Insight Image

تشكيل الحكومة العراقية: السياقات السياسية والسيناريوهات المحتملة

04 فبراير 2026

تشكيل الحكومة العراقية: السياقات السياسية والسيناريوهات المحتملة

04 فبراير 2026

تشكيل الحكومة العراقية: السياقات السياسية والسيناريوهات المحتملة

تمثّل عملية تشكيل الحكومة العراقية بعد انتخابات نوفمبر 2025 محطة مفصلية في تاريخ البلاد السياسي؛ إذ تعكس تعقيدات المشهدين الداخلي والخارجي. فقد أظهرت نتائج الانتخابات حالة من التعددية والتوازنات الدقيقة بين القوى الشيعية والسنية والكردية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، ولاسيما الموقف الأمريكي المعارض لترشيح نوري المالكي. ويأتي تأجيل البرلمان العراقي جلسة اختيار رئيس الجمهورية للمرة الثانية ليعمّق حالة الغموض السياسي، ويؤشّر إلى صعوبة التوصل إلى توافقات نهائية في المرحلة الراهنة. ويهدف هذا التقرير إلى عرض نتائج الانتخابات والخريطة السياسة التي أفرزتها، وتحليل السياقات السياسية المتداخلة المحيطة بمفاوضات تشكيل الحكومة، واستشراف السيناريوهات المحتملة التي قد تفرزها هذه المفاوضات.

أولًا- نتائج الانتخابات البرلمانية (نوفمبر 2025)

أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب يوم الإثنين الموافق 17 نوفمبر 2025، بعد إجراء الاقتراع في 11 نوفمبر 2025 لملء 329 مقعدًا نيابيًّا. وقد بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 56.11%، وهي نسبة تعكس مستوى متوسطًا من الانخراط الشعبي، بما يشير إلى استمرار حالة التفاعل السياسي مع العملية الانتخابية، رغم التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

وقد أظهرت النتائج تقدم قائمة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بحصولها على 46 مقعدًا على مستوى العراق، ما يعكس استمرار حضور السلطة التنفيذية في المعادلة البرلمانية، وقدرتها على توظيف أدوات الحكم لتعزيز موقعها الانتخابي. في المقابل، تصدّر ائتلاف الإعمار والتنمية نتائج العاصمة بغداد بحصوله على 15 مقعدًا من أصل 71 مقعدًا مخصصة للعاصمة، ما يشير إلى خصوصية المزاج الانتخابي في بغداد مقارنة ببقية المحافظات. [1]

وجاء حزب تقدم بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد ريكان الحلبوسي في المرتبة الثانية في بغداد بحصوله على 10 مقاعد، وبواقع 27 مقعدًا على مستوى العراق، الأمر الذي يؤكد استمرار حضوره المؤثر في المشهد السني، رغم تراجع نسبي في العاصمة. أما ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، فقد حلّ في المرتبة الثالثة في بغداد بـ 9 مقاعد، فيما بلغ مجموع مقاعده 29 مقعدًا على مستوى العراق، ما يعكس استقرار قاعدته الانتخابية ضمن الإطار الشيعي التقليدي.[2]

وحصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 26 مقعدًا، محافظًا على موقعه بوصفه الفاعل الأبرز في الإقليم ضمن التوازنات الكردية. في حين نالت قوى سياسية أخرى، من بينها تحالف قوى الدولة بزعامة عمار الحكيم، وحركة صادقون الجناح السياسي لعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وتحالف عزم برئاسة مثنى السامرائي، خمسة مقاعد لكلّ منها، وهو ما يعكس حالة التشتت النسبي داخل بعض البيئات السياسية، وعدم قدرة هذه القوى على تحقيق اختراقات انتخابية واسعة.

كما حصل كلّ من تحالف السيادة بقيادة خميس الخنجر، وائتلاف الأساس الذي يضم شخصيات من بينها النائب الأول لرئيس البرلمان محسن المندلاوي، إضافة إلى منظمة بدر بزعامة هادي العامري، على أربعة مقاعد لكل منهم، فيما حصدت حركة حقوق ثلاثة مقاعد. أما القوائم الصغيرة والمستقلون، مثل قائمة أبشر يا عراق وحركة إشراقة كانون، إلى جانب مرشحة الأقليات إيفان جابرو، فقد حصل كل منهم على مقعد واحد، ما يبرز محدودية تأثير القوائم الناشئة ضمن النظام الانتخابي القائم. [3]

وعلى مستوى تمثيل المكونات المجتمعية، أفرزت النتائج تخصيص 7مقاعد للإيزيديين، و4 مقاعد للشبك، و14 مقعدًا للصابئة، و9 مقاعد للكورد الفيليين، و19 مقعدًا للمسيحيين. ويعكس هذا التوزيع استمرار آلية تمثيل الأقليات ضمن النظام السياسي العراقي، وإن كان يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول فعالية هذا التمثيل وقدرته على تحويل الحضور العددي إلى تأثير سياسي حقيقي داخل البرلمان.

وهكذا، تشير الخريطة النهائية لمجلس النواب إلى تصدّر تحالف الإطار التنسيقي، المؤلف من قوى شيعية متعددة، بوصفه الكتلة النيابية الأكبر بعدد 187مقعدًا، ما يمنحه أفضلية واضحة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة. في المقابل، حصلت القوى السنية على 77مقعدًا، بينما نالت القوى الكردية 56 مقعدًا، الأمر الذي يؤسس لمعادلة تفاوضية ثلاثية ستحدد ملامح السلطة التنفيذية المقبلة.

وعلى صعيد تمثيل المرأة، أسفرت النتائج عن فوز 84امرأة بعضوية مجلس النواب من مختلف المحافظات، وبذلك جرى استيفاء الشرط الدستوري الذي ينصّ على ألا تقل نسبة تمثيل النساء عن 25%من إجمالي المقاعد، وهو ما يعكس التزامًا شكليًّا بالإطار الدستوري، مع بقاء الجدل قائمًا بشأن مستوى المشاركة الفعلية للمرأة في صنع القرار السياسي. [4]

وتؤشّر نتائج انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2025 إلى إعادة إنتاج جزئية للتوازنات السياسية القائمة، مع تغييرات محدودة في أحجام الكتل ونفوذها، الأمر الذي يرجّح أن تكون عملية تشكيل الحكومة المقبلة نتاج تسويات سياسية معقدة أكثر من كونها تعبيرًا عن تحول بنيوي في النظام السياسي. وعليه، فإن المسار اللاحق للانتخابات سيظلّ مرهونًا بقدرة الفاعلين الرئيسيين على إدارة خلافاتهم ضمن أطر تفاوضية مستقرة، وتجنب الانزلاق نحو أزمات سياسية مطوّلة.

ثانيًا- انتخاب رئيس الجمهورية وترشيح المالكي لرئاسة الحكومة

يأتي تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية العراقية، وما رافقه من تأجيل متكرر لجلسات مجلس النواب،[5] ليكشف عن أزمة سياسية أعمق من عدّها خلافًا إجرائيًّا أو مؤقتًا. فقد قرر البرلمان، للمرة الثانية، تأجيل جلسة انتخاب الرئيس، في ظل عجزه عن استكمال النصاب الدستوري المطلوب لانعقاد الجلسة، الأمر الذي يعكس حالة انسداد سياسي ناجمة عن تداخل الخلافات بين القوى الرئيسية، ولاسيما داخل البيت الكردي، مع صراعات أوسع تتعلق بتشكيل الحكومة الجديدة، وتوازنات السلطة في بغداد.

وتتركز الإشكالية الأساسية حول الخلاف القائم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بشأن الاستحواذ على منصب رئاسة الجمهورية، الذي يُعدّ، وفق الأعراف السياسية المستقرة منذ عام 2003، من حصّة المكوّن الكردي. وقد أكدت تصريحات صادرة عن قيادات في إقليم كردستان عدم التوصل إلى اتفاق بين الحزبين، ما يعكس عمق الانقسام السياسي بينهما، ويحوّل هذا الاستحقاق الدستوري إلى أداة تفاوض وضغط متبادل، بدلًا من كونه مدخلًا لتعزيز الاستقرار السياسي.

ويكتسب هذا التعطيل بعدًا دستوريًّا حساسًا، في ظل اقتراب تجاوز السقوف الزمنية التي نصّ عليها الدستور العراقي؛ إذ تنصّ المادة (72/ب) على انتخاب رئيس للجمهورية خلال ثلاثين يومًا من تاريخ أول انعقاد لمجلس النواب، [6]وهو ما يجعل التأجيل المتكرر موضع إشكال قانوني وسياسي. وفي هذا السياق، برزت دعوات صريحة من رئاسة مجلس النواب، وكذلك من مجلس القضاء الأعلى، للتأكيد على ضرورة الالتزام بالتوقيتات الدستورية، ورفض أي تدخلات خارجية في مسار استكمال مؤسّسات الدولة، في محاولة لاحتواء حالة التراخي السياسي التي باتت تهدد شرعية العملية الدستورية برمتها.

غير أن أزمة انتخاب رئيس الجمهورية لا يمكن فصلها عن الاستحقاق الأهم الذي يليه، والمتمثل في تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل الحكومة خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب الرئيس، وفق المادة (76/أ) من الدستور. وهنا تتقاطع الخلافات الكردية مع حسابات القوى الشيعية، ولاسيما تحالف “الإطار التنسيقي”، الذي يسعى إلى توظيف مرونة تفسير مفهوم “الكتلة الأكبر” لإعادة ترتيب المشهد التنفيذي بما يخدم مصالحه السياسية.

وفي هذا الإطار، يبرز ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة بوصفه تعبيرًا عن منطق القوة التفاوضية داخل البرلمان، أكثر من كونه انعكاسًا مباشرًا لنتائج الانتخابات. فعلى الرغم من أن تحالف المالكي لم يحقق الأغلبية العددية، فإن الإطار التنسيقي، بصفته الكتلة النيابية الأكبر بعد الانتخابات، يدفع باتجاه إعادة إنتاج النخب السياسية التقليدية، مستندًا إلى شبكة تحالفات حزبية ومؤسساتية متجذّرة، لا إلى تفويض انتخابي صريح.

ورغم خروجه من رئاسة الحكومة تحت ضغوط داخلية وخارجية متقاطعة، شملت قوى سياسية محلية ومرجعيات دينية ودولًا فاعلة، فإن استمرار المالكي لاعبًا محوريًّا في المشهد السياسي يعكس طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على إعادة تدوير النخب، وضعف آليات المساءلة السياسية، وعجز العملية الانتخابية وحدها عن إحداث تغيير جوهري في بنية السلطة.

وعليه، فإن تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية، وما يرافقه من تأجيلات متكررة، لا يمثل أزمة منفصلة، بل يشكل جزءًا من إشكالية بنيوية أوسع تتعلق بطبيعة النظام السياسي العراقي، الذي لا يزال عالقًا بين منطق الدولة الدستورية ومنطق المحاصصة والتوافقات الهشّة. وفي ظل هذا الواقع، تتحول الاستحقاقات الدستورية إلى ساحات مفتوحة لإعادة التفاوض على موازين القوى، بدلًا من أن تكون أدوات حاسمة لتنظيم تداول السلطة، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مسار تشكيل الحكومة المقبلة، وعلى فرص تحقيق الاستقرار السياسي المستدام في البلاد.

السياق الداخلي والخارجي- تحفّظ سني، دعم كردي، وفيتو أمريكي

يُثير ترشيح نوري المالكي إشكاليات داخلية وخارجية متشابكة. داخليًّا، يرتبط اسم المالكي بمرحلة سياسية اتسمت بالاستقطاب الطائفي، وتراجع الثقة بين المكونات، وتفاقم أزمات الحوكمة والفساد، إلى جانب إخفاقات أمنية جسيمة كان أبرزها سقوط مدينة الموصل عام 2014. أما خارجيًّا، فيرتبط بملف العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة، والتي يُعاد استحضارها في ظل تحذيرات متكررة من تشكيل حكومة تُصنّف على أنها قريبة من إيران، وما يرافق ذلك من تهديدات بقطع أو تقليص الدعم الدولي للعراق.[7]

فقد اتسم موقف القوى السنية بتحفّظ واضح إزاء إمكانية عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة،[8] وهو تحفّظ أقرب في الحقيقة إلى الرفض٬ ولا يمكن فصله بالطبع عن الذاكرة السياسية للفترة الممتدة بين عامي 2006 و2014 حيث كان المالكي وحلفاؤه يسيطرون على المشهد، بينما شهدت تلك المرحلة، ولاسيما خلال الولاية الثانية للمالكي (2010–2014)، تصاعدًا في السياسات الإقصائية والطائفية، ما أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي وأضعف ثقة المكوّن السني، الذي كان مستهدفًا بشكل واضح، بالدولة المركزية.

وتعزّزت هذه المخاوف مع ما شهده العراق في أواخر عام 2013 وبداية 2014، حين سيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) على مدن رئيسية ومساحات واسعة من البلاد، في سياق ربطه من خلال كثير من الفاعلين في الداخل والخارج على حدّ سواء بسياسات التهميش والإقصاء التي مورست آنذاك. وعليه، فإن التحفظ السني على المالكي لم يكن موقفًا تكتيكيًّا عابرًا، بل تعبيرًا عن خشية بنيوية من إعادة إنتاج نموذج حكم يُنظر إليه على أنه كان أحد أسباب الانهيار الأمني والسياسي في البلاد وتسبب بكارثة عانت منها المنطقة بأسرها.

وفي المقابل، اتخذت القوى الكردية موقفًا أكثر براغماتية، منسجمًا مع منطق المصالح السياسية. فنتائج الانتخابات أظهرت أن التحالفات الشيعية حصدت نحو 187 مقعدًا من أصل 329 في البرلمان، ما جعل القوى الكردية، بكتلها المؤثرة، عنصر ترجيح في استكمال الاستحقاقات الدستورية، ولاسيما فيما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، ومنح الثقة للحكومة.

الدعم الكردي لترشيح المالكي ليس مطلقًا بالطبع، بل يرتبط بحسابات تتعلق بضمان الحصة المالية لإقليم كردستان، واستمرار التفاهمات حول النفط والغاز، إضافة إلى ملف المناطق المتنازع عليها؛ حيث يبدو المالكي أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات لهم على حساب المناطق السنية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الموقف الكردي بوصفه دعمًا مشروطًا، يستثمر الانقسام داخل البيت الشيعي، والتحفظ السني، لتحقيق مكاسب تفاوضية في بنية النظام الاتحادي.

وعلى الصعيد الخارجي، شكّل الموقف الأمريكي العامل الأكثر تأثيرًا وإثارة للجدل. فقد أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا صريحًا من إعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء، معتبرًا أن العراق “انحدر إلى الفقر والفوضى الشاملة” خلال فترة حكمه السابقة، ومؤكدًا أن “ذلك لا ينبغي أن يُسمح بحدوثه مرة أخرى”. وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك حين ربط عودة المالكي بوقف الدعم الأمريكي للعراق، ملوّحًا بأن الولايات المتحدة “لن تساعد العراق بعد الآن” إذا تمّ انتخابه، ومؤكدًا أن بغداد “لن تكون لديها أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية” من دون الدعم الأمريكي.[9] هذا الخطاب، الذي اتخذ طابعًا تهديديًّا مباشرًا، مثّلَ فيتو سياسيًّا معلنًا على مرشح بعينه، وهو أمر نادر في الخطاب الأمريكي العلني تجاه العراق منذ 2003.

ويعدّ هذا الموقف أيضًا جزءًا من مسعى أمريكي أوسع لكبح النفوذ الإيراني في العراق، ولاسيما في ظل صعود فصائل سياسية مسلحة متحالفة مع طهران. ويكتسب هذا الفيتو وزنًا إضافيًّا إذا ما أُخذ في الاعتبار أن عائدات النفط العراقية لا تزال تُودَع في حساب خاضع لإشراف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ما يمنح واشنطن أدوات ضغط اقتصادية فعّالة.

ثالثًا- سيناريوهات تشكيل الحكومة العراقية

أدخل الرفض الأمريكي العلني لعودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية، وما رافقه من تهديد بعقوبات وعزلة سياسية واقتصادية، عملية تشكيل الحكومة في مرحلة جديدة من التعقيد. فالموقف الذي عبّر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مدعومًا بتصريحات متزامنة لوزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الأمريكي الخاص توم برّاك، لم يَعُد يندرج ضمن الإشارات الدبلوماسية غير المباشرة، بل تحوّل إلى فيتو سياسي صريح يفرض على الائتلاف الحاكم، ولاسيما “الإطار التنسيقي”، إعادة حساباته الاستراتيجية.

في هذا السياق، يمكن حصر خيارات الائتلاف الحاكم في ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لكلّ منها كلفته السياسية والاقتصادية.

السيناريو الأول: الإصرار على ترشيح المالكي ومواجهة واشنطن

يقوم هذا السيناريو على تمسّك “الإطار التنسيقي” بترشيح نوري المالكي، والمضي بإجراءات منحه الثقة استنادًا إلى الأغلبية البرلمانية الشيعية والدعم الكردي المشروط. غير أن هذا الخيار يُعدّ الأكثر تصادمية؛ إذ يعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، التي لوّحت صراحة بوقف المساعدات وفرض عقوبات قد تطال مؤسسات حكومية، وليس فقط شخصيات أو كيانات سياسية.

وتزداد كلفة هذا السيناريو في ظل الوضع الاقتصادي الهش، ولاسيما مع تراجع أسعار النفط إلى ما دون السقف المعتمد في الموازنة (70 دولارًا للبرميل)، ما يجعل أي ضغط أمريكي على النظام المالي أو على عائدات النفط تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي. لذلك، ورغم أن هذا السيناريو يُرضي الجناح المتشدد داخل الإطار، إلا أنه يُصنّف على نطاق واسع بوصفه احتمالًا ضعيفًا ومكلفًا.

ومع كلّ ذلك لا يُستبعد، ضمن هذا السيناريو، التوصل إلى حلّ توافقي إذا قبل المالكي بشكل صريح بالشروط الأمريكية. ويقتضي ذلك الالتزام الصارم بسياسات تقلص النفوذ الإيراني، وتنفيذ إصلاحات مؤسّسية واقتصادية، ونزع سلاح الفصائل المسلحة.[10] بمعنى آخر، يمكن للمالكي أن يتولى رئاسة الحكومة، لكن ضمن إطار قيود داخلية وخارجية مشددة، يجعل الحكومة الجديدة أكثر توافقًا دوليًّا، وأقل ميلًا للانحياز لأي محور إقليمي دون موافقة واشنطن.

السيناريو الثاني: التراجع واختيار مرشح تسوية بديل

يفترض هذا السيناريو استجابة الإطار التنسيقي للضغوط الأمريكية، والتخلي عن المالكي لصالح شخصية شيعية أقل جدلية، يمكن تسويقها داخليًّا وخارجيًّا بوصفها مرشح تسوية، خاصة وأن هناك أصواتًا من داخل الإطار ليست متحمسة لهذا الترشيح، وإن لم تعبر عنه صراحة.[11] ويُعدّ هذا الخيار الأكثر واقعية من حيث الحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتجنّب العزلة الدولية.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات داخلية؛ إذ من شأنه أن يفتح الباب أمام صراعات حادة داخل الإطار نفسه، بين جناحٍ متشدّد يضمّ شخصيات مثل نوري المالكي، وهادي العامري، وهمام حمودي، وأبو آلاء الولائي، وجناحٍ أكثر براغماتية بات يُمثّله عمار الحكيم وحيدر العبادي. كما أن القبول الأمريكي بهذا السيناريو سيكون مشروطًا بـ “لاءات” واضحة، أبرزها استبعاد تمثيل الفصائل المسلحة في الحكومة، والالتزام بمسار تفكيكها تدريجيًّا، وهو ما يضع قيودًا ثقيلة على شكل الحكومة وبرنامجها.

السيناريو الثالث: تأجيل الحسم والدخول في فراغ دستوري

يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأقرب على المدى القصير وفق تقديرات عدد من المراقبين، في إرجاء الاستحقاقات الدستورية لكسب الوقت، عبر تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، وتأجيل تكليف رئيس الحكومة.[12]

من المحتمل أن تحاول أحزاب الإطار التنسيقي وأحزاب سنّية معارضة للمالكي عرقلة انتخاب الرئيس، ما يؤخر عملية تكليف رئيس الوزراء ويعرقل عودة المالكي للسلطة؛ حيث يحتاج البرلمان العراقي إلى أغلبية بسيطة مع نصاب ثلثي الأعضاء لانتخاب الرئيس، الذي بدوره يختار رئيس الوزراء المكلف.

ويقود هذا المسار عمليًّا إلى فراغ دستوري، مع استمرار حكومة محمد شياع السوداني بوصفها حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات.

وقد شهد العراق سوابق مماثلة استمرت لأشهر،[13] وكانت تُستخدم كآلية لامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية بانتظار تغيّر المعادلات. غير أن خطورة هذا السيناريو تكمن في كلفته التراكمية؛ إذ يفاقم حالة الجمود السياسي، ويُضعف ثقة الشارع، ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي، فضلًا عن إبقاء البلاد ساحة مفتوحة لتجاذبات النفوذ الأمريكي والإيراني.

خاتمة:

تظلّ آفاق تشكيل الحكومة العراقية غامضة في ظل تعقيدات الانقسامات السياسية والمصالح المتضاربة، سواء داخل الإطار التنسيقي، أو بين المكونات الأخرى. الضغوط الأمريكية، إلى جانب تحفّظ القوى السنية وتوازن الدعم الكردي، تضع عراقيل أمام التوافق السلس. لذلك، فإن قدرة العراق على تجاوز هذه المرحلة بنجاح تعتمد على إيجاد حلول وسطية تضمن تمثيلًا عادلًا، واستقرارًا سياسيًّا يمكّن البلاد من مواجهة تحدّيات التنمية والاقتصاد، ويعيد بناء الثقة بين الشعب وقيادته.


[1] النتائج النهائية للانتخابات بالعراق: تصدر ائتلاف رئيس الوزراء بحصوله على 46 مقعدًا، شبكة شينخوا باللغة العربية، 17 نوفمبر 2025، accessed January 29, 2026, https://arabic.news.cn/20251118/c8bd07a1dc40490f8d2723a2d1a11c5a/c.html.

[2] النتيجة النهائية للانتخابات البرلمانية العراقية، القناة الرسمية للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات على تطبيق تليجرام، 17 نوفمبر 2025، https://t.me/s/IHECOfficail/5393 accessed January 29, 2026,

[3]“ائتلاف رئيس الوزراء يتصدر انتخابات العراق التشريعية وفق النتائج النهائية”، فرانس 24 بالعربية، November 17, 2025, accessed January 29, 2026, https://shorturl.at/o3LWA

[4] “ائتلاف السوداني يتصدر انتخابات العراق، والقوى الشيعية تشكل الكتلة الأكبر”، الجزيرة نت، November 17, 2025, accessed January 29, 2026, https://shorturl.at/Eis4z

[5] أجّل البرلمان العراقي يوم 1 يناير للمرة الثانية جلسة انتخاب رئيس الجمهورية لعدم اكتمال النصاب، في ظل استمرار الخلاف بين الحزبين الكرديين الرئيسيين حول المنصب: ليث الجنيدي ٫”للمرة الثانية، برلمان العراق يؤجل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية”، الأناضول (موقع وكالة الأناضول)، 1 فبراير 2026: https://url-shortener.me/AFZJ

[6] “البرلمان العراقي يؤجل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية إلى إشعار آخر”، فيديو، الجزيرة نت، 28 يناير 2026, 00:59, accessed January 29, 2026, https://shorturl.at/BtKja

[7] “برلمان العراق يؤجل انتخاب رئيس الجمهورية”، الأناضول (الوكالة العربية للأنباء) January 27, 2026, accessed January 29, 2026, https://shorturl.at/DqT9D

[8] قوى سنّية تبدي تحفظها على إمكانية عودة المالكي لرئاسة الحكومة، ومخاوف من مقاربات تعيد توتر العلاقة، 1News‑IQ، 20 يناير 2026،

https://tinyurl.com/327yb288

[9] سكاي نيوز عربية. “ترمب يربط دعم العراق بعدم اختيار المالكي رئيسًا للوزراء”. 27–28 يناير 2026.، https://url-shortener.me/9VIP

[10] عودة المالكي، هل تتجاوز بغداد خطوط واشنطن الحمراء بملف الفصائل؟ 25 يناير 2026https://shorturl.at/3DzrE

[11] إياد العنبر، “ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عامًا، دورة كاملة للسياسة العراقية”، المجلة، 25 يناير 2026، https://tinyurl.com/5dch5whn

[12] Institute for the Study of War and Critical Threats Project. Iran Update, January 28, 2026. Washington, DC: Institute for the Study of War. Accessed January 28, 2026. https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-january-28-2026/.

[13] يُعدّ الانسداد السياسي في العراق خلال الفترة (2021–2022) الأطول في تاريخ العملية السياسية بعد انتخابات أكتوبر 2021؛ إذ استمر لأكثر من عام نتيجة الصراع المحتدم بين التيار الصدري والإطار التنسيقي. وانتهت الأزمة بتشكيل حكومة محمد شياع السوداني في أكتوبر 2022، عقب اقتحام أنصار التيار الصدري مبنى البرلمان، ومطالبتهم بحلّ المجلس وإنهاء الفساد.

المواضيع ذات الصلة