06 أكتوبر 2021

  • المشاركون يؤكدون الحاجة إلى عقد اجتماعي-سياسي لتحقيق المصالحة الشاملة
  • فقدان الثقة والانقسام المذهبي أبرز مهدّدات الاستقرار السياسي
  • المحاصصة السياسية أضعفت العراق ومؤسساته

ضمن سلسلة فعالياته المتنوعة في إطار متابعته للأحداث الإقليمية والدولية، نظم مركز "تريندز للبحوث والاستشارات" ندوة عن بُعد تحت عنوان: "الانتخابات البرلمانية العراقية 2021: التحديات والفرص"، شارك فيها كل من الدكتور بلال وهاب، زميل، ناثان واستير ك. واغنر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بالولايات المتحدة الأمريكية، والدكتور منقذ داغر مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعضو مجلس إدارة مؤسسة غالوب الدولية في الولايات المتحدة، والدكتورة هدى النعيمي مستشار الإسلام السياسي في مركز "تريندز"، والبروفيسور دلاوير علاء الدين، الرئيس المؤسس لمعهد بحوث الشرق الأوسط، في الولايات المتحدة، ورائد الحامد الباحث المستقل في الشؤون العراقية.

وأجمع المشاركون في الندوة على أن العراق يواجة أزمة ثقة، وأن المحاصصة السياسية أضعفت قانون الدولة، وتمددت في إضعاف مؤسسات الدولة بمساعدة عوامل أخرى، وشددوا على أن العراق بحاجة إلى تأسيس عقد اجتماعي-سياسي للمصالحة الشاملة بين المكونات العرقية والطائفية يعتمد مبدأ المواطنة والانتماء للعراق، ويبتعد عن مبدأ المحاصصة السياسية المعمول بها. وذكروا أن الانتخابات قد لا تغير من واقع المكونات الحالية.

وفي تقديمها للندوة حددت فاطمة الأحبابي من مركز "تريندز" محاور الندوة في كل من خريطة القوى السياسية وشبكات التحالفات الانتخابية، والظروف والتحديات التي تعقد في ظلها الانتخابات، والتأثير الإقليمي والدولي على نتائجها، والسيناريوهات المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة وفرص التغيير المنشود، فيما أشار مدير الندوة، سلطان ماجد نائب رئيس قطاع البحث العلمي في المركز إلى  أن الندوة تكتسب أهمية خاصة مع قرب الانتخابات البرلمانية العراقية في العاشر من شهر أكتوبر الجاري. كما تأتي في إطار متابعة المركز واهتمامه بالقضايا الإقليمية والعالمية ووضع رؤى وتصورات بشأنها.

"خريطة القوى السياسية وشبكات التحالفات الانتخابية الداخلية"

واستهل الندوة الدكتور بلال وهاب وتطرق في حديثه إلى "خريطة القوى السياسية وشبكات التحالفات الانتخابية الداخلية". وقال وهاب إن الانتخابات العراقية المقبلة نتاج لمطالب الشعب العراقي، خصوصاً الشباب منهم الذين خرجوا إلى الشارع مطالبين بالتغيير الإيجابي في المشهد السياسي الذي يشهد حالة من التجاذب والانقسام والتنافر والاقتتال منذ عام 2005، مضيفاً أن النظام السياسي في العراق كان مصمماً من قِبَل قوى تخشى فقد السلطة، وهذه القوى كانت مصممة على الانفراد بالمشهد السياسي، ما دفع الشباب إلى الانتفاض عليها والمطالبة بالتغيير الجذري بما يخدم مصالح الدولة الوطنية.

وذكر أن المطالبات الشعبية كانت تسعى إلى عدم تكرار نظام صدام حسين في الانتخابات البرلمانية العراقية 2021، وأشار الدكتور بلال وهاب إلى أن حضور الميليشيات في البرلمان العراقي جعله يفقد شرعيته ويحد من قدرته على خدمة الأجندة الوطنية العراقية، وترتب على ذلك الاحتجاجات العارمة التي جرت في العراق وغيرت قواعد اللعبة السياسية وجعلت الحكومة تقدم استقالتها، وهي أيضاً التي جاءت بحكومة مصطفى الكاظمي.

ونوه بأن قوة الشباب التي حركت الشارع العراقي أجبرت الدولة على الاستماع لأصواتهم ودعواتهم الوطنية التي تطمح إلى استعادة هيبة الدولة من قوى الميليشيات التي تخدم أجندات خارجية، مبيناً أن الولايات المتحدة كان لها دور كبير في دعم الحركة التصحيحية للمسار السياسي العراقي، لأنها أدركت أن مصلحة الشعب العراقي هي التي يجب أن تحظى بالدعم والأولوية، وليس الحكام أو الساسة بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم.

 

"الظروف والتحديات التي تعقد في ظلها الانتخابات العراقية"

بدوره، تطرق الدكتور منقذ داغر في ثاني محاور الندوة إلى "الظروف والتحديات التي تعقد في ظلها الانتخابات العراقية"،

وأوضح أن النظام السياسي في العراق صُمم بعد عام 2003 ليكون صندوق الانتخابات الوسيلة الأساسية لتداول الحكم والسلطة في العراق، وللأسف خلال هذه السنوات حتى عام 2019 لم يستطيع النظام أن يستجيب لعملية التغيير التي يسعى إليها الشعب العراقي، ولكن انتفاضة الشباب في العراقي أجبرت الحكومة على الاستقالة، ودفعت إلى إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة.

ونوه داغر إلى أن القوى السياسية وقفت ضد مطالب الشباب بإجراء انتخابات مبكرة، ولكن الشباب العراقي أعلن مقاطعة هذه الانتخابات، وتوقع الدكتور أن تأتي نتائج الانتخابات البرلمانية على عكس ما يتوقعه الشباب ويطالب به، ما سيؤجج الاضطرابات والاحتجاجات مجدداً، لأن الانتخابات التي ستحدث تعتمد على معدلات المشاركة الشعبية في عملية الاقتراع، ما جعل بعض التيارات السياسية تحشد حلفاءها لزيادة معدلات المشاركة.

وذكر الدكتور منقذ داغر أن النظام الانتخابي الجديد يجعل من شبه المستحيل لأي باحث التوقع بنتائج الانتخابات أو نسب المشاركة الشعبية، وذلك بسبب تقسيم الدوائر الانتخابية إلى 83 دائرة، ولكن مؤسسة "غالوب الدولية" حاولت توقع نتائج الانتخابات ونسب المشاركة، وتوصلت إلى أن نسب المشاركة ستتراوح بين 35 إلى 40%.

وأضاف أن توقعات "غالوب" توصلت إلى أن الأكراد سيكونون الأكثر تصويتاً بنسبة 50%، ومن المتوقع تصويت الشيعة بنسبة 35%، أما السنة فمعدلات التصويت ستتراوح بين  30 و40%، مؤكداً أن الانتخابات البرلمانية لن تسفر عن تغيير حقيقي في المشهد السياسي العراقي، وستثير الكثير من اللغط والاحتجاجات في الشارع العراقي.

وتطرقت الدكتورة هدى النعيمي إلى الظروف والتحديات التي تعقد في ظلها الانتخابات العراقية، موضحة أن المحاصصة السياسية أضعفت قانون الدولة، وتمددت في إضعاف مؤسساتها بمساعدة عوامل أخرى، مشيرة إلى أن كثيرا من الوزارات والمؤسسات تقع حالياً تحت سلطة الأحزاب السياسية وفصائلها المسلحة، وأن ثمة مناطق كبيرة في شمال العراق وغربه تقع تحت سلطة الفصائل غير النظامية مما جعل الإدارات غير قادرة على العمل وفق القانون أو تقويم الاعوجاج أو الانحراف.

وبينت أن ثمة مشكلة أساسية تحول دون بناء دولة مؤسسات في العراق، وهي أزمة الثقة بين أطراف العملية السياسية ككل، مشيرة إلى أن العراق منقسم إلى عدة طوائف وأقليات إثنية ودينية، مؤكدة أن المعضلة السياسية تكمن في فقدان الثقة السياسية بين العرب وبين الأكراد الساعيان إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاستقلالية عن السلطة الاتحادية، وفي الانقسام الديني المذهبي الذي ألقى بظلاله هو الآخر على الواقع السياسي، وهو ما يشكل مشكلة حقيقية تواجه الاستقرار السياسي في العراق.

حدوث التأثير الإقليمي والدولي على نتائج الانتخابات المقبلة

إلى ذلك قال البروفيسور دلاوير علاء الدين في ورقة عمل حول التأثير الإقليمي والدولي على نتائج الانتخابات أن المكونات العراقية فشلت في إرساء ديمقراطية حقيقة، لكنه أشار إلى أن الانتخابات العراقية التي ستجري في العاشر من أكتوبر المقبل تعني الكثير حيث أنها جاءت إثر انتفاضة شبابية. وذكر أن شرعية الانتخابات للسلطة غير مهمة حيث أن الفرقاء السياسيين لا يهتمون بمستوى الحضور الانتخابي من عدمه، وقال علاء الدين أن نتائج الانتخابات العراقية لن تغير شيئا رغم تغيير قانون الانتخابات، متوقعا أن تكون مخرجات العملية الانتخابية هي اللاعبين والمحركين لها أنفسهم. ورجح عدم تمكن أي من الفرقاء من تشكيل الحكومة منفردا مما سيعقد عملية اختيار رئيس الوزراء الذي يتنافس علية كثر، وذكر أن المناصب الرئيسية في الدولة العراقي ستبقى على حالها، وشدد على أن الشباب الثائرين هم أكبر الخاسرين.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة وفرص التغيير المنشود

وتناول الباحث رائد الحامد محور السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتشكيل الحكومة المقبلة وفرص التغيير المنشود، ملقيا الضوء على أهم القوى السياسية الشيعية الفاعلة في مشهد تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، ومستعرضا احتمالات تسمية المرشح لتشكيل الحكومة، والعقبات التي تواجه ترشيحه، مبينا أن فرص نجاح القوائم الانتخابية في تشكيل "الكتلة النيابية الأكثر عدداً" التي تؤهلها لتسمية مرشحها لرئاسة الوزراء، هي فرص ضئيلة، وأنه في حال نجحت فإن الخلافات بين الكتل النيابية داخل مجلس النواب ستحول دون منح الثقة للحكومة الجديدة بأصوات الأغلبية المطلقة، 166 صوتا، مرجحا اختيار مرشح "مستقل" من خارج الكتل السياسية يتم التوافق عليه بين هذه الكتل.

وفيما يتعلق بآفاق التغيير المحتملة بعد الانتخابات، أشار الحامد إلى أن فرص التغيير تكاد تكون معدومة دون تغيير جذري في بنية العملية السياسيةالتي تتصدر مشهدها وتتحكم في رسمه الأحزاب التقليدية، وهي مقتنعة بأن أي تغيير سيلحق أضرارا حقيقية  بمصالحها ومكاسبها الحزبية، مؤكدا أن الخروج من الأوضاع الراهنة يحتاج إلى ديمقراطية حقيقية بعيدة عن مبدأ المحاصصة السياسية المعمول بها، والتأسيس لعقد اجتماعي-سياسي للمصالحة الشاملة بين المكونات العرقية والطائفية يعتمد مبدأ المواطنة والانتماء للعراق.

وفي ختام الندوة دار نقاش مفتوح حول محاور الندوة وما تم عرضه، وعقبَ ذلك تقدم الدكتور محمد عبدالله العلي الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات بالشكر والتقدير للمشاركين في هذه الندوة على ما قدموه من معلومات مفيدة، وشدد على أن "تريندز" باختياره تقديم مثل هذه النوعية من الندوات فإنه يسعى إلى مواكبة الأحداث وتقديم رؤى حولها.