Insight Image

إلى أين تتّجه الحرب على إيران؟

12 أبريل 2026

إلى أين تتّجه الحرب على إيران؟

12 أبريل 2026

إلى أين تتّجه الحرب على إيران؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة وخطيرة، بعد العمليات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية المشتركة ضد إيران، وقيام هذه الأخيرة بقصف عدد من المواقع الإسرائيلية، واستهدافها أيضًا لأراضي عدد من دول المنطقة.

ومع تصاعد هذه العمليات، يتزايد طرح الأسئلة القلقة بصدد المستقبل، وحول ما إذا كانت هذه المواجهة ستطول، أم سيتم احتواؤها بمبادرات ودية، تقودها أطراف دولية وإقليمية، وحول ما إذا كان الأمر سيقتصر على عمليات استنزاف عسكرية، تروم تحقيق أهداف ردعية محدودة من كلا الجانبين، أم أن الأمر -مع تطور الأوضاع وإصرار الجانبين على مواقفهما- سيتحوّل إلى مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات الصعبة، بما في ذلك طول أمد الحرب وتوسع دائرة العمليات لتشمل مناطق أخرى.

أولًا: سياقات المواجهة

يأتي هذا التصعيد بعد مرور عدة أشهر على المواجهة العسكرية القصيرة بين الجانبين (من 13 حتّى 24 من شهر يونيو 2025)، والتي تم خلالها قصف منشآت نووية إيرانية في مناطق “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان”، وتلقي الطرفين لخسائر بشرية ومادية فادحة، والتي تراكمت في أعقابها مجموعة من الملفات التي لم يُكتب لها الحل، رغم الوساطات والمساعي الحميدة المبذولة، جراء تمسك الأطراف المعنية بمواقفها.

كما لا تخفى تأثيرات الاحتجاجات العارمة التي شهدتها مجموعة من المناطق الإيرانية خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي حرصت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على استثمارها بالسعي إلى إسقاط النظام الإيراني.

تهدف الولايات المتحدة من خلال هذه الحرب -بمشاركة إسرائيل- إلى تحقيق جملة من الأهداف، أهمها خلخلة بنية النظام، وخلق ظروف داخلية مواتية تمهد لإطاحته، وذلك إذا فشلت الحملة الجوية في دفعه إلى الاستسلام والموافقة على الشروط الأمريكية-الإسرائيلية المتصلة بالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ البالستية والحلفاء الإقليميين[1].

ويبدو أن هناك تطابقًا في الأهداف المتوخاة من الحرب -وإلى حد كبير- بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، سواء تعلق الأمر بالقضاء على المشروع النووي الإيراني، وإسقاط النظام، والحَدّ من الإمكانيات العسكرية الصاروخية، واستشراف المستقبل؛ وبخاصة على مستوى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط (الجدول).

  الأهداف المتوخاة من الحرب   أهداف إسرائيل   أهداف الولايات المتحدة   درجة التقاطع في الأهداف
الملف النووي التدمير التام للمنشآت النووية منع إيران من امتلاك السلاح النووي تطابق تام
القيادة السياسية القضاء على أقطاب النظام تطويع النظام أو إسقاطه تطابق تام
النفوذ الإقليمي تفكيك الأذرع الإيرانية في المنطقة تأمين الممرات البحرية الدولية في المنطقة تكامل استراتيجي
الإمكانيات العسكرية القضاء على التهديدات التي تواجه وجود إسرائيل تدمير القدرات الصاروخية والمسيرات تطابق تام
الرؤية الاستشرافية إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط تعزيز الاستقرار بما يضمن أمن إسرائيل تطابق نسبي

الجدول: أهداف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من الحرب على إيران

إن سعي واشنطن لتغيير هذا الواقع من خلال القوة هو أمر حتمي؛ كي تصبح إيران الجديدة -من وجهة نظر أمريكية- صديقًا لواشنطن، أو على أقل تقدير دولة قادرة على التعايش مع واشنطن، ولا تشكل تهديدًا للمصالح والأولويات الأمريكية في المنطقة وخارجها[2].

وفي الوقت الذي تعتبر فيه إيران أن الضربات التي استهدفتها تمثل تدخلًا سافرًا في سيادتها واعتداءً على أمنها، تعتبر كل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن عملياتهما في هذا الخصوص بمثابة ضربة استباقية، للحيلولة دون اقتحام إيران للنادي النووي عن طريق التحايل، لا سيّما في ضوء تأكيد الرئيس ترامب أن طهران كانت على وشك الإعلان عن امتلاك السلاح النووي، ما يهدد أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة.

وأخذًا بعين الاعتبار للمعطيات الميدانية الراهنة، يبدو أن الوضع مرشح للتطور أكثر، ذلك أن هاجس الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل انتقل من مستوى الردع عبر البحث عن ضمانات كفيلة بالحَدّ من الطموحات النووية الإيرانية، ومن خطر الاستمرار في تطوير صواريخها الباليستية، إلى السعي نحو تغيير النظام السياسي القائم. وعلى الجانب الآخر يجد النظام الإيراني نفسه في وضع صعب، خصوصًا وأن الملف النووي صار بالنسبة إليه مسألة وجود، باعتباره سبيلًا لامتلاك قوة الردع في مواجهة مختلف الضغوطات التي يتعرض لها، فيما شكل اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي[3] وعدد من قادة الحرس الثوري عاملًا حاسمًا آخر لإذكاء هذه المواجهة.

وفي سياق هذا التصعيد، وأمام قوة الضربات العسكرية، ورغبة في الضغط على الولايات المتحدة لإيقاف الحرب، عملت إيران على توسيع دائرة المواجهة باستهدافها لعدد من دول المنطقة، كالكويت والإمارات والبحرين وعُمان وقطر والسعودية والعراق والأردن، متذرّعة في ذلك باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية التي اعتبرتها أهدافًا مشروعة، علاوة على تحريك أذرعها المتمركزة في كل من لبنان[4] والعراق واليمن، كما قامت بإغلاق مضيق هرمز؛ ما أسهم في شلّ إمدادات النفط والغاز في المنطقة، وأثّر بشكل ملحوظ في نشاط الموانئ، وفي التجارة العالمية وأسواق الطاقة بشكل عام.

حقيقة أن إيران تعرضت لتدخل عسكري إسرائيلي وأمريكي مشترك، وهو ما يمكن اعتباره من وجهة نظر القانون الدولي عملًا عدائيًّا، لكن سلوكها المتهوّر تجاه جيرانها جعلها تسقط في مأزق قانوني وأخلاقي عمّق عزلتها. فرغم وجود خلافات جوهرية بين إيران وعدد من بلدان الخليج العربي[5]، ظلت هذه الأخيرة وعلى امتداد عدة سنوات ترفض أي تدخل عسكري يستهدفها، بل وقادت من أجل ذلك مجموعة من المبادرات الرامية إلى حل دبلوماسي يمنع حدوث أي تصعيد عسكري، غير أن إقدام إيران على استهداف جيرانها الذين سبق لهم وعبروا عن حيادهم إزاء هذه المواجهة، وعلاوة عن كونه يجسد انتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي المتصلة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو منع استخدام القوة أو مجرد التهديد بها في العلاقات الدولية، فهو سلوك يتناقض مع متطلبات حسن الجوار، وينحو إلى إقحام هذه الدول في صراعات إقليمية.

كما أن قصف إيران لعدد من البنى التحتية للطاقة والسفن التجارية في المنطقة، بالإضافة إلى إغلاق مضيق “هرمز” هو عمل يهدد أمن الملاحة البحرية، ويُسهم في تهديد الأمن الطاقي في عدد من دول العالم.

وجدير بالذكر أن الممارسات الإيرانية في المنطقة، وعلى امتداد عقود عدة، تؤكد أنها (إيران) توظف نفوذها في عدد من الدول العربية كأوراق لتحقيق أهداف استراتيجية، كما هو الأمر بالنسبة إلى ملفها النووي[6].

وقد أجمعت الكثير من المواقف الإقليمية والدولية على وقف هذه الحرب، ودعت إلى توخّي الحوار والتفاوض لحل الخلافات المطروحة، بالنظر إلى الآثار المدمرة لهذه المواجهة التي ستتجاوز تبعاتها منطقة الشرق الأوسط إلى المس بالسلم والأمن الدوليين.

وفي هذه الأجواء، ورَدَّا على استهداف دول الخليج من قِبَل إيران، تم التأكيد خلال الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس التعاون الخليجي على رفض وإدانة الاعتداءات المنتهكة لسيادة الدول، مع التنويه إلى حقها في الرد القانوني في سياق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس وفقًا للمدة 51 من ميثاق الأمم المتحدة[7].

ثانيًا: انعكاسات الحرب

منذ اندلاع هذه المواجهة، تبين بشكل لا جدال فيه أن تأثيراتها ستتجاوز الداخل الإيراني إلى انعكاسات إقليمية ودولية. فعلى المستوى الأمني والاقتصادي، تسبب إغلاق المطارات أمام الملاحة الجوية ارتباكًا كبيرًا فيما يتعلق بإجلاء العالقين، وخسائر مالية فادحة نتيجة إلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية الداخلية والدولية. كما أن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، الذي تعبره حوالي 25 بالمائة من شحنات النفط عالميًّا، تسبب في خسائر كبيرة فيما يتعلق بتصدير النفط والغاز، وهو ما سيتسبب في ارتباك البورصات العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة.

وعلى الرغم من أن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس جديدًا، إلّا أن المرحلـة الحاليـة تتسـم بتعقيـدات جديـدة أكبر، حيـث تتشـابك فيهـا المصـالح الإقليميـة والدولية، بطريقة تجعل من الصعب على أي طرف التراجع دون خسائر كبيرة[8].

تمثل هذه الحرب ضربة موجعة أخرى للنظام الإقليمي العربي بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، خصوصًا وأن العمليات العسكرية طالت عددًا من دول المنطقة.

كما أن الدول العربية القريبة من إيران، كالعراق والكويت والإمارات، ستكون عرضة لتدفقات بشرية هائلة، مع استمرار الضربات العسكرية وعدم التوصل إلى حل، وهو ما سيطرح الكثير من الإشكالات السياسية والاجتماعية والأمنية.

ولا شك أن إغلاق الممرات البحرية في المنطقة، كما هو الشأن بالنسبة لمضيق هرمز، سوف يشكل حدثًا خطيرًا، بالنظر إلى انعكاساته على حرية الملاحة البحرية، وإرباكه للتجارة الدولية، وبخاصة على مستوى ارتفاع أسعار الطاقة؛ ما سيرهق اقتصاديات الدول العربية التي تعتمد على استيراد هذه المواد الحيوية من الخارج.

وتأتي بلدان الخليج العربي على رأس قائمة الدول الأكثر تضررًا من هذه الحرب، بحكم قربها من إيران، فبعد أن ظلت تتميز باستقرارها وأمنها الذي أسهم بشكل كبير في جذب الاستثمارات الدولية بعدد من القطاعات الحيوية، أضحت هذه البلدان أمام واقع صعب، تفرضه ضغوطات هذه المواجهة التي يمكن أن تتسع دائرتها في أية لحظة، ما ستكون له تبعات وخيمة، ستنعكس بالسلب على عدد من القطاعات المهمة كالسياحة والعقارات والتجارة، وبخاصة بعد تعرضها لعمليات عسكرية لحقت عددًا من البنى التحتية المدنية (من مطارات وفنادق ومنشآت نفطية..)، وكذلك المنشآت العسكرية (قواعد عسكرية أمريكية متمركزة في المنطقة)، وهو ما يكرّس مزيدًا من عدم الثقة، الذي يمكن أن ينعكس بالسلب على مستقبل الوساطات والمساعي الحميدة التي كانت تقودها هذه الدول في سبيل التوصل إلى حل بشأن الملف النووي الإيراني.

لقد أدانت دول الخليج العربي مجتمعةً هذه العمليات العسكرية التي استهدفت سيادتها، وطالبت بوقفها، كما تصدت لها من خلال تحريك منظوماتها الدفاعية. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه قطر أن الهجمات الإيرانية التي طالت ترابها تشكل “خيانة كبيرة”، أكدت المملكة العربية السعودية أن تفضيلها لتسوية دبلوماسية للنزاع الإيراني – الأمريكي، لا يعني التخلي عن الرد بالمثل في حال استمرار العمليات الإيرانية التي تستهدف أراضيها.

وفي السياق نفسه، أكدت دولة الإمارات العربية المتحدة على التمسك بحق الدفاع الشرعي لحماية حدودها، في مواجهة هذه الاعتداءات التي خلفت خسائر مادية وبشرية في صفوف المدنيين، حيث تصدت أنظمتها الدفاعية لعدد من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، مؤكدة أنها لن تَنْجَرَّ إلى صراعات تُعمق أزمة الوضع الإقليمي.

وفي مواجهة سيل الأخبار الزائفة التي تحدثت عن قيام دولة الإمارات بقصف أهداف حيوية داخل إيران (منشآت لتحلية المياه)، أو مشاركتها في دعم هذه العمليات العسكرية، أصدرت دولة الإمارات بلاغات تنفي من خلالها بشكل قطعي هذه المزاعم التي تنحو إلى خلط الأوراق، بما في ذلك السماح باستخدام مجالها الجوي، أو أراضيها أو مياهها الإقليمية، لتنفيذ أي هجوم عسكري ضد إيران.

يبدو أن حسابات إيران لم تكن موفقة باستهدافها العسكري لعدد من الدول العربية، وبخاصة الخليجية منها، كسبيل للدفع باتجاه وقف العمليات العسكرية المكثفة التي تستهدفها، ذلك أن البلدان الخليجية التي حرصت على إرساء علاقة ودية مع طهران، باتت مقتنعة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بأن إيران هي طرف إقليمي يهدّد أمنها[9]، وهو ما سيدفعها إلى تعزيز تعاونها أكثر مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ ما سيعمق من عزلة إيران أكثر.

وأمام كل هذه المتغيرات المتسارعة، تجد بلدان المنطقة نفسها أمام محك حقيقي يتأرجح بين الاستمرار في توخي ضبط النفس، أو الانجرار على مضض نحو الردّ، وخصوصًا إذا ما استمرت التحرشات الإيرانية بسيادتها.

ثالثًا: احتمالات المستقبل

ثمّة ثلاث سيناريوهات تلوح في الأفق، فاستحضارًا لغياب أي دعم عسكري رسمي لإيران من لدن قوى دولية كبرى كالصين وروسيا، وتَعَرُّض البلاد لضربات عسكرية قاسية، وإصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على استهداف عدد من النخب السياسية، مع إمكانية بروز نخب سياسية معتدلة، أو حتى انهيار النظام القائم تحت هذه الضغوطات الخارجية والاحتجاجات الداخلية، يمكن للحرب أن تتوقف تحت هذه الظروف.

وهناك سيناريو آخر، يرتبط بإمكانية وقف الحرب عبر مساعٍ حميدة تقودها بعض القوى الدولية كالصين، بناء على توافقات قد تكتفي فيها الولايات المتحدة بالحصول على ضمانات فيما يتعلق بوقف التخصيب بشكل كامل، وتفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، مع التخلي عن مطلب إسقاط النظام، وهو السيناريو الذي تُعزّزه الضغوطات التي يمارسها عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي بغرفتيه على ترامب، وذلك تحت ضغط الخسائر المادية والبشرية المتتالية، وكذا التخوف من إمكانية دخول إيران في انقسام وفوضى عارمتين، بما يفرز بؤرة توتر أخرى جاذبة للجماعات المسلحة، وكذا التخوف من إقدام إيران على خطوة التسريع بإنتاج سلاح نووي في حال الشعور باقتراب سقوط نظامها السياسي.

أمّا السيناريو الثالث، فيحيل إلى استمرار المواجهة في إطار حرب استنزاف طويلة الأمد، بالنظر إلى تجربة إيران الماضية خلال حربها مع العراق، وتوقعها منذ فترة طويلة لضربات أمريكية قد تستهدفها. ويبدو هذا الاحتمال واردًا إذا ما تمكنت إيران من تحويل الحرب الجارية إلى “مقاومة وطنية”، وهو ما قد يدفع كل الأطراف المعنية إلى توظيف مختلف الأوراق الضاغطة، بما سينعكس بالسلب على أوضاع المنطقة، بل ويتيح انضمام قوًى دولية أخرى للمعركة، في سياق التنافس على المصالح والتسابق على موازين القوى.

وفي تطور لاحق على اندلاع هذه الحرب، ومع تزايد كلفتها العسكرية والاقتصادية، برزت محاولات لإعادة تفعيل القناة الدبلوماسية، عبر وساطة قادتها باكستان بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في خطوة تعكس سعي إسلام آباد إلى الاضطلاع بدور إقليمي أكثر حضورًا في إدارة الأزمات، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة نسبيًّا مع الطرفين. كما يعكس هذا التحرك إدراكًا متزايدًا لدى بعض القوى الإقليمية بخطورة انزلاق المواجهة نحو حرب مفتوحة ذات تداعيات عابرة للأقاليم، تمتد إلى جنوب آسيا وأسواق الطاقة العالمي[10].

غير أن الجولة الأولى من هذه المفاوضات لم تُفضِ إلى اختراق نوعي، إذ اصطدمت بتباينات بنيوية تتعلق بطبيعة القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني، وترتيب خطوات رفع العقوبات، فضلًا عن مسألة الضمانات المرتبطة باستمرارية أي اتفاق محتمل. كما أن استمرار العمليات العسكرية، وعمق فجوة انعدام الثقة بين الطرفين، أسهم في إضعاف فرص تحقيق تقدم ملموس، ما أدى إلى تعثر هذا المسار في مرحلته الأولى.

ومع ذلك، فإن هذا التعثر لا يمكن قراءته باعتباره فشلًا نهائيًّا، بقدر ما يعكس الطبيعة التراكمية والمعقدة لهذا النوع من المسارات التفاوضية، حيث غالبًا ما تُستنفد الجولات الأولى في تحديد الأطر العامة وترتيب الأولويات، أكثر من تحقيقها اختراقات جوهرية. وفي هذا السياق، تظل احتمالات استئناف المفاوضات قائمة، سواء بصيغ غير مباشرة، أو عبر توسيع دائرة الوسطاء لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى، مع اعتماد مقاربات تدريجية قائمة على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”.

أمّا على مستوى المآلات المستقبلية بعد هذه الجولة، فيمكن تصور ثلاثة اتجاهات رئيسية: أولها، استمرار المسار التفاوضي مع إدخال تعديلات على آلياته وأجندته، بما يسمح بتقليص فجوة الخلافات وبناء حَدٍّ أدنى من الثقة بين الطرفين. وثانيها، الدخول في حالة من الجمود التفاوضي المصحوب بتصعيد ميداني محدود، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه التفاوضية عبر الضغط العسكري أو الاقتصادي. أمّا الاتجاه الثالث، والأقل ترجيحًا في المدى القريب، فيتمثل في انهيار المسار التفاوضي بشكل كامل، خصوصًا في حال حدوث تصعيد عسكري نوعي، أو توسع دائرة المواجهة بشكل يصعب احتواؤه دبلوماسيًّا.

ويعتقد البعض أن الطبيعة البنيوية لسياسة واشنطن تجاه إيران تشير إلى أنها لا تتحرك بموجب اعتبارات ظرفية، بل وفق ضرورات استراتيجية يحددها إطار جيوسياسي مستقر. فعلى الصعيد الإقليمي، تظل إيران فاعلًا محوريًّا في معادلة التوازنات الشرق أوسطية، فيما تمثل على المستوى الأوسع ركيزة أساسية في النظام الأوراسي، وهو ما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة تجاهلها أو الانكفاء عن التفاعل معها.

إن استمرار الحرب يُعمّق منسوب المخاوف لدى دول الخليج، خاصة فيما يتعلق بتعطيل إمدادات الطاقة العالمية، والتأثير على مؤشرات النمو الاقتصادي، فضلًا عن احتمالات الفراغ الأمني الذي قد ينجم عن إضعاف الدولة الإيرانية أو انهيارها.

وعمومًا، فإن تفاعل المعطى الميداني مع الدينامية الدبلوماسية، بما في ذلك الوساطات الإقليمية المستجدة، يظل المحدد الرئيسي لمآلات هذه الأزمة، سواء في اتجاه إنتاج تسوية سياسية مرحلية، أو الانزلاق نحو صراع ممتد متعدد المستويات والتداعيات.

إن التوتر العسكري الخطير الذي وصلت إليه الأمور في المنطقة، يُثير بشكل جدّي التساؤلات بشأن نجاعة المؤسسات الدولية والإقليمية ذات الصلة بإدارة الأزمات وتسوية النزاعات، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي لم تتحرك بَعْدُ بالجدية والفعالية المطلوبين.

ومن زاوية أخرى، تشكل هذه المواجهة محطة مفصلية، ستكون لها تبعات وتأثيرات على النظام الإقليمي العربي بشكل عام، وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وهو ما يفرض على الدول العربية إعادة حساباتها باتجاه تجاوز الخلافات، في أفق المساهمة في إرساء نظام إقليمي يخدم مصالحها ويضمن أمنها الاستراتيجي، وسط كل هذه التحديات والتجاذبات، وكذا استثمار هذه المتغيرات عن طريق إحياء النقاشات الجدية إقليميًّا ودوليًّا بصدد حلّ الدولتين، بما يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويُسهم في الحد من التوترات في المنطقة.


[1] – المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران: خلفياتها وأهدافها، وحدة الدراسات السياسية، سلسلة: تقدير موقف، بتاريخ 04 مارس 2026، ص 4

https://www.dohainstitute.org/ar/Lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/us-israeli-war-on-iran.pdf

[2] – خالد بن نايف الهباس: الحرب الإيرانية… محاولة للفهم، موقع العربية بتاريخ 07 مارس 2026

https://url-shortener.me/G3AW

[3] – إنّ مقتل المرشد الأعلى يمثل صدمة استراتيجية كبرى لنظام الحكم في إيران، ولكنه لا يعني بالضرورة انهياره الفوري؛ نظرًا للمرونة المؤسسية التي يتمتع بها. انظر في هذا الخصوص، عائشة خلفان الرميثي: الحرب في إيران: تصاعد التوترات الإقليمية وارتدادات دولية، مركز تريندز للبحوث والاستشارات، بتاريخ 02 مارس 2026

https://url-shortener.me/G2GT

[4] – يشار إلى أن تدخل حزب الله في هذه الحرب دفع إسرائيل إلى القيام بعمليات عسكرية خطيرة داخل لبنان ما أدى إلى نزوحات بشرية هائلة، وإطلاق تحذيرات من لدن المنظمات الدولية بشأن تفاقم الأوضاع الاجتماعية والإنسانية بالبلاد، فيما برز انقسام واضح بين القوى المرتبطة بإيران، والحكومة التي حملت حزب الله مسؤولية هذا التصعيد الذي يهدد بإقحام لبنان في صراعات إقليمية، ودعت إلى نزع سلاحه وتسليمه للجيش اللبناني.

[5] – يشار في هذا الصدد إلى احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) منذ عام 1971.

[6] – إدريس لكريني: مستقبل الملف ّالنووي الإيراني ما بعد ترامب، مجلة الدراسات الإيرانية، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، المملكة العربية السعودية، السنة الثالثـة – العدد التاسـع – أبريـل 2019، ص 88

[7] – تشير هذه المادة إلى أنه: “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة”، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالًا لحق الدفاع عن النفس تُبَلَّغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه”.

[8] – يوسف كامل خطاب: الوضع الراهن في الشرق الأوسط في ظل تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، مركز الخليج للأبحاث، ص 30 https://www.grc.net/documents/66c1ff01ef2a3CurrentStationmde3.pdf

[9] – رغم الاعتذار الذي قدمه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج في هذا الخصوص، إلّا أن الضربات استمرت وبشكل مكثف، ما يعكس تباينًا في المواقف بين رئاسة الدولة والحرس الثوري.

[10] . International Crisis Group, Emerging Mediation Tracks in the U.S.-Iran Confrontation, Crisis Group Briefing, 2026.]

المواضيع ذات الصلة