Insight Image

إخوان ليبيا ولعبة الأسماء

17 مايو 2021

إخوان ليبيا ولعبة الأسماء

17 مايو 2021

 مقدمة

  نشرت جماعة الإخوان المسلمين الليبية بياناً في صفحتها على الفيسبوك بتاريخ 2 مايو 2021 حمل عنوان “بيان للناس”[1]، وقد كان لافتاً للانتباه أنها أعلنت فيه عما سمته انتقالاً إلى جمعية تحمل اسم “الإحياء والتجديد”. ويأتي هذا الإعلان بعد شهر ونصف من تقلد الحكومة الليبية الجديدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة مقاليد السلطة وبداية استقرار الأحوال في ليبيا تمهيداً لإجراء الانتخابات. هنا يمكن الإشارة إلى ما يمكن أن يعتبر تقليداً إسلاموياً، هو تقليد المراجعات الذي عادة ما تلجأ إليه الجماعات الإسلاموية كلما استشعرت أن الأوضاع غير مواتية لها لفرض خطتها في التمكين السياسي والهيمنة على الدولة والمجتمع. وتبدو جماعة الإخوان المسلمين/فرع ليبيا في هذا المضمار منخرطة في الاستراتيجيات التي تتبعها سائر الجماعات الإخوانية في التفاعل مع التطورات في الواقع المحلي والإقليمي والدولي، والاستجابة لما تفرضه من تحديات ومخاطر، مقتدية في ذلك بالجماعة المصرية الأم.

  ونستهدف في هذه الدراسة فهم هذا الإعلان الجديد باستجلاء إطاره الموضوعي ودوافعه وتبين دلالاته وغاياته ووضع مصداقيته ونزاهته على محك الاختبار، وذلك باتباع منهج يقوم على ثلاثة عناصر، وهي: أولاً: لمحة تاريخية نحيط، من خلالها، بتجربة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا. وثانياً: السياق الذي حف بذلك الإعلان، وثالثاً: تفكيك بيان الجماعة من منظور تحليل الخطاب.

 أولاً: لمحة تاريخية

  يمكن أن نميز في تجربة جماعة الإخوان المسلمين الليبية بين فترتين يفصل بينهما حدث حاسم تمثل في الإطاحة بنظام معمر القذافي عقب ما يسمى بثورة 17 فبراير 2011.

  • الفترة الأولى

  تعود بداية ظهور الأيديولوجيا الإخوانية في ليبيا إلى أواخر الأربعينيات من القرن العشرين في فترة حكم الملك إدريس السنوسي، وبذلك تكون ليبيا من بين أوائل البلدان التي تسربت إليها تلك الأيديولوجيا من خلال ثلاثة من الإخوان المصريين الهاربين إلى برقة بعد عملية اغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر في ديسمبر 1948. وقد تمكنوا من استقطاب مجموعة من الشباب الليبي وكونوا فرع الجماعة في ليبيا. وبعد فترة من العلاقة الودية مع الملك السنوسي حدث تحول مهم بعد اغتيال أحد المقربين منه على يد شاب ليبي كانت تربطه علاقات وثيقة بجماعة الإخوان الليبية؛ ما أدى إلى حظر الجماعة ومنعها من النشاط العلني، وهو ما دفعها إلى انتهاج العمل السري. وكانت هزيمة الجيوش العربية في حرب 1967 نقطة الانطلاق في بلورة رؤية تنظيمية للإخوان المسلمين في ليبيا، وبروز قيادات ساهمت في التأسيس النظري وتكوين الأطر التنظيمية للجماعة؛ من أمثال مصطفى الجهاني، وعلي الصلابي، وإدريس ماضي، وصالح الغول، وفاتح أحواص وغيرهم[2].

وبد تولي معمر القذافي الحكم عام 1969 مرت علاقة “الإخوان” مع النظام الجديد بمرحلتين؛ اتسمت الأولى بالتوافق والتعاون إلى حدود عام 1973، وفي الثانية منع النظام الجماعة وحظر أنشطتها في إطار توجه عام لحظر نشاط سائر الأحزاب والتيارات السياسية تحت شعار “مَن تحزَّب خان”[3]. وقد لجأ أعضاء الجماعة الإخوانية إلى الفرار إلى الخارج، وخاصة أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث وجدوا الإحاطة والدعم من شبكة التنظيمات والجمعيات الإسلامية هناك التي كانت تحت سيطرة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين[4]. وقد شكل ذلك ظروفاً ملائمة لهم لاكتساب خبرات تنظيمية ومراكمة تجارب سياسية كانت مفيدة لهم في أواخر حكم القذافي، عندما بدأت البلاد تشهد نوعاً من الانفتاح السياسي، فقد استغل الإخوان الليبيون الفرصة للتغلغل في أجهزة الدولة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، فضلاً عن التحكم في الخطاب الديني[5].

  • الفترة الثانية

  شكّلت الإطاحة بنظام معمر القذافي منعطفاً فاصلاً في تاريخ ليبيا الحديث بشكل عام، وفي تجربة جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص؛ فبعد عقود من الحظر للأنشطة الحزبية والسياسية والقيود المفروضة على التنظيمات والجمعيات من مختلف الاتجاهات، انفتح الحقل السياسي والاجتماعي في هذا البلد على مصراعيه في ظل واقع يشير إلى سيطرة البنى القبلية والعشائرية، وإلى هشاشة تلك التنظيمات والأحزاب وقلة خبرة أطياف واسعة من الشعب الليبي بالعمل السياسي، وبما يكتنفه من صراعات ومناورات وخداع في إطار التنافس المحموم في سبيل التحكم في السلطة وملء الفراغ الذي تركه سقوط النظام.

 وفي ظل مناخ إقليمي ودولي ملائم لصعود الحركات الإسلاموية في الدول التي شهدت ما يسمى انتفاضات الربيع العربي، انتهز إخوان ليبيا الفرصة، فأسسوا حزباً سياسياً تحت اسم العدالة والبناء في مارس 2012، وجاء تأسيس هذا الحزب في إطار ما ادعوا أنه فصل بين الدعوي والسياسي لتواصل الجماعة عملها “كحركة دينية وخيرية واجتماعية دعوية”[6]. وقد اتبعت الجماعة في ذلك نموذج الإشراف التام والوصاية، حيث تقوم الحركة الدعوية بوصاية تامة على الحزب السياسي، على غرار تجربة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن مع حزب جبهة العمل الإسلامي، وتجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر مع حزب الحرية والعدالة[7].

واستغل إخوان ليبيا الأوضاع الهشة وقلة التجربة لدى المنافسين ليضعوا قواعد اللعبة الانتخابية حسب مصالحهم؛ مما مكنهم من السيطرة على المؤتمر الوطني العام (المؤتمر التأسيسي) في انتخابات يوليو 2012 رغم خسارة حزب العدالة والبناء أمام تحالف القوى الوطنية، وذلك من خلال المستقلين الموالين لهم الذين يمنحهم القانون الانتخابي 60 بالمئة من المقاعد[8].

وهكذا أتيح لإخوان ليبيا التسرب إلى مواقع السلطة في البلاد من خلال تقلدهم بعض المناصب الحكومية، غير أن الانتخابات التشريعية في يونيو عام 2014 شكلت منعرجاً حاسماً في ليبيا، إذ انقادت الحركة الإسلاموية إلى هزيمة فادحة أنهت سيطرتها على البرلمان، فلم ينل مرشحوها سوى 30 مقعداً من جملة 200[9]. ولم يعترف “الإخوان” بهذه النتائج واعترضوا عليها، ولم يقتصر الرفض على الطرق السلمية بل انخرطوا في أعمال عنف بقوة السلاح بدعم من ميليشيات مسلحة وسيطروا على العاصمة طرابلس في إطار ما سمي بعملية “فجر ليبيا”.

وقد كشف هذا الموقف رؤية الإخوان للديمقراطية الانتخابية، التي ليست إلا وسيلة للوصول على السلطة واستمرار التحكم بها والانقلاب عليها إذا لم تكن في صالحهم. وقد أدى ذلك إلى حالة من الانقسام الحاد على جميع المستويات السياسية والجغرافية والمؤسساتية في ليبيا، ودخلت البلاد في أتون حرب أهلية، وعاشت طوال سنوات على وقع مواجهات عسكرية بين الجيش الوطني الليبي التابع لسلطة البرلمان المنتخب في الشرق، وميليشيات مسلحة ملتفة حول حكومة طرابلس في الغرب وتتلقى الدعم المادي والسياسي والعسكري من دول إقليمية مجاورة.

 تكشف هذه التطورات التاريخية في تجربة الحركة الإسلاموية في ليبيا أنها حركة تجمع في نشاطها بين أبعاد متعددة ومتنوعة؛ فهي تمتلك خبرة في المراوحة بين العمل العلني والعمل السري، وبين العمل السياسي والعمل الدعوي الاجتماعي، وهي قادرة على الانقلاب على الديمقراطية الانتخابية إذا لم تحقق ما ترجوه من نتائج، بل إنها لا تتوانى عن الانخراط في أعمال العنف المسلحة لإحكام سيطرتها على مساحة السلطة والنفوذ التي امتلكتها.

ثانياً: في سياق الإعلان الجديد

  يحتاج فهم البيان الذي أعلنت فيه جماعة الإخوان الليبية انتقالها إلى جمعية “الإحياء والتجديد”، وضع ذلك البيان في سياق التطورات التي تشهدها ليبيا والإقليم؛ فقد اتسمت الأوضاع في ليبيا طيلة عقد من الزمان باضطرابات على كافة الصُّعد السياسية والأمنية والاجتماعية، وشهدت حرباً أهلية ما تزال آثارها باقية إلى اليوم، وهو ما كان له تداعيات سلبية على استقرار البلاد وعرقل بناء هيكلها السياسي وإعادة التكوين المؤسساتي للدولة وأجهزتها. وبعد جهود مضنية على مدى سنوات توصل الليبيون بمساعدة دولية وبغطاء أممي إلى وضع خارطة طريق تتضمن جملة من التسويات لاستعادة الاستقرار والسلم والانخراط في عملية إعادة البناء. فتشكلت حكومة جديدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة ومجلس رئاسي جديد برئاسة محمد المنفي.

 وتواجه السلطة التنفيذية الجديدة في البلاد تحديات جمة من أبرزها[10]؛ وضع حد لحالة الانقسام في مؤسسات الدولة وإعادة توحيدها، واستعادة الأمن من خلال إنهاء سلطة الجماعات المسلحة وتصفية الأسلحة الخارجة عن الشرعية وسحب المقاتلين الأجانب الذين يناهز عددهم 20 ألفاً، وتحسين الأحوال المعيشية لفئات كثيرة من الشعب الليبي التي عانت ويلات سنوات الحرب وجعلتها تدرك فظاعتها وتطلب استعادة السلم والأمان، والحفاظ على جملة من التوازنات السياسية والقبلية من أجل دمج أكثر ما يمكن من القوى السياسية في العملية الانتقالية التي يُنتظر أن تفضي إلى إجراء انتخابات في 24 ديسمبر 2021[11]، وتعتبر هذه الانتخابات الأفق السياسي الذي قد يمكّن ليبيا من تجاوز تجربة الفوضى والتقاتل، ومن وضع اللبنات الأولى لإعادة بناء الدولة في إطار سلمي مدني.

  أما من الناحية الإقليمية فمن الواضح في الظرف الحالي أن المجال مفتوح نحو إنجاز تسويات بين القوى الإقليمية، وأن وضع جماعات الإسلام السياسي من بين أهم محاور تلك التسويات، ولاسيما من جهة ما تتلقاه من دعم سياسي ومادي وإعلامي. ويبدو أن الظروف لم تعد مواتية لاستمرار ذلك الدعم على الأقل بالطريقة التي كانت سائدة في المرحلة السابقة[12].

يضاف إلى ذلك أن وضع الإخوان المسلمين في العالم يشهد تراجعاً جلياً، وخاصة بعد الإطاحة بحكم الجماعة الأم في مصر في صيف 2013، وتصاعد موجة إرهاب الحركات المتطرفة، والوعي الحاصل بأنها سليلة الأيديولوجية الإخوانية التي وضع مرتكزاتها حسن البنا وسيد قطب على وجه الخصوص. وينعكس وضع جماعة الإخوان المسلمين المصرية على سائر الجماعات الإخوانية التي تجمع بينها روابط وثيقة بطريقة أو بأخرى، ومنها جماعة الإخوان الليبية. ويبدو أن هذه الجماعات بدأت تستشعر خطورة تلك الروابط، وأن استمرارها في هذا النهج يشكّل في سياق التحولات التي تعصف بها خطراً وجودياً عليها، فأدركت أن هناك حاجة ملحة لإيجاد طريقة لفك الانتساب للجماعة الأم على النحو الذي كان قائماً.

تلقي هذه التطورات في السياقين المحلي والإقليمي بظلالها على وضع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا؛ فهي تطورات مليئة بالضغوطات والإكراهات ولا توفر إطاراً ملائماً للعمل بأريحية؛ أي للمحافظة على صورتها وهويتها الراسختين في الأذهان والمرتبطتين بالانتماء إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وممارسة أنشطتها باعتبارها فرعاً محلياً له، فهذا السياق من منظورها سياق أزمة، ولعل من الشواهد الدالة على ذلك ما عرفته الجماعة من تصدع في وحدتها باستقالة أعضائها بمدينة الزاوية في أغسطس 2020 ثم استقالة أعضائها بمدينة مصراتة في أكتوبر 2020[13]. فهذه الاستقالات مهما يكن تقييمنا لها سواء كانت جدية أو تندرج في سياسة المناورة، فإنها تعكس واقع الأزمة التي تتخبط فيها الجماعة.

ويكشف إلقاء الضوء على هذا السياق عن أمرين مهمين: أولهما أن البيان الذي نشرته جماعة الإخوان الليبية لم يصدر عن دينامية داخلية بمعزل عن المؤثرات الخارجية التي تعتمل في الواقع وأفضت إلى الاقتناع بإجراء ما سمته الانتقال إلى “جمعية الإحياء والتجديد”. وثانيهما أن الجماعة الليبية تحاول التكيف مع متغيرات الواقع، معتمدة في ذلك على تقاليد الجماعات الإخوانية في التلون والتقلب حسب تبدل الأحوال والأوضاع، وعلى تأصيل “شرعي” متمثل في مصطلحات من قبيل: “فقه الواقع”، و”فقه الأولويات”، و”فقه الموازنات”، و”فقه المصالح”؛ وهي مصطلحات دأب دعاة الإسلاموية المعاصرون من أمثال يوسف القرضاوي على تأصيلها لإضفاء المشروعية الدينية على ما يصدر عن الجماعات الإخوانية من خطابات وممارسات، مهما تكن بينها من تناقضات وازدواجية.

 ثالثاً: في دلالة الإعلان الجديد

  نهتم في هذا الجزء بفحص البيان المشار إليه سابقاً بالاعتماد على منظور تحليلي نقدي، يرتكز على اعتبار ذلك البيان خطاباً ذا بنية يتضافر فيها الشكل والمضمون لإنتاج دلالة مخصوصة ولأداء وظائف بعينها، وهو إلى ذلك خطاب ذو مستويين: ظاهر جلي تدركه العيان، وباطن خفي يحتاج إلى الحفر في طبقاته بحثاً عن المعاني العميقة. ويتيح لنا تفكيك البيان وفق هذا التمشي المنهجي تجنب الأحكام المسبقة واختبار مدى مصداقية ما تضمنه من مراجعات ونزاهتها.

  • الخطاب شكلاً

  يتضمن الخطاب من حيث الشكل معطيات جديرة بأن نتبين جملة الدلالات التي تحيل عليها إن تصريحاً أو تلميحاً؛ فقد صدر البيان في صفحتين حاملاً توقيع “جماعة الإخوان المسلمين الليبية” في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” تحت عنوان “بيان للناس”، وقد ذُيل بتحديد المكان طرابلس، والزمان 20 رمضان 1442 الموافق 2 مايو 2021، وفي أعلى الصفحتين على اليمين شعار جماعة “الإخوان” المعروف في شكل دائرة بلون أخضر عليها سيفان متقاطعان تعلوهما صورة للمصحف وفي الأسفل عبارة “وأعدوا” وهي العبارة التي تبدأ بها الآية ﴿وَأَعِدواْ لَهُم ما اسْتَطَعْتُم من قُوةٍ وَمِن ربَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُو اللهِ وَعَدُوكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَف إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال 8/60).

 وبقدر ما يمثل الشعار الهوية البصرية للجماعة، فإنه مثقل بالدلالة الرمزية على توجهاتها الأيديولوجية وعلى ما يجمع بين أفرادها ومجموعاتها مهما تقلبت بهم الأحوال وتباينت بينهم المواقف من أفكار وأهداف ووسائل. ولا يخفى في سيميائية الصورة ما يختزنه هذا الشعار من دعوة إلى العنف والقتل والتقاتل، ومن سعي إلى إضفاء الشرعية الدينية على هذه الدعوة، دون أن نغفل عن الإشارة الخفية إلى إكساء الجماعة رداء القداسة الدينية، بل والعمل على احتكار لا تمثيل الإسلام فقط، بل تجسيد كلمة الله في الأرض أيضاً من خلال صورة المصحف كذلك.

  أما من جهة العنوان “بيان للناس”، فهو يبدو لافتاً للانتباه، وكأنه يريد أن يشد اهتمام القارئ لأمر جلل، وليس خفياً الاستئناس في صياغته بمرجعية دينية قرآنية، فهي عبارة مقتبسة من الآية “هَذَا بَيَانٌ للناسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتقِينَ” (آل عمران 3/138). وتستوقفنا ملاحظتان؛ تتعلق الأولى بعبارة “بيان” التي تفيد معنى الإيضاح والكشف عن موقف ما، إما أنه قديم التبس على المتقبل معناه أو جديد يراد تبليغه. وتتصل الثانية بضبط المرسل إليه الذي يتوجه إليه الخطاب وهو “الناس”، وهي عبارة عامة جامعة لا تعيِّن مجموعة بعينها، فالخطاب موجَّه إلى الجميع، سواء كانوا أفراداً في الجماعة أم لا، وسواء كانوا ليبيين أو غيرهم في بقاع العالم، غير أننا نرجح أن المخاطَبين المقصودين هم من جماعة الإخوان، فهؤلاء في لاوعي الجماعة لا يحتاجون بياناً وهم ليسوا مثل سائر الناس، فهم أولئك المسكوت عنهم في الخطاب، والذين أشار إليهم المقطع المحذوف من الآية “المتقين”. ويحمل ذلك دلالة مضمرة على نزعة الإخوان إلى تمييز أنفسهم عن سائر البشر من منطلق الاستعلاء عليهم بالإيمان، فهم يستلهمون في ذلك متخيل “الطائفة المنصورة”، وهم وحدهم على طريق فهم الإسلام الصحيح.

  ومما يجلب الانتباه في صورة الخطاب البصرية الحضور المكثف لعبارة “جماعة الإخوان المسلمين الليبية” أو “الجماعة” إذ تكررت تسع مرات في المتن والهامش في حيز قصير، وبها انفتح الخطاب وعليها انغلق، فهي البوتقة التي تشد مفاصل الخطاب، وتنصهر فيها معانيه الظاهرة والخفية، وهو ما يشي بنزعة المخاطِب المحمومة إلى تأكيد تشبثه بهويته المعلومة، وإلى سيطرة ذلك الانتماء عليه سيطرة لا يقدر أن ينفك عنها، حتى وهو يعلن الانتقال إلى هوية جديدة، بل لعله أراد أن يرسل رسالة إلى أتباعه وأنصاره بطريقة مضمرة مفادها أن هذا الانتقال لا يعني البتة فك الارتباط بالجماعة.

  وهكذا، فإن شكل الخطاب ورد مثقلاً بالعناصر والعلامات الدالة على هوية المخاطِب، وكأنه ينبه المتلقي أنه متمسك بها وساع إلى المحافظة عليها، وإلى ما تحيل إليه من تموقع أيديولوجي، بصرف النظر عما يمكن أن يطرأ من تحولات تقتضيها إكراهات الواقع وحسابات المصالح والمنافع في سوق المناورات السياسية.

  • الخطاب مضموناً

  استهل الخطاب بمقدمة قوامها الآية 105 من سورة التوبة، ولا يبدو أن هذا الاستشهاد القرآني قد ورد بصفة عفوية أو اعتباطية، فهو يتنزل في إطار التمهيد لما يتضمنه الخطاب من محاور وتهيئة المتلقي لتقبلها. وتركز الآية على معنى العمل ومعنى المحاسبة عليه في اليوم الآخر، فهذه الآية إذن تضع المراجعة الإخوانية في إطار الأعمال التي يحاسَب عليها المؤمنون، فهي ليست مجرد مراجعة نظرية مجردة وإنما هي حركة في الواقع يراد لها أن تترك أثرها فيه. وهكذا تنهض هذه الآية شاهداً على الإطار المرجعي الذي تتنزل فيه المراجعة الإخوانية، وهو إطار لا يخلو من توظيف المقدس الديني في جهد بشري على عادة الحركات الإسلاموية.

 ويتوزع الخطاب من حيث مضامينه إلى ثلاث وحدات مترابطة، ونشير في النقاط الآتية إلى أبرز ما اشتملت عليه من دلالات:

  • تسلط الوحدة الأولى الضوء على نقطتين: تتصل الأولى بمنهج الجماعة، وهو منهج يقوم على التفاعل مع الواقع والاستجابة لمتغيراته. وتختزل مصطلحات “الاجتهاد” و”الإصلاح” و”المدافعة” خصائص هذا المنهج، وهي مصطلحات تجمع بين الدلالة الموحية بالمنزع السلمي كما هو الحال في مصطلحي “الاجتهاد” و”الإصلاح” والدلالة الموحية باتباع وسائل لا تخلو من عنف، كما هو الحال في مصطلح “المدافعة”. ولا يخفى ما لها من صدى في الأيديولوجيا الإسلاموية الإخوانية، وهي الأيديولوجيا التي تجعل الدين مطية لإحداث تغيير في الواقع السياسي والاجتماعي باستعمال مختلف الوسائل. وتتعلق الثانية بإشارة تلخص سيرة جماعة الإخوان المسلمين الليبية في تعاملها مع ما تسميه “الطغيان” ومشاركتها من خلال “الكفاح والنضال” في تغييره، من دون أن تحدد على وجه الدقة وسائل هذا النضال والكفاح التي لا يمكن أن نستبعد فيها اللجوء إلى العنف الذي تبرره عبارة “الطغيان”، وفي كل الأحوال يحفل هذا الخطاب بالإشارات الموحية بانخراط هذه الجماعة طيلة مسيرتها التاريخية في العمل الذي يسعى لتحقيق مآرب سياسية. وفي المحصلة تؤدي هذه الوحدة وظيفة التأصيل “الشرعي” لمنهج الجماعة الذي يقوم على الحاجة الماسة إلى مواكبة التحولات التي يشهدها الواقع الليبي مثلما دأبت على ذلك، مع ربط ذلك بقواعد لاهوتية من قبيل مرضاة الله وأداء الأمانة وتبليغ الرسالة فتصطبغ السياسة بمسحة دينية ويجعل الدين في “وضع ارتهان إلى عالم السياسة بكل ما يتميز به من مساومات ومناورات”[14].
  • تضطلع الوحدة الثانية بوظيفة ضبط السياق الذي يتنزل فيه الإعلان الجديد من منظور الجماعة، وهو السياق الذي شهد تشكيل الحكومة الليبية الجديدة بعد كل ما مرت به البلاد، منذ ما سمته بثورة فبراير 2011، التي تعمل الجماعة بطريقة ضمنية على احتكار تمثيلها، من محن وانقسامات وحروب تدهورت فيها أوضاع الليبيين المعيشية وتصدعت وحدة الدولة بين سلطتين واحدة في الغرب والأخرى في الشرق. غير أن هذه المعطيات الموضوعية المعلومة غابت في هذه الوحدة في مقابل التركيز على الذات من خلال الحضور اللافت لمسألة المظلومية، وهي من أركان الخطاب الإسلاموي الإخواني، وتظهر هذه المظلومية في ادعاء التعرض للتشويه والتزوير والإقصاء، وينطوي هذا الخطاب على منزع لتقسيم المجتمع وفق ثنائية الجماعة/ نحن (الذين يمثلون الخير والبناء والنهضة والنبل) والآخر/هم النقيض لكل ذلك. ولهذه المسألة اصطلاح مخصوص في ذلك الخطاب وهو “الابتلاء”، وقد اعتبر علي الصلابي أحد أبرز دعاة الجماعة في ليبيا أن الابتلاء مرتبط بالتمكين ارتباطاً وثيقاً[15]. إن المهم في هذه الوحدة هو التركيز على الإطار الذي تتحرك فيه الجماعة، وهو إطار سياسي بامتياز تبدو فيه ليبيا مقبلة على مرحلة جديدة ما يستدعي الاستجابة لإكراهاتها وتحدياتها بما يسمح للجماعة بمواصلة العمل على ما سمته “أهدافها النبيلة”؛ ما يعني أن الأهداف لم تتغير، وإنما هناك ضرورة لتغيير وسائل تحقيقها في ضوء ما يستجد في الواقع.
  • تمثل الوحدة الثالثة مركز الاهتمام الرئيسي في الخطاب، ولم تكن الوحدتان السابقتان سوى تمهيد لها، فهي البؤرة التي تلتئم فيها معاني الرسالة التي يريد المخاطِب تبليغها. وتشتمل هذه الوحدة على ثلاثة معان متشاكلة؛ يتضمن الأول تأكيداً على أن الإعلان الجديد هو حصيلة نقاشات داخلية في صفوف الجماعة. ويتمثل الثاني في الإعلان عن الانتقال من مسمى جماعة الإخوان المسلمين إلى مسمى جمعية “الإحياء والتجديد” ووضع الإطار الفكري العام الذي يشكل مرجعية عملها. ويضبط المعنى الثالث المجال الواقعي الحركي للجمعية والأهداف التي ستعمل على تحقيقها.

والسؤال المطروح في هذا المضمار: هل يشكل تغيير الاسم تغييراً جوهرياً في مستوى توجهات الجماعة الأيديولوجية ومرجعياتها الفكرية وفي مستوى منهج عملها ومجالاته وغاياته، أم أن الأمر ليس سوى إعلان تكتيكي للاستجابة لإكراهات المرحلة والتوقي من مخاطرها المحتملة؟

تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى الوقوف عند شبكة من المفاهيم والمصطلحات التي يعج بها بيان الجماعة، والتي لا مراء في أن لها صداها في الأدبيات الإسلاموية عموماً والإخوانية خصوصاً، ولاسيما أن تجارب الجماعات الإخوانية تكاد تتشابه رغم الفروقات الطفيفة بينها، ولعل أبرزها مفاهيم الإحياء والتجديد والدعوة والإسلام الوسطي وثوابت الإسلام والرسالة ومجالات العمل العام والهوية، فهي مستمدة من المعجم الإخواني الذي استولى على بعض المفاهيم السائدة في الفكر الإسلامي كالإحياء والتجديد والوسطية وعمل على غرسها في نسيج خطابه من أجل الترويج لصورة الجماعة المنخرطة في ذلك الفكر ولإبعاد تهمة التطرف والغلو عنها والإيهام بمسايرة العصر.

 ويضبط مفهوم “ثوابت الإسلام”، وهو فكرة إخوانية صميمة[16]، حدود التجديد الذي يتلخص في عملية إحيائية لمتخيل العصر الذهبي ووصل الحاضر بالماضي، كما أشار إلى ذلك راشد الغنوشي في كتابه “من تجربة الحركة الإسلامية في تونس”، وهو ما يؤكد أن مشروع الجماعة مشروع ماضوي مجاف في جوهره للعصر. أما مصطلح “المجال العام” أو “العمل المجتمعي” فهو مصطلح فضفاض ولا يجعل لعمل الجماعة حدوداً معينة، فهو ليس إلا شكلاً من أشكال المراوغة لتجنب القول الصريح بانخراطها في العمل السياسي بتوظيف الدين، وأن من غايات أداء الرسالة من المنظور الإسلاموي المشاركة في عالم السياسة سعياً للوصول إلى الحكم وتطبيق الصورة التي تراها للإسلام في مجتمعها من خلال العمل الدعوي، وهو عمل يطرح أسئلة شائكة حول من تتوجه إليه الدعوة وماذا يكون مضمونها في مجتمع يعترف الإخوان أنفسهم بأنه مسلم.

 وهكذا تبدو الجمعية في اسمها الجديد متشبثة في توجهاتها ومنهجها بالانتساب إلى الأيديولوجيا الإسلاموية الإخوانية التي تقوم على تصور شمولي للإسلام، يجمع بين العمل الدعوي والعمل الاجتماعي والعمل السياسي. فليس هذا الاسم الجديد والعبارات البراقة الحافة بالخطاب من قبيل: الوطن والمدخل الحضاري والنهضة والتنوع والاختلاف، سوى شعارات مخاتلة ذات وظيفة دعائية للترويج لصورة الجمعية التي فكت ارتباطها في الظاهر بالتنظيمات الإخوانية العابرة لحدود الأوطان والدول، ولكن الوقوف عند دلالة المفاهيم المستعملة والكشف عن مرجعياتها يبين أن الأمر ليس سوى لعبة أسماء؛ فالجماعة وإن تخلت عن الاسم الذي يجعلها في الظروف الراهنة في مرمى الاستهداف ويلقي بظلال الشك والشبهات حولها، فإنها لم تقطع البتة روابطها “الفكرية” مع الأيديولوجيا الإخوانية، وهو ما يجعل الإعلان الجديد يصب في خانة المناورات التكتيكية التي دأبت عليها التنظيمات والجماعات الإسلاموية في سياق الأزمات، ولا علاقة له بالمراجعات الجدية والجذرية لمنظومتها الفكرية والأيديولوجية ومناهجها العملية.

 

الخاتمة

نخلص من خلال هذه الدراسة إلى جملة من النتائج والاستنتاجات نشير إليها في النقاط الآتية:

  • إن تقليد المراجعات في تجارب الجماعات الإسلاموية الإخوانية تقليد راسخ، وقد أظهرت معظم تلك التجارب ارتباطه بما تمر به من سياقات مأزومة في أطرها الوطنية والإقليمية والدولية.
  • تتخذ المراجعات عادة شكلاً دعائياً يقوم على تشكيل صورة جديدة تنزع الصورة القديمة العالقة في الأذهان، ويتم الترويج لها بخطابات محشوة بعناوين براقة.
  • ليس البيان الذي نشرته جماعة الإخوان المسلمين الليبية استثناء في هذا المضمار، وقد كشف لنا تحليل خطابها أن الاسم الجديد “جمعية الإحياء والتجديد” يندرج في إطار خطة يمكن وصفها “باستراتيجية تغيير القشرة الخارجية” دون أن يكون هناك مسعى لإحداث تغيير جوهري في مستوى الفكر والتنظيم وآليات الممارسة.
  • تتنزل هذه الخطة في إطار التخفيف من الضغوط والإكراهات التي تفرضها تحولات الواقع المعقد من جهة، والاستعداد للمرحلة الجديدة التي تشهدها ليبيا بعد تسلم السلطة الجديدة مقاليد الحكم والإعداد للانتخابات المقبلة في ديسمبر 2021 مع كل ما يكتنفها من هشاشة من جهة أخرى.

المراجع

[1] https://www.facebook.com/EkwaanLibya

[2] طارق أبو السعد، الإخوان المسلمون في ليبيا.. كيف بدأت الحكاية؟ موقع حفريات، 14 سبتمبر 2020، https://bit.ly/33xp2O5

[3] المرجع السابق.

[4] لورنزو فيدينو، الإخوان المسلمون الجدد في الغرب، ترجمة ب.ا. الوكيل (دبي، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2011)، ص ص 75-84.

[5] زايد هدية، كيف اغتنم “إخوان ليبيا” هشاشة التجربة السياسية بعد سقوط القذافي، موقع إندبندنت عربية، 23 نوفمبر 2020،على الرابط: https://bit.ly/3uzK4HH

[6]“الإخوان يؤسسون حزبهم السياسي في ليبيا الجديدة باسم العدالة والبناء”، موقع نشوان نيوز، 3 مارس 2012، https://bit.ly/3xYwS1o

[7] انظر نماذج معالجة العلاقة بين الدعوي والسياسي في تجارب الحركات الإسلامية في: محمد الحمروني، “فصل الحزبي عن الدعوي في المغرب”، موقع الإسلاميون، 27 مايو 2016، على الرابط: https://bit.ly/3ms9Sm3

[8] زايد هدية، مرجع سابق.

[9] ” التيار “المدني” بليبيا يتقدم على الإسلاميين في انتخابات البرلمان”، دويتشه فيله، 12 يوليو 2014، https://bit.ly/3baECnd

[10] “الحكومة الليبية الجديدة تؤدي اليمين أمام مجلس النواب”، دويتشه فيله، 15 مارس 2021، https://bit.ly/3bdpTrw

[11] “الحكومة الليبية الجديدة تتسلم السلطة في عملية انتقال سلسة”، دويتشه فيله، 16 مارس 2021، https://bit.ly/3o3PvfB

[12]رشا عمار، عاصفة داخل الإخوان على وقع التقارب المصري التركي.. ما الجديد؟ موقع حفريات، 6 مايو 2021، https://bit.ly/3hfkOmA

[13] منية غانمي، تنظيم الإخوان يحل نفسه في معقله بليبيا.. تغيير أم مناورة؟، العربية نت، 22 أكتوبر 2020، https://bit.ly/3vZuVjv

[14] جمال سند السويدي، السراب (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2015)، ص 31.

[15] علي محمد الصلابي، فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم: أنواعه، شروطه وأسبابه، مراحله أهدافه (لبنان: دار المعرفة، ط5، 2009)، ص ص 384-386.

[16] رجاء بن سلامة، فكرة الثوابت.. منشأها ودلالاتها ومآلها، على الرابط:

http://www.maaber.org/issue_august15/lookout1.htm

المواضيع ذات الصلة