Insight Image

جرينلاند كمرآة لتآكل التحالفات والمعيارية القانونية في النظام الدولي المعاصر

18 يناير 2026

جرينلاند كمرآة لتآكل التحالفات والمعيارية القانونية في النظام الدولي المعاصر

18 يناير 2026

جرينلاند كمرآة لتآكل التحالفات والمعيارية القانونية في النظام الدولي المعاصر

في 15 يناير 2026، وفي سابقة عسكرية تُعدّ الأولى من نوعها، قررت فرنسا إرسال جنود ضمن دفعة عسكرية أوروبية إلى جرينلاند، تضامنًا مع سلطات هذا الإقليم والحكومة الدنماركية على حدّ سواء.[1] وفي هذا السياق، يمكن القول إن قضية جرينلاند  لم تعد مسألة جغرافية أو قانونية محصورة في إطار العلاقة التقليدية بين إقليم يتمتع بحكم ذاتي ودولة أُمّ، بل تحوّلت إلى حالة تحليلية كاشفة لاختلالات أعمق في بنية النظام الدولي المعاصر. فالتطورات المتلاحقة المرتبطة بالجزيرة، ولا سيما انتقال الخطاب الأمريكي من منطق التعاون الأمني داخل الإطار الأطلسي إلى خطاب السيطرة والملكية، تعكس تحوّلًا نوعيًا في طبيعة العلاقات بين الحلفاء أنفسهم، وتضع موضع تساؤل الأسس المعيارية التي حكمت النظام الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في هذا السياق، لا تُقرأ جرينلاند بوصفها هدفًا استراتيجيًا قائمًا بذاته، بل بوصفها مرآة تعكس تآكل التحالفات التقليدية، وتراجع مركزية القانون الدولي، وعودة منطق القوة في إدارة العلاقات الدولية حتى داخل المعسكر الواحد. فحين يصبح الضغط على حليف، أو التلويح بالسيطرة على إقليم تابع له، خيارًا مشروعًا في الخطاب السياسي، فإننا نكون أمام تحوّل بنيوي في قواعد النظام، لا أمام أزمة ظرفية قابلة للاحتواء.

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تحليلية بنيوية–نقدية للنظام الدولي، تفترض أن التحالفات والمعايير لم تعد تعمل بوصفها أطرًا قانونية محايدة، بل كترتيبات مشروطة بتوازنات القوة السائدة داخلها. وعليه، تُقرأ التحولات المرتبطة ب جرينلاند لا كأزمة جغرافية أو سيادية معزولة، بل كحالة كاشفة لتآكل المعيارية التحالفية، ولانزياح متزايد من منطق القواعد إلى منطق الإكراه داخل المعسكر الغربي نفسه.

ويأتي هذا التحليل في سياق أوسع يتسم بتحوّل معنى القوة في النظام الدولي المعاصر، حيث تتراجع الأطر المعيارية والوظيفية التي كانت تضبط ممارستها في كثير من الأحيان، لصالح ما يمكن وصفه بعودة «القوة المحضة» بوصفها غاية قائمة بذاتها. وفي هذا الإطار، لا تُقرأ الضغوط المرتبطة ب جرينلاند باعتبارها استثناءً جغرافيًا، بل كمظهر من مظاهر تحوّل أعمق في منطق ممارسة القوة داخل التحالفات نفسها، بعد انحسار الخطابات التبريرية التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة[2].

ومن هذا المنطلق، تكتسب الحالة ال جرينلاند ية قيمتها التحليلية بوصفها لحظة اختبار مزدوجة: اختبار لقدرة التحالفات القديمة على حماية أضعف حلقاتها، واختبار لمدى صمود المعيارية القانونية والمؤسساتية في مواجهة اختلالات القوة، في سياق دولي يتسم بتزايد السيولة الاستراتيجية وتراجع اليقين.

تهدف الدراسة، بالاعتماد على أهم الأدبيات الحديثة باللغة الفرنسية، إلى توضيح كيف تمثّل جرينلاند مرآةً كاشفة لتحوّلات النظام الدولي في طور التفكك المعياري، حيث تتداخل أزمة السيادة مع تراجع الأطر التحالفية والقانونية. وانطلاقًا من هذا المنظور، تنقسم الدراسة إلى خمسة محاور مترابطة تبدأ بتحليل هشاشة السيادة المركّبة ل جرينلاند وما يرافقها من تفكك في الحماية التحالفية، ثم تنتقل إلى تتبّع التحول الأمريكي من منطق التحالف إلى منطق الإكراه وما يحمله من دلالات بنيوية أوسع. وفي امتداد ذلك، تناقش الدراسة تآكل المعيارية القانونية وعودة الجغرافيا السياسية كمنطق حاكم للعلاقات الدولية، قبل أن تتناول الانتقال من التردد إلى الفعل في التحرك الفرنسي بوصفه اختبارًا عمليًا لمرحلة ما بعد–المعيارية. وتُختتم الدراسة باستشراف سيناريوهات المستقبل، حيث تُطرح جرينلاند كنقطة انعطاف محتملة في مصير التحالفات الغربية.

1. هشاشة السيادة المركّبة وتفكك الحماية التحالفية

تتمتع جرينلاند  بوضع قانوني خاص يقوم على حكم ذاتي موسّع ضمن مملكة الدنمارك، مع احتفاظ كوبنهاغن بالاختصاصات السيادية الجوهرية، ولا سيما في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية. ويفترض هذا الترتيب، من حيث المبدأ، أن يوفّر حماية قانونية وسياسية للإقليم، وأن يضعه ضمن مظلة سيادية تحصنه من أي ضغوط خارجية، سواء من خصوم محتملين أو من شركاء دوليين[3].

غير أن التطورات الأخيرة تكشف حدود هذا النموذج حين تتآكل الضمانات التحالفية. فالهشاشة لا تنبع من ضعف الإطار القانوني ذاته، بل من فقدانه القدرة الردعية عندما يكون مصدر الضغط هو القوة المهيمنة داخل التحالف نفسه. إذ تُظهر الحالة الجرينلاندية أن السيادة المركّبة، حين لا تكون مسنودة بإرادة تحالفية جماعية صلبة، تتحول من آلية حماية إلى نقطة ضعف قابلة لإعادة التفسير القسري وفق منطق القوة.[4]

وهنا تتجلى مفارقة مركزية في النظام الدولي المعاصر: السيادة التي تصمد في مواجهة الخصوم الخارجيين قد تتآكل أمام الحلفاء حين تختل موازين القوة داخل التحالف. فالقانون الدولي لا يفقد وجوده، لكنه يفقد فعاليته حين ينفصل عن القدرة الجماعية على إنفاذه. وتحوّل جرينلاند  من إقليم محمي بالتحالف إلى مساحة ضغط داخله يجسّد هذا التآكل بوضوح.[5]

إن ما تكشفه هذه الحالة هو أن الحماية التحالفية لم تعد تلقائية، بل باتت مشروطة بتوازنات القوة الداخلية. فحين تتراجع الإرادة الجماعية للتحالف، يصبح الإطار القانوني ذاته عاجزًا عن أداء وظيفته الردعية، وتغدو السيادة مفهومًا هشًا، قابلًا للتأويل والضغط، لا ضمانة صلبة كما كان يُفترض.

2. من منطق التحالف إلى منطق الإكراه: التحول الأمريكي ودلالاته البنيوية

يُظهر الخطاب الأمريكي تجاه جرينلاند قطيعة واضحة مع منطق التحالف الأطلسي التقليدي القائم على الثقة المتبادلة واحترام السيادة بين الحلفاء. فالانتقال من اتفاقيات دفاعية قائمة ومرنة إلى المطالبة بالملكية الكاملة، بل والتلويح بإمكانية التضحية بحلف شمال الأطلسي، يعكس تحوّلًا عميقًا في تصور التحالفات من كونها شراكات استراتيجية طويلة الأمد إلى علاقات قوة قابلة لإعادة التفاوض القسري.

في هذا الإطار، لا تُفهم جرينلاند كغاية نهائية بحد ذاتها، بل كوسيلة لاختبار حدود الاعتراض الأوروبي، وقدرة التحالف على فرض قيود داخلية على القوة المهيمنة. فالسؤال الضمني الذي تطرحه الأزمة ليس متعلقًا بأهمية الجزيرة في حد ذاتها، بل بمدى استعداد الحلفاء لقبول إعادة تعريف قواعد العلاقة داخل التحالف وفق ميزان القوة لا وفق الالتزامات المعيارية.

وتكشف هذه الدينامية أن التحالفات القديمة لم تعد تقوم على افتراض الالتزام الجماعي غير المشروط، بل باتت خاضعة لمنطق إعادة التفاوض المستمر. ففي ظل هذا المنطق، تتراجع فكرة التضامن لصالح علاقات غير متكافئة، وتتحول القوة من أداة ردع خارجي إلى وسيلة ضغط داخلي. وهكذا تصبح جرينلاند ساحة اختبار لتحوّل التحالف من إطار تضامني إلى بنية مشروطة بالقوة.

إن هذا التحول لا يقتصر على حالة بعينها، بل يعكس مسارًا أوسع في النظام الدولي، حيث تتآكل الحدود الفاصلة بين الحليف والخصم، ويُعاد تعريف الالتزامات وفق منطق المصلحة الآنية، لا وفق قواعد مستقرة. و جرينلاند، في هذا السياق، ليست سوى الحلقة الأضعف التي تكشف هذا التحول بوضوح.

3. تآكل المعيارية القانونية وعودة الجغرافيا كمنطق حاكم

تؤكد المعطيات أن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا نفوذًا عسكريًا بنيويًا في جرينلاند ، عبر القاعدة العسكرية القائمة ومنظومات الإنذار المبكر، إضافة إلى أطر قانونية تتيح تعزيز الوجود العسكري دون أي مساس بالسيادة. ومن ثم، فإن توظيف الحجة الأمنية لتبرير مطلب “الملكية” لا يستند إلى ضرورة دفاعية حقيقية، بل يكشف تراجعًا واضحًا للمعيارية القانونية لصالح منطق السيطرة.[6]

في هذا السياق، لا يختفي القانون الدولي، لكنه يُفرَّغ من قدرته الإلزامية. إذ يتحول إلى أداة انتقائية تُستدعى حين تخدم المصلحة، وتُهمّش حين تعيقها. و جرينلاند هنا ليست حالة استثنائية، بل نموذجًا لما يمكن أن تتعرض له أقاليم أخرى داخل تحالفات قائمة حين تتراجع المعايير أمام اختلالات القوة.

ويتقاطع هذا المسار مع إعادة فتح الجغرافيا القطبية بفعل التغير المناخي، حيث تعود الجغرافيا لتفرض نفسها كعامل حاسم في الحسابات الاستراتيجية. غير أن خطورة هذا التحول لا تكمن في الموارد أو الممرات البحرية بحد ذاتها، بل في كشفه هشاشة التفاهمات القديمة التي قامت عليها التحالفات الغربية. فمع عودة الجغرافيا، تتراجع الاعتبارات المعيارية، ويحل محلها منطق “التأمين الاستباقي” حتى على حساب الحلفاء.

وهكذا، تصبح الجغرافيا أداة لإعادة ترتيب العلاقات داخل التحالف نفسه، لا مجرد ساحة تنافس خارجي. وتتحول  جرينلاند  إلى مثال صارخ على هذا التحول، حيث يُعاد تعريف موقعها ووظيفتها خارج القواعد التي صاغها التحالف تاريخيًا.

تراجع القانون الدولي • عودة الجغرافيا السياسية

4. من التردد إلى الفعل: التحرك الفرنسي واختبار ما بعد–المعيارية

في هذا السياق المتآكل، يشكّل القرار الفرنسي بإرسال قوات عسكرية إلى  جرينلاند  منعطفًا بالغ الدلالة. فقد كسرت فرنسا الخطّ الأوروبي المتردّد، وانتقلت بالأزمة من مستوى الخطاب والتحليل إلى مستوى الفعل داخل التحالف الغربي. ولا يمكن فهم هذا التحرك بوصفه خطوة عسكرية رمزية فحسب، بل كإشارة سياسية تهدف إلى إعادة إدخال عنصر الردع في معادلة باتت تميل بوضوح لصالح الإكراه[7].

تكمن أهمية التحرك الفرنسي في أنه لا يغيّر موازين القوة العسكرية في الجزيرة بقدر ما يعيد تعريف موازين الكلفة السياسية. فهو يرفع ثمن فرض الأمر الواقع، ويؤكد أن اللاحركة لم تعد موقفًا حياديًا، بل عاملًا يسرّع تآكل السيادة والمعايير. كما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الدفاع عن المعيارية داخل التحالف قد يتطلب الانتقال من الخطاب القانوني إلى الفعل السياسي–العسكري.

وبذلك، تمثّل الخطوة الفرنسية لحظة اختبار لما يمكن تسميته “ما بعد–المعيارية”، حيث لا تعود القواعد وحدها كافية لضبط السلوك، بل يصبح فرض الكلفة شرطًا لإعادة الاعتبار لها. وهنا تتحول  جرينلاند  من إقليم يبحث عن حماية التحالف إلى مرآة تعكس تحوّل التحالف نفسه، من منظومة قائمة على القواعد إلى بنية مشروطة بالفعل والردع.

5. سيناريوهات المستقبل: جرينلاند  كنقطة انعطاف في مصير التحالفات الغربية

لا تطرح الحالة ال جرينلاند ية سؤالًا آنيًا حول مصير جزيرة في القطب الشمالي بقدر ما تفتح أفقًا استشرافيًا حول مستقبل التحالفات الغربية ذاتها. فمن خلال تطور الخطاب الأمريكي، والتردد الأوروبي، ثم التحرك الفرنسي، تتبلور ثلاثة سيناريوهات مستقبلية ممكنة، ليست متعارضة بقدر ما هي مسارات محتملة نابعة من المنطق نفسه الذي كشفته الأزمة.[8]

السيناريو الأول: تكريس التآكل عبر اللاحركة المعيارية

يفترض هذا السيناريو استمرار التردد الأوروبي، أو الاكتفاء بردود فعل خطابية وقانونية لا تُترجم إلى أفعال ردعية. وفي هذه الحالة، تتحول  جرينلاند  إلى سابقة خطيرة تُظهر أن السيادة داخل التحالف الغربي باتت نسبية، وأن الحماية التحالفية لم تعد مضمونة حين يكون مصدر التهديد داخليًا. ويؤدي هذا المسار إلى تطبيع منطق الإكراه داخل التحالف، وإلى إفراغ القانون الدولي من وظيفته الردعية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات طويلة الأمد على ثقة الأعضاء الأضعف في أي إطار تحالفي مستقبلي.[9]

السيناريو الثاني: تثبيت الردع الوقائي وإعادة التوازن داخل التحالف

يقوم هذا السيناريو على تعميم منطق التحرك الفرنسي وتحويله من استثناء إلى قاعدة سياسية داخل أوروبا. فبدل الاكتفاء بالاحتجاج القانوني، يجري رفع كلفة الإكراه عبر حضور ميداني رمزي لكنه ذي دلالة سياسية واضحة. ولا يفترض هذا المسار مواجهة مباشرة أو قطيعة مع الولايات المتحدة، بل يهدف إلى إعادة إدخال عامل الردع داخل العلاقة التحالفية نفسها، بما يحدّ من منطق فرض الأمر الواقع. وفي هذا الإطار، تصبح  جرينلاند  نقطة انطلاق لإعادة تعريف “التحالف” بوصفه علاقة مشروطة باحترام متبادل للسيادة، لا بمجرد اختلال القوة.[10]

السيناريو الثالث: الانتقال إلى مرحلة ما بعد–التحالف المعياري

أما السيناريو الثالث، فينطلق من فرضية أعمق مفادها أن التحالفات الغربية، بصيغتها المعيارية التقليدية، قد تكون دخلت مرحلة الأفول البنيوي. وفي هذا المسار، لا تعود الأزمة ال جرينلاند ية قابلة للاحتواء داخل الأطر القائمة، بل تتحول إلى لحظة قطيعة تُسرّع إعادة تشكل النظام الغربي نفسه. هنا، تصبح  جرينلاند  مختبرًا مبكرًا لنظام تحالفات جديد، يقوم على التوازنات الظرفية، والردع المتبادل، لا على الالتزامات القيمية المستقرة.

ولا تمثل هذه السيناريوهات اختيارات سياسية صرفة، بل مسارات تاريخية محتملة، يتحدد ترجيح أحدها بمدى قدرة الفاعلين الأوروبيين على الانتقال من الدفاع الخطابي عن المعايير إلى الدفاع العملي عنها.[11]

خاتمة

تُظهر الحالة ال جرينلاند ية، كما بيّنت هذه الدراسة ، أن ما يتعرّض للتآكل في النظام الدولي المعاصر لا يقتصر على ترتيبات سيادية موضعية، بل يمتد إلى البنية المعيارية التي قامت عليها التحالفات الغربية منذ منتصف القرن العشرين. فالأزمة لم تكشف فقط هشاشة سيادة إقليم يتمتع بحماية تحالفية، بل عرّت حدود منطق التحالف نفسه حين يصبح غير قادر على تقييد القوة المهيمنة أو فرض احترام القواعد المشتركة داخله.

لقد أظهرت الدراسة أن القانون الدولي، والالتزامات التحالفية، لا يفقدان وجودهما الشكلي بقدر ما يفقدان قدرتهما الإلزامية عندما ينفصلان عن إرادة جماعية مستعدة لتحمّل كلفة إنفاذهما. وفي هذا السياق، لا تعود الجغرافيا القطبية مجرد مسرح تنافس خارجي، بل تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب العلاقات داخل المعسكر الواحد، حيث يُعاد تعريف المواقع والأدوار وفق ميزان القوة لا وفق منطق القاعدة.

ويأتي التحرك الفرنسي بإرسال قوات عسكرية إلى  جرينلاند  بوصفه محاولة لكسر هذا المسار الانحداري، من خلال الانتقال من الدفاع الخطابي عن المعايير إلى إدخال عنصر الردع العملي داخل التحالف نفسه. غير أن دلالة هذا التحرك لا تكمن في أثره العسكري المباشر، بل في ما يحمله من إشارة سياسية مفادها أن اللاحركة لم تعد موقفًا حياديًا، وأن استعادة المعيارية قد تتطلب أفعالًا ترفع كلفة الإكراه، لا الاكتفاء بالاحتجاج القانوني عليه.

وفي هذا الإطار، لا تكتسب  جرينلاند  أهميتها بوصفها حالة جغرافية استثنائية، بل لأنها تكشف نمطًا قابلًا للتعميم في النظام الدولي الراهن، حيث تتحوّل الأقاليم الطرفية داخل التحالفات نفسها إلى ساحات اختبار لتوازنات القوة، كلما تراجعت القدرة الجماعية على إنفاذ القواعد والمعايير المشتركة. فالحالة ال جرينلاند ية ليست انحرافًا عابرًا، بل مؤشرًا بنيويًا على مسار أوسع يعاد فيه تشكيل العلاقة بين السيادة والتحالف والشرعية.

وتكشف هذه الحالة كذلك عن تلاقٍ بين تآكل المعيارية التحالفية وعودة ممارسة القوة في صورتها الأكثر مباشرة، حيث لم تعد القوة تُبرَّر بوصفها وسيلة لتحقيق غاية سياسية أو قيمية، بل تُمارَس بوصفها تعبيرًا عن الهيمنة ذاتها. وهو ما يضع الأزمة ال جرينلاند ية ضمن مسار أوسع يتسم بمفارقة تاريخية لافتة: تضخّم أدوات القوة، مقابل تراجع قدرتها على إنتاج استقرار أو شرعية دائمة.[12]

وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة يتجاوز الجزيرة ذاتها، ليطال مستقبل النظام الدولي برمّته: هل ما زالت التحالفات قادرة على أداء وظيفتها المعيارية في كبح القوة وحماية الأضعف داخلها، أم أننا دخلنا مرحلة يُعاد فيها تأسيس الشرعية الدولية على أساس الفعل والقدرة، لا على أساس القانون والالتزام التحالفي؟


[1] فرنسا ترسل قوات إلى غرينلاند في مهمة عسكرية أوروبية غير مسبوقة دعما للدانمارك ومواجهة أطماع ترامب، فرنسا 24، 15/01/2026، urlr.me/jYd7Pc

[2] RFI, Géopolitique, Dans quel monde sommes-nous ?, https://www.rfi.fr/fr/podcasts/g%C3%A9opolitique/20260111-dans-quel-monde-sommes-nous, 11/01/2026

[3] Agreement between the UNITED STATES OF AMERICA and DENMARK, Amending and Supplementing the

Agreement of April 27, 1951, Signed at Igaliku August 6, 2004,  https://www.state.gov/wp-content/uploads/2019/02/04-806-Denmark-Defense.done_.pdf

[4] Emmanuel Hache, Candice Roche, Louis-Marie Malbec, Vincent d’Herbemont, DONALD TRUMP ET LE GROENLAND : UNE AMBITION GÉOPOLITIQUE AU-DELÀ DES RESSOURCES, Janvier 2025,  https://www.iris-france.org/wp-content/uploads/2025/01/ObsEtatsUnis_2025_01_20_Groenland_Note_FR.pdf

[5] Emmanuel Hache, Candice Roche, (2024), « Métaux de la transition : limites planétaires,

dépendances géopolitiques », Revue Raison Présente.

[6] Pascal Boniface, Le Groenland : nouvel Eldorado ? | Expliquez-moi…,

https://www.iris-france.org/expliquez-moi-le-groenland-nouvel-eldorado/

[7] فرنسا ترسل قوات إلى غرينلاند في مهمة عسكرية أوروبية غير مسبوقة دعما للدانمارك ومواجهة أطماع ترامب، فرنسا 24، 15/01/2026، urlr.me/jYd7Pc

[8]Adrien Abécassis, Groenland : trois scénarios pour l’Europe face à un allié prédateur, Institut Jacques Delors, 15/01/26,  https://institutdelors.eu/publications/groenland-trois-scenarios-pour-leurope-face-a-un-allie-predateur/

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق.

[11] المرجع السابق.

[12] RFI, Géopolitique, Dans quel monde sommes-nous ?, https://www.rfi.fr/fr/podcasts/g%C3%A9opolitique/20260111-dans-quel-monde-sommes-nous, 11/01/2026

المواضيع ذات الصلة