15 أغسطس 2022

ضمن برامجه البحثية حول السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، أصدر مركز تريندز للبحوث والاستشارات دراسة جديدة بعنوان "ماذا بعد البرلمان العراقي الخامس .. إصلاح بنيوي أم عودة للنظام الرئاسي" تناولت بالعرض والتحليل واقع النظام البرلماني العراقي، من حيث بنيته وآلياته وطبيعة ثغراته ومقبوليته الشعبية، وتطرقت الى مستقبله وفرص استمرارية تطبيقه أو إصلاحه، كما استعرضت بالتفصيل جذور هذا النظام وعوامل إخفاقه والعيوب والثغرات الدستورية، إضافة إلى المشكلات والعيوب البنيوية.

وأشارت الدراسة التي أعدها عباس عبود سالم الكاتب والإعلامي العراقي المتخصص في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي إلى أنه بعد خمس دورات برلمانية، يتعرض النظام البرلماني في العراق لانتقادات شديدة على أكثر من مستوى وفي أكثر من مناسبة ولأكثر من سبب، حيث يعتقد كثير من خبراء القانون والنظم السياسية العراقيين أن هذا النظام عجز عن حل مشكلات العراق، بل تسبب في ترسيخ المحاصصة وتبرير الفساد والضعف السياسي، وتشتت قوة السلطة وغياب المسؤولية.

وبينت الدراسة أن معظم الأوساط يعتقدون أن النظام البرلماني العراقي الحالي لا يتلاءم مع طبيعة الوضع الاجتماعي السياسي العراقي الذي يتطلب سلطة سياسية قوية قادرة على اتخاذ قرارات تتناسب مع خطورة التحديات وصعوبتها، والمخاطر والتهديدات، وهذا يتمثل بالنظام الرئاسي أو شبه الرئاسي الذي ميز نظام الحكم في الدولة العراقية قبل عام 2003، مشيرة إلى أن هذه الآراء يتوافق عليها العديد من السياسيين ورجال الدولة العاملين في مفاصلها الإدارية وقطاعات شعبية واسعة.

وذكرت الدراسة أنه في الوقت الذي ينتقد فيه الكثيرون النظام البرلماني الحالي، فإن ثمة آخرين يدافعون عنه ويعتبرون أنه يُوجِد نوعاً من التوازن والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ ما يحول دون استبداد أي منها بالسلطة. وبرغم تباين وجهات النظر في كفاءة صلاحية هذا النظام للعمل، فإن هناك إجماعاً من الأطراف كلها على ما يعيبه من ثغرات، وعلى وجوب إصلاحه.

وخلصت الدراسة إلى أن النظام البرلماني العراقي، الذي صُمّم ليكون أحد أرقى النظم السياسية الديمقراطية قد تحول إلى عقبة أمام وحدة الدولة وقوتها وفاعلية أجهزتها السياسية والإدارية، مشيرة إلى أنه رسَّخ واقع المحاصصة وكرس الانسداد السياسي، وعجز عن إنتاج قيادة تمثل الشعب على المستوى الوطني، كما طرح البرلمان نفسه ممثلاً لمكونات وإثنيات عراقية تطالب بحصتها في المواقع السيادية في الدولة، وأسهم هذا الضعف في تغوُّل النفوذ الخارجي، وفي صعوبة انسجام الحكومات الائتلافية؛ الأمر الذي أضعف السيادة العراقية وحوّل النظام الديمقراطي إلى علامة وهن في جسد بلد لديه كثير من مقومات القوة والتأثير.

وأكدت الدراسة أنه أمام كل ذلك يكون العراق أمام ثلاثة طرق هي: الأول، بقاء النظام البرلماني على ما هو عليه مع إصلاحات دستورية جوهرية؛ منها إحياء الغرفة الثانية في البرلمان، وتعديل الصلاحيات البرلمانية، وتنظيم عملية الرقابة، وتشديد الضبط على سلوك النواب وعلاقاتهم مع السلطات الثلاث، وهذا يتطلب وجود كتلة كبيرة داخل البرلمان تمتلك الإرادة والدافع للقيام بهذه العملية التي تتم من خلال استمرار الضغط الشعبي مع ضغط منسق من قوى المجتمع ورموزه، وفي مقدمتها مرجعية النجف الأشرف. وهذا الحل لا يضمن تغييرات جوهرية في البيئة السياسية العراقية، لكنه أيسر الحلول.

أما الطريق الثاني فهو إسقاط الدستور والبدء بصياغة دستور جديد يضمن العودة إلى النظام الرئاسي، مع بقاء البرلمان بصلاحيات محددة في شكل يشبه البرلمان التركي أو التونسي أو المصري، وهذا لا يتم إلا من خلال ضغط شعبي هائل أو تصويت شعبي كاسح لكتلة برلمانية تتبنّـى هذا الطريق، وهذا السيناريو صعب التحقق وكلفته باهظة، لكن نتائجه ربما تؤدي إلى تغييرات جذرية.

أما الطريق الثالث فهو اتفاق سياسي على إجراء تعديلات دستورية تضمن تحول النظام البرلماني إلى نظام شبه رئاسي؛ أي يتم انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب فقط؛ ليحافظ على رمزيته وقدرته على موازنة العلاقة بين السلطات، وهو خيار مُمكن دعت إليه أكثر القوى السياسية، وهو أفضل الحلول وأقلها كلفة، وأقربها إلى التطبيق.