29 يونيو 2022

قامت دراسة بحثية حديثة، أصدرها مركز تريندز للبحوث والاستشارات، بتحليل المشهد السياسي العراقي بعد إعلان مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري انسحابه من العملية السياسية العراقية؛ احتجاجاً على تدهور الأمور وفشل المشاورات حول تشكيل الحكومة، منذ الانتخابات البرلمانية في أكتوبر الماضي.

وبينت الدراسة أنه بعد انتخابات عام 2021 لم يتغير المزاج الشعبي وأولويات الناخب وشعارات المرشحين فقط، بل تغيرت بشكل كبير تأثيرات الفواعل الداخلية والخارجية وأوزانها؛ فمرجعية النجف الأشرف التي كانت من أهم الفواعل تخلت عن دورها الجوهري في تحديد رئيس الوزراء والتزمت الصمت.

وأكدت الدراسة، التي صدرت تحت عنوان: «المشهد السياسي العراقي بعد انسحاب الصدر .. تعدد الفواعل وقلة الخيارات»، وأعدها عباس عبود سالم كاتب وإعلامي متخصص في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي- أكدت أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان لها التأثير الأكبر في المشهد السياسي العراقي لدورات برلمانية متعاقبة، قد تغيرت أولوياتها، ولم يعد للسفراء الأمريكيين في بغداد الرغبة ذاتها في التأثير الذي كانوا يمارسونه في السابق، وتراجع دور إيران بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني وأصبحت طهران بعد تنامي قوة الشارع العراقي تخشى مشاعر الغضب الشعبي العراقي تجاهها.

خيارات المستقبل

وأوضحت الدراسة أن انسحاب مقتدى الصدر من المشهد السياسي شكّل بداية لمفترق طريق سياسي يحتمل مسارين: الأول هو انهيار الدولة أمام ضغط الشارع وبروز دور الجماعات المسلحة بدل العملين السياسي والإعلامي، لضمان تحقيق توازن جديد في القوة بين الفرقاء السياسيين، والبحث عن حجوم جديدة تحددها القوة على الأرض لا صناديق الاقتراع، أما المسار الثاني، فيرجح تماسك الدولة في ظل الدستور والأنظمة والقوانين القائمة، ويتم ذلك باستمرار دعم الفواعل الخارجية التي يرتبط العراق معها بالتزامات متبادلة للحفاظ على وحدته واستقراره ودعم نظامه الديمقراطي. وفي ظل هذا المسار سيكون العراق أمام ثلاثة سيناريوهات؛ هي: إما حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، أو تشكيل حكومة توافقية بالاتفاق بين الإطار التنسيقي مع حلفاء الصدر، أو تشكيل حكومة من المستقلين.

تراجع الفواعل المؤثرة

وأشارت الدراسة البحثية إلى تراجع الفواعل التقليدية المؤثرة، وتصاعد الدور التركي ميدانياً وسياسياً، حيث ظهرت ملامح بريطانية غير معلنة على بعض الطبخات السياسية التي تتسق مع الرغبة في الانقلاب على القوى التقليدية التي تميزت بعلاقاتها الوثيقة مع إيران، وأصبحت الأروقة السياسية تتحدث عن لاعبين جدد، بينما حافظ الاتحاد الأوروبي، رغم حضوره الواسع، على توازنه وعدم انحيازه لأي طرف، بخلاف الأمم المتحدة ورئيسة بعثتها في العراق جنين بلاسخارت التي احتفظت برؤية طموحة لتغيير الواقع والتناغم مع رغبات الشارع، لكنها أخفقت في مسك العصا من الوسط؛ لذلك فهي تتعرض لحملات إعلامية قاسية من قِبل الأطراف كلها.

حقل ألغام سياسي

وذكرت أن الفشل سيكون مصير أي حكومة عراقية مقبلة تتجاوز الفواعل الداخلية والخارجية، وسيكون الفشل مصير أي حكومة ينتجها التعجل من قِبل قوى الإطار، سواء في المنهج أو في اختيار شخصية غير قادرة على المضي بسلام فوق حقل الألغام السياسي العراقي، مضيفة أن قرار مقتدى الصدر الانسحاب من المشهد سيحوله من مشارك في العملية السياسية إلى أحد أهم فواعلها، ولاسيما مع غياب مرجعية النجف عن المشهد السياسي، وأثبتت التجارب أن الصدر بارع في توظيف ما يمتلك من عناصر قوة.

دولة موازية مقتدرة

وبينت الدراسة أن انسحاب مقتدى الصدر سيجعل القوى السياسية والفواعل المؤثرة تعيد حساباتها من جديد، إذ يراهن الصدريون على الشارع كفاعل أساسي يمتلك الزخم والقوة والتأثير، وسيعملون على قيادته دينياً وسياسياً واجتماعياً وإعلامياً للانتفاضة سلمياً ضد أي حكومة لا تتماشى مع توجهاتهم، فبينما ينهمك الخصوم في أعباء تشكيل حكومة لا تمتلك إلا القليل من فرص النجاح، يتنعم الصدريون اليوم بدولة عميقة متجذرة في عمق مراكز القرار الإداري الحكومي، تؤمّن لهم القوة على كسب جمهور جديد، ودولة موازية مقتدرة تؤمّن لهم القدرة على تنظيم شارعهم وجماهيرهم، وفضاءً إعلامياً سياسياً يحاولون تطويعه بالشكل الذي يتيح لهم التخطيط لإدارة مرحلة مقبلة يمتلكون فيها كامل أدوات اللعب الضامنة لتصدرهم المشهد السياسي بلا منافس، وسيضمنون التفوق في الجولة المقبلة ما لم يسبقهم الإطار التنسيقي بخطوة تجعلهم يعيدون النظر في حساباتهم.