراجع عدد الشركات الجديدة المسجلة سنوياً من نحو 67.8 ألف شركة في عام 2006 لنحو 58 ألف شركة في عام 2020.

  • تطور جاذبية اقتصاد نيوزيلندا للاستثمارات الأجنبية المباشرة:

يوضح الشكل التالي رقم (3) التطور الذي شهدته تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة للاقتصاد النيوزيلندي خلال الفترة ما بين الأعوام 2003 و2020.

شكل رقم (3): تطور تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة لنيوزيلندا ونسبتها من الناتج المحلي الإجمالي*

* تم إعداد هذا الشكل بالاعتماد على بيانات البنك الدولي في الرابط التالي: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

وبينما يوضح الشكل السابق رقم (3) تطور كل قيمة من قِيَم تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأهميتها للناتج المحلي الإجمالي، فإنه يمكن الخروج بملاحظات عدة من تتبع التغيرات في هذين المؤشرين خلال الفترة محل البحث، وذلك على النحو التالي:

  • أخذ تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للاقتصاد النيوزيلندي القيم الموجبة مع بداية عام 2004، حيث كان في عام 2003 سالب القيمة. وقد وصلت هذه التدفقات إلى أعلى قيمة لها في عام 2007 لكنها لم تتعدَّ حاجز 5 مليارات دولار أمريكي بالأسعار الجارية. وقد تراجعت هذه التدفقات واقتربت من حاجز الصفر ثلاث مرات متعاقبة في السنوات 2009، 2013، 2015.
  • كان هناك تناظر واضح بين التطور الحاصل في قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة للاقتصاد النيوزيلندي ومكانة هذه الاستثمارات منسوبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوي. وقد وصلت هذه الأهمية النسبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى أعلى قيمة لها في الاقتصاد النيوزيلندي في عام 2007، عندما بلغت نحو 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة نفسها أيضاً، ثم بلغت هذه النسبة نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.
  • الدروس المستفادة من تجربتي سنغافورة ونيوزيلندا:

اعتماداً على التحليل السابق لتجربتي سنغافورة ونيوزيلندا في تطوير بيئة الأعمال وتهيئتها لتكون أكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإنه يمكن استخلاص دروس عدة مستفادة؛ على النحو الموضح في الشكل التالي رقم (4).

شكل رقم (4): الدروس المستفادة من تجربتي سنغافورة ونيوزيلندا في سهولة الأعمال وفي الجاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة*

وفيما يلي شرح مركز ومختصر لكل درس من هذه الدروس:

  • الدرس الأول هو أهمية التكنولوجيا الرقمية في تنظيم بيئة الأعمال. إذ تتفق التجربتان على أن التحول التكنولوجي في بيئة الأعمال والاعتماد على الرقمنة في تقديم خدمات الاستثمار له عظيم الأثر في تحسين مؤشرات الاقتراب من المستثمرين المحليين والدوليين، كما يسهم في تقليل الوقت وخفض التكلفة الضرورية لبدء الأعمال الاستثمارية إلى حدودهما الدنيا.
  • الدرس الثاني هو أهمية الشفافية والحوكمة وسلامة الإطار القانوني. تنص التجربتان على أن ضبط الإطار القانوني يسهم في استقرار بيئة الأعمال أمام الاستثمار، وخصوصاً الاستثمار الأجنبي المباشر؛ بما ينعكس على مستوى الشفافية والإفصاح القائم في السوق وشيوع المنافسة الرشيدة.
  • الدرس الثالث هو ضرورة التناغم بين السياسات الاقتصادية الكلية المطبقة في الاقتصاد وزيادة كفاءة عناصر الإنتاج الوطنية وإنتاجيتها. تشير التجربتان إلى الأهمية الفائقة للتناغم بين مختلف السياسات الاقتصادية أيضاً، وخصوصاً النقدية والمالية، لما له من أثر مباشر في جودة بيئة الأعمال وفي مستوى الكفاءة التي يبحث عنها الاستثمار الأجنبي المباشر، فضلاً عن أهمية تحسن إنتاجية عنصر العمل بالتعليم والتدريب والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وأنظمة الإدارة المتقدمة.
  • الدرس الرابع هو أن تهيئة بيئة الأعمال شرط ضروري وليس شرطاً كافياً لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ذلك أنه فيما يخص أبرز وجوه الاختلاف بين التجربتين، ونظراً لأن الاقتصاد النيوزيلندي لم يجذب تدفقات استثمارية مرتفعة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة على امتداد الفترة ما بين الأعوام 2003 و2019 مقارنةً بمكانته الرائدة في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال وحلوله المنزلة الأولى عالمياً في عام 2019، فإن ذلك يعني أن مجرد توفر البيئة السهلة والشفافة لممارسة أنشطة الأعمال ليس شرطاً كافياً لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، رغم أنه بطبيعة الحال شرط ضروري من الشروط الثلاثة لهذه التدفقات، ألا وهو شرط توفر الكفاءة الاقتصادية في بيئة الأعمال التي يبحث عنها المستثمر الأجنبي.
  • الدرس الخامس هو أن ازدهار الصناعة التحويلية المحلية واتساع نطاق السوق يُعَدَّانِ شرطين كافيين لتحفيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة للتدفق محلياً. واعتماداً على الدرس السابق، فإن الشروط الكافية لزيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة هي توافر الموارد الطبيعية ومدخلات الإنتاج مع اتساع نطاق السوق المحلي واتصاله الفعّال بالأسواق الدولية، وقبل كل ذلك عمق الأنشطة التصنيعية الوطنية والتحسن المطرد في قدرات الصناعة التحويلية، وخصوصاً قدراتها التصديرية. فهذه حال الاقتصاد السنغافوري في بيئة الصناعة المتوسطة والعالية التقنية. فبينما تمثل الصادرات العالية التقنية أكثر من نصف الصادرات الصناعية السنغافورية (55%) عام 2020، كانت هذه النسبة تمثل نحو 10% فقط في اقتصاد نيوزيلندا في العام نفسه. ومن حيث القيمة، بلغ هذا النوع من الصادرات في سنغافورة نحو 160 مليار دولار مقابل نحو نصف مليار دولار فقط في نيوزيلندا في العام ذاته [11].
  • الدرس السادس هو ضرورة التركيز على حزمة من التحسينات في بيئة الأعمال في الاقتصاد المحلي، وخصوصاً ترقية مؤشرات التنافسية والابتكار. ذلك أنه فيما يخص الاختلافات القائمة بين التجربتين، فيمكن مقارنة رتبة كل منهما في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال ومستوى التنافسية الكلية؛ أي مقارنة نتائج تقرير سهولة ممارسة أنشطة الأعمال مع نتائج تقرير التنافسية العالمي[12]، بهدف الوقوف على مكامن الفروق بين التجربتين. فقد حل اقتصاد سنغافورة في المرتبة الأولى عالمياً في التنافسية الدولية في عام 2019 متماشياً مع مرتبته الثانية عالمياً في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال على النحو السالف ذكره. أما اقتصاد نيوزيلندا الذي كان الأول عالمياً في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال في عام 2019، فيلاحظ أنه قد حل متأخراً في المرتبة الـ 19 دولياً في هذا التقرير. ويرجع ذلك أساساً إلى تراجع رتبة اقتصاد نيوزيلندا في مؤشري حجم السوق المحلي وطاقة الابتكار مقارنة بحالة اقتصاد سنغافورة[13].
  • الدرس السابع هو أن متابعة التقارير الدولية الراصدة لبيئة الأعمال بطريقة منضبطة يفيد في إدخال تحسينات إجرائية على هذه البيئة، حتى لو كانت هذه البيئة متطورة أصلاً. فقد شهدت بيئة الأعمال في سنغافورة ونيوزيلندا اختصاراً للعديد من الإجراءات في بيئة الأعمال وتقليل عدد الأيام اللازمة لإنهاء الخدمات التي يطلبها المستثمرون. ويرجع ذلك إلى الفوائد التي تقدمها هذه التقارير في لفت الانتباه لعدد الإجراءات ونوعيتها التي يتطلبها النشاط الاستثماري بصورة دولية مقارنة بمثيلاتها في الدول الأخرى. ويتمثل الانضباط في عملية متابعة التقارير الدولية في الفهم الدقيق لمستوى أهمية هذه التقارير في حالة الاقتصاد النامي في سياق دولي مقارن.

وعموماً، وفي الجزء التالي، تختتم الدراسة تحليلها بتقديم بعض النصائح للدول النامية التي تستهدف تطوير بيئة الأعمال وتهيئتها أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة ولا سيما في حالة الدول الأفريقية.

  1. كيف تعزز الدول الأفريقية تهيئة بيئتها المحلية أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة:

إن العالم يشهد تسارع وتيرة التحسين والتطوير في بيئة ممارسة أنشطة الأعمال كمتطلب أساسي من متطلبات جذب الاستثمار الأجنبي لتمويل جانب من متطلبات التنمية. وبينما يُلقِي هذا التسارع بمزيد من الأعباء على الدول التي ترغب في زيادة حصتها من الاستثمار الأجنبي المباشر سنوياً، فإن المزج بين التكنولوجيا الحديثة ورأس المال البشري المدرب والكفء والنظم الإدارية الحديثة وتوافر رأس المال (التمويل) هي التوليفة المثلى لزيادة الجاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهي الأدوات التي اعتمدت عليها التجارب الناجحة لإنتاج خدمات متطورة تعزز الجاذبية أمام هذه الاستثمارات.

وفي ضوء ذلك، تتناول الفقرات التالية أهم تحديات بيئة الأعمال التي تعانيها دول قارة أفريقيا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لتعتمد عليها في طرح عدد من المقترحات الضرورية للتغلب على هذه التحديات بالتعلم من دروس تجربتي سنغافورة ونيوزيلندا.

  • ملامح عامة حول بيئة الأعمال الأفريقية:

وفق بيانات البنك الدولي المتعلقة ببيئة الأعمال في دول العالم المختلفة في عام 2019، تحتل الغالبية العظمى من الاقتصادات الأفريقية مكانة غير متقدمة في رتبة سهولة ممارسة أنشطة الأعمال. والشكل التالي رقم (5) يوضح أن موريشيوس كانت الأولى أفريقياً في عام 2019 وفي المرتبة الـ 13 عالمياً. كما يظهر الشكل نفسه رتبة أعلى عشرة اقتصادات في أفريقيا في سهولة بيئة الأعمال.

شكل رقم (5) أعلى عشرة اقتصادات أفريقية في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال في عام 2019*

* مصدر بيانات الشكل هي مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي في الرابط التالي: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators#

ويلاحظ من الشكل السابق رقم (5) أنه على الرغم من حلول اقتصاد موريشيوس ضمن فئة أعلى عشرين اقتصاداً عالمياً في رتبة سهولة ممارسة أنشطة الأعمال في عام 2019 عندما حل في المرتبة الـ 13 عالمياً، فإن باقي الاقتصادات العشرة الأوائل في قارة أفريقيا يتوزعون على الرتب المئة الأولى عالمياً بداية من المرتبة الـ 38 التي حل فيها اقتصاد رواندا وانتهت بمرتبة سيشيل بحلولها في المرتبة الـ 100 عالمياً. أما باقي اقتصادات القارة الأفريقية فجاءت رُتَبُها متأخرةً فيما بعد المرتبة المئة عالمياً.

وطالما تأخرت رتبة الغالبية العظمى من الاقتصادات الأفريقية في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، فإن ذلك يرجع أساساً إلى العديد من التحديات التي تجابه هذه البيئة. والجزء التالي من الدراسة يحاول استخلاص أبرز هذه التحديات أمام بيئة الأعمال الأفريقية.

  • تحديات الحالة الأفريقية في بيئة الأعمال:

هناك العديد من التحديات التي تعانيها بيئة الأعمال وتعوق عمل الشركات المحلية والأجنبية المستثمرة في دول القارة الأفريقية ولا تلبي احتياجاتها ومتطلباتها. والدليل الذي تعتمد عليه الدراسة هنا يتمثل في شيوع هذه التحديات في غالبية الاقتصادات الأفريقية، لكونها تأتي متأخرة في رتبة سهولة ممارسة أنشطة الأعمال العالمية كما عكسته تقارير البنك الدولي عام 2019، على النحو الذي سبق بيانه. والنقاط التالية تُجمِل أهم هذه التحديات في بيئة الأعمال الأفريقية:

  • التحدي التمويلي: نتيجة لمحدودية القدرات التمويلية المحلية، ومع تزايد حاجة الدول الأفريقية للتمويل الأجنبي للاستثمار والنمو، فإن التحدي التمويلي لبيئة الأعمال في أفريقيا يتمثل في محدودية قدرة الجهاز الحكومي على إحداث تحسينات إجرائية مستمرة في هذه البيئة، إما لتزايد عجز الموازنة العامة في أغلب دول القارة الأفريقية، وإما نتيجة لزيادة الأعباء المالية التي يحتاج إليها التحسين الإجرائي والتنظيمي المستهدف.
  • التحدي التصنيعي: نتيجة ضعف القدرات التصنيعية الوطنية ومحدودية القيمة المضافة الوطنية في أنشطة الإنتاج المختلفة وتردي مؤشرات العمق والكثافة التصنيعية الوطنية. وتؤثر هذه الحالة في الكفاءة الاستثمارية في بيئة الأعمال نتيجة لضعف التشابكات الأمامية والخلفية التي تحتاج إليها أنشطة الاستثمار من جانب الشركات الدولية. كما أن غياب الشركات الصغيرة والمتوسطة ذات الكفاءة الإنتاجية العالية والتخصصات المتماشية والمتناغمة مع بيئة الأعمال الدولية وسلاسل القيمة العالمية، يحد من قدرة اقتصادات القارة الأفريقية على جذب نوعيات محددة ومتميزة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويجعل بيئة الأعمال فيها غير قادرة على المنافسة الدولية في جذب هذه الاستثمارات.
  • التحدي التنظيمي: ومع شيوع البيروقراطية في بيئة الأعمال وفي إنتاج الخدمات التي يحتاج إليها المستثمرون، وخاصة الحكومي منها، تتراجع درجة الشفافية ومستوى الإفصاح في هذه البيئة وترتفع مؤشرات الفساد مقارنةً بالمستويات المحققة في بيئة الأعمال الدولية التنافسية. وإزاء هذه البيروقراطية، تزداد الصعوبات والمقاومة أمام أنشطة التحسين المطلوب مع ارتفاع تكاليف التطوير المستهدف في بيئة الأعمال. كما يؤثر شيوع البيروقراطية في اقتصادات دول القارة الأفريقية في تعدد الإجراءات التنظيمية وتداخلها وتعارضها في أحيان كثيرة؛ وينعكس ذلك مباشرة على رتبة هذه الدول في تقارير سهولة ممارسة أنشطة الأعمال المقارن دولياً.
  • التحدي القانوني: ونتيجة لتنوع القوانين المنظمة لبيئة الأعمال وتداخلها وتعارضها، ولا سيما القوانين التي تفرض الضرائب والرسوم وتحدد إجراءات بداية أنشطة الاستثمار، يصبح غياب الانضباط القانوني هو السمة العامة للنظام القانوني في غالبية الدول الأفريقية وبما يؤثر تأثيراً سلبياً في أنشطة الاستثمار الأجنبي ويخلق تحدياً أمام رغبتها في الدخول في الأسواق المحلية.
  • تحدي الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي: نظراً لأن حسابات الجدوى الاقتصادية هي الأساس العلمي الذي تعتمد عليه الشركات ذات النشاط الدولي في تخطيط أعمالها الدولية وتوسيعها، فإن واحداً من أشهر التحديات في بيئة الأعمال الأفريقية، هو غياب الاستقرار في هذه البيئة الذي يحد من جودة عمليات حساب الجدوى الاقتصادية. ومن ثم، تصبح بيئة الأعمال الأفريقية أقل جاذبية للشركات الدولية الباحثة عن الكفاءة الاقتصادية.

 

  • مداخل تنظيمية لتهيئة بيئة الأعمال في الدول النامية الأفريقية:

تأسيساً على ما استخلصته الدراسة من دروس من التجارب الدولية الناجحة، وفي ضوء ما تعانيه أغلب الدول النامية من تحديات وخصوصاً في دول القارة الأفريقية، فإن تنظيم بيئة الأعمال وتطويرها في هذه الدول يحتاج  إلى مداخل جديدة تراعي هذه التحديات وتتعلم من تلك الدروس. والنقاط التالية تسلط الضوء على المداخل التي تقترحها الدراسة:

  • إن المدخل الأول لتهيئة بيئة الأعمال في الدول النامية يأتي من وجود خطة محكمة للتطوير الإداري لبيئة الأعمال. على أن تتشارك الجهات جميعها ذات التأثير والتفاعل بهذه البيئة في صياغة هذه الخطة والإيمان بأهميتها وأهدافها التنموية. واعتماداً على هذه الخطة، تتضح الخطوات المطلوبة لتهيئة بيئة الأعمال، وتتوزع المهام والمسؤوليات على العناصر كلها المكونة لمنظومة الاستثمار الموضحة آنفاً.
  • أما التركيز على تطوير معارف ومهارات عنصر العمل فتعتبر من أهم مداخل التطوير المطلوبة لبيئة الأعمال في الدول النامية. ذلك أن انخفاض إنتاجية عنصر العمل في عمليات ترويج الاستثمار وفي مراكز خدمات الاستثمار يؤثر تأثيراً بليغاً في ترتيب الدولة في مؤشرات سهولة ممارسة أنشطة الأعمال ويؤثر، من ثمّ، في قدرتها على جذب المزيد من الاستثمار المباشر الأجنبي. وبالمثل، فإن تدبير التمويل اللازم لرفع إنتاجية رأس المال التكنولوجي يسهم في تحسين الخدمات الحكومية المقدمة من أجل التحول الرقمي، كما يعمل على رفع الإنتاجية الكلية لمراكز إنتاج خدمات الاستثمار وتقديمها. وبالتالي، فإن توليفة من تطوير الموارد البشرية والتحول التكنولوجي هي المدخل الحاسم لتهيئة بيئة الأعمال في الدول النامية.
  • الاهتمام بدعم بيئة الأعمال في قطاع الصناعة التحويلية وتحفيز أنشطته الجاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية على السواء. فتوفر مناخ تتشابك فيه الأنشطة الصناعية المحلية مع الأنشطة الاستثمارية المستهدفة يزيد من جاذبية بيئة الأعمال في دول القارة الأفريقية أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وخصوصاً النوعية العالية القدرات الصناعية والناقلة للتكنولوجيا.
  • أهمية القضاء على أشكال التداخل والتشتت القانوني كافة في اقتصادات الدول النامية. ويمكن أن يحدث ذلك عبر إصدار قانون موحد وواضح وسهل للاستثمار، على أن يراعي هذا القانون التحول الرقمي في تقديم الخدمات المختلفة للشركات المحلية والدولية.
  • أهمية الانتظام في تحليل مكونات المؤشرات الفرعية للتقارير الدولية الراصدة لبيئة ممارسة أنشطة الأعمال وفهم المنهجية التي تُبنى على أساسها تلك المؤشرات ومتابعة مكانة الدولة في هذه التقارير والتغيرات التي تطرأ عليها عاماً بعد آخر. كما أن من الضروري التعلم من أفضل الممارسات الدولية في تطوير بيئة الأعمال، مع الانتباه إلى أن هدف تطوير هذه البيئة لتكون أكثر سهولة هو شرط ضروري لكي يصبح الاقتصاد أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، لكنه ليس شرطاً كافياً لهذه الجاذبية كما سبقت الإشارة إليه.

 

المراجع

[1]. وقع الاختيار على تجربتي سنغافورة ونيوزيلندا لكونهما تمثلان نموذجاً رائداً في تهيئة بيئة الأعمال في تقارير البنك الدولي لسهولة ممارسة أنشطة الأعمال. كما أنهما تعدان من الاقتصادات التي لديها نهضة في مؤشرات الأداء الاقتصادي والتحول صوب التقدم حديثاً. وفي الوقت ذاته، ونتيجة لاختلاف قدراتهما على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن ذلك يمكن أن يفيد في تطوير سياسات اقتصادية أكثر فائدة لحالة الدول النامية عموماً.

[2]. راجع في تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر المنشور التالي على موقع صندوق النقد الدولي على الإنترنت: https://www.imf.org/external/np/sta/di/glossary.pdf

[3]. محمد يوسف، برنامج مقترح لتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر لمصر، دورية بدائل، عدد 22، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مصر، مايو 2017.

[4]. راجع رابط التقرير على الإنترنت: https://www3.weforum.org/docs/WEF_TheGlobalCompetitivenessReport2019.pdf

[5]. راجع الرابط التالي على الإنترنت: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

[6]. مصدر البيانات الخاصة بالسلسلة الزمنية 2003-2019 الواردة في الدراسة هو: مؤشرات البنك الدولي على الإنترنت في الرابط التالي: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

[7]. راجع في ذلك تقرير سهولة ممارسة أنشطة الأعمال الصادر عن البنك الدولي في عام 2019 في الرابط التالي على الإنترنت: https://www.doingbusiness.org/content/dam/doingBusiness/media/Annual-Reports/English/DB2019-report_web-version.pdf.

[8]. راجع في ذلك: مؤشرات البنك الدولي على الإنترنت في الرابط: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

[9]. راجع رابط التقرير على الإنترنت في الرابط التالي: https://www3.weforum.org/docs/WEF_TheGlobalCompetitivenessReport2019.pdf

[10]. راجع في ذلك الرابط التالي على الإنترنت: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

[11]. راجع في ذلك: مؤشرات البنك الدولي على الإنترنت في الرابط التالي: https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators.

[12]. راجع في ذلك: المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير التنافسية العالمي، إصدار 2019 في الرابط التالي: https://www3.weforum.org/docs/WEF_TheGlobalCompetitivenessReport2019.pdf.

[13]. راجع في ذلك التقرير السابق نفسه للمنتدى الاقتصادي العالمي في الرابط التالي: https://www3.weforum.org/docs/WEF_TheGlobalCompetitivenessReport واقع ب 2019.pdf.

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating 5 / 5. Vote count: 3

No votes so far! Be the first to rate this post.

التعليقات

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم كشفه.